صدى النهضة السورية القومية الاجتماعية                      www.ssnps.jeeran.com
 

من الذاكرة السورية ..... لبنان ( 3 / 5 )

 
عبدالله الأحمد
 

إن ما يدعو للدهشة في هذا التصعيد مجيئه بعد سنة كاملة من الجهد السوري المضاعف لرفع درجة الشأن الفلسطيني دولياً والذي قمته وصول ياسر عرفات إلى الأمم المتحدة مع الرئيس فرنجية واحتلال المنظمة لرتبة العضو المراقب في المنظمة الدولية.
لقد ردت سورية على تسلل مصر إلى خارج (دول الطوق) خطوة خطوة وبلسان رئيسها حافظ الأسد عبر دعوة صريحة ومنبرية على مدرج جامعة دمشق للوحدة (الكفاحية) مع سورية وحدة حقيقية يقرر مصيرها الشعب الفلسطيني بعد تقرير مصيره وحصوله على حقوقه. وتشكلت مجموعة عمل لهذه الغاية كان طرفها الفلسطيني برئاسة خالد الحسن، كان صريحاً جداً عبر نكتة مرنة أوصلت رسالة لسورية بالغة الوضوح هي أن منظمة التحرير

مقالات أخرى للكاتب
من الذاكرة السورية ... لبنان  5
من الذاكرة السورية ... لبنان  4 
من الذاكرة السورية ... لبنان3

من الذاكرة السورية ... لبنان 2

من الذاكرة السورية ... لبنان 1

على استعداد للوحدة السياسية مع كل العناوين العربية من الجزائر إلى ليبيا فمصر فاليمن والعراق إلا مع سورية. فلقد صرح للمفاوضين السوريين بقوله: يا إخوان إذا شعرنا بضرورة الخلاص من أي زواج بيننا وبين قطر عربي فسوف نستنجد بكم، أما إذا كان زواجنا معكم، فكيف ومن هو القادر على تخليصنا منكم. كان ذلك مفهوم تماماً فالخلاص من غير سورية بطولة في احتمالاته السياسية أما مع سورية فهو خيانة.
ولم تمضي شهور على تهدئة جو الوحدة المقترحة من قبل سورية واستبدالها بالتنسيق الدائم إلا وانحدرت إلى ضربة غير مفهومة إلا بحساب الشطرنج السياسي وعبر لبنان.
لقد حاولوا استغلال كمال جنبلاط إلى أقصى مدى عسكري ممكن لكل الطرق مستوعبين فيه ومعه فصائل الحركة الوطنية بقياداتها التي تحب الدراهم الشهرية والموارد العرفاتية، كما يفضلون تسميتها، بشكل تحصل معه تنظيم معلن بين الشارع الإسلامي والفلسطيني.
تلقينا دعوة لحضور المؤتمر الرابع عشر للحزب الشيوعي التشكوسلوفاكي وكانت الدعوة بالنسبة لنا لفتة مهمة لإثبات وجودنا في السرب المغرد من الطيور المعتمدة من قبل موسكو، ولقد اختارتني القيادة القطرية رئيساً لوفدها إلى ذلك المؤتمر الذي وجدت نفسي فيه محاصراً بالمشكلة اللبنانية في جميع الكلمات التي ألقيت على منبره ما عدا كلمة الرفيق خالد بكداش، وبما في ذلك كلمة (يوري أفنيري) رئيس الحزب الشيوعي الإسرائيلي. ولقد سعيت ما بين جلسات المؤتمر وفي الاستراحات القصيرة إلى عقد أي لقاء ثنائي دون جدوى إلا مع شخصيتين الأولى مع الرفيق (شاخ نازاروف) عضو اللجنة المركزية السوفيتية، وكان ذلك في السفارة السوفيتية في براغ. ولقد حاولت معه بكل الوسائل أن تكون كلمته منصفة للموقف السوري في لبنان لكنه أبلغني بأنه يفهم وجهة نظري ويتعاطف معها إلا أن دور سورية محاط بشكوك وله تفاعلاته على الأرض بقطع النظر عن موقف الرفيق بريجينيف وعن التعديلات التي طرأت على موقف موسكو من دمشق وأن علي أن أقنع المؤتمرين في كلمتي بإسم حزب البعث العربي الاشتراكي وسألته كيف ذلك، وسأكون المتحدث لليوم الأخير للمؤتمر. وأصلاً نحن وفد لل! تحية والمشاركة الرفاقية. وخرجت بدون نتيجة تذكر. لقد التقيت رئيس الحزب الشيوعي الأمريكي وكان ذلك الضرير الأكثر تفهماً لموقفنا مع الأسف. وفي مساء اليوم الأخير وبعد أن ألقيت كلمتي وتلقيت عليها التهاني مشوبة بالاعتذار من عدد كبير من رؤساء الوفود بما فيهم جاري في المقعد على منصة (البريذيوم) للرئاسة وهو مندوب الحزب الشيوعي الأثيوبي. ولقد نزل في كلمته بساحتنا السورية خوضاً حتى الرقبة.
مساء ذلك اليوم والمؤتمر التشكوسلوفاكي في حالة انعقاد سري بدون ضيوف، كان منزل الرفيق عبد الرحمن فرزات سفيرنا محاصراً بالطلبة السوريين واللبنانيين والفلسطينيين والأردنيين وبعض العراقيين، من مختلف المشارب والاتجاهات السياسية، وكانت الأكثرية الحاضرة ذات طابع شيوعي وتريد الاعتصام بمنزل السفير لإسماع صوتها للعالم وربما كانت أميل عبر بعض عناصرها لأخذنا رهائن قياساً على ما يجري في بلدان أخرى خلال ذلك الربيع الساخن على سورية. لكن أخذنا كان مستحيلاً في دول المنظومة الاشتراكية وتحت السيطرة الفولاذية للسوفييت. دون أن يحسب الموقف على موسكو بجميع تداعياته السلبية لقد تحدث السفير قبلي ليقدمني للحضور، وكان على معرفة دقيقة بالوضع الطلابي حيث كان رئيساً سابقاً للطلاب السوريون، وامتد بحديثه ليتجاوز التقديم القصير (البروتوكولي) ولنصف ساعة ركز على فكرة واحدة هي أن العلاقة بين سورية ولبنان ليست علاقة جغرافية. ولا يمكن قياسها بمنطق الجغرافيا. مقايسة على الجار التركي أو حتى الجار العراقي أو الأردني إنها علاقة تاريخ حضنته الجغرافيا وأكملت تفاعلاتها وعندما أنهى حديثه طلب من الحضور أن يسألون وأن ي! دلي كلّ منهم بما يريد: وتعاقب على الكلام كما أتذكر، أقل من عشرة من الحضور مركزين على مسار واحد هو ما يتداوله الإعلام العالمي حول موقف سورية من اليسار والإسلام والفلسطينيين في لبنان، ومؤكد أنني سأعفي القارئ من أجوبتي على أسئلتهم ومداخلاتهم لأنها مبثوثة في صفحات هذا الكتاب، لكن الجلسة استمرت حتى خيوط الفجر الأولى وخرج الحضور مقتنعين بما أقول ومحتفظين بتوجيهات أحزابهم!!! إلى مناسبات لاحقة. لقد عدت إلى دمشق لأجد إن ما حصل مع وفدنا النقابي عبر رواية الرفيق عودة قسيس إلى مؤتمر ليبيا ونفس ما حصل معي وما حصل مع وفود أخرى تعرضت حتى للارتهان، ليس المهم هنا الأخذ بهذا الجانب من مسار الوجود السوري في لبنان حيث أظن إلى حد التأكيد أن كثيرين سوف يكتبون عنه من مختلف الجوانب لكنني بعد عودتي من سورية بوقت قصير فوجئت باستشهاد المرحوم كمال جنبلاط لقد عرفت ذلك عبر الهاتف من الرفيق عبد الكريم موال وبادرت إلى إبلاغ الرئيس حافظ الأسد عبر الهاتف لكن الجملة الوحيدة التي سمعتها منه كانت لقد عملوها أولاد.....
أما أنا فلقد قلت له مذكراً بأن الخيوط التي امتدت بيني وبينه كانت نافعة وكانت شاهداً على سببية هذه الجريمة الفظيعة.
واكتفى سيادته بالقول صحيح: صحيح. لقد كنت على… نلتقي باجتماع القيادة مساءً. لقد أحدث اغتيال كمال جنبلاط ردات فعل طائفية في الشوف يصعب السيطرة عليها وتأمل أبعادها وإن كانت غير خارجة عن الذي حدث عبر سنة ونصف مضت على الصراع.
لقد كان حدثاً زلزالياً جديداً أراد فاعلوه قلب الطاولة في وجه سورية وأن يلقوا أكثر أنواع الزيت المغلي سخونة في حجر الرئيس حافظ الأسد. وأن الجريمة ستصب في حالة العداء المعلنة دون معرفة بما كان يجري بيننا وبين المرحوم كمال جنبلاط وربما كان لمؤتمره الصحافي سبباً مركزياً في اغتياله المدروس ماسونياً ولمنع انعطافه مجدداً نحو سورية الداخلة إلى لبنان والمتوضعة قواتها عند الطرف المسيحي حتى الآن. لقد عاد إلى الشارع اللبناني بجميع فصائله تقريباً حالة الهمس المتصاعد يريد توجيه الاتهام إلى سورية وإلى الرئيس حافظ الأسد شخصياً باغتيال المرحوم كمال جنبلاط أما أنا فغرقت في تأملاتي وحساباتي من المعطيات التي توفرت لدي وفي حدها الأعظم تلك البداية التي مارسها المرحوم كمال جنبلاط عندما أرسل إلي مع الرفيق رياض رعد نائب رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي ملفات تملأ حقيبة سفر منسوخة من أصلها المتوفر لدى كمال جنبلاط وتتعلق هذه الوثائق بالاتصالات السرية بين الأطراف المالية المسيحية وخصوصاً الموارنة منهم وبين إسرائيل، تلك الوثائق التي غرقت في مطالعتها لأكثر من أسبوع وحزمتها متسلسلة وأرسلتها للرئيس حافظ ال! أسد، إني أتذكر منها الآن كيف كانت البداية الإسرائيلية المارونية بين المحامي (موسى برنس) والإسرائيليين في مرحلة ما بعد حرب حزيران وتمهيداً لما يجري الآن على الساحة اللبنانية: إن الخلاصة التي أستطيع الوصول إليها هي أن المرحوم كمال جنبلاط فيما بدأه من تواصل معي كان مستعجلاً على تثقيفنا بالأسباب الموجبة والمؤدية إلى موقفه الذي اختلفنا معه في ما يجب اتخاذه من تحركات عسكرية وسياسية على الساحة اللبنانية، وفي ما أنا غارق فيه كنت أبذل جهداً بقدر ما أستطيع للبحث عن مصلحة واحدة ممكنة التأمل لأن يكون الرئيس الأسد مسؤولاً عن مقتل كمال جنبلاط.
ولعشرات المرات اللاحقة حاولت إعادة هذا السيناريو فلم أعثر على دليل عاقل أو مجنون يصب في هذا الاتجاه لقد كانت تلك المرات اللاحقة مجموعة من المناقشات مع الآخرين ومن مختلف الاتجاهات التي كانت تستفزني عبر مسؤول مباشر أو عبر النكتة السوداء ولم أكن أهتدي ولا هم يهتدون إلى خيط واحد يفضي إلى مسؤولية سورية بشخص رئيسها عن دم هذا الرجل. إن القارئ المسيس لن يعفيني من الخوض في هذه المسألة ولقد كنت الشاهد القريب ومصدر الاتصالات بين الرئيس حافظ الأسد والشهيد كمال جنبلاط. بدءاً من لحظة القطيعة المسجلة بينهما وعبر رجال معظمهم ما زال على قيد الحياة وقت كتابة هذه السطور فيما عدا المرحوم الزعيم شوكت شقير فإن خير الله خير الله ورياض رعد ومحسن دلول وميخائيل كرم ثم شوقي خير الله كل هؤلاء بطريقة أو بأخرى كانو يتابعون ما يجري بعد أول رسالة من الشهيد كمال جنبلاط وصلت إلي يحملها خير الله خير الله كما ذكرت. إن البحث عن صاحب مصلحة باغتيال كمال جنبلاط وفي نقطة تقع بين حاجزين سوريين يتوجب على سيارته أن تعبر الأول ويؤدي لها التحية ثم تعبر الثاني وصولاً إلى طريق الشام والمسافة ! بين الحاجزين بعيدة إلى درجة لا يمكن سماع إطلاق النار بينها وهي منطقة فوق كل ذلك مسكونة بنفوذ كمال جنبلاط، مثل هذا القرار وببساطة لا يمكن أن يتخذه مجنون في سورية. أو بالأحرى أن يتخذه عاقل. يضاف إلى ذلك أن الخلاف بين كمال جنبلاط وسورية طازج إلى درجة لا تسمح بولادة استراتيجيتن متعاكستين تملكان بعداً له مقومات على الأرض اللبنانية تفضي للإغتيال، ومع ذلك فإن باب التخمين سيبقى مفتوحاً على مصراعيه وأخمن من جهتي منطلقاً واحداً هو أن الجهة التي كانت مستفيدة من فرصة اقتلاع سورية من جذرها العروبي + التقدمي + الإسلامي + الفلسطيني.
بإلقاء هذا الزلزال عليها عبر إسالة دماء هذا الرجل كانت قد شمت رائحة الاتصالات السرية بيني وبينه وهذا غير مستحيل. ولكنها فوجئت إلى الدرجة القصوى بأن أقل من ثلاثة شهور كانت كافية لأن يتولى كمال جنبلاط شخصياً أخذ زمام المبادرة لإعادة ترميم العلاقات مع سورية وذلك جلي للغاية عبر مؤتمره الصحفي المذكور.
والسؤال المباشر لمراسل جريدة النهار. وما كان جواب الزعيم شوكت شقير تعليقاً على جواب كمال جنبلاط إنني أخمن أن التمرين اللازم لعملية الاغتيال قد بدأ لحظة الاختلاف بين رجلين لصالح إسرائيل صاحبة المصلحة الحقيقية في كل ما جرى في لبنان والراغبة علناً بخلق (كوردر) درزي يمتد من منطقة الشوف باتجاه جبل الشيخ وجبل العرب ويجري توصيله بالجليل الأعلى لخلق حزام طائفي مناوئ لسورية إذا ما تمكن المخطط الذي رسمه كيسينجر من التوضع على الأرض بدءاً بلبنان وإنهاءً (غير نهائي في سورية) وهو مخطط يجري تعميق الخنادق بموجبه بين الطوائف عبر الدم الذي يبدأ بالرموز والزعماء القادة حتى لا يبقى من هو قادر على ضبط الحالة الثيرانية الطائفية، وعليه قد بنيت تأملاتي من اللحظة الأولى التي توجهت فيها أنا والرفيق جميل شيا لتعزية الرفيق وليد جنبلاط بالشهيد. فلقد دخلت قصر المختارة لأول مرة لأرى ما كنت أسمع عن هذا المكان من مبالغة في الضخامة ثم لألتقي الرفيق وليد جنبلاط معزياً باسم الرئيس حافظ الأسد والقيادة السورية ولقد تولى الكلام الرفيق جميل شيا. وتلقينا نظرة الحضور الشكاكة في غرفته البالغة التواضع وكان بين الح! ضور إبراهيم قليلات (المرابطون) من خارج الحزب التقدمي الاشتراكي مما جعل مبادرة أنور فطايري بالطلب علناً بأن تنعقد خلوة حزبية بوجود =الأخوان= يقصد الوفد السوري للتعزية... وبدون تردد قلت للأستاذ وليد جنبلاط: أظن اقتراح الرفيق أنور معقول، وبهدوء جرى إغلاق الباب علينا وعلى الحضور من قيادة الحزب التقدمي الاشتراكي + الزعيم شوكت شقير باعتباره مستشار الشهيد وتسعفني ذاكرتي اليوم للقول بأن أول عبارة سمعتها بعد إغلاق الباب كانت من أنور الفطايري حيث قال مباشرة نريد معرفة قاتل الزعيم كمال جنبلاط؟ وأخذت الكلام رأساً للقول أن سورية والرئيس الأسد وخصوصاً قواعد حزبنا بأمس الحاجة لمساعدتكم في هذا الأمر. أنا شخصياً ومعي الرفيق شيا جئناكم والدم ما يزال ساخناً والخواطر شديدة الاضطراب وقليل من القيادات من يحتفظ بعقله بارداً في هذه الأيام ونحن بينكم وعندكم، فمن لديه برهان عقلي فليدلي به أمامنا ورقبتنا ممدودة للحق وهي لا تسدد جزءاً من دم هذا الشهيد القائد وأسهبت ما استطعت في تحليل الظروف المحيطة بالاغتيال ولأصل طبعاً وما أزال إلى صاحب المصلحة الحقيقية بذلك، إسرائيل، بقطع النظر عن مصدر منح السلاح وم! صدر تدريب الفاعل أو.. الفاعلين والتفت بنهاية كلامي إلى الرفيق وليد لأس أله إن كان لديه ما يقوله غير الورق القصاصة التي أرسل صورتها إلي مع الزعيم شقير وهي بخط الشهيد وآخر ما كتبه بيده (وهي جملة واحدة: لقد دعاني ربي فلبيت).
فتولى الحديث بنفي أن يكون لديه دليل ولكنه أردف بجمل مقتضبة يقول أن القاتل يريدني أن أذهب جنوباً باتجاه إسرائيل وأنا باسم كمال جنبلاط لن أفعل ذلك ولن أذهب إلا إلى دمشق حتى لو كان القاتل سورية...! لقد أحسست أنني أمام نمر حقيقي يمتلك القدرة على النهوض والمواكبة والقيادة وهذه صورة لم يتحدث بها أي واصف لوليد أمامي منذ سمعت باسمه مقرونا بأوصاف سلبية أو صبيانية ولدرجة أنني لأسباب متعددة منها هذه الصورة المنقولة اقترحت على الرئيس الأسد تشجيع محسن دلول للحلول في رئاسة الحزب التقدمي الاشتراكي، واكتشفت أنه كان يمتحن معلوماتي وتقديري لمن سيكون رئيساً للحزب بعد كمال جنبلاط.
ودعت وليد جنبلاط مبلغاً إياه دعوة دمشق لزيارتها ومودعاً إياي بالقول - بكير ياعمي .. بكير.. تنشوف ؟
على كل حال مش قبل أربعينية كمال جنبلاط… لقد كان يلفظ أسم والده مفرداً بطريقة فوق الاحترام وفوق استعمال الأبوة... كان يستعمل اسمه رمزاً وقائداً وكنت أفهم ذلك عميقاً.
عدت إلى دمشق، مسكوناً بحزن عميق وصمت طويل تقطعه تساؤلات الرفيق جميل شيا ولكن ما كان يسكن صمتي صورة تحققت من كينونتها لاحقاً وهي أن كمال جنبلاط غادرنا في لحظة قيادية منتقاة بدقة فلقد ودع لبنان في وقت أعجزه الواقع عن ممارسة ما يؤمن فيه، لقد ترك للآخرين أن يتذوقوا مرارة التناقض الذي بنوا عليه ما بنوا... لقد كانوا أندادا له عبر عناوين الصحف ولم يكونوا له أندادا أبدا. وفيما بين واقعة التعزية وواقعة ذكرى مرور أربعين يوماً على استشهاده كانت المراسيل تتالى على دمشق وكان متهموا دمشق في حال تزايد مستمر، بل إن الذين أخجلهم حيادهم فتحملوا الخجل فقدوا حيادهم في التحليل إلى درجة أدهشني معها قدرة الصهيونية العالمية في فرض الوقائع على ذهن القارئ أو المحلل أو المستمع وهو الأوسع إطلاقاً، ومع ذلك فإن عقل المنطقة المحيطة بكمال جنبلاط بقي صاحياً وكان لجام الغرائز معقولاً، وبقي منطق دمشق في التحليل سائداً، ولو أنه ضوء خافت في عمق ضباب كثيف وليل يهودي شامل العتمة.
تلقينا دعوة الحزب التقدمي الاشتراكي للاشتراك في حفلة التأبين كقيادة قومية (وأنا لست من أعضائها) وعرفت هاتفياً أن الرفيق حافظ الأسد قد أوقع هذا العبء على كاهلي وطلب من الرفيق عبدالله الأحمر أن نقرأ الكلمة معاً، لقد تبلغت ذلك من الرفيق عبد الله الأحمر بعد أن نقل إلي شرط اشتراكنا الوحيد وهو أن لا يتكلم أحد بعدنا إلا وليد جنبلاط وتلقيت رسالة خطية بذلك من الزعيم شوكت شقير ما زالت من محفوظاتي الشخصية وفيها سرد لأسماء من لبى الدعوة عربياً ودولياً.
 

 ( كلنا شركاء ) 3/10/2006

www.ssnps.jeeran.com

إن جميع المقالات التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع