صدى النهضة السورية القومية الاجتماعية                      www.ssnps.jeeran.com
 

من الذاكرة السورية ..... لبنان ( 1 / 5 )

 
عبدالله الأحمد
 

السادة " كلنا شركاء" ... تحية قلبية
اقوم الان بالاعداد لنشر كتاب دفاتر البعث الذي هو مجموعة مسودات تركها الوالد رحمه الله و لم يكملها لانها بلا نهاية اقوم الان بالاعداد لنشرها كاملة لانها بما تحتوي ملك للمجتمع و لاني رأيت ان الحدث اللبناني ذو خصوصية تحتاج لمتابعها ادراك الماضي قريبه و بعيده اجدني اخص نشرة (كلنا شركاء) باول ظهور للجزء المتعلق بلبنان و هو دفتر لبنان .
ارجو من الله ان يوفقني لنشر هذا الكتاب و هو يشبه المذكرات الشخصية الى حد بعيد مع ان صاحبه الراحل كان يصر على انه لا يكتب من خلاله مذكراته هو و يترك للقارئ وحده ان يكتشف انها جزء من مذكرات زمن سوري هام مضى و لازال مستمرا
د.محمد عبدالله الاحمد
( كلنا شركاء ) : ستقوم بنشر ( دفتر لبنان ) على خمس حلقات نبدأها اليوم بالحلقة الأولى ونتابع باقي الحلقات في الأيام التالية مع الأمل أن يتم حوار من قبل السادة القراء حول الكثير من النقاط المثارة

مقالات أخرى للكاتب
من الذاكرة السورية ... لبنان  5
من الذاكرة السورية ... لبنان  4 
من الذاكرة السورية ... لبنان3

من الذاكرة السورية ... لبنان 2

من الذاكرة السورية ... لبنان 1

أصعب ما في دفتر لبنان من دفاتر البعث (التي أود دائما توكيد لا نهائيتها) وأنها مسودات أفكار بعثية، أصعب ما فيها أن أكتبها أخذاً في الاعتبار القول الدائم الترداد للرئيس الأسد: أننا في لبنان نقف على مسافة واحدة من الجميع، إن فهمها كفكرة يسهل اكثر عندما نستخدم هندسة المثلثات فنقول إن موقفنا من أي طرف يتشكل في ضوء موقفه من إسرائيل. هكذا تدور ماكينة السياسة السورية على مدى ربع قرن، ولنقل أنها تجلت منذ تحويل الجبل اللبناني إلى دولة بنجاحات قليلة وفشل متتابع عبر حكومات وأحقاب سياسية متفاوتة حتى مجيء الرئيس حافظ الأسد إلى السلطة.

لقد تعرفت على لبنان كما أسلفت مسافراً لجلب صفائح ألمنيوم لطائرتي قيد التصنيع في تموز1960 ثم تواترت زياراتي بعد عام 1968 لشراء مستلزمات معدنية لصناعات إبداعية غايتها إعادة نسخ السلاح الروسي (للصاعقة) و(العاصفة) وكذلك تطوير مستلزمات قتالية طرحتها علي وعلى غيري طبيعة العمل الفدائي، وجددت مسرح التحدي للعدو وتوسيعه حتى محاولات الطيران الشراعي بواسطة طائرات (الدلتا) التي بدأتها مع العقيد صالح الحكيم ربيع عام 1978، وتفتقت بأشكال أخرى على يد الدكتور مروان لوستان، ثم تفوقت هذه المحاولات في قمة الفعل الجهادي الأبهى والأخطر على أرواح جنود العدو على يد الشهيد خالد الأكر وعلى مدى تاريخ الطيران العربي المقاتل حيث لم يرق لمثل هذه العملية فعل الطيران الحديث والجبار، في تقنياته، والذي بذلنا عليه مالاً وعمرا لينافس العدو دون جدوى!!! ولكن خالد الأكر تفوق على الجميع.

بدأت التعرف على لبنان (القيادات) عبر فيضها الأول نحو سورية مهنئة الرئيس الفريق حافظ الأسد بإنتخابه رئيساً للجمهورية آذار 1971، ولكوننا قيادته الدائمة التكليف بالاحتفاء بالقادمين، بدأت أعرف وجهاً لوجه من كنت أسمع عنه أو أسمعه خطيباً من بعيد، وإن كان هذا آخر ما يهم القارئ، وهو محشي ببطون جميع كتب الذكريات اللبنانية فإن يوم اغتيال الشهداء كمال ناصر، ويوسف النجار، وكمال عدوان، كان ذلك اليوم محطة أخرى في حياتي فلقد كنت في وفد التعزية وحضور المسيرة والصلاة في الجامع العمري ببيروت وكعادتي تركت الوفد السوري المتكاتف الأيدي مع وجهاء العمل الوطني أمثال الشهداء كمال جنبلاط ورشيد كرامي والإمام موسى الصدر، وأخذت طريقي على محاذاة المظاهرة أتفقد محتوياتها التنظيمية وشعاراتها المرفوعة وهتافاتها المسموعة من مسافة الكيلومترات البعيدة، تؤكد ذاتها، وعلى مدى ساعتين من التجوال خرجت بانطباعات لم أكتمها في جلسة القيادة مساء اليوم التالي، والتي تلت عودتنا من بيروت، فلقد تحدثت عن المستقبل اعتباراً مما رأيت، وإتعاظاً به، فتعجبت لضآلة حجم حزبنا في المجموع العام وهو لم يكن! كذلك منذ آخر حشد جماهيري خطير في عظمته عندما شيعنا رفيقنا الأخضر العربي وهو ضئيل أيضاً حتى لو جمعنا (الاوس والخزرج) معاً من اللبنانيين البعثيين، أكانت قبلتهم دمشق أم بغداد، ولربما كان هذا سبباً لضآلتهم لكنه ليس مقبولاً.

وكان الأخطر غياب الجمهور الكتائبي غياباً فاقعاً وقليل الذكاء واضح السعي والتحفز للمستقبل، وكان فرحي مكتوماً حتى أبديته في القيادة علناً وهو أن الحزب الذي تمنيت أن أسير بمقدمته، وأن يكون هو حزبنا تلك اللحظة، هو الحزب السوري القومي، فلقد كانت صفوفه منتظمة وعلى مسافة جاوزت الأربع كيلومترات لا يمكن التفريق فيها بين أعضاء الحزب وبين المحازبين، بل أقنعت نفسي قسراً أنهم كلهم أعضاء في الحزب وكان هتافهم قادم من سيارة بمضخم للصوت رافقني صداه حتى تخطيت صفوفهم وهو "بلادي… بلادي" لسيد درويش. لم ألحظ أحداً يركب أكتاف آخر من رفاقه البقية ولا موقف تنظيمي يتحمل الارتجال أبداً، ولمرتين لاحظت أن من اثنين أو ثلاثة حاولوا إجتياز صفوفهم من رصيف إلى رصيف فكانت النقطة التي يودون إختراقها تتولاهم إرجاعاً وحتى حملاً وإعادة للرصيف الذي قدموا منه، وهذا ما مارسته رفيقتان وليس رفيقان حاول "أحدهم" المرور عندهن ودون إهتزاز الصفوف، فقمن بقمعه بمودة ولطف.

وفيما عدا الرفيق حافظ الأسد! فقد استنكر بعض رفاقي هكذا استنتاج مستعجل ولكنني عدت فلفلفت الفكرة باعتباري دائم العناية بالمسيرات وأصولها التنظيمية وخاصة بعد تكسير أضلاعي في الأول من أيار 1966 عندما ألقيت بنفسي على حشد من "الرفاق" الناصريين كانوا يهتفون ضدنا مباشرة ولم ينقذني من تحطيمهم لي سوى الرفيق محمود حديد الذي امتشق عصا إحدى اللافتات وأدارها فيهم لإنقاذي وكان رهاني رهان فرد واحد ضد مئتين على الأقل، رهان عاطفي أبعد ما يكون عن كلمة (رهان) ولم تكن لفلفتي للفكرة في القيادة موفقة إلا عندما قلت أن الوقوف على الأكتاف يليق فقط بالرفاق الحمويين شموخاً في الوقوف وفي إلقاء الهتافات! أما ركوب الأكتاف فعيب تنظيمي لانفعله في حمص ولا في حماه حيث عمر السحار سيد المظاهرات.
دعوني أعترف بأن كل ما قرأته وسمعته عن السوريين القوميين مدحاً أو وعن أي لسان جاء، شكّل في ذهني صورة بالغة الإيجابية لهذا الثروة الوطنية التي خضعت لمؤامرة المنازلة ضد حزب البعث منذ استشهاد العقيد عدنان المالكي وتبين فيما بعدها أن صفوف الأحزاب العربية مليئة بالقيادات التي فقست في مفرخة الشيطان، وأن العداء القاعدي سهل الترسيخ، صعب الإزالة إلى درجة محزنة، عندما تمارسها القيادات على قواعدها.

وأنتقل مع القارئ إلى لقطة مستعجلة تكمل هذه الصورة، فلقد أرسلت سائقي ومرافقي إلى عمّان لإحضار الرفيق عصام المحايري، بعد مفاوضات لحضوره إلى دمشق، وكان توجيه الرئيس لي أن يحضر بإسم أخر وأن يلقاه نفس اليوم مساءً، وسوف يتم تصوير الخبر تلفزيونياً فإن اتفقنا نعلن وجوده، وإلا فمطلوب مني أن أعيده لعمّان، وجرى التنفيذ بدقة وكان "اتفاقاً" عرفته عبر نشرة الأخبار الأخيرة، إذ أذيعت المقابلة كخبر وبالاسم. لكن بعد ربع ساعة اتصلت معي زوجة الرفيق "توفيق العائدي" الذي أرسلته لجلبه من عمّان لتقول لي أنه ينزف دماً من معدته لأنه عرف أنه كان بصحبة عصام المحايري… والذي يحقد عليه حتى القتل دون أن يعرفه شخصياً. ولقد شرحت ذلك للرفيق شوقي خير الله، وهو وسيط بيننا فهم قد تعرضوا لنفس التثقيف، فلم يندهش!..

المهم أن دولاب الحياة الصراعية في لبنان لم يتوقف وأنا استخدم هذا التعبير لأني بإخلاص أريد للقارئ أن يعرف بأني شخصياً لم أكن أتوقع أن التسلل الصهيوني في الجسم اللبناني بهذا العمق وبهذا الشمول والقدرة على الخطاب التآمري ولقد عرفت ضآلة معلوماتي ومحدوديتها عبر وثيقتين الأولى من بين كمية كبيرة من الوثائق التي أرسلها إلى الشهيد كمال جنبلاط للاطلاع وفيها البداية الأولى للاتصال المباشر بين إسرائيل والمحامي موسى برنس والثانية تأملاتي في مذكرات يوسف سلامة حول انهيار بنك "أنترا" والذي يدل بوضوح على دور الماسونية "الوطنية" في الانصياع الخطير لمصلحة إسرائيل عند المنعطفات الخطرة في حياة الشعوب. لقد دفع شعب لبنان أغلى ثمن دفعه شعب في العالم (دون أن يفنى)، وهذا الثمن كان على مذبح الماسونية اللبنانية الوطيدة الصلة بمثيلتها اليهودية عبر المثلث بيروت – نيويورك – تل أبيب. على مدى أربعين عاماً حتى صار الاتصال بيروت – تل أبيب ثنائيا سالكاً وممكناً برعاية ماسونية نيويورك علناً. إنه تحطيم معاصر للحلم العربي الجديد بأن يكون الدين لله والوطن للجميع، يتم ماسونياً بطريقة أكثر معاصرة وشراسة مما جرى ! في الأستانة منذ مطلع هذا القرن حيث حطمت الماسونية العالمية دولة آل عثمان على يد كمال أتاتورك، بعد أن فشلت في السيطرة على السلطان عبد الحميد (رحمه الله)، وسأتوصل لاحقاً إلى أن تحطيم بلاد السوفيات على يد غورباتشوف بعد أن نعرف لماذا فشلت بتحطيم لبنان رغم تكسير أخر ضلع فيه، فعل ماسوني هو الأخطر في تاريخ البشرية المعاصرة.

أعتذر من القارئ جداً لابتعادي عن تجربتي فهي ليست دائماً عين اليقين، أنني استشهد بتجربتي ومعايشتي ومقارناتي وأقبل بكل تعديل لأنني أكتب مسودات وإن ذهبت إلى المطابع، وكذا جميع الكتب وحتى النظريات فهي مسودات تنتظر التصحيح.
أعود للقول أنه منذ انتخاب الرئيس حافظ الأسد رئيساً للجمهورية والى اليوم لم ينقطع تدفق الزعامات اللبنانية علناً نحو سورية ولقد مر ذلك التدفق بمراحل مختلفة عن تلك التي بدأت منذ تأسيس لبنان الدولة.

لقد كانت المرحلة الأولى مرحلة تأكد من شعارات الحركة التصحيحية والتي أختصرها ودائماً بقولي: "أنا وأخي وأبن عمي على الغريب" وكيف سوف ينعكس ذلك في ساحة لبنان بتضمير (المؤتمرات) الدولية ثم الإقليمية ذات الجذور فيه لصالح تضخيم (المؤتمر) السوري وشعاراته وبرنامجه التطبيقي كما لو أنه بشارة يحبها اللبنانيون ولكنهم لا يعرفون عما ستتمخض، وكيف سيتعاملون معها خصوصاً وأن كل جهة أو زعيم تريد حصة المستفيد الأول وهذا تسابق مشروع لم يبتعد عنه سوى شاطئين على الأرجح، وهما شاطئ العراق من البعث (وشاطئ القيادة السابقة) وفي دمشق. ولقد كان القلق المتواتر من زيادة حجم الثورة الفلسطينية ببيروت بعد مغادرة عمّان وتتابع زيادة نفوذها في ما يسمى الشارع المسلم، والتوتر التصعيدي من قبل العدو الإسرائيلي ضد الفدائيين خاصة بعد إتفاق القاهرة برعاية الرئيس الراحل جمال عبد الناصر والذي أعطى الفلسطينيين حقوقاً سياسية ضمن المخيمات ولم يقيد حركتهم ضد العدو بنص مباشر ومكتوب لأول مرة.
إذن فلبنان (مجموعة بشرية) غير متعاقدة على شكل نهائي للوطن وتتابع بقلق ما يمكن أن يحدث للوطن، فإذا كان حده الأدنى تكرار الصورة الأردنية التي أخرجت فصائل الثورة من عمّان ثم من الأردن كله، عبر الضرب المباشر من إسرائيل للجيش الأردني لجعل السلطات تلجم وتشكم المقاومة وتؤدبها وتؤطرها ضمن الدولة فمعظم عناصر (هذا الفعل) غير متوفرة في لبنان سوى عنصر واحد هو قيام إسرائيل بتأديب السلطة برسائل علنية واضحة بدأت بقتل القيادات الفلسطينية ولم تنته بتفجير الطائرات المدنية اللبنانية على أرض المطار. إنها مرحلة القلق والتوتر وكذلك التهيؤ (تحت الأرض) لمستقبل بالغ السواد. ولم تقصر الصحافة في استخدام حبر الحرية (المميز) منذ نصف قرن في التحضير للأيام السوداء وللمنخفض الجوي الردئء القادم.
ولقد كانت رحلة صيد (نصف مقررة) لرئيس الوزراء صائب سلام حيث إعادة طائرته من سماء مطار حلب كافية لتوصيل رسالة له بأن مصدر التشاور في القرارات الهامة والمفصلية عنوانه دمشق. وكان كاريكاتور بيار صادق في "النهار" تحت عنوان (صائب صائد سلام طائر). "رسالة لجميع القوى السياسية اللبنانية بضروؤة العودة إلى دمشق".
واستقال الرجل بسرعة واضحة وأراد هو والرئيس سليمان فرنجية شق جبهة العمل الوطني "الشمالية" بتكليف الدكتور أمين الحافظ بتشكيل الحكومة وسعى الحافظ جهده لفعل ذلك ولكنه اصطدم برأي دمشق القائل له (لا، لا تسمح لأحد أن يلعب عليك لأننا لن نسمح لأحد أن يلعب علينا).
فحمل اسم (دولة الرئيس) فقط ولم يتابع التشكيل وذلك ما أعاد للرئيس "كرامي" ثقته بنفسه وبدمشق ثم كانت حرب تشرين مصدر ذهول قياديي لبناني ومصدر فرح جماهيري لبناني اخترق الطوائف واخذ حصته منها جميعاً، إلا الشبكة الماسونية المتماسكة في ومن كل الفئات والطوائف بغض النظر عن نسبتها من طائفة لأخرى. " والتي أجاد الدكتور فواز طرابلسي عندما سماها حزب المستوردين".
حادثة واحدة سبقت حرب تشرين يجب علي أن اسردها للقارئ. سبقت حرب تشرين بقليل وهي وفاة شقيق الرئيس حافظ الأسد جعلت القيادة والدولة تنتقل لأول مرة إلى القرداحة لبضعة أيام. كنا نسير في جنازة المرحوم "أبو أنور" سيراً وئيداً جداً وسط زحام بالغ وكنت متكاتف مع الراحل سماحة الإمام موسى الصدر عندما سمعت من الصف التالي ورائي صوت المقدم محمد الخولي على اللاسلكي يخاطب أحدهم بهمس مسموع استنتجت منه كلمات متفرقة تمكنت من ربطها ببعضها وهي حوامات، إذن هبوط، غداء، فرنجية، ثلاث حوامات، 10 دقائق، وتقدم الخولي ليهمس بإذن الرئيس ما توقعته تماماً.
لقد تفوقت نخوة سليمان فرنجية على موقفه السياسي فأرسل طائرات حوامة تحمل غذاءً لبنانياً للمعزّين فهمست للإمام موسى قائلاً: "لقد فعلها فرنجية" فسأل ماذا فعل؟ فقلت له لقد أصبح (من بيت الأسد) قلت ذلك بمعنى من المعاني ووافقني على ذلك فوراً. ما حدث حولنا كان صحيحاً، وبعد ربع ساعة كان المشهد المهتوف به مؤكداً، فلقد حطت بضع حوامات تحمل مطبوخاً "زغرتاوياً" رئاسياً من بيت فرنجية لبيت الأسد وهو رسالة توأمة إنسانية لها علاقة بالتاريخ الشخصي للرئيس فرنجية وعائلته وبالجغرافية الأزلية والكافيتين للتأكيد بحميمية المستقبل إذ كان الرجل فعلاً خارج الشبكة الماسونية المتربصة بلبنان وبنا، لصالح إسرائيل.

وجاءت أيام الحرب وكان لبنان الجماهير والفعاليات جزءاً لا يتجزأ من سورية فلا حدود ولا قيود ولا حواجز ولا سؤال أو جواب على الحدود، بل أستطيع الزعم بأن وسائط النقل التي بذلنا جهداً مخفياً لتعبئتها بعد مرور يوم واحد على الحرب أو بدءاً من صباح الثامن من تشرين كانت تلك الوسائط والمشافي وكل المرافق الحيوية اللبنانية معبأة تلقائياً وبدون أدنى توجيه حكومي. وكما كان الطيار الساقط جواً كأسير مسؤولية جماهيرية في سورية كان كذلك في لبنان وكان الطيار السوري القائد لطائرته في الاشتباك يعود فوراً لقاعدته عبر الناس وعبر الجيش اللبناني.

ولقد حدث لي بعد عشرة أيام من الحرب وتصادف أن كنت بمدينة طرطوس أن تورمت قدماي وتسلختا بين الأصابع مع حكة شديدة حتى الإدماء بين الأصابع، حدث أن اقترح علي الرفيق أحمد عيسى أن أتحرك لبيروت لمقابلة طبيب جلدية معرفة شقيق زوجته ففعلت وتوجهنا لبيروت كما لو كنا أيام الإمبراطورية العثمانية التي يترحم عليها خالد العظم في مذكراته آسفاً لوجود الحدود! ودخلنا عيادة الدكتور مارون أبي راشد الذي شعرت بحرج شديد أمامه وأنا أخلع جوارب ملتصقة بجلد مدمى ورائحتها غير لطيفة، فبادرني بإلحاح يطلب فيه أن يحتفظ بهذه الجوارب كذكرى (من محارب شقيق) سماها بالفرنسية (كادو) شارحاً عمق مشاعره لأول مرة كعربي مرفوع الرأس، وأنه لأول مرة في حياته يحس بالانتماء لأمة تستحق عروبتها، وما من مرة لقيته بعدها إلا وأكد لي احتفاظه بالجوارب، إلى أن هجّرته الحرب الأهلية إلى سوريا.

هذه عينة للذكرى من عشرات آلاف العينات والذكريات عند غيري ولكن اشدها وضوحاً أثناء الحرب وعلى مدار الليل والنهار كانت سيارات نقل الوقود من لبنان إلى سورية والتي جعلتنا لا نمس احتياطنا القتالي طيلة الأيام السبعة عشر من المعارك، ولقد صعدت الحالة ال! جماهيرية اللبنانية إلى أفق أعلى وأدق بعد ثغرة "الدفرسوار" المصرية، وانهيار جبهة غرب القناة. حتى الصحافة الكتائبية شاركت الباقي في التماسك الخجول وكان العدو الإسرائيلي بالنسبة لها في موقع التشفي بكل معنى الكلمة بل لقد انضمت أيضاً إلى جميع وسائل الإعلام في اعتبار المصدر الإخباري "الدمشقي" مصدر ثقة حقيقية في كل ما يقدمه للمراسلين.

مازلت بعيداً عن لبنان القيادات ومازالت مشاعري بأن قوى تحت الأرض تنسج خيوطها أمر غير مفهوم وغير متوقع بالنسبة لي، خاصة وأن الجانب الفدائي الفلسطيني مارس ضبطاً (عالياً) للذات على حدود لبنان، فوق أنه غير محمل على خارطة العمليات وهو يرى صراع الجيوش في أوجه، مما جنب لبنان أية حجة إسرائيلية لضربه. ولربما يمكن أيضاً وأيضاً (تأويل) التعليمات الإسرائيلية للطيارين بالتسلل إلى لبنان إن أمكن لممارسة إنقاذهم من هناك يأت في هذا الاتجاه. وفي الإطار العسكري اللبناني يجوز لمراقب الأحوال اللبنانية العسكرية أن يستنتج بأن لبنان لا يملك جيشاً يتلقى عقيدة قتالية حيال عدو محدد.

ففيما بعد تعرفت على قادة عسكريين أكدوا لي جميعاً أن عقيدتهم القتالية كانت دائماً مبنية على وجود عدو (محتمل) وليس محدد، وكان ذلك منذ توقيع هدنة 1949 مع الدولة (الجديدة إسرائيل) يقابل ذلك تردداً واضحاً في التسلح بأي سلاح حتى ولو كان دفاعياً يتجاوز إمكانيات الحفاظ على النظام العام بشق النفس. إن مقولة (قوة لبنان في ضعفه) غير مخفية في أسرار بعض الأحزاب. إنها صيحة في البرلمان أطلقها والد الرئيسين بشير وأمين ورمز الكتاب السيد بيير الجميل.

لقد سكتت مدافع حرب تشرين واشتعلت نيرانها السياسية حيث نفط العرب مقطوع بمبادرة من الملك فيصل والأسعار آخذة في الصعود والدكتور كيسنجر صار مكوكاً في منطقة أسمها "الشرق الأوسط…" بريطانياً وهو اسم يعشقه اليهود حتى الثمالة لطبيعته الأكورديونية، ووقع الأصوات التي يصدرها نشازاً عن الأمة العربية الواحدة وهناك جيش مجيش من اللبنانيين "المفكرين" الذين يفضلون هذا التعبير "الشرق الأوسط" ويبشرون به حاضراً ومستقبلاً. ولقد أفسح أنور السادات بعد ثغرة (الدفرسوار) ثم مفاوضاته في خيمة نصبت عن الكيلو (101)، أفسح مسافة لدخول السياسة الأمريكية من باب واسع لقيادة أكبر عمليتين متوازيتين، الأولى ترشيح الشرق أوسطية بديلاً للقومية العربية، والثانية إعادة النظر بإسرائيل (الكبرى) واستبدالها بالعظمى. ولقد كان لبنان المسرح المجهز بكل أسباب الفعل المركزي للعمليتين بكل تجلياتهما اللاحقة.

 ( كلنا شركاء ) 01/10/2006

www.ssnps.jeeran.com

إن جميع المقالات التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع