صدى النهضة السورية القومية الاجتماعية                      www.ssnps.jeeran.com
 

من الذاكرة السورية ..... لبنان ( 2 / 5 )

 
عبدالله الأحمد 
 

صحيح أننا خضنا بين آذار وحتى أيار 1974 حرباً على جبل الشيخ لجعل حصتنا من حصيلة حرب تشرين موازية لحصة مصر، ولكن المطبخ الصهيوني كان يعيد طبع التعليمات القادمة من الماسونية... لكي تبقى محركاتها في حالة تسخين وجهوزية للإقلاع في الاتجاه الذي ستصدر الأوامر به لاحقاً. ولقد أخذ الرعب الاقتصادي العالمي الغربي +الشرقي الياباني مداه قبالة الكم الهائل من الدولارات الواجب سدادها قبالة فاتورة النفط، وكانت الملامح الدولية التقليدية تشير إلى أن أصغر بنك في لبنان سيصير عملاقاً بالضرورة والممارسة قبالة حتى أحلام "يوسف بيدس" بعالمية بنك انترا الذي أفلسوه بمؤامرة بسيطة قادها الرئيس شارل الحلو شخصياً، كما فهمت من مفكرة يوسف سلامة

مقالات أخرى للكاتب
من الذاكرة السورية ... لبنان  5
من الذاكرة السورية ... لبنان  4 
من الذاكرة السورية ... لبنان3

من الذاكرة السورية ... لبنان 2

من الذاكرة السورية ... لبنان 1

 وأصبح لمن يعرف ألف باء الاقتصاد بأن هناك دوراً للبنان يعادل مئات المرات دوره الراهن الذي مارسه.
إذ أن كل الأنهار والسواقي وحتى الفياضانات الشتوية المالية العربية ستصب في المكان الأعرق والأعرف والأكثر تمرساً في الشأن العربي من الدار البيضاء حتى البصرة ألا وهو لبنان، وهذا يجعل إسرائيل بالغة الميكروسكوبية اقتصادياً أمام لبنان فوق أنها تلقت درساً ساخناً عسكرياً في حرب! تشرين أنذرها وأنذر الولايات المتحدة بحقيقة أن العرب يمكن أن يخسروا عدة معارك أمام إسرائيل وهي غير قادرة على خسارة أي معركة عسكرية إستراتيجية.

في هذا الوقت كانت سورية لأسباب عديدة ومتحصلة من حرب تشرين في الميدان ولأسباب ذاتية تاريخية قد تحولت إلى عاصمة الرفع المركزية للراية الفلسطينية دولياً. ففي جو دولي فيه أصوات قليلة جداً تتحدث عن فلسطين وليس لها حصة على طاولة جنيف التفاوضية. كان على سورية أن تجعل فلسطين باعتبارها السبب والجولان باعتباره النتيجة مصرةً على معالجة السبب قبل النتيجة وخلافاً لسياسة الخطوة خطوة المنهج الأساسي لكيسنجر، وكانت القمة العربية قد تبنت تكليف الرئيس سليمان فرنجية متحدثاً باسم كل العرب وليشيد بالصيغة اللبنانية "لتعايش" الطوائف فيه منهجاً، مطلوبٌ فرضه على إسرائيل ولتحول فلسطين إلى دولة لثلاث ديانات وأن يكون أبو عمار المتحدث العربي الأخر حاملاً غصن الزيتون بديلاً للبندقية إذا مكنته الأمم المتحدة هذا الحق هذا كلام مكرر وأقول أنه مكرر لأقول أنه من وراء ظهر الرجلين كان هناك برنامج ماسوني غايته تحطيم لبنان "سويسرا" العرب وهو يبحث عن سبب يعمي العيون ويمشي إلى مداه باعتباره خادماً ذليلاً لمصلحة تصيير (إسرائيل العظمى) بدلاً من (الكبرى) برنامج كيسنجر هو الواقع المفروض قسرا! ً على محيطها ومن أهم شروطه تمزيق المحيط تمزيقاً دموياً يتشامخ فيه المتحاربون تحت جميع السقوف ضد سقف اسمه الوطن باعتباره أعلى (السقوف) ما تحت القومية العربية مبدئياً.

ومع النهوض الفلسطيني على الرافعة السورية أو بواسطتها بدأت محاولات إثبات الوجود الفدائي تبتغي إسماع صوتها للعالم بعد سكوت مدافع الجيوش المحيطة بفلسطين، ومن أين يمكن ذلك. موضوعياً، غير لبنان؟! يضاف إلى تلك الرغبة هوس قيادي فلسطيني شديد الإحباط والأسى أن ممثله على طاولة مؤتمر جنيف سيكون الأردن وليس عرفات، وكان من الصعب على جميع الدوائر العربية استيعاب المأزق وكانت الدائرة اللبنانية أشد رخاوة من أي دائرة أخرى وخاصة بجانبها القيادي المسيحي الذي تقاسم اللعب مع قيادة الفلسطينيين على نحو تدفعهم الأقلية نحو خلق الأزمة لتستفيد أقلية أخرى من شروط شبيهة بانسحاب الفدائيين من الأردن ولكن الرابح الأكبر إسرائيل عبر ماسونية البنوك اللبنانية المكلفة بتفليس النظام عبر تحويل أعرق شبكة مصرفية خادمة للاقتصاد العربي إلى وجبة مسمومة بأسرع وقت ممكن، وكان الزمن أخذاً في النفاذ صهيونياً لأن حلاوة طعم المال القادم للتراكم في لبنان ستجعل من أشد الأفكار الطائفية تصلباً وزنخاً ستجعله فلكلور شعبي قديم ويشبه حفلة تنكرية، وبالرغم من حرص الحكومة على تطبيق أمين لاتفاق القاهرة وشعار رئيس البلد سليمان فرنجية والذي كان رسالة للبنوك وشبكات الخدمات داخلياً وللعرب الأثرياء عموماً هو( سأجعل كل لبناني ينام وباب بيته مفتوح) جاءته الرسالة الأمريكية بتفتيش حقائبه بالكلاب البوليسية في نيويورك.

لقد احتاج الوضع اللبناني إلى مؤامرة تشعل فتيلاً للفتنة التي جرى درسها وتجهيزها وعبر خلق جو عربي كئيب منذ خريف 1974 حيث لم يبقى قطرين عربيين متجاورين إلا ومحتشدين للقتال ضد بعضهما أو ضد جار أو جارين معاً فالعراق حشد على سورية يريد ماء من الفرات، وليبيا حشدت مسيرات (وحدوية) ضد مصر، وأختلف المغرب والجزائر حول الصحراء وانتشرت بكتريا الانفصال في السودان جنوبا وصارت الساحة العربية مسرحاً لكل القضايا إلا قضية فلسطين "عملياً".

وهكذا انقض بضعة كتائبيين على باص يحمل عمالاً فلسطينيين مرصودين تماماً في منطقة عين الرمانة وذبحوهم بشكل مثير للتقزز يكفي لتعبئة التطرف المعبأ أصلاً على مدى نصف قرن من الثقافة الطائفية والمذهبية وما هي إلا أيام حتى صار اللبنانيون قطعاناً من الغزلان الشاردة في كل صوب تحمل أخف الخفيف من المتاع هرباً من جيرانها في الوطن وتفادياً للذبح على الهوية الذي مارسه الجميع بتلقائية عجيبة، عبر الراديو في حالة من الفوضى لم تسلم منها حتى الأحزاب اللادينية، فلقد تبادل الشيوعيون ذبح بعضهم لأسباب دينية؟! كغيرهم من الأحزاب وفي أيام قليلة تفتتت الأحياء المختلطة كتفتت المباني المتقاعدة من ناطحات السحاب التي نشاهدها في التلفزيون تنسف عموديا.

لم يتدفق المال العربي على لبنان بعد (عين الرمانة) للتنمية، ولن يتحول لبنان إلى تحصيل دخل قومي مقداره مئة مليار كحد أدنى للسنوات الخمس الأولى، ولكن المال سيأتي موازياً فقط لإدامة تدفق الدماء على المتاريس وتحولت الخدمات اللبنانية الوطيدة السمعة إلى خدمة وحيدة للمخطط الصهيوني في الاقتتال اللامتناهي حيث صارت المطالب الطبقية وإصلاح النظام السياسي فوق الطاولة الوطنية اليسارية ضرورة لقهر الكتائب ورفع شعار عزلها وتسميتها (بالانعزالية) ووقفت مؤسسة الجيش في حالة حياد سلبي سمح بتسرب عسكريين صغار وكبار منه إلى معسكرات أخرى وقدم الفلسطينيون عبر قياداتهم عوناً مدروساً للقوى الوطنية اليسارية الإسلامية تحت شعار حسم المعركة ضد الانعزال.

وتسرب الناس إلى سورية من كل صوب لاجئين نحو انشطاراتهم العائلية السورية وإلى المدارس والمساجد والكنائس والأديرة. وبادر قادة الجبهة اللبنانية لطلب العون من سورية وبدورها قدمت هذا العون محاولةً جهدها أن لا يتحول لبنان إلى حرب صليبية تلغي الصراع مع إسرائيل نهائيا. "ولقد كتبت مقالاً مبكراً جداً كرسالة مفتوحة للأمين العام للحزب الشيوعي! اللبناني"
وألقى الرئيس الأسد خطاباً أوضح فيه أهمية منع تغيير مركز الصراع مع اسرائيل وشرح الخلاف بينه وبين المرحوم كمال جنبلاط من وجهة استراتيجية هذا الصراع، لكن يبدو واضحاً جداً أن الارتباطات الخارجية لرسم خرائط للصراع المحلي كانت أقوى وأشد من الخطب وتحول خطاب الرئيس كله إلى مادة إعلامية يبثها الجانب المسيحي أو لنقل يتسيج بها للمستقبل بينما بدأت جزيرة قبرص باستلام الدور اللبناني لخدمات الاقتصاد العربي وتبعتها اليونان.

وبدأت هجرة الكوادر التجارية والمصرفية إلى كل مكان، ولقد يكون أولى بالقارئ أن يستقي تسلسل الأحداث من أي كتاب آخر غير كتابي هذا لولا أن جملة أحداث صادفتني فاصطادتني وجرجرت قدماي أن أسير في الحقل اللبناني أولها تصريح لوكالة تاس (نهاية أيار 1976) يقرأ فيه المتضلعون الخبر أن الاتحاد السوفيتي ممتعض جداً من رؤيته للسلاح السوفيتي خارج سورية وفي مكان غير متفق عليه، جاءني هاتف من الرفيق خالد بكداش يسألني إن كنت قد قرأته وكذلك رفاق آخرين من خارج حزبنا وكل الهواتف حملت قلقاً وتشظياً في المواقف حيال لبنان.

وكان مساء اليوم نفسه فرصة مناسبة ذلك أن الرئيس قد دعانا لتكريم المشاركين في الدورة الرياضية العربية في ملعب الجلاء بالمزة، فهمست له بالهواتف وتساؤلاتها فنظر في عيني قلقاً وهمهم دون جواب. وعند انتهاء الحفلة أشار إلي أن ألحق به في منزله بعد ساعتين وبالتوقيت كنت عنده وبعد حديث قصير في شأن حزبي خاص، وكان يرتدي بيجاما خضراء بلا أكمام، ويسير بالهاتف جيئة وذهاباً في حديث آخر عن الهجوم على سفاراتنا في الخارج والهجمات النقابية في ليبيا على وفدنا برئاسة الرفيق عودة قسيس، جلس متنهداً وأفاض في الحديث معيداً ومستعيداً لكل ما اعرف من فلسفته في طريقة إدارة الصراع وما يرسمه كيسنجر للمنطقة (قبرصة لبنان وثم لبننة سورية). طلب مني حصراً بعد حديث طويل أن أقول شيئاً في مسألتنا مع السوفيات وتصريح "تاس"، وأكمل بأن تصريح تاس أعقبه إبلاغنا إلغاء جميع برنامج التسليح الموقع عليه بيننا ووقف التوريدات فوراً!!. فشرحت له الموقف من الزاوية التي أراها بدءاً بخلافي مع الرفيق الكسندر شليبين رئيس اتحاد العمال السوفيات بحضور سفيرنا في موسكو جميل شيا حول مقالة محمد حسين هيكل التي يطالب فيها بتحييد أمريكا، وذكرته بأن فكرة الصراع على سورية لباتريك سيل والتي ذكرتني "أقصد السيد الرئيس" بها مراراً وأجملت لكم أن منهاجكم هو تحويل ذلك الصراع إلى صراع من أجل سورية ووافقتموني على هذا الإجمال، هذه الفكرة تقتضي بعض التضحيات فقال ما هي؟، فأجبت نحن انتخبناك على منهاج قائد المسيرة ومن جهتي أعتقد أنه يتوجب علينا أن نقوم بأعمال "فردية" لا علم لكم بها، أقصد لا تتحملون مسؤولياتها … صيد حر .. كما يقول الطيارون، فإن نجحت فالصيد لكم وإن خسرت فالخسارة على الصياد لأن الطريدة سوف تفنيه وإن بقي منه شئ تفنيه أنت!! فصمت قليلاً ثم قال مثل أيش؟، فقلت له إذا حكيتها سوف نفسدها، أعطني ثقة بالمبدأ نفسه فإذا كنت تثق بي فدعني أتصرف مع السوفيات فسألني هل يثقون بك؟ فأجبته أنت أعلم بذلك!!، ومع ذلك فحدها الأقصى أن تخسرني على وجه من الوجوه!! فقال تصرف فأنت: ثقة.

غادرت منزل سيادة الرئيس في الواحدة ليلاً ولحظة وصولي هتفت للرفيق نور الدين محي الدينوف "سفير الاتحاد السوفياتي" وطلبت أن يوقظوه للتحدث معي وجلست قلقاً متوتراً أشرب الشاي وبعد ربع ساعة هتف إلي قائلاً "صباح الخير" فقلت له أعرف ذلك، ولكني بحاجة إليك على وجه السرعة فصمت قليلاً وقال ألا يمكن غداً؟، فقلت طبعا ً ولكن اليوم هو غداً فضحك وقال غلبتني وبعد نصف ساعة حضر ومعه مترجمه واستيقظت أم علي للضيافة، فجلس بادئا بسؤال عن الأمر الذي لا يحتمل إلا اليوم…
فقلت له هل يفضل الرفاق السوفييت أن يأتوا إلينا غزاة عبر ميناء صيدا مستقبلاً لنتصارع في جبال لبنان أم من الأفضل لهم أن يأتوا إلينا أصدقاء من ميناء طرابلس ويدخلون لبنان معنا من دمشق؟. فطلب مني إعادة السؤال بالسرعة الإملائية ليتمكن المترجم من كتابته ففعلت ذلك.
فسألني وهو يشرب الشاي هل أوجه هذا السؤال إلى الرفيق بريجينيف؟ فأجبته بأني لا أستطيع تحديد المسؤول عن الجواب ولكني أترك لكم تحديد صاحب القرار. فقال: هذه المسألة محصورة بالأمين العام، فقلت له: ألم ينشأ عندك شخصياً أي سؤال حول معنى النص؟ فقال: بلى أنت تبيعني ما لا تملك وهو ميناء طرابلس، فأجبته: وأنتم تحلمون بأن هناك من يملك ميناء صيدا وستشكلون خلاله مسيرة ثورية… أو فيتنامية!!. وأطلت الشرح الرمزي لأعيد سؤاله إن كان هناك استنتاجات أخرى فسأل من جديد: هل هذا طلب من الرفيق حافظ الأسد؟ فقلت: أبداً ليس كذلك بأي وجه إنه مطلبي أنا لأنكم ترتكبون خطأ في التحليل سيقودكم فيه ياسر عرفات إلى كارثة محققة تحت شعارات مقدسة وليس لها أي أساس يتجاوز خدمات غبية نقدمها للصهيونية صاحبة البرنامج. فقال: ما هي ضمانتي خاصة إذا كنتم حتى الآن لا تسمحون للجيش السوفيتي الصديق عندما يزوركم في طرطوس أن ينزل أبناءنا البحارة إلى المدينة لشراء حاجاتهم! فما ضمانتي على رصيف مدينة طرابلس؟‍.
فقلت له: نتوافق في الإستراتيجية فيصير التكتيك تحصيل حاصل. ثم أكملت يارفيق محي الدينوف هذا جواز سفري أريد تأشيرة للسفر إلى بلدكم… فقال: للعلاج؟ قلت: كلا هذه المرة أطلب اللجوء السياسي، فأحمر وجه الطفولي بسرعة. أكملت أنا لا أريد أن أكون قيادياً في بلد ضد الثورة الفلسطينية وضد القوى اليسارية وضد الإسلام وخاصة ضد الاتحاد السوفيتي (طبقاً لتحليلكم) السياسي وتعبئتكم الدولية، أفضل أن أكون لاجئاً سياسياً عندكم إذا ثبت أن رأيكم صحيح.

وأراد أن ينطق فاستمهلته قائلاً: أرجوك بقي جملة واحدة ليست من نص الرسالة التي يكتبها مترجمكم، أرجوك تأملها وهي: لقد وقف حزبنا معكم دون تردد عند احتلالكم لمدينة براغ في ربيع 1968 فأرجو أن تسألهم في الكرملين إذا كانوا يفهمون أن بيروت أصعب من براغ بألف مرة وكذلك سورية أضعف من الاتحاد السوفيتي بألف مرة؟؟ فأخذ جواز السفر قائلاً: يسعدني أن تلبوا دعوتنا للاستراحة في بلدنا بعد هذا العمل الثقيل الذي أمامنا..
فأجبت: إذا أنجزناه… أما إذا أصرت قيادتكم على موقفها ضدنا فاللجوء السياسي مطلبي شخصياً.
في العاشرة صباحاً تلقيت مكالمة من السفير محي الدينوف وكان مترجمه على الخط يطلب له مقابلتي فأجبته أن نلتقي في مكتبي عند الحادية عشر.
استقبلته متحفزاً لسؤاله عن سبب الإضاءة الواضحة على وجهه؟ (بالمناسبة لقد كان يمتاز بوجه طفولي حقيقي)، فأجاب: أولاً لقد تلقيت تمديداً لخدمتي سفيراً في دمشق، فقلت مازحاً: وثالثاً فقال: سندعوك لزيارتنا للاستراحة والاستجمام فطلبك الأول مرفوض قلت: إذاً ثانياً فقال: يهديكم الرفيق بريجينيف تحياته القلبية ويقدر موقفكم شخصياً ويرجوكم إبلاغ الرفيق الأسد مايلي: كتابة
1 – لقد أعطينا الأوامر للسفن الثلاثة (إياها) أن تعود إلى خط سيرها باتجاهكم وأظنها غداً تعبر البوسفور إليكم.
2 – كل التوصيات بالطلبيات العسكرية جرى الأمر بوضعها بالتنفيذ كما هو مرسوم سابقاً.
3 – إن إعادة التقييم السياسي للموقف في لبنان أمر قيد الدرس ونرجوكم تحضير سفر سريع للرفيق خدام للقاء الرفيق غروميكو غداً.
قلت: هذا كل شيء؟ فأجاب: كلا فهناك طلب شخصي من الرفيق بريجينيف للرئيس الأسد فقلت: ما هو؟
فأجاب: يتمنى الرفيق بريجينيف على الرئيس الأسد أن تبقى اتصالاتنا هذه بعيدة عن الخارجية السورية… فودعته وأنا ممتلىء بالامتنان تجاه هذا الرجل الذي منحني شعوراً بأنه سفير من كل قلبه.
أخذت الهاتف وطلبت الرئيس وبعد لحظات أجابني أبو سليم: على أي رقم أنت يا رفيق، فأعطيته له، وأغلقت السماعة وبعد دقائق كافية للطلب إلى مدير مكتبي عدم السماح لأي أحد بفتح الباب علي… (أي كان) (جرت العادة أن يكون بابي مفتوحاً).
طلبني الرئيس الأسد وبادر بالقول: يبدو أنك لم تنم هذه الليلة!
فأجبته : ليس أنا يا رفيق ولكنه محي الدينوف… أيضاً.
فقال: ما الأخبار؟
قلت: ممتازة أأقرأها هاتفياً… أم ترسل إلي من يأخذها، فقال: سأرسل من يأخذها هل هناك ما تضيفه فأجبت… هناك شيء واحد طلبه مني شفهياً وهو تجنب الخارجية السورية في اتصالاتنا، (أبلغته للرئيس الأسد) .
ولأول مرة في حياتي أسمع منه جواباً هو أ ف ف ف تنتهي بصفير خفيف… ثم قال : ألهذا الحد يعتبرون خارجيتنا ملغومة و؟!!. ولم تمضي عشر دقائق إلا و كان بمكتبي ضابط يتسلم مني مغلفاً بخط يدي وبعد أقل من ساعة كان هاتفي يرن مرة أخرى والرئيس الأسد يطلبني ليقول: - - أبو علي… هذا إنجاز يا رفيق أهنئك عليه أجبته أشكرك من كل قلبي على الثقة وعلى الموافقة على أن فكرة قائد المسيرة تحتوي هكذا أعمال فردية فقال: خذ الهاتف وأنقل لمحي الدينوف تقديري لتعبه معنا وسلامي لوالده وأنني أبلغت اللواء الشهابي تعليمات خاصة بشأن البحارة السوفييت سيتسلمها تفصيلاً من رئيس الأركان وغداً سيسافر مع وزير الخارجية إلى موسكو فقد قبلنا دعوة غروميكو له!. ودعته وأغلقت السماعة بعده وجلست لربع ساعة غارقاً في تأملاتي لما سيكون مع شعورٍ جسدي ببوادر حمى وأنفلونزا.
وقررت الهروب إلى شاطئ البسيط قبل حصول العطلة المدرسية لأختلي بالبحر والراديو وحيدين إلا من الورق والكتب.
في صباح اليوم التالي كان راديو دمشق يذيع سفر الوزير خدام وبرفقته السفير محي الدينوف مطابقاً (لما أسلفت) وعدت إلى فراشي تحوطاً من الحمى وتحت خدر الأدوية المساعدة وانتظاراً لبيدر المفاوضات مع القادم من موسكو.
لقد كان الشارع السوري قلقاً بالدرجة القصوى وكانت الحرب الأهلية اللبنانية زلزالاً بقوة (7 رختر) وكانت سورية وحدها تهتز بنفس الدرجة ومحيط فلسطين من بلاد الشام ومصر يهتز ويهتز معها ولكن بدرجة أقل فأقل ذلك أن الفيض اللبناني المهاجر إلى سورية كان ناقلاً للمفردات الجديدة من مفرزات الحرب المخيفة كمن ينقل لجيرانه فزع الكوليرا تحت اسمها القديم الهواء الأصفر ولمرات ومرات استمعت على خط هاتفي في المنزل وهو يشتبك أو (يتشربك) "حسب تعبير فنيي الهاتف" مع خطوط أخرى استمعت إلى المتهاتفين بدون رتوش أو تزويق إلى ما يتحدث به الناس في سورية عن الذي يجري في لبنان على لسان أقاربهم أو معارفهم أو اللاجئين اللبنانيين إليهم لقد كانت التعابير والمفردات جارحة لكل أنواع الحياء وخاصة (الحياء العقائدي وبوصول التذابح إلى جسم الحزب الشيوعي اللبناني بين شيوعيين ذبحوا بعضهم وهم من طائفتين. كانت الذروة التي لا رجعة منها في حرب سوف تمتد طويلاً وتدخل على خطوطها الساخنة تلك القوى التي أشعلتها أصلاً لتكتوي بنارها ثم ليصل الجميع إلى حائط الانتحار حيث الاقتتال بين خشبتي الصليب بعد إنزال يسوع عنه، ثم بين شيعة علي في وقت واحد.
قبل الخطاب الشهير الذي ألقاه الرئيس الأسد على مدرج جامعة دمشق، وأعادت نقله لمرات ومرات إذاعة لبنان، شارحاً فيه ما دار بينه وبين كمال جنبلاط وعلى أي نقطة مفصلية كان الخلاف. قبله بفترة قصيرة كنت قد وجهت رسالة مفتوحة إلى الرفيق نقولا الشاوي الأمين العام للحزب الشيوعي اللبناني، حظيت بتغطية مميزة جداً وأثارت جدلاً حتى داخل حزبنا، بعد رسالتي المفتوحة لأنور السادات إثر اتفاقية سيناء التي وقعها مع العدو والتي ظن الإعلام المصري أن مرسلها هو عبد الله الأحمر ونزل المعلقون المصريون بساحته شتماً ثقيلاً ولمدة مديدة. لقد كان لرسالتي تداعيات حزبية قاعدية لبنانياً أفضت بما فيها من روح حزبية حريصة على صيانة القاعدة الكفاحية ومذكرة بالشهيد فرج الله الحلو قائداً، أفضت لأن يقصدني أولئك الرجال المهتمين جداً بمصير الحياة الحزبية اللبنانية حيث رجال الدولة في لبنان يمتلكون تاريخياً بعدهم السوري المعنون جيداً، وليس لرجال الأحزاب وبصورة أدق كادر الصف الثاني وما بعده ذلك المقصد الذي يتناقشون معه ويلجأون إليه ليتجاوزوا حدود الشكاوى الجيرانية مما يحدث، نحو الإطلال على المستقبل الممكن. محسن دلول، رياض! رعد، خيرالله خيرالله، ثم الزعيم شوكت شقير، وشوقي خير الله هؤلاء كانوا الكوكبة الأولى الباحثة عن حلحلة للأزمة التي استعصت على فهمهم ولما يمكن أن يكون من تكسير عظام بين الحركة الوطنية بقيادة كمال جنبلاط وسورية في معركة جرى افتتاحها عند رويسات بلدة صوفر عسكرياً وكان أول الناصحين لي هو محسن دلول حيث بعد جلسات متوالية قال لي إذا كنت ستتعامل مع اللبنانيين السياسيين فنصيحتي لك أن لا تصافح أي منهم بيد واحدة ‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍؟…. صافحه بكلتا يديه لأنه وهو يصافحك بيمناه تكون يسراه مع طرف آخر وتفعل فعلاً آخر. وحده خير الله خير الله اخترق صمت العداء الطازج بعد أول جلسة بيننا وغاب 24 ساعة عائداً برسالة من الشهيد كمال جنبلاط وبصحبته الزعيم شوكت شقير، قرأتها ولم أجد عليها توقيع، فسألت السبب، فقال: هذا ليس خطه إنه خطي أنا، فقلت سأعتبرها شفهية لأن (مزاح القائد.. جد) وكان محتواها:
1 - إنه لا يتحمل فكرة أن يكون جيش سورية عدواً للحركة الوطنية تحت أي ظرف ويطلب نسيان ما حدث على الأرض في صوفر.
2 - اكفلني عند حافظ الأسد تحت عنوان واحد على الأقل هو: لن أكون عدواً لصديقه ولا صديقاً لعدوه وكل شيء آخر تفاصيل.
3- كنت رسول وحدة وتقدم عربي ولن أتبدل تحت أي ظرف وخاصة هذا الظرف.
أنفذت الرسالة للرئيس الأسد ومساءً كان يحدثني على الهاتف مستفسراً لتفاصيل الجلسة بين شقير وجنبلاط وخيرالله ومحذراً لي من الحفر والمقالب التي يكمن وراءها ياسر عرفات! ورجوته أن يستقبلنا غداً لأن في ذلك رسالة تهدئة تمنع تقطيع الحبال والأمراس ووسائل التوصيل مع الحركة الوطنية وقد تخفف حالة الاحتقان والتعبئة في صفوفهم، فوافق على مضض وكان صباح اليوم التالي معهم وبحضوري تألق المرحوم الزعيم شوكت شقير في السرد التاريخي الذي ساهم في تشكيل شخصية كمال جنبلاط. وكانت فرصة حقيقية بالنسبة لي أن يشرح الرئيس أمامي أدق التفاصيل فيما جرى بينه وبين كمال جنبلاط وياسرعرفات حول إدارة الصراع على الساحة اللبنانية وحساسيته والسبل الكفيلة بالعودة إلى الوطن بدلاً من الطوائف درءاً للتدويل الذي تحت كل المعاني سيتمخض إلى (حرب صليبية) جديدة تكون إسرائيل سيدة الموقف فيها وتتمناها، لأن لبنان بتعايش طوائفه عروبياً تهديد حقيقي لوجودها "كمجتمع يهودي".
خرجنا باتفاق واحد بنتيجة رسالة كمال جنبلاط هو "إخراجها" إلى العلن وبالطريقة التي يريدها كمال جنبلاط، ويكون مفعول الرسالة في حده الأدنى نفي أي احتكاك عسكري فوراً ومستقبلاً، وتصير طريق الشام بيروت سالكة، آمنة، حرة، وبعد ذلك كل شيء مفتوح للنقاش ضمن ظروفه ومستجداته.

وبعد يومين كما أتذكر كان لكمال جنبلاط مؤتمر صحفي طويل ألقى فيه بياناً طويلاً ذكر فيه أن الوحدة بالنسبة له اتجاه استراتيجي. ومن كل ذلك (البيان) كان سركيس نعوم مراسل (النهار) السائل الوحيد لكمال جنبلاط حول: وحدة مع من؟ وهنا استدار كمال جنبلاط حول الجواب وقامت بتمييعه وتركيزه بالإطار العام للفكرة. فعاد السائل ليقول: لكننا لم نفهم مع من ستكون الوحدة عملياً يا كمال بيك؟ فتصدى شوكت شقير ليحدث عاصفة من الضحك بقوله للسائل: يا عمي ليش مش عم تفهم على كمال بيك.. هيدي وحدة مع هاييتي..!
ومع أول سلوك آمن لطريق الشام – بيروت غادرت إلى لبنان والتقيت في المصنع مركز قيادتنا العسكرية الرفيق العميد وليد حمدون الذي وضعني في صورة توضع قواتنا على الأرض، وأكملت طريقي مودعاً آخر مخفر سوري في صوفر لألتقي الأستاذ نزار قباني وبصحبتي الرفيقين عبد الكريم موال وسامي قنديل ولننطلق للقاء عاصي ومنصور الرحباني والسيدة فيروز في أنطلياس – الرابية – ولنتناول غذاءنا في سيدة حريصا بمطعم "التلفريك" ونتعرف على كنجو بيطار وولده إيلي بيطار ومساءً مع الدكتور سامي كلينك ولأعيد زيارة الدكتور مارون أبي راشد الذي التقيته يوم 18 تشرين الأول أثناء الحرب مع العدو.
وكما ذكرت كانت الخلاصة أن الجو الفلسطيني في لبنان كان محتقناً جداً وغير راض عن النتائج على الأرض حيث الظهور المسلح على أشده. وفي المقابل كان الشارع المسيحي أينما التقيت الناس في حالة امتنان لجيش سورية ولقائد سورية دون إخفاء للامتعاض العميق من الوجود الفلسطيني، وقضيت بعد يوم أمسية رائعة مع الشهيد الأمام موسى الصدر في المجلس الشيعي الأعلى ليشرح لي على مدى ساعات معاناة أبناء الجنوب مع فصائل المقاومة وتجاوزاتها على الناس.
لقد كان الوحيد الذي يمتلك رؤيته الخاصة المستقبلية لما يمكن أن يحدث مستقبلاً وكان يبشر به كضرورة ميدانية هو الرفيق شوقي خير الله عبر ندائه اليومي من إذاعة دمشق في برنامجه (يا سامعين الصوت) حيث كان (حزبه) في طرف وسورية في الطرف المقابل ما عدا انقسام ضئيل الحجم من السوريين القوميين بقيادة عصام محايري في ذلك الوقت هو الجزء الذي كان خارج السيطرة التعبوية لياسر عرفات. لقد مثلت صورة هذا الحزب الأمثولة المرعبة لعصر (الاقتناع القطري) الذي يصل عند أحزاب أخرى حالة قداسة ونهائية في الرؤية مثل الكتائب اللبنانية وما بينهما تتسلل النسبية في الاقتناع وبضمنها حزبنا مع الأسف.

لقد استقرت العلاقة مع السوفيت على نحو قلق وبدورهم كانوا غير مستعدين لكبس زر الجرس التعبوي (الذي كان) دولياً ضد سورية، كان ذلك واضحاً وملموساً عند حواف الاحتكاك بين نقاباتنا ونظيراتها في المؤتمرات الدولية، وكان للاحتكاك رأس حربة فلسطينية مستعد لفعل أي شيء لإبراز التناقض بين سورية ومنظمة التحرير!!!.
 

: ( كلنا شركاء) 2/10/2006

www.ssnps.jeeran.com

إن جميع المقالات التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع