|
في غمار الحرب العالمية الثانية بينما كانت القاذفات الألمانية تدك مباني
ومنشآت بريطانيا عموماً ولندن خصوصاً بشكل يومي وتزرع الرعب والدمار في النفوس
, كان "ونستون تشرشل" ينتقل من ملجأ الى ملجأ ويصر على متابعة الجلسات التي
خصصها لمناقشة "قانون الضمان الاجتماعي" . وقبل أن يحتفل تشرشل بانتصاره في
الحرب العالمية , جلس يدور سيجاره بين أصابعه ويحتفل بإصدار أول قانون للضمان
الاجتماعي حباً وصوناً لمواطنيه . لم تثنه قنابل الألمان عن رؤية الأهمية
المعلقة على ذلك القانون , ولم تدفعه الى القول بأن "هذا وقت الحرب وليس وقته "
.
إن سياسة "هذا ليس وقته" هي نتاج الفكر الاستراتيجي أحادي البعد وأصحابه الذين
لا يرون إلا ضرورة واحدة في آن . يركزون كل جهودهم عليها ويخصصون كل وقتهم لها
, حتى إذا ما انتهوا منها سلباً أو إيجاباً , انتقلوا للتعامل مع غيرها من
الأولويات . وإن حدث وأغفل البعد الزمني للتعامل مع هذه الأولوية وأصبحت مع
مرور الوقت جزء من مكونات الواقع , فغالباً ما يتحول وجودها الى ضرورة وسبب
لوجود المتعاملين معها . وكرد فعل "طبيعي" , ودفاعاً عن الوجود تصبح المحافظة
على تلك الأولوية من بديهياتهم فيدخلوا في حلقة الفلسفة اللانهائية للسبب
والمسبب . وقد تصبح تلك الأولوية من المقدسات , فيحرم على الآخرين مقاربتها بعد
أن حرم عليهم مقاربة غيرها من الأولويات صوناً للوقت الذي كان قد خصص لها منذ
البداية .
حلقة مفرغة وتوصيف حقيقي للمراوحة القاتلة التي لا يمكن الخروج منها إلا بالفكر
الاستراتيجي المتعدد الأبعاد المبني على الكفاءات وتكاملها ضمن رؤية واضحة لسلم
الأولويات والأهداف وطبيعتها ومدى أهميتها كعناصر يربط بينها عامل الزمن ضمن
منظومة الوجود-الواقع والمصير-المستقبل .
قد تكون الأولويات متتالية وقد تكون متوازية . وهذا ما يحدد الكيفية والكم
لضرورة التعامل معها , كما يحدد أيضاً طبيعة العلاقة الزمنية بينها . لكنها في
جميع الحالات لا تلغي الواحدة الأخرى , بل تتكامل فيما بينها . قد تتوالد
الأولويات من بعضها البعض , وقد تموت واحدة لتلد الأخرى , وقد تموت بموتها .
لكن المهم من هذا كله هو القول بأن الوقت يجب أن يتسع لكل الأولويات حسب سلمها
.
ولا مجال للقول أبداً أن " هذا ليس وقته" تحت أي ظرف من الظروف .
|
|