|
على مدى مايقارب العقود
الأربعة تراكمت في عقل وقلب ونفس كل مواطن سوري أزمات من كل صنف ولون , حتى
كادت (إن لم تكن قد فعلت ) أن تودي بولاء هذا المواطن وانتمائه لوطنه .
خلاصة تلك السنوات المرة دفعت بالمواطن السوري الى أن يكره كل شعار يرفع ,
لعلمه بأنه إما مفرغ أو سيفرغ من مضامينه لاحقاً , وأن يخاف من كل وعد يعطى
وعلى كل وعد يقطع ليقينه بأنه ما من وعد سيتم الوفاء به , وأن يكفر بكل "مكرمة"
منحت له واستلمها صاغراً بيمينه لقناعته بأنه سيدفع بيسراه أضعافاً لتداعياتها
.
تدحرجت كرة الثلج , وتضخمت هموم الوطن إلى أن آلت إرثاً ثقيلاً وصل إلى رئيس
الجمهورية الشاب الدكتور بشار الأسد وفريق عمله . إرثاً ينوء تحته حتى أكثر
رجال الدولة حنكة وتجربة وأشدهم تمرساً وخبرة . فقد ورث اقتصاداً ضعيفاً وقضاءً
مغيباً وإعلاماً مشوهاً ومؤسسات مشلولة نخرها الفساد والإفساد وأحزاباً شاخت
برامجها وهرم ممثلوها على مقاعد "الجبهة الوطنية التقدمية" التي لا يذكرها
"الرفاق" في حزب البعث إلا ليزينوا بها مداخلاتهم وأحاديثهم عن التعددية
الحزبية والديموقراطية , وهي لم تكن سوى شاهد زور على الأمرين معاً .
رغم كل ذلك "عفا الشعب عن ما مضى" وهو يتسلم الزيادات المعاشية الواحدة تلو
الأخرى واستبشر خيراً بالوجوه الشابة التي لونت الصورة التقليدية التي اعتادها
لقيادته , "فطمع" الشعب ورفع سقف توقعاته رغم أنه بقي خجولاً وحذراً أو خائفاً
في التعبير عنها علانية . لكنه ومع بطئ مسيرة الإنجاز الحكومي تحولت تلك
التوقعات والآمال المعقودة الى استحقاقات جديدة تنتظر من يقف عندها , والى ثلوج
إضافية زادت حجم كرة الثلج المتهاوية .
وعلى الرغم من أن "دوام الحال من المحال" إلا أن الوضع العام بقي تحت السيطرة
إلى أن أعلنت حرب " الضغوط الخارجية" على سورية وأشهر سيف المقاطعة والتهديدات
الهادفة الى تعميم مبدأ " الفوضى الخلاقة" وتجزئة المجزأ وديموقراطية الطوائف
إثر الأحداث الاقليمية التي عصفت بالمنطقة من العراق الى فلطسين .
وقد يكون من حسنات هذا الإعلان المدوي الذي أشعل الفتيل ووصل بالمنطقة الى حافة
الإنفجار "إن وجدت" , أنه سمى الأشياء بمسمياتها فتباينت ألوان الطيف الحكومي ,
فتيار قرر متابعة مسيرته البطيئة في البناء ومحاربة الفساد , بينما تيار آخر
خاف وآثر الصمت المريب بانتظار ركوب موجة "المنتصرين" في صراع محتدم , وعن هذا
التيار انسلخت فئة تضخم الخوف لديها فانسلت باحثة لنفسها عن مكان على "خريطة
الشرق الأوسط الكبير" الموعودة .
تلك هي الصورة والخيارات , ولم يعد أمام الحكومة الآن سوى التنازل الواقعي !!
فبعد أن أصبح الوطن , كل الوطن , في عنق الزجاجة , وأصبح واضحاً ان الجميع
سيختنق , حكومة وشعباً , إن طال السير في عنق الزجاجة هذا .
فأي التنازلات ستختار الحكومة ؟
هل ستتنازل للخارج راضخة "للكبار وأصحاب القرار" لتحقيق حلم راود وما زال يراود
الكثيرين قريبين وبعيدين لمحو تاريخ هذا الوطن وإلغاء هويته ؟
أم ستختار التنازل للداخل وتتصالح مع الشعب لبناء دولة المؤسسات وترسيخ مواطنية
المواطن بديلاً عن كل ما سبقها من معايير التصنيف المتخلفة السابقة عبر :
• وضع قانون محاربة الفساد والإفساد قيد التنفيذ .
• تشكيل لجنة قضائية مختصة بصلاحيات عملانية مدعومة من رئاسة الجمهورية للإشراف
على تطبيق القانون المذكور .
• وضع قانون تشكيل الأحزاب وتنظيم عملها قيد التنفيذ .
• فك أسر الأحزاب المنضوية في إطار "الجبهة الوطنية التقدمية" , بما فيهم حزب
البعث العربي الاشتراكي , والسماح لهم بحرية الحركة منفردين حسب القانون .
• وقف العمل بقوانين الطوارئ للحد من تسلط أجهزة الأمن غير المبرر ولطمأنة
المواطنين وغيرهم .
• إطلاق سراح جميع المعتقلين السياسيين .
• دعوة جميع السوريين من أصحاب الكفاءات والاختصاصات والخبرات الناجحة إلى
المساهمة في بناء الدولة الحديثة , وتهيئة الفرص لهم للقيام بذلك .
• فتح الحوار الشفاف بين الحكومة والشعب ممثلاً بأحزابه ومنظمات مجتمعه المدني
عبر مؤسسات الدولة الرسمية كالبرلمان والنقابات .
• الدعوة إلى انتخابات برلمانية شفافة وحرة تقودها الأحزاب العاملة على الساحة
الوطنية وقوى المجتمع المدني .
أليس من فرق بين هذا التنازل وذاك ؟
أليس في بعض التنازل بعض الانكسار ؟
وفي بعضه كل انتصار ؟
فأين القرار ؟ |
|