ينتمي سعاده إلى جيلٍ من المفكرين السياسيين أصحاب المشاريع الكبرى لتغيير
العالم المعيش. فلقد أسس أهدافه السياسية ـ المترابطة بمصير الأمة السورية ـ
على صياغة نظرية لمنطق التطور التاريخي، وخاصة في كتابه الشهير "نشوء الأمم".
والحق، أن سعاده كان يهدف من "نشوء الأمم" أن يكون مقدمة ميتودولوجية، عامة
لينتقل بعدها إلى نشوء الأمة السورية وتحديد موقعها في منطق التاريخ العام.
وهنا نقبض على طريقة تفكيره الأساسية في النظر إلى التاريخ، ألا وهي العلاقة
بين العام والخاص، بين المنطقي المجرد، والتاريخي المتعين.
فنشوء الأمم نظرية في التاريخ الذي ـ في سيرورته ـ المتطورة أنتج ظاهرة الأمة.
والتاريخ سيرورة معقدة، إنها انتقال من البسيط إلى المركب، تغلب فيها عوامل
اقتصادية "المصلحة المتبادلة بين البشر" وعوامل الطبيعة ـ جغرافية تعيّن اتجاه
التقدم أو المدنية. وعوامل إتنية ـ كمزيج سلالي ينتج مركبّاً اجتماعياً جديداً.
وإذا كانت الأمة هي تعيين للمجتمع في أعلى مراحل تطوره، فإن المجتمع ذاته هو
عملية تاريخية ـ نظم اقتصادية وسياسية وثقافية. مترابطة، وتتعين في مراحل
تاريخية، كل مرحلة تقود إلى الأخرى على نحوٍ ضروري.
التاريخ عند سعاده ضرورة، والضرورة التاريخية تنطوي على القانون التاريخي. لكن
هذه الضرورة تأخذ طابعاً موضوعياً، ذات عوامل من داخل التاريخ ذاته. والقانون
التاريخي بدوره هو جملة علاقات موضوعية. غير أن تحقق القانون التاريخي لا يأخذ
شكلاً واحداً. إنه محكوم بخصوصية التجربة التاريخية.
إذاً فمنطق التاريخ، ليس شيئاً مضافاً إلى التاريخ من خارجه، إنه حركة التاريخ
الواقعية وقد أخذت صيغة الوعي النظري ـ الفلسفي.
ولهذا نجد أن سعاده ـ وخاصة في نشوء الأمم ـ يسعى إلى الوقوف عند الجوهري في
السيرورة التاريخية. فيحدّد المجتمع المتوحش ـ البدوي وسماته الأساسية، كاشفاً
عن فعل العوامل الاقتصادية في كل مرحلة من مراحل التاريخ. وهو في رصده للتطور
إنما أراد أن يصل في النهاية إلى المرحلة الأخيرة في الاجتماع البشري ، ألا وهي
الأمة.
هل الأمة غاية التاريخ عند سعاده؟ من الصعب أن نشتق غائية مسبقة للتاريخ عنده ،
بل على خلاف ذلك الأمة نتيجة موضوعية لتطور التاريخ الاجتماعي.
فالتطور التاريخي أفضى إلى: "جماعة من البشر تحيا حياة موحدة المصالح، موحدة
المصير، موحدة العوامل النفسية المادية في قطرٍ معين يكسبها تفاعلها معه ـ في
مجرى التطور ـ خصائص ومزايا تميزها عن غيرها من الجماعات..
وتاريخية المجتمع لا تنتج تاريخية الأمة فحسب، وإنما تاريخية الدولة أيضاً.
الأمة مجتمع مركب، لكنها ليست المجتمع المركب الوحيد، إنها أرقى أشكال المجتمع
المركب. والدولة لا تظهر إلا في المجتمع المركب ولو تركيباً بسيطاً.
الدولة سابقة على الأمة، لأنها صورة المجتمع.
وفي كل مرحلة من مراحل تطور المجتمع تبرز صورة مطابقة له في الدولة. التي هي
الأخرى تاريخية، وآخر مراحل تطورها ـ كما هي في زمن سعاده "الدولة الديمقراطية
القومية" وآية ذلك أنها ـ أي الدولة الديمقراطية القومية ـ صورة مجتمع الأمة.
أو هي تعبير عن إرادة الأمة.. وبهذا الصدد يقول سعاده: "الدولة الديمقراطية لا
تمثل التاريخ الماضي، ولا التقاليد العتيقة، ولا مشيئة الله، ولا المجد الغابر،
بل مصلحة الشعب ذي الحياة الواحدة، الممثلة بالإرادة الواحدة في الإجماع
الفاعل، لا في الإجماع المطاوع".
الإجماع الفاعل إرادة الأمة في تحقيق صورتها ـ أي الدولة.
والحق أن المعنى القابع وراء هذا الجهد النظري لا يمكن فهمه إلا استناداً إلى
هاجس سعاده الأساسي: ألا وهو ضرورة انتصار الإجماع الفاعل في تحقيق الدولة
الديمقراطية القومية، أي وصول الأمة السورية إلى صورتها الضرورية.
إن خصوصية الأمة السورية ـ كما هي عند سعاده ـ في راهنها أنها لم تجد بعد
صورتها. وهكذا فعلى،.. الإرادة القومية أن تخفّ لتحقيق صورة الأمة.
تواجه الإرادة القومية إرادة خارجية ويجب أن تنتصر عليها. الإرادة الخارجية ـ
الغرب الاستعماري ـ والصهيونية تحول دون انتصار الدولة الديمقراطية القومية.
فعلى الإرادة الفاعلة ـ القومية أن تتحمل عبء تخفيق منطق التاريخ النابذة له
الإرادة الخارجية.
ها قد غدت القومية ـ عصبية الأمة الروحية الواحدة ـ الشعور الواحد المنبثق من
الأمة.
إن القومية هي ذاتها إرادة الأمة.
كأنما الإرادة هنا تسعى لتساعد التاريخ على انتصاره. لكنها الإرادة الواعية، لا
بوصفها إرادة قومية، أي واعية بمصير الأمة كما يجب أن تكون، بل واعية بمنطق
التطور التاريخي بعامة.
بكلمة أخرى: لقد كلف سعاده الإرادة بمهمة لم يستطيع التاريخ أن ينجزها، ألا وهي
وحدة الأمة في صورتها الدولة الديمقراطية القومية.
ومن هذه الزاوية يشترك سعاده مع معظم فلاسفة القومية في الوطن العربي.
وكان من شأن هذا الاعتقاد بدور الإرادة في التاريخ أن يعبّر عن نفسه بحركات
قومية، تحقق نزوع الأمة التاريخي.
لا يمكن أن نفهم نزوعاً كهذا إلا إذا أخذنا بعين الاعتبار إحساس القوميين
بصلابة الواقع الذي يأبى التزحزح عن حالته، وحجم التدخل الأوروبي الاستعماري
الكابح للتقدم التاريخي الحر، أو الواقف ضد منطق التطور ذاته.
ووجود قوى داخلية صارت مرتبطة بهذا الشكل أو ذاك مع الإرادة الأوروبية
الاستعمارية.
وعلى أي حال، إن الواقع الذي واجهه سعاده بشجاعة نادرة وفكر مستنير، مرتبط
بمستوى تطور زمانه، وما زال هو هو.
فهل لنا أن نتساءل عن معنى الدرس الذي علمنا إياه سعاده والحصري؟
هل لنا أن نتمثل تجربة غنية ليصار إلى تجاوزها نحو ما هو أكثر غنى وثراء؟
*الدكتور أحمد
برقاويأستاذ ورئيس شعبة الفلسفة – كلية الآداب –
جامعة دمشق
البناء ، ملحق العدد 880 ـ 12/7/1997
www.ssnps.jeeran.com
إن جميع المقالات التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي
أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع