|
تميز الحزب السوري القومي الاجتماعي عن غيره من الأحزاب على الساحة الشامية
باحتفاظه بمساحة لا بأس بها من الذاكرة الشعبية الجماعية رغم سنين غيابه
الطويلة عن تلك الساحة . لكنه وما أن عاد الى الظهور حتى بدت قياداته المحلية
مرتبكة أمام مستجدات العمل وأدواته , فنأت بنفسها عن التعامل مع هموم المواطن
والوطن وارتضت لنفسها طريقاً واحدة سلكته لعودتها للمارسة نشاطها في ساحة الشام
التي اعتبرت يوماً ما معقلها وحصنها المنيع . منذ ثمانينات القرن الماضي مر
نشاط الحزب السوري القومي الاجتماعي في الشام بمراحل ثلاثة . الأولى هي مرحلة
الحزب السوري القومي الاجتماعي – اللبناني , أي حين كان النشاط الحزبي ممنوعاً
في الشام ومدعوماً في لبنان . أما المرحلة الثانية فكانت حين أصبح الحزب
"واقعاً غير معترف به" في الشام , وهي المرحلة التي امتدت حتى قبول القيادة
الشامية للحزب كعضو مراقب ثم أصيل في "الجبهة الوطنية التقدمية" . والمرحلة
الثالثة هي ماتلى ذلك من ممارسة للنشاط الحزبي العلني كشريك "في السلطة" . هذا
استعراض تاريخي مختصر جدا لا يهدف الى الوقوف على التفاصيل ومناقشتها بل ما
أريد منه هو أن يسلط الضوء على الانجازات التي حققها النشاط الحزبي عبر تلك
المراحل مجتمعة .
لا ريب أن الحزب عاد الى ذاكرة المواطنين في الشام . لكنه أطل عليهم في نهاية
القرن العشرين وبداية الواحد والعشرين بعقلية وصورة الخمسينات من القرن الماضي
. عاد إليهم في خضم عصر المعرفة والمعلومات وتسايق التقنيات وحرب الاعلام
العولمة والخصصة والاستراتيجيات عابرة القارات والثقافات . عاد الحزب الى الشام
بهيئة الخمسينات ولكنه لم يحمل معه من تلك الحقبة حتى ما أنجزه حينها , لا صحفه
الاخبارية ولا مجلاته الثقافية ولا مدارسه النهضوية التعليمية . كل ما حمله معه
كان الذكريات وقصص البطولات . لم يستطع الحزب أن يخلق من ذكرياته وتاريخه رافعة
للعودة الصحيحة وأدوات تمكنه من تبوء مكاناً له في عصر صراع المصالح , كما أنه
لم يتمكن من ابتكار مستلزمات العودة لنفسه , فاستسهل العيش على صدى الذكريات
وسلوك الدروب التي كتبت عليها السلطات الرسمية " مسموح المرور " , وغالباً ما
كانت دروب باتجاه واحد .
لم يصبح الحزب شريكاً للمواطن في همومه لبناء وطنه , بل أصبح شريكاً للحكومة في
جلسات "الجبهة الوطنية التقدمية" . رغم العلم بأن المواطن يحتاج دائماً الى
شريك يشاطره همومه وأفكاره ومخططاته لبناء الوطن , ورغم العلم أيضاً بأن
الحكومة لم تكن بحاجة أبداً "مصفق" جديد آخر , فقد كان ومازال لديها الكثيرين .
هذا ليس استنكاراً لدخول الجبهة , رغم اعتراضي على مبدأ جبهة الأحزاب , بقدر ما
هواستنكار واستهجان لطريقة الوصول الى مقاعدها التي أصبحت بنظر قاصديها هدفاً
بحد ذاتها وبديلاً عن كل مشروع وكل برنامج عمل مفيد .
قد لا يكون الأوان قد فات لإعادة الاعتبار الى حدث أصبح أمراً واقعاً , وقد
يكون من المفيد أن يعلم من أصبح "يمثل " الحزب داخل الجبهة أو تحت قبة البرلمان
أن ذلك المكان ليس استراحة مسافرين أو منتدى شعري أو مأوى للمعاقين والعاطلين
عن العمل , بل هو منبر لشرف حمل هموم الوطن والمواطن والتعبير عنها ضمن خطط
البناء والتشريع لتحسين حياة الانسان وتمتين ارتباطه بوطنه .
قد لا يكون الأوان قد فات , إذا ما وقف "من يهمه الأمر" وطرح برنامج عمله
علانية وطالب بتطبيقه بشفافية , برنامجه الذي قبل على أساسه أن يتنكب تمثيل
اعضاء الحزب , هذا إن كان يقصد تمثيلهم .
قد لا يكون الأوان قد فات إذا ما سأل "من يهمه الأمر" نفسه عن انجازاته بعد كل
تلك السنوات . والكل يعلم أن حزباً يضم بين أعضائه ومؤيديه نخبة من أهم كتاب
ومثقفي الوطن وكفاءاته العلمية لا يملك حتى الآن في الشام ترخيصاً لجريدة تتحدث
عن هموم المواطن والوطن , ولا لمجلة تنير الدرب وتوسع الأفق الثقافي , ولا
لمدرسة تعلم الأجيال وتعدهم لما هو آت , ولا لجامعة تفتح أما الطلاب آفاق
العلوم الحديثة , ولا لشركة تحقق الربح والنفع العام , ولا لمستشفى يرى المواطن
المريض انساناً وليس مبلغاً من المال .
ليس القومي الاجتماعي من يقبل أن يصبح سائحاً في وطنه , لا علاقة له بهموم
مواطنيه وأهله . وليس هو من يقبل دور "المصفق" أو شاهد الزور مقابل أية إغراءات
.
هذه ليست مطالبة للقيادة الحزبية بالإنقلاب على الحكومة الشامية , أو الوقوف
الى جانب "الكبار وصناع القرار " في الضغط على الحكومة , بل هي مطالبة جدية
"لمن يهمه الأمر" بأخذ دوره الطبيعي ومكانه الطبيعي في الوقوف الى جانب المواطن
في التعبير عن همومه , والى جانب الحكومة لمساعدتها وتسهيل مهمتها في تحقيق
النصر على الهموم وليس على المواطن وتأييدها في بناء الوطن للمواطن وليس على
أنقاضه .
وليس آخراً , الاعتراف بالخطأ إذا ما وقع , كائناً من كان مرتكبه .
|
|