صدى النهضة السورية القومية الاجتماعية                      www.ssnps.jeeran.com
 

من الذاكرة السورية ..... لبنان ( 5 / 5 )

 
عبدالله الأحمد
 

وبعد سنوات من المعانات المريرة لهذه السياسة وبعد زرق الجسم السوري بكل أنواع السموم القاتلة لأسباب لبنانية ليس أقلها قتلاً حرب الأخوان المسلمين 1976-1982 بعد هذه السنوات صار لبنان قائداً… كان مجروراً بكل حروف الجّر العربية والأجنبية بعد هذه السنوات صار جاراً وشاداً وفاعلاً وصارت الشوكولاته السويسرية الساخنة، مجموعة من البراكين التي تقذف حمماً عبر رمايات منحنية قليلة العشوائية وصار النوم قرب إحدى فوهات البركان وفي قلب لبنان أكثر أمناً (لمن يفهم الأسرار) من النوم في أي مكان بعيد عن مصدر الحمم البركانية التي لم يعد هناك نقطة لاتطالها بل وتصيبها، كل ذلك (مولد) من مقولة قوة لبنان في ضعفه تلك التي كانت خطيئة سياسية (من وجهة نظر) وتشكل

مقالات أخرى للكاتب
من الذاكرة السورية ... لبنان  5
من الذاكرة السورية ... لبنان  4 
من الذاكرة السورية ... لبنان3

من الذاكرة السورية ... لبنان 2

من الذاكرة السورية ... لبنان 1

بموجبها وضع جديد ناطحته إسرائيل عسكرياً في حزيران 1982 بمظلة تواطؤ أمريكية قائدها الكسندر هيج وناطحته بعملية إصبع الجليل وناطحته بعملية عناقيد الغضب وفشلت على التتالي بجعل لبنان يتشابه مع (جيرانها) الآخرين سواء من تطوع منهم أن يحميها أو من توازن معها على منصة الشرعية الدولية أو من قال لها خذي السلام وأعطني أرضي القطرية.

وحده لبنان تميز وأخترق وتابع إعادة تكوين الإنسان بالسرعة الفائقة، لقد دافع اللبناني عن وجوده بعمق وبسرعة وأعاد ترميم ذاته المهشمة في الصراع الذي سبق حرب حزيران بفضل استمرار إسرائيل مصرة على جعل هذا الوطن الصغير جداً منفحة جاهزة لتجبين الحليب العربي من المحيط إلى المحيط وبالتالي نسفه كفكرة وفلسفة قومية لا تنظر إلى الدين إلا بمعيارية وطنية، قلت في أكثر من مناسبة خطابية أن اللبناني يختلف عن أي عربي آخر بأنه مواطن خمسة نجوم، هو خمسة نجوم في عهره وهو خمسة نجوم في طهره منذ تحويل (الجبل) إلى (وطن) صار هذا الوطن عينة عربية قيد الرقابة والدرس والاختبار فإذا تقدم مالياً قُمع وإذا تقدم فنياً قُمع وإذا تقدم صحافياً قُمع وإذا تقدم علمياً قُمع وإذا تقدم كوطن وصار اقتداره في الأداء الاقتصادي مصدر قلق فله التدمير الشامل كما حصل بدءا من عين الرمانة وحتى ميثاق الطائف، لقد كان على سبيل التشبيه مزرعة للقطط الأليفة الناعمة وتحول إلى نمور على كل صعيد ولقد يكون هذا التحول واعداً إذا قيض لسورية قيادة أن تستوعب المستقبل بقدر استيعابها للحاضر.

كل هذا الاستطراد اقتضاه مني توحيد السوريين القوميين وهو جزء من كلام طويل قلته أمامهم وبحضور جميع قياداتهم وعلى رأسهم الراحل الجليل الدكتور عبد الله سعادة ولكن هذا الحزب لم يصمد لوحدته ولم يحصنها فانشق مرة أخرى لأسباب غير مبررة، صحيح أنها كانشقاق (غير مدهش) فهذا شأن جميع أحزاب الأمة العربية بعد حرب حزيران وتحدياتها اللاحقة ما عدا حزب البعث العربي الاشتراكي الذي انقسم قبل تلك الحرب وكان انقسامه من أهم أسباب وتداعيات وقوعها كحرب لأن العدو فقد القدرة على التنصت على القيادة القطرية بدمشق بعد 23 شباط 1966 التي سارت بعيداً في دعم الحرب الفدائية الفلسطينية.

لقد كانت آخر مهماتي الحزبية الرسمية تلك التي كلفني إياها الرئيس الأسد في 14/1/1980 بعد المؤتمر القطري السابع وهي إبلاغ الرفيق وليد جنبلاط بنتائج أعمال المؤتمر ومنها أنه لن يكون حصتي بعد اليوم في الاتصال والتواصل مع القيادة، كنت أحكي له في منزله ببيروت مجريات المؤتمر السابع وهو غير مصدق إلى حد ما، وكأني أبلغه وفاتي السياسية ووداعه بمنتهى التفاؤل والتطمين والروح الرياضية ولكننا لم ننقطع عن التواصل الغير رسمي وخاصة بعد مجيء الرفيق العقيد غازي كنعان إلى لبنان وقد اجتاحه العدو وصارت قواته في مواقع تهدد مدينة حمص التي قدم منها، ذلك الضابط الذي خصه (الأخوان المسلمون) ببيان خاص ذكروا فيه كيف أنهم كانوا يريدون أن تكون حمص وليس حماه ضحية فتنتهم ولكن غازي كنعان سلوكاً وأمانة في توصيل الأمانة الحزبية فوت عليهم فرصتهم وطبعاً لم يذكروا حجم التوافق الخطير في التوقيت بين حرائقهم التي أشعلوها في سورية وحرائق العدو في لبنان....

وأريد أن أعيد فقرة قلتها في مقالة فندت فيها كتاب السفير الهولندي في القاهرة (السيد نيكولاس فاندام) ورده على مقالتي ثم مجيئه لزيارتي بدمشق: قلت له أن الضابط (...) الذي يعيد مدفعية أوري لوبراني من مواقع كانت تهدد حمص وتصير مدفعيته هي التي تهدد الشمال الفلسطيني (وإسرائيل) ليس من تجليات الطائفة العلوية أنه امتداد لحزبه فهما وممارسة.

لقد احتاجني أكثر من مرة لصيانة العلاقة بين الرفيق وليد جنبلاط وسورية من إستشهادات عبد الحليم خدام وكنت أفلح. أن مزحه سمجه من عبد الحليم خدام في طهران وهو يسلم على وليد بيك فيقول له: أهلاً يا متعدد الزوجات، فيجاوبه: أهلاً بك يا متعدد الجنسيات.... أدت إلى مشادة معروفة في كواليس السياسة، ومن مثلها أن الرفيق وليد أسرف في اللبرالية وهو يجاوب بباريس على أسئلة الصحافة، وفضول الصحفيين، أجوبة حملتها إحدى المجلات أقامت قيامة القيادة السورية عليه كونه تعرض لمرحلة ما بعد الرئيس الأسد دون أن يظن ذلك (كفرا) بمفهوم السوار الأول المحيط بالرئيس الأسد وكان علي أن أبذل جهدي أيضاً، كنت وما زلت مسكوناً بالخوف على لبنان بأن فترة نقاهته ستطول وتتمدد إلى أن تدخل إسرائيل في المرض الذي قصفته به فينتشر الوباء الطائفي في إسرائيل نفسها، هذه النظرية لم يرتح لها البطريرك مار نصر الله بطرس صفير في مقابلتي الطويلة معه قبل شهرين من انتخابات عام 1992 تلك المقابلة التي شجعني على الإقدام عليها السيد غسان تويني وهو لا يعلم وبحضور الدكتور مروان فارس وكان غسان تويني وأنا التقيه بمكتبه يستزيدني التأكد من حصول ا! لانتخابات فعلاً ويحلل ميوله المخيف من عدم حصولها ولما سألته: على أي كتاب تفضل أن أحلف لك… إصرار سورية على أجرائها على (دقة ساعة بيغ بن) انتفض وقال: يا عمي أمشوا.. كفو وصدقني يا أبو على إذا بتصير الانتخابات رح تلاقي أكبر رأس ماروني أصغر من هاي... وأشار إلى مروان فارس ليقول: شايف يامروان من نص ساعة كان العميد اده معي على الخط من باريز وقلتلو يا عمي شو قاعد عم تسوي عندك؟‍‍‍‍‍ نحن سوينا لبنان أربع نجوم تعا سويه.. خمسة…؟.

في اليوم التالي لجلستي مع غسان تويني في النهار كنت بصحبة المحامي الرائع إبراهيم اسطفان الذي كان وسيطاً بيني وبين البطريرك لترتيب اللقاء بعد غذاء في الأوبرج بدعوة من العميد غازي كنعان، لقد أوصلني لباب بكركي واستلمني أمين سر البطريرك سراً ولم يلمح وجودي على الباب الداخلي إلا السفير السابق في واشنطن السيد نسيب لحود الذي كان خارجاً لحظة دخولي على البطريرك فناولني ابتسامة خفيفة منشرحة وأوصلني أمين السر البطريركي حتى صدر القاعة حيث تلقاني غبطته مقبلاً وجلسنا على الحديث مباشرة حديث الانتخابات القادمة من قبلي والمشكوك بقدومها عنده ولما أكدت له حدوثها مستخدماً تعبير على دقة (بيغ بن) كما قلت عند التويني تعجب بلطف واستدار نحوي قائلا لماذا الاستعجال؟‍‍ فهناك استحقاقات كثيرة ما تزال من اتفاق الطائف ومعلقة... فاستفضت بالشرح مستعيراً طبابة كسور العظام والجبائر عندما شبهت لبنان بأخ شقيق لسورية سقط من شاهق وتكسرت عظام بدنه وقرر أطباء الطائف تجبيره كلياً وتكليف شقيقه أن يرعاه صحياً عبر برنامج طبي مدروس وأن يقدم بقية الأخوة لمريضهم عوناً مادياً على الشفاء. و الآن نقول أنه حان موعد تكسير ال! جبس عن أطرافه ورقبته ليبدأ حركة ذاتية طبقاً للطائف وبعد فترة يتم فكفكة جبيرة الجزع ثم الرقبة و الرأس وهكذا بين كل مرحلة وأخرى تتم المعافاة الكلية عبر التمارين الرياضية لكل مرحلة حتى يتمكن من القدرة على الوثب العالي وهنا تدخل غبطته ليتساءل قائلاً: ما دام مجبّر ومجبّر ليش ما نتركهه هيك تايشفى ؟‍‍؟
فسألته إذا كان قصف العدو له وهو في الجبيرة سيمكن عظامه من الالتحام؟؟؟ فألتفت إلي وقال يا عمي لملموا هالي عم يقوصوا بالجنوب بيبطلوا اليهود يقصفوه؟ فلم أندهش لوجهة نظره ولاحظت جمال أسنان غبطته وانتظامها فقررت الاستمرار في الطب شرحاً فسألته قائلاً يا سيدنا إذا أقترح عليكم طبيب شاطر أن يستبدل أسنانكم الجميلة هذه بفك صناعي متقدم فهل تقبلون؟ فقال: طبعاً لأ هيدي خلقة الله؟‍ فسألته: شو بتفرق حالة المقاومة الوطنية عن هالصورة، وشو عند لبنان المجبر غير هالفك الطبيعي ياللي عم يمارس العض فيه!، وأكملت سائلاً: سيدنا إذا كان عندك وعود خاصة ومضمونة من أمريكا.. حكيلنا عليها فأنكر ذلك بنبرة واضحة، ثم قال شو بدو حافظ الأسد مني؟ فقلت له: أكيد لا يريد شيئاً لكن سورية بدها منك شئ مهم! قال: ما هو، قلت أن تكون بطريرك جميع الموارنة في سورية كما في لبنان تفضل زورنا وأخطب هناك ما تخطب به هنا، وعند هذه النقطة أخذت وعداً منه بدراسة هذا الأمر في ضوء دعوة توجه إليه فقلت له سائلاً إذا كان أي مقام مثله يتلقى دعوة لزيارة رعيته؟؟ ‍‍‍فأجاب متبرما: مش هيك، وانعطف نحو وجود إجماع مسيحي حوله للمقاطعة تحت شعار لبنان سيد، حر، مستقل، وأنه بهذا الاتجاه سيناضل دائماً وأنه سيقبل الدعوة إلى المشاركة بالانتخابات إذا ما تمت بحضور رقابة عالمية مناسبة لضمان عدم التزوير والتداخل معبراً عن إيمانه بأن لبنان بغير الحرية لا يكون.
فسألته أن يذكر لي إن كان ذلك الذي يطلبه على مشروعيته النظرية قد حدث فعلاً في تاريخ لبنان؟!!!

وأعدت من ذاكرتي ما جرى عبر جميع الرئاسات منذ نشوء لبنان الدولة، لكنه لجأ إلى تحليل آخر، تحليل مبني على أن الثمن الذي دفعته الطوائف أثناء الحرب لازم يعطي نتيجة مختلفة عن الذي كان يجري مما ذكرته.
لم يكن صعباً علي التوصل إلى استنتاج بأن غبطته معجب بالإجماع السلبي الذي يقوده وأنه غير مستعد لرؤية صورة أخرى تفقده وحدانية الزعامة وتجلياتها الإعلامية المتتابعة بعد كل موعظة في أيام الآحاد والمناسبات المفصلية.
فيما عدا تبليغ واحد من المحامي إبراهيم اسطفان بأن غبطته كان مسروراً للنقاش وأنه سوف يوفد شقيقته وزوجها كحالة استطلاع يدرس بعدها ردود فعل محيطه على ذلك، لم أشعر أبدأ بأني قد حصلت على استنتاجات تتجاوز معرفتي للطريقة التي يفكر بها هذا المقام السامي.
وبعد أسبوع رتب لي الرفيق شوقي خير الله زيارة للرهبانية المارونية في الكسليك بدعوة من الأب بولص نعمان ويلقبونه (بالأباتي) نعمان، لقد صحبنا في الزيارة الرفيق فهد الباشا وكانت فرصة جميلة للأداء السياسي المميز بين ثلاثة أطراف البعث والسوريين القوميين والرهبانية المارونية عند حافة سياستها العليا حيث الإسراف في وجهات النظر اللاكهنوتية والدخول في عمق الارتباطات السياسية، لقد كان دخولي إلى بهو جامعة الروح القدس ومنذ النظرة الأولى يعطيني انطباعاً بأنني في نكهة فرنسية الملامس معبر عنها في كل شئ، وما أن قدم شوقي خير الله نفسه للسكرتيرة حتى كان الأباتي بولس نعمان يهبط الدرج باتجاهنا ليسلم علينا معرفاً بنفسه، أمسكت يده زمناً زائداً عن المصافحة مثبتاً بصري على عينيه أكثر من اللازم وهو شبه مندهش يريد أخذ يده لإتمام واجب المصافحة… وقلت له… عجيب، قال: ما العجب؟ فقلت: وجهك لا يوحي بما أسمعه عنك يا أبونا؟؟ فضحك وأكمل مصافحة زمالتي مكملاً: شو سمعت عني؟ فأجبت بعدين، قدامنا نهار طويل… وسار معنا معرفاً على قاعات الجامعة وكان اليوم عطلة الأحد فعثر على أثنين من عمداء الكليات سحبهم معه إلى الجلسة! التي عقدناها في كلية الاقتصاد.
كنت في السيارة قد طلبت من شوقي خير الله أن يحكي لي عن بولس نعمان والرهبانية المارونية لتغطية الطريق بما يفيد الجلسة اللاحقة فحدثني عن آخر موعظة ألقاها بولس نعمان وكان محورها أن الطائفة المارونية قد ارتكبت خطيئة تاريخية أنها لم تركب قطار أنطون سعادة لتحكم هذا المشرق بل أن بعضها الأهم تواطأ على إعدامه
نشر المحضر ……………………………………….
كتبت هذا المحضر من ذاكرتي بعد عودتي لسورية وأرسلت ثلاث نسخ منه لشوقي خير الله ورجوته في رسالتي أن يعطي نسخة لفهد الباشا وأخرى لبولس نعمان لتدقيق محتوى النص للذكرى وخاصة بعد أن سربت الرهبانية خبر لقائي معها ومع البطريرك "للنهار" حيث نشرت على الصفحة الأولى خبر حول (موفد للرئيس الأسد) يزور بكركي والكسليك وصدر عن رئاسة الجمهورية اللبنانية نفي أن تكون على علم بذلك، وهتفت لبولس نعمان فلم أجده فأرسلت بالفاكس سطر عتاب وقام بجهد لا أعرف مضمونه لدى غسان تويني فنشر في الصفحة الرابعة نفياً بخط رائع على لسانه أن يكون على علم بما نشرت النهار ومحتواه سطران؟!!.
لن أترك على كاهل القارئ عبء الغوص في تاريخ تواطؤ قيادة الطائفة المارونية على الطائفة نفسها لشدها نحو الغرب والتمهيد لخدمة نشوء إسرائيل وذلك بإنشاء وطن طائفي هو السابق وإسرائيل اللاحق أيديولوجيا، ولكن علي أن أوضح بلا مواربة أن قيادات الموارنة قبلت على مضض نتائج الطائف بسبب وصولها إلى الجدار الطائفي الذاتي بالإقتتال بين صفوفها مثل كل الطوائف الأخرى، وإذا كانت كطائفة تسيطر تاريخياً ولوحدها على أكثر من سبعين بالمائة من الدخل القومي اللبناني فإنها بالقسمة السياسية الجديدة ستأخذ حصة موازية لعديدها وهذا يحتاج لربع قرن من إعادة الاقتسام للوصول إلى الإنماء المتوازن، لأن ذلك لا يكون بقرار، إذ المطلوب أن يرتفع الآخرون إلى مستواها ثقافياً وعلمياً أقصد تعليمياً وهذه القيادات المارونية ترفض هذه المقدمات وترفض معها النتائج وتراهن على من يعيد إليها دورها السابق، إن استردادها لدورها مشروط بالصدام مع العدو سياسياً وعسكرياً لحصاد الناتج الاقتصادي من منظور إيجابي، إنها بالتحليل تعتبره عدواً ولكن لا تلفظ ذلك في أد بياتها مع أنها تصر على أنها ستصارعه تجارياً وصناعياً وتقنياً وهي لم تفعل ذلك ب! عد حرب تشرين عندما تحول مجرى النهر العربي نفطياً إلى حقولها ففضلت أن تكون وقوداً للمؤامرة على ذاتها بحجة دحر الغرباء وأن من يملك قدرة احتساب (مدرسية) يستطيع الاستنتاج بأن جزءاً يسيراً من موارد لبنان مفترضة بفعل النفط العربي كان سيعطى (موارنة) لبنان اقتداراً يسكن كل فلسطيني فيه في ناطحة سحاب ليس لها نظير في الكرة الأرضية.

ولو سألني من لايعجبه هذا التصور قائلاً: عند أي مفصل كان يمكن البدء بذلك سأقول: لا أعرف، لأن حجم التأثير الماسوني في تلك الطائفة مجهول بالنسبة لي إلا في تجلياته المرئية، المهم أن الموارنة كانوا وما زالوا غير مرفوضين قيادة حتى ولو كانوا عملياً أقلية، فهم أكبر أقلية في وطن عربي تقود أقطاره أقليات وعائلات تحت عناوين مختلفة بل إنهم أرقى أقلية من حيث النوع والقدرة على تذوق العصر، لقد كانوا قادرين على إلحاق أمة بأسرها في ركابهم وليس لبنان وحده، فقد قادوا حتى كمستشارين أينما حلوا ولو تهيأت لهم قيادة تفهم عصرها لغيبوا قريشاً من التاريخ العربي وما زلت أمازح قياداتهم قائلاً: كيف حال أبي سفيان فيفهمون أني أقصد البطريرك ولكنهم أو لكنه يرفض إعطاء دور محمد في عصرنا لحافظ الأسد وإذا كان استرجاع التاريخ أمر لا يؤمن له كنظرية، إلا إني ما زلت في سياق هذه النظرية باعتبارها (الكتلة الحرجة) لا أعرف ما هي التنازلات التي على حافظ الأسد أن يفعلها ليعيد فعل الذي فعله محمد حيال قريش، إني أستنجد بأي قارئ مؤهل للكتابة في هذا الشأن لاسترداد هذه الطائفة (كلها) إلى عروبتها استرداداً قيادياً جارةً ولا م! جرورةً لتلعب الدور الذي تستطيع أن تلعبه بحيث تحمل الأمانة و الراية والقيادة كما فعلت قريش؟.

إن على القارئ أن يعتني بعدم مناقشتي كبعثي ومن منظور حزبي فلقد عجزنا منذ ميشيل عفلق وحتى تاريخه عن تنظيم عدد من المصريين يتجاوز أصابع اليد، بينما تمكن عمر أبن العاص من (فتحها) أقصد تحريرها بفوج من الرجال لا أعتقد أن إيمان أي منهم كان أرقى أو أكثر من كثافة إيمان (جول جمال) عندما افتداها.
أنا لا أناقش امتياز طائفة على أخرى بما سيكون ولكن نتائج ما كان. إن نظرية فاقد الشيء لا يعطيه، مريحة ولكنها خارجة عن السياق القيادي، لقد قلت في مناسبات متعددة في تحليل الفرق بين السوري واللبناني بعد سبعين سنة من (الافتراق الحكومي) وتأثيره على كل منها قلت أن جميع الأنظمة (الحكومات) السورية فعلت ما تستطيع لتربيع المواطن السوري أو تثليثه أو تسديسه أقصد بلغة فن العمارة تنجيره والنحاتون يقولون تهييره لجعل كل قطعة حجر تقبل وتتوافق مع الحجر الأخرى هذا ما كان أما حكومات لبنان فلقد حرصت على تكوين اللبناني كروياً مستديراً مدعبلاً يصعب على أي معماري أن يبن منه دون استخدام كميات كبيرة من الشحف والمؤنة والمثبتات ليستقيم البناء ويرتفع قليلاً ومع ذلك فهذا الحجر غير صمود لعوامل الزلزلة السياسية، ويحتاج إلى صيانة متتابعة وفصلية.

قد لا يكون المثال مطابقاً للواقع تماما ولا يوجد مثال يطابق للواقع، غاية المثال أن يوصل الفكرة فقد عبر عن ذلك الراحل العبقري عاصي الرحباني بإطلاقه على هذه الظاهرة ظاهرة الفكر (المركنتلي) وهو تعبير دقيق في علم السياسة ولكنه على الأغلب يتطابق أو ينسحب على النخبة المثقفة بنسبة ما، وهذا ما شجعني على الاستنتاج والمشابهة بين (قريش مكة) والطائفة المارونية في لبنانها ومهاجرها لذلك لا أستطيع اعتبار قريش التي شكلت ببطونها وقت ذاك كل مكة، أن أقول أن الطائفة المارونية شكلت البنان لكنها أسهمت في تكونه النفسي والسياسي وجعلته (يتنمذج) على الرموز الناجحة والسائدة والقائدة وكلها كانت تبدي تفوق في ما هو ذاتي على ما هو موضوعي ومن الصعب أن يستقيم الأمر في أي وطن فيه كل شيء معروض للبيع من قبل رجالاته وفي مقدمة الأشياء الوطن نفسه، وهكذا تعبير استخدمته في رسالتي المفتوحة إلى الرفيق نيقولا الشاوي الأمين العام للحزب الشيوعي المشار إليها في مقدمة هذا الدفتر، إن هذا التعبير سوقه أمامي الأستاذ عاصي الرحباني في العام 1972. وحاولت التنبه للكيفيات التي نشر بها هذه الفكرة في جمع مسرحياته أملاً في خلق نق! يضها وحالماً بوجود هذا النقيض بعبقريته الفذة في "ناطورة المفاتيح" ثم في "المحطة" وغيرها من مسرحياته حيث لا يخلو عمل له من معالجة لفقر الدم الاجتماعي الذي تبنّى علاجه بالفن الذي حمل فلسفة الأخوين رحباني والذي يتصدى زياد الرحباني لمعالجته كمرض خارج التمريرات الفنية الرائعة لوالده وبصورة أكثر مباشرة.

أن المحصلة الجوهرية تفيد بأن تفوقاً شاملاً قد حصل عليه شعب لبنان عبر التحديات التي فرضها عليه العدو الإسرائيلي ولقد تجلى هذا التفوق في أفراد لاحظوا بعبقرية إيمانية هائلة أن التاريخ يمر من أمامهم فقرروا امتطاء صهوته سواء بقتل أنفسهم كما فعل "خليل حاوي" احتجاجاً على وجود العدو الإسرائيلي في بيروت، أو بقتل جنرالاته في مقهى "الويمبي"، وكذلك ليس تجاوزاً أن نقول أن "سناء محيدلي" افتتحت باسم السوريين القوميين صفحة خاصة للمرأة العربية في التاريخ المعاصر عبر استشهادها الإرادي. إن القول أن في لبنان جيش من الإستشهاديين ليس جديداً ولا مشكوكاً فيه لكن ما لا يجب أن يكون موضع شك أن جيش الإستشهاديين غير قادم من رحم القرف من البقاء على قيد الحياة بل هو قادم من الإصرار على أهمية الحياة نفسها كما أر! ادها الله وليس كما يريدها العدو، وتترادف مع هذا الجيش جيوش أخرى من الش عراء والزجالين والفنانين والكتاب، إن لبنان الأصغر في الأمة العربية يستهلك الكمية الأكبر من المادة الأولية لثقافة الحبر والورق والإرسال الإعلامي وقد لا نذكر قطاع من قطاعات المجتمع ونذكر معه فرد واحد فقط وتبقى الأزمة أزمة التوافق الاجتماعي القائد + الأوركسترا + النوطة التي يتوافق عليها المجتمع وتستقطب الجميع وهذا أمر غير بعيد وسيكون له صبحه المتميز عندما يبدأ الغروب الصهيوني القادم.
 

 ( كلنا شركاء ) 05/10/2006

www.ssnps.jeeran.com

إن جميع المقالات التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع