صدى النهضة السورية القومية الاجتماعية                      www.ssnps.jeeran.com
 

محاكمة أنطون سعاده

اغتيال باسم القانون
 
عبد الله قبرصي


لم يسبق في تاريخ المحاكمات السياسية ، في العالم اجمع ، وفي التاريخ القضائي منذ اصبح في العالم قضاء وقانون مكتوب ، ان جرت محاكمة متهم خلافاً لكل النصوص ولكل الأعراف ولأبسط حقوق الإنسان كذلك ، كما هي محاكمة انطون سعاده .

سلم الخائن حسني الزعيم انطون سعاده الى السلطات اللبنانية ، في السادس من تموز ليلاً مشترطاً ان يقتل في الطريق الى بيروت ، وإلا تجري محاكمته لئلا تفتضح خيانته . وكان مندوباً الحكومة نور الدين الرفاعي مدير قوى الأمن الداخلي والمير فريد شهاب مدير الأمن العام .

إلا ان حسني الزعيم على ما يروى عديله نذير فنصة في مذكراته كان قد صمم على تسليم انطون سعاده لقاء أموال قبضها من الموساد "الإسرائيلي" كما اكتشف رفيقنا الباحث جان دايه وتحت ظروف دولية عربية وأجنبية .

يروي الباحثون ان سعاده دخل القصر الجمهوري وحده ، لأن مرافقه صبحي بركات سيق الى السجن . وعندما قابله حسني الزعيم قال له : هؤلاء جماعتك ، شوف شغلك معهم وهكذا نشرت الصحف فما كان من سعاده إلا ان رمى المسدس الذي أهداه إياه حسني الزعيم عربوناً لصداقته وإثباتاً للقيام بتنفيذ تعهداته ، في وجه حسني الزعيم ، واتجه صوب نور الدين الرفاعي وفريد شهاب ، اللذين اصطحباه الى سيارة حكومية لبنانية وأجلساه بينهما ، بينما كان إلى جانب السائق جندي مسلح .

عندما دخلت السيارة إلى وادي الحرير ، طلب نور الدين الرفاعي من سعاده ان ينزل من السيارة لقضاء حاجة لنفسه . فهّم سعاده بالنزول ، إلا أن المير فريد منعه من ذلك .

وصلت إلينا هذه الواقعة فتوجهنا أنا ونزار فؤاد ابو عجرم ، أديب قدورة والدكتور جورج صليبي الى قصر المير فريد في الحدث ، فشكرناه بحرارة ، وقد سمعته بإذني يقول : لو نور الدين قتل سعاده في وادي الحرير كنت مصمماً على قتله ‍‍! ..

المهم والتاريخي ، أن سعاده أودع ثكنة الدرك اللبناني قرب مستشفى أوتيل ديو وجاء كل من بشارة الخوري ورياض الصلح لمشاهدته ليطمئنا الى أنه في قبضتهما .

عين القاضي أديب عفيش محققاً لاستجوابه وكان مدعي عام التمييز يوسف شربل يمثل الحق العام ، وكان يحضر جلسات التحقيق على ما روي لي شخصياً صديقي النقيب الراحل المحامي الكبير جان جلخ ، الذي اخبرني نقلاً عن شربل أن هذا الأخير سأل انطون سعاده ساخراً : يا انطون ، تعرف مصيرك فقل لنا ماذا تشعر الآن ، أجاب سعاده بهدوئه ورصانته وكبريائه : "اعرف أنني سأموت لكن حزبي باق" .

نشرت الصحف - وتبين لي من ملف الدعوى الذي اطلعت عليه بعد حين بواسطة رئيس القلم صديقي الراحل ميشال ابو شقرا أن التحقيق والمحاكمة واجتماع بعض أعضاء لجنة العفو في القصر الجمهوري واخذ توقيع المير مجيد ورياض الصلح وبشارة الخوري ، وتنفيذ الحكم على جناح بيروت، كل هذه المعاملات ، تمت في عشرين ساعة . وقد ذكر النائب نعيم مغبغب في مقالة نشرها في مجلة الجمهور بالتفصيل كل المخالفات التي ارتكبها التحقيق والمحكمة ولجنة العفو ، وبيّن أنها تشكل فضائح لا مخالفات فحسب .

ولكي نذكر للتاريخ بعض الحقائق . نروي ما قاله لنا الرئيس العلامة وزير العدل والرئيس الأول لمحكمة التمييز ولمجلس القضاء الأعلى الراحل الأستاذ اميل تيان ، قال : دعيت الى القصر الجمهوري بعد منتصف ليل الثامن من تموز لأرأس لجنة العفو للنظر في حكم الإعدام الذي أصدرته المحكمة العسكرية ، فرفضت قائلاً .. لجنة العفو تجتمع في قصر العدل لا في القصر الجمهوري . وبدعوة من رئيسها لا بدعوة من رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة . وهكذا فعل عضو اللجنة الراحل جورج السيوفي . أما اللذان لبيا وخالفا . ووافقا على الحكم فهما رضا التامر وزهدي يكن .

وقد جيء بالكاهن برباري ليعرفه ويناوله القربان المقدس في تلك الساعة المبكرة من صباح الثامن من تموز .

طلب سعاده مقابلة زوجته وبناته فرفض طلبه . سأله القاضي فؤاد بولس الذي كان رئيس محكمة بيروت ما هي وصيته الأخيرة ، فأجاب : أن لي قطعة ارض في ضهور الشوير فيها نزل غير مكتمل تسجل على اسم زوجتي وبناتي بالتساوي ، كما أني أملك أربعماية ليرة لبنانية توزع على الأربع بالتساوي .

لقد سمعت وأنا نائم قريباً من مكان إعدام سعاده في الرملة البيضاء – الجناح صوت الرصاصات التي اخترقت جسده ، وأفقت مذعوراً ثم عدت الى النوم معتقداً أنني ابصر مناماً .

في ساحة الإعدام ، قال سعاده لجلاديه ، شكراً ، ثم أطلق آية البطولة الأسطورية عندما قال لهم : دعوى عيني مفتوحتين لأرى ،…

كنت قبل الثورة القومية الاجتماعية الأولى وكيلاً عند رجال الشرطة العسكرية إذا سيق أحدهم للمحاكمة بتهمة ما ، وكان قائدهم النقيب حبيب بريدي (زحلة) من أعز أصدقائي ,

استسلمت أنا على يده ، بعد إعدام سعاده بشهرين فأنزلني في منزله ليلة واحدة ليسلمني في اليوم التالي الى المحكمة ، كانت عينا الرجل محمرتين فقال لي : لا أزال ابكي انطون سعاده . أنا أطلقت على رأسه رصاصة الرحمة وقد أوصاني بأن انقل الى زوجته وصيته الأخيرة . فرجوته ان يقولها لي فأجاب : للأمانة لا أستطيع . إرادة سعاده كانت ان انقلها الى زوجته وحدها . ومات الرجل بسكتة قلبية . قبل ان يوصل الوصية الى الأمينة الأولى زوجة سعاده .

حكم المحاكم باسم الشعب اللبناني ، وفي دعوى انطون سعاده ، حكمت المحكمة باسمها وباسم الحكومة فقط ، فالشعب اللبناني – إلا الذين باعوا أنفسهم – حكم على المحكمة وحكمها الجائر رافضاً أي تعليل او تبرير الشعب اللبناني كان في حدقته الرافض لحكم الإعدام على سعاده والمهلل والمكبر لبطولته الأسطورية ، الصوت الصارخ في وجه المحكمة والحكم بإدانة الحكم والمحكمة .

لقد كتب القائد الشهيد كمال جنبلاط استجواباً الى الحكومة اللبنانية مؤرخاً في 9 أيلول 1949 بيّن فيه المخالفات والضغوط الدولية وتدخل بعض رجال الدين الإجرامي ، كما ذكر عبقريات انطون سعاده وبطولته وعظمته كما كتب غسان تويني في جريدة النهار 9 تموز مقاله الشهير : سعاده المجرم الشهيد الذي اثبت فيه ان الحكم على انطون سعاده كان أشبه بالقضية الإدارية ، فحوكم وحكم بالسجن ثلاثة اشهر قضاها في سجن الرمل .

ومؤخراً قرأت تصريحات ، ثم قرأت في الاثني عشرية للوزير والنائب السابق المحامي الكبير ادمون رزق ، قوله : ان الحكم بإعدام انطون سعاده كان اغتيالاً بكل معنى الكلمة Un arr assina tur et sirple .

ولأننا في صدد المخالفات (هل يمكن تعدادها) نذكر أول ما نذكر ان سعاده دعا للدفاع عنه المحامي الأشهر سيد المنبر الجنائي دون منازع في لبنان والعالم العربي الوزير والنائب أيضاً اميل لحود (عم رئيس جمهوريتنا الحالي اميل لحود ،) فحضر الأستاذ لحود الى المحكمة العسكرية وطلب مهلة 24 ساعة لدراسة الملف ، فرفض طلبه فانسحب ، سعاده ناداه : يا اميل أريدك ان تبقى ، فخرج غاضباً لا يرد على سعاده ولا على احد ، هاله ما يجري فرفض ان يكون شاهد زور . فاصبح سعاده بلا محام يدافع عنه .

أما المحكمة التي حكمت على سعاده ، فرفضت ان تعترف بأن جرمه سياسي لا يجوز فيه حكم الإعدام بل الاعتقال المؤبد عملاً بنصوص من المواد : 166 – 167 – 168 ، من قانون العقوبات الساري المفعول آنذاك .

ان محاكمة سعاده خرق فاضح – بإعتراف مفوض الحكومة آنذاك الأستاذ الراحل ميشال تلجة – لكل مواد قانون أصول المحاكمات الجزائية ، فلماذا اسردها واحدة واحدة ، كما كان خرقاً لنص قانون العقوبات في مواده 166 – 167 – 168 فلماذا الشرح والتعليل ؟

هل يمكن ان نغفر للمحكمة التي حكمت بالإعدام رفضها للمحامي الكبير اميل لحود – الذي نفتخر أننا تتلمذنا على يده إعطاءه مدة 24 ساعة ليدرس الملف ؟ هل هذا الجرم قابل للغفران . وهل كان يمكن للمحكمة ان ترتكب تلك المخالفة لولا أنها كانت محمية من الحكومة القائمة ؟

نكتب . ونتأمل ونستذكر ونتألم ونغضب ونثور ولكن المطلوب هو الإجابة على هذا السؤال : هل استشهد سعاده من اجل هذا ام من اجل انتصار القضية القومية الاجتماعية التي أنشأها ونذر حياته لها وبذل دمه من اجلها ؟
 

www.ssnps.jeeran.com

إن جميع المقالات التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع