|
دخل أحد الأصدقاء إلى مكتبي
هذا الصباح متجهماً , وقبل أن يلقي التحية علي ألقى بهمومه أمامي على الطاولة .
كانت هموماً متراكمة عبر سنوات الغربة وتسارع الأحداث العاصفة بوطننا وعبر
الإحباطات من انتظار الآتي الذي لم يأت حتى الآن .
قال الصديق : تصورت (ولا أريد أن أقول حلمت) أنني في دمشق , أقف على الرصيف
المقابل لمبنى مجلس الشعب السوري (البرلمان) , أقف هناك وأصرخ بأعلى صوتى
معاتبا ً قاطني و زوار ذلك المبنى التاريخي الغافين على كراسيهم , مذكراً إياهم
بأنها "لو دامت لغيرهم لما وصلت إليهم" .
أعاتبهم على أدائهم المخجل في جلسة الرد على "عبد الحليم خدام" التي شاهدتها
وسمعتها , والتي لم تفاجئني بما تضمنته من نبش متأخر جداً لتاريخ المذكور , بل
بالكيفية التي تم من خلالها تحويل تلك الجلسة البرلمانية إلى سوق عكاظ كلامي
تبارى فيها شعراء وقوالين وزجالين وغاب عنها كل أثر لرجال دولة مخططين ولمهنيين
محترفين قادرين على وضع النقاط فوق الحروف أو تحتها بكلمات أقل وأدل .
لقد اتفق جميع أعضاء السلطة التشريعية المحترمون على أن "عبد الحليم خدام" لم
يعد "الرفيق" ولا "السيد" ولا "الأخ" ولا "أبو جمال" ولا "عبد الحليم" ولا حتى
"خدام" .
وهو الذي كان قبل ذلك التاريخ بوقت ليس ببعيد كل تلك النعوت والألقاب مجتمعة
وأكثر , ليس بعرفي أنا بل بعرف أعضاء المجلس أنفسهم . فما الذي تبدل حتى كشف
الغطاء عن هذا الرجل وأصبح "الخدام" و"العميل النائم" و "رأس الفساد" ؟ لماذا
الآن فقط ؟ .
ليس اعتراضاً على التهم , ولا دفاعاً عن "الخدام" الذي يستحق ما أوصل نفسه إليه
. لكن الاعتراض كل الاعتراض على التوقيت وعلى الردود المتخلفة التي جاءت من
أعضاء السلطة التشريعية في البلاد الممثلين – حسب رأيهم – للشعب السوري . لقد
خجل الشعب السوري وهو يستمع إلى ماجاء في بعض الخطب العصماء وبعض المعلقات
المدبجة من مفردات يندى لذكرها الجبين .
توقف صديقي قليلاً ثم تابع قائلاً : كنت أود استكمال هذا المشهد وكتابته ونشره
, لكنني تراجعت لأسباب ثلاثة أولها أنني لست قادراً على المجاملة في ما يتعلق
بالوطن , فإن كتبت سأصب أفكاري على الورق بلا مجاملات , وثانيها أنني لا أحبذ
الأسماء المستعارة لأنها واجهة للخوف والمراوغة , أما ثالث الأسباب فهو خوفي من
الوصول الى "بيت خالتي" عوضاً عن الوصول الى بيتنا إذا ما زرت الوطن , وأنا
الذي لا يستطيع التوقف عن زيارته مرة واحدة في العام على الأقل .
غادرني صديقي تاركاً همومه موزعة على مكتبي تغطي كل أوراقي وبرامج عملي
ومواعيدي فارتأيت أنه قد يكون من المفيد تحويلها إلى رسالة مفتوحة إلى كل مواطن
سوري مازال يرى بصيص أمل لهذا الوطن ويعمل من أجله , وفي مقدمة المعنيين
المواطن الأول الدكتور بشار الأسد , رئيس الجمهورية .
أردت أن أقول في رسالتي أن المواطنية السورية هي نقيض وبديل العشائرية
والطوائفية والمذهبية للتقييم والبناء . وأن بناء الدولة الحديثة ومحاربة
الفساد لا يتمان بزخرفة التمنيات ونظم قصائد المديح حتى لو ارتجلت تحت قبة
البرلمان .
بل تنجز بالأفعال المسنودة إلى العلوم الحديثة والرؤية المستقبلية الثاقبة
والنهج التحليلي وخطط العمل المجدولة زمنياً والرجل المناسب للمكان المناسب .
ونحن لسنا بغريبين أو عنها , فمن سمع أو قرأ خطابات الدكتور بشارالأسد
ومقابلاته , أو سمع أو قرأ شروحات الدكتور عبدالله الدردري ومداخلات الدكتور
فيصل مقداد وقليلون غيرهم , وقارنها مع ما تضمنته جلسة مجلس الشعب آنفة الذكر
من كم وكيف , يعرف أن هاتين الظاهرتين لا يمكن أن تنتميا لبيئة واحدة لا في
الزمان ولا في المكان .
ولكي نبني القاسم المشترك ونصوغ انتماءً واحداً لبيئة واحدة محددة الملامح
والأبعاد , لابد لنا من التأكيد على العناوين التالية :
• وضع قانون محاربة الفساد والإفساد قيد التنفيذ .
• تشكيل لجنة قضائية مختصة بصلاحيات عملانية مدعومة من رئاسة الجمهورية للإشراف
على تطبيق القانون المذكور .
• وضع قانون تشكيل الأحزاب وتنظيم عملها قيد التنفيذ .
• فك أسر الأحزاب المنضوية في إطار "الجبهة الوطنية التقدمية" , بما فيهم حزب
البعث العربي الاشتراكي , والسماح لهم بحرية الحركة منفردين حسب القانون .
• وقف العمل بقوانين الطوارئ للحد من تسلط أجهزة الأمن غير المبرر ولطمأنة
المواطنين وغيرهم .
• إطلاق سراح جميع المعتقلين السياسيين .
• دعوة جميع السوريين من أصحاب الكفاءات والاختصاصات والخبرات الناجحة إلى
المساهمة في بناء الدولة الحديثة , وتهيئة الفرص لهم للقيام بذلك .
• فتح الحوار الشفاف بين الحكومة والشعب ممثلاً بأحزابه ومنظمات مجتمعه المدني
عبر مؤسسات الدولة الرسمية كالبرلمان والنقابات .
• الدعوة إلى انتخابات برلمانية شفافة وحرة تقودها الأحزاب العاملة على الساحة
الوطنية وقوى المجتمع المدني .
قد يحتاج كل عنوان من هذه العناوين الى تعديل وتنقيح و خطط عمل وبرامج تنفيذ لا
مجال للخوض في تفصيلاتها هنا , لكنها متروكة لمن يقدر أهميتها ويرى لديه ما
يسرع في الوصول إلى استكمال البناء وتحصين الوطن ضد كل المعتدين . وكل قادر
يتقاعس عليه أن يدرك بأنه يساهم بشكل مباشر أو غير مباشر في بقاء وطننا سورية ,
موطن التاريخ , "خارج التاريخ" . |
|