| صدى النهضة السورية القومية الاجتماعية | www.ssnps.jeeran.com |
|
التجربة و الخطأ في الحزب السوري القومي |
|
|
أكرم الحوراني |
|
|
إن التأييد الشعبي العارم للكتلة الوطنية، والطوفان البشري الذي صاحب توديع الوفد السوري المفاوض الذاهب إلى باريس ثم استقباله، لم يمح من نفسي انعكاسات موقف قيادات الكتلة خلال الاضراب الستيني عندما حاولت هذه القيادات أن تنهي الاضراب، ولكن الشعب أجبرها على الذهاب به إلى نهايته، مما أدى إلى قبول فرنسا بالتفاوض لعقد معاهدة عام 1936، ولكن كان هنالك تشاؤم كبير من جدوى المفاوضة مع فرنسا ومن نتائجها المرتقبة، وشك عظيم بإمكان خطوات جدية على درب الاستقلال والوحدة السورية، وكان هذا التشاؤم والشك يزداد كلما مرت الأيام على تجميد الوفد المفاوض في زوايا الاهمال بدوائر باريس السياسية. لقد أصبحت أعتقد بعد تجربتي وانغماسي في أحداث الاضراب الستيني في دمشق بأن القضية الوطنية والحياة السياسية في سوريا بحاجة إلى تنظيم حزبي على مستوى العصر والأحداث، وكنت أجاهر بهذه الأفكار رفاقي الثلاثة الذين كانوا يشاركونني السكن في بيتنا الطلابي الصغير. قبل وفاة الدكتور عبد الرزاق الدندشي كان بعض الأمل معقودا على عصبة العمل القومي، ومرد ذلك أنها حزب عربي جديد بقيادة شابة تلتقي مع طموح الشباب العربي المتمثل آنذاك بنادي المثنى بن حارثه في العراق، لكن وفاة الدندشي، وانتقال قيادة العصبة إلى صبري العسلي وحلمي الأتاسي أزال من نفسي كل أمل بهذه المنظمة، وأصبحت الكتلة الوطنية بنظري خيرا منها. في تلك الفترة زارنا في بيتنا الطلابي بدمشق سروري البارودي. وهو من أصدقاء الطفولة في دار العلم والتربية، ثم فرقت بيننا الأيام حيث انتسب هو للجامعة الأميركية ببيروت، وغاب عني تلك السنين الطويلة التي لم أكن ألقاه خلالها إلا صدفة، وعندما انفرد بي البارودي في إحدى غرف المنزل، أخرج من حقيبته عددا من مجلة "المعرض" التي كانت تصدر في بيروت وقدمه إلي. كنت في الماضي أقرأ مجلة "المعرض" باستمرار، وكنت أحترم صاحبها ميشيل زكور لنزعته الاستقلالية الحرة، وكان هذا العدد من المجلة عددا مخصصا للحزب السوري القومي الجديد في لبنان، والتعريف بمبادئه ومقالات أركانه وخطابات زعيمه وأنباء محاكماته، وقد كانت الصحف تتحدث باستمرار، منذ عام 1935 عن اكتشاف السلطة الفرنسية في لبنان هذا الحزب السري وملاحقة أعضائه ومحاكمتهم، وكنا نقرأ تلك الأخبار ونحن نشعر بالدهشة والاستغراب والتفاؤل لظهور حزب في لبنان، يقف بهذه الصلابة والجرأة، مع ثقافة عالية ودقة في التنظيم، ليناضل في سبيل الاستقلال ووحدة سورية التي كانت هدف المرحلة لجميع القوى الوطنية في سورية. في تلك الأيام لم يكن خطر لبنان بنظر السوريين أنه طريق للاستعمار فحسب بل كان ثمة ما هو أخطر من ذلك وأشد مرارة. إن لبنان بقطاعه المسيحي الماروني بصورة خاصة يؤيد فرنسا ويحبها بمشاعر صادقة ويعتبرها الأم الحنون، وقد كان أقصى أماني هذا القطاع من الرأي العام اللبناني أن تعتبر فرنسا لبنان جزءا منها، مثلما فعلت بالجزائر.. وكان العلم اللبناني وهو العلم الفرنسي تتوسطه أرزة لبنان رمزا لتطلعات قسم كبير من اللبنانيين نحو فرنسا، وكثيرا ما جاهر بعض السياسيين اللبنانيين بتمنياتهم أن تعتبر فرنسا بلدهم جزءا منها... وهذه العواطف كانت ثمرة طبيعية لما اصطنعته مدارس فرنسا التبشيرية خلال ثمانين عاما، وما هيأته تدخلاتها السياسية المستمرة باسم حماية المسيحيين في عهد الخلافة العثمانية ولحسن الحظ فإن الفرنسيين لم يحترموا هذه العواطف بل تصرفوا تجاهها تصرف المستعمر، وكان جل همهم أن يستغلوا هذه العواطف الطائفية لتشديد قبضتهم الاستعمارية وترسيخ أركان استعمارهم في سوريا التي كانوا يعتبرون أن وجودهم فيها حلقة متصلة بوجودهم في مناطق أمبراطوريتهم الاستعمارية الأخرى في مراكش والجزائر وتونس والهند الصينية. (راجع مذكرات كاترو). لقد كان لبنان ولا يزال، بحكم موقعه وذكاء أبنائه ورقيهم وانفتاحهم على حضارة الغرب، من أهم المواقع العربية في المشرق يؤثر فيه سياسيا وقوميا وفكريا واقتصاديا، وفي تلك الفترة لم يكن لبنان ممرا للاستعمار فحسب منه عبرت قوات الجنرال غورو لاحتلال سوريا عام 1920، بل كان في نظر الرأي العام في سوريا مستقرا لهذا الاستعمار، لذلك اعتبر ظهور هذا الحزب المفاجيء في لبنان آنذاك ضربة مسددة لصميم الاستعمار الفرنسي. ما هي مبادئ الحزب التي قرأتها في تلك الليلة من عام 1936 في مجلة المعرض بنهم ودهشة؟ مجمل مبادئ الحزب الأساسية هي أن سوريا للسوريين. والسوريون أمة تامة، وأن القضية السورية قضية مستقلة بذاتها، والوطن السوري بحدوده المعرفة في المؤتمر السوري الأول الذي عقده الملك فيصل، وفي دستور الجمعية التأسيسية عام 1928- يمتد من جبال طوروس شمالا إلى العقبة وشبه جزيرة سيناء جنوبا، ومن المتوسط غربا إلى العراق شرقا. أما المبادئ الاصلاحية للحزب فتنص في مجلمها على فصل الدين عن الدولة والسياسة والقضاء، ورفع الحواجز بين مختلف الطوائف، وإلغاء الاقطاع...الخ. وأما تنظيم الحزب فهو سري وشبه عسكري. كانت خطابات الزعيم أنطون سعادة والمقالات المنشورة في المجلة على مستوى فكري وثقافي يتجاوز كثيرا ما كان يكتب أو يصدر عن الأحزاب والهيئات السياسية آنذاك، ولم تكن المبادئ الاصلاحية موضع اعتراض، هكذا كان وعي المرحلة في نظرنا آنذاك، كما لم يكن التنظيم شبه العسكري والسري بشاراته النازية والماسونية ليثير أي اعتراض أو انتباه، لأن تلك الشارات كانت تعتبر من علائم السرية ودقة التنظيم وحسن الانضباط، وبلغ تاثر الحزب السوري القومي بالحزب النازي الألماني لدرجة أن الشاعر سعيد عقل الذي كان يقال آنذاك انه منتسب إلى الحزب السوري القومي قد وضع نشيدا للحزب جاء فيه أن سورية فوق الجميع على غرار النشيد النازي: "المانيا فوق الجميع"، كما لم تكن ديكتاتورية الزعيم الذي يجمع كل السلطات التشريعية والتنفيذية في يده وحده مدعاة للاستنكار بل كانت من الأمور التي تجذب اليها الرأي العام المعجب بتنظيمات الحزب النازي والمتعاطف مع ألمانيا الهتلرية لأنها ضد فرنسا وبريطانيا والحركة الصهيونية، ولكن الفاشية الايطالية كانت وحدها المكروهة والمحتقرة لأنها تتمثل بإيطاليا موسوليني عدو العرب ومستعمر ليبيا والحبشة بأفظع أنواع الاستعمار وأشرسه والذي أثار انتباهي واعتراضي بشكل غير محدد، ليس الشق الأول من مادة "ٍسوريا للسوريين" بل الشق الثاني الذي ينص على أنه "الأمة السورية أمة تامة"، لا سيما وقد جرت في الصحافة السورية بعض المناقشة لمبادئ الحزب الجديد ... وفي اليوم التالي ناقشت البارودي بهذا الأمر فقال: إنها مرحلية وإن قيام الوحدة السورية اللبنانية والإنطلاق منها هو الأساس في الاستقلال وبناء الوحدة العربية. وهكذا ببساطة انتهى الاعتراض وتوقفت المناقشة، أما فكرة القومية العربية التي كانت مزيجا من المشاعر الوطنية والدينية والتراثية فلم تكن فكرة قابلة للاعتراض أو المناقشة. انتسبت أنا وبعض رفاقي لهذا الحزب. ولم نكن ندري أو لم نخبر عن أي تنظيم آخر له في سوريا. وبعد شهور عرفنا بأن الدكتور وجيه البارودي هو منفذ الحزب في حماه، وأن خالد الموره لي منفذه في دمشق. حملة في حماه ضد الحزب السوري القومي. أصبح شباب "الصفة" في حماه منقسمين إلى ثلاثة اتجاهات، في معركة انتخابات 1936 النيابية: 1- المؤيدون لترشيح الدكتور محمد السراج للنيابة، وقد أخذوا اتجاها معارضا للدكتور توفيق الشيشكلي الذي كان يدعو لترشيح محمد البارودي من قادة الكتلة الوطنية. 2- شباب الكتلة الوطنية الذين يؤيدون توفيق الشيشكلي في دعوته لترشيح محمد البارودي. 3- أعضاء الحزب القومي السوري الذي لم يعد تنظيما سريا في حماه بعد أن انتسب إليه عدة مئات. وكانت مناقشات ودية وحضارية تدور بين هؤلاء الشباب رغم تعدد اتجاهاتهم غير أنها خلال عام 1937 انقلبت إلى مقاومة ضارية ضد انتشار الحزب السوري القومي بالاعتداء على أعضائه(1) ومداهمة منازلهم وإجبارهم على الانسحاب من الحزب علنا والقسم على القرآن توثقا من انسحابهم. فاضطرت الأكثرية الساحقة أن تعلن انسحابها مع انه لو ترك الحزب في حدود المناقشة والحوار والإقناع لا نحل في حماه من تلقاء نفسه، لسببين رئيسيين: أولا: الشائعات التي كانت تنشرها الصحف متهمة الحزب بالاتصال بإيطاليا، وبالرغم من عدم قيام دليل على ذلك فإن هذه الاتهامات فعلت مفعولها ولوثت سمعة الحزب. ثانيا: عدم الاقتناع بالقومية السورية، والشعور بالغربة والوحشة نفسيا داخل الحزب، ولذلك أصدرت بيانا، بعد أن أصبحت منفذا للحزب في حماه، أعلنت فيه أن الحزب عربي وأن القومية السورية مرحلية لتحقيق الوحدة السورية، ولكن قيادة الحزب لم تكن راضية عن إصدار هذا البيان في غيبة أنطون سعادة خلال سجنه للمرة الثانية، ومع ذلك فقد اضطر صلاح لبكي نائب زعيم الحزب، أمام ضغوطنا، أن يعمم نشرة داخلية يتبنى فيها القومية العربية، ولكن سرعان ما اختلف الأمر بعد خروج سعادة من السجن. إن هذا الضغط لم يذهب عبثا. فقد أصدر أنطون سعادة للمرة الأولى بيانا يعلن فيه بأن الأمة السورية هي إحدى الأمم العربية، وأنه يدعو لإقامة جبهة عربية تصد الفاتحين وتقف أمام الغزوات الأجنبية، وجمد الحزب عند هذا الحد في موقفه من العروبة، محتفظا بمبادئه الأساسية. بالوقت الذي اصبحت فيه دعوته تتعرض للنقد الشديد شيئا فشيئا بعد استشراء الخطر الصهيوني في فلسطين وطمع تركيا بلواء الاسكندرون، ولا يمكن لغير القومية العربية أن تقف أمام هذه المخاطر التركية والغربية والصهيونية على سوريا خاصة وعلى العرب عامة. وقد أصدر جماعة "القومي العربي" في 27 نيسان 1939 كراسا عنوانه "التربية السياسية في سوريا". وهؤلاء من جماعة الأستاذ زكي الأرسوزي، وأعتقد أن هذا الكراس صدر معبرا عن آرائه وجاء فيه: "والذي نعتقده إن في المستقبل القريب أو البعيد سيضطر القائمون على إدارة الحزب -القومي السوري- إلى تعديل موقفهم من القضية العربية تعديلا جوهريا. وسيرون أن مصلحة سوريا التي يعملون لها، والتي يعتبرونها فوق كل مصلحة. تقضي بأن لا تستقل عن القضية العربية التي فيها خلاصنا".
كان مفهوم القومية السورية يرتكز على جغرافية سورية وعلى تاريخها الذي هو سلسلة من الحضارات القديمة التي تعاقبت عليها والتي لم تعد تتصل بلغة المواطن وثقافته ومشاعره وواقعه اتصالا حيا، إنها سلسلة طويلة من الحضارات التي ترجع إلى العهد الحثي أو الفنيقي أو الروماني، فكان العربي يشعر بغربة داخل هذا الحزب، وكأنه من ناحية شعوره القومي يجتاز أروقة متحف وهو يردد مع أبي الطيب المتنبي: ولكن الفتى العربي فيها غريب الوجه واليد واللسان ومع أن حملة الكتلة الوطنية ضد الحزب في حماه قد توقفت بعد أن أعلن الكثيرون من منتسبيه انسحابهم، وبعد أن أظهر الرأي العام وبعض شباب الكتلة الاكثر نزاهة وتقدمية اشمئزازهم من تلك الحملة، فإنني أعلنت حل الحزب في حماه أواخر عام 1937 وانتهى الأمر -بالنسبة لي- على الصعيدين الحزبي والسياسي. ما يبنى على الفراغ شرح أنطون سعادة مواد دستور الحزب السوري القومي بالطبعة الأولى لمبادئه في كراس صغير، فكشف فيه عن منشأ تصوره للقومية السورية، وهو تصور يستند إلى جدلية هيغل التي يعبر عنها عادة بالثلاثية الشهيرة: القضية These، نقيضها antithese ، التركيب synthese. يقول سعادة: "إذا كانت النعرة الفنيقية these والنعرة العربية antithese أو بالعكس، أي إذا كانت النعرتان الدينيتان تضعان نظريتين متعارضتين، فمما لا شك فيه أن مبدا وحدة الأمة السورية المؤلفة من عدة عناصر أو سلالات من جميع العناصر التي كونت في مجرى التاريخ المزاج السوري والطابع السوري والعقلي هو المبدأ الذي يقدم synthese أو دمج النظريتين المتعارضتين وجعلهما نظرية واحدة ومذهبا واحدا هو القومية". لا أريد أن أقف طويلا عند هذه المعادلة الواهية لتصور القومية السورية لأن القومية ليست مجرد إدعاءات وافتراضات ونظريات بل هي هوية واقعية مادية وروحية، فهي هوية جنس ولغة ومصلحة وثقافة تمثل حضورا حيا ماثلا. إن المعادلة الواقعية المنطقية والحقيقية ليست معادلة سعادة بل هي المعادلة التالية 1- these : يوجد عرب مسلمون 2- anatithese : يوجد عرب مسيحيون 3- إذن فإن synthese : ليس بمحاولة خلق قومية جديدة -وهذا مستحيل- وإنما يكون بالقومية العربية ذات المضمون التحرري الاجتماعي والسياسي والانساني. لبنان والحزب القومي السوري. لقد تبلورت النزعة الاستقلالية بين شباب لبنان المسيحي، في الثلاثينات، بحزبين اثنين: الكتائب والسوري القومي، ولا يزال هذان الحزبان قائمين منذ أربعين عاما. لأن حزب الكتائب يتصل بالعصبية الطائفية من جهة المحافظة على كيان لبنان بمعنى المحافظة على طابعه الماروني الطبقي المنفتح على الغرب المسيحي. أما الحزب السوري القومي- الذي جذب إليه آنذاك من شباب لبنان على مختلف طوائفهم أكثر مما جذب إليه أي حزب آخر- فإنه اتصل بضمير فئات الشباب التي بدأت تتطلع إلى الاستقلال والحرية والكرامة وتطمح لمعالجة العلل الاجتماعية والطائفية والعشائرية والاقطاعية التي لا يزال المجتمع اللبناني يعيش ضمن جدرانها(2) الفولاذية، كما استجاب الحزب السوري القومي لنزعة عميقة لدى قطاع هام من الرأي العام المسيحي في لبنان، الذي يشعر بقرابته وارتباطه بسوريا ويرى فيها مدى نشاطه الطبيعي والحيوي في المستقبل. كان ذلك في أواسط الثلاثينات: فما هي المعادلة القومية التي ستستقطب الجيل الجديد في لبنان بعد أربعين عاما من التطور؟ لا شك إنه اليسار العربي في لبنان الذي أخذ يستقطب الآن من العناصر الشابة ما استقطبه الحزب السوري القومي فيما مضى عندما انتسب إليه نعمة تابت وصلاح لبكي وأمثالها من مئات الشباب المنحدرين من أعرق أسر لبنان المسحيية. إنه خط سير التاريخ المندفع إلى الأمام أبدا مهما تعرج أو التوى. اجتمعنا في أوائل عام 1953، عندما كنا لاجئين في لبنان خلال ديكتاتورية أديب الشيشكلي، بالشيخ بيار جميل رئيس حزب الكتائب، في صيدليته بساحة البرج، وكان معي الأستاذان ميشال عفلق وصلاح البيطار. فجرى بيننا حوار حول القومية العربية والقومية الفنيقية واللبنانية. وقد كان بيار جميل في حواره معنا صادقا وصريحا. سألته: هل أنت تؤمن حقا بالقومية الفنيقية أو اللبنانية؟ أليس اللبنانيون عربا؟ فأجاب: ليس هناك قومية لبنانية ولا فنيقية ولكني أقول لكم بصراحة.. نحن اللبنانيين نخشى منكم أنتم العرب (يعني المسلمين) أن تعتدوا على حرياتنا الدينية التي نقدسها ونقاتل من أجلها.. إن حفاظنا على كيان لبنان يساوي بنظرنا محافظتنا على مقدساتنا الدينية، كما فهم من كلامه ان لديه تصورا مبالغا كثيرا عن تخلف العرب عامة. قلت له: هل يمكنك في المستقبل أن تمنع هذه الأجيال الصاعدة أن تستفيق على قوميتها فتدرك مصالحها الحقيقية وترجع مختارة وعن اقتناع إلى القومية العربية؟ قال: إن الأجيال القادمة حرة بانتهاج الطريق الذي تراه منسجما مع قناعتها، قلت له: نحن غير مختلفين أصلا على المحافظة على استقلال لبنان وكيانه. التجربة والخطأ: م يجد الخصوم في سيرة حياتي غير التركيز على استغلال انتسابي للحزب السوري القومي في عام 1936. ولكن هذا التركيز لم يترك أي أثر على المستوى الشعبي والجماهيري(3) . بل إن نجاحي في انتخابات عام 1943 أظهر أن الشعب يكن لي حبا وتأييدا ودعما يفوق ما كنت أنتظره. ولم تترك هذه التجربة في نفسي أي عقدة، بل كان لها نتائج ايجابية هامة على المستوى الشخصي والشعبي، ومنها: أولا: أوصلني انتسابي للحزب السوري القومي على الشكل الذي ذكرت، لفهم مشاكل لبنان وتطلعاته ما لم يتيسر لغيري من الساسة السوريين فهمه وسبره، وتفهمت تكوين المجتمع اللبناني وخلفياته الاجتماعية والاقتصادية، وعرفت تطلعاته وعلله وآفاقه وأمراضه. ومع ذلك فإن هذا الفهم لم ينجنا من ارتكاب بعض الأخطاء بالنسبة للبنان مما سيرد في حينه. ثانيا: اتسعت آفاق إدراكي السياسي والوطني والقومي من قراءاتي لكل ما أصدره الحزب في تلك الفترة من نشرات وبيانات وكتب(4) باهتمام وتدقيق، مع الحوار والنقاش المستمرين طيلة فترة انتسابي للحزب، ولم تعد القومية عندي مجموعة مشاعر وجدانية غامضة وشعارات غائمة بل أصبحت أتطلع إلى أسس واضحة محددة للقومية العربية التي أؤمن بها. ثالثا: أوضحت تلك التجربة العاهة الرئيسية التي تعاني منها أغلب الأحزاب العربية، وهي عاهة نشوء الأحزاب من فوق، منطلقة من الأوساط الثقافية والجامعية والطلابية بمعزل عن النضال الحي لجماهير الشعب. الأمر الذي يجعل هذه الأحزاب تنسلخ عن ضمير الأمة لتدور في الفراغ وتناضل داخل عالم الكلمات لا عالم الواقع، وهذا ما يولد لدى قياداتها مركبات النقص المعروفة، كالعصمة والغرور والتعالي. فيصبح الحزب جماعة من المريدين يكرهون الجماهير الشعبية ويخشونها بأعماقهم. إن الحب العظيم هو المنطلق العميق لكل الثورات التي أثرت في مجرى التاريخ. وإن الاستعلاء على الشعب والخوف منه والإدعاء بالعصمة هو مقتل الحركات السياسية وهو السر وراء انحرافاتها. إن المعلم الأكبر هو الشعب لا سواه.. والقائد الحقيقي هو الذي يصبح رفيقا للشعب يستلهم من ضمير الجماهير صبواتها وتطلعاتها وأمانيها وآمالها. إن الشعوب هي الملهمة، والقيادة هي المفكرة والمنفذة. وتبقى كل النظريات والايديولوجيات التي لا تنبثق عن التجربة والنضال مع الجماهير تأملات شخصية مهما بدا براقا بناؤها الفلسفي والفكري ولا أدل على ذلك من أن الأحزاب الشيوعية العربية رغم أنها تستند إلى النظرية الماركسية فقد ظلت خمسين عاما في البلاد العربية معزولة على هامش الأحداث، بل كانت معظم مواقفها الفاعلة في الجانب الآخر من حركة التاريخ. رابعا: ليس التنظيم الحزبي انضباطا عسكريا أو رياضيا أو إرهابيا مفروضا، بل إن التنظيم الحزبي هو انضباط واع منبثق عن اقتناع ذاتي بقيم الحزب العقلانية والوجدانية. في أواخر شهر آب 1937 جاء انطون سعادة إلى حماه، ونزل ضيفا على صلاح، شقيق أديب شيشكلي، في بيته، فاجتمعت به هنالك حيث حاول أن يبحث معي إعادة تنظيم الحزب في المدينة، ولكنني أصررت على الانسحاب نهائيا. لا شك أن عبادة الفرد والنزعة الرومانسية والنرجسية والانطلاق من "العصمة الفردية" ما تزال من أبرز أمراض القيادات العربية السياسية، فهي الآفات التي ما تزال آثارها تنخر حتى الآن في بنيان الاحزاب اليمينية والتقدمية على السواء. (1) من ذلك الهجوم على منزل الشاعر الكبير الدكتور وجيه البارودي الذي كان عضوا في فرع الحزب السوري القومي في حماه، وكان هذا الهجوم بتشجيع من حكومة الكتلة الوطنية، والدكتور البارودي طبيب لامع وشاعر جيد وهو من أسرة إقطاعية ولكنه عايش فقراء مدينة حماه، شكل مع رفاقه الشاعر الفلسطيني ابراهيم طوقان والشاعر العراقي حافظ جميل والناقد اللبناني عمر فروخ في الجامعة الأمريكية جمعية أدبية أسموها دار "الندوة". نشر الدكتور البارودي ثلاثة دواوين شعرية هي: "بيني وبين الغواني" و "هكذا أنا" و "سيد العشاق" ويعتبر الدكتور البارودي من الشعراء المحدثين السوريين المجيدين: نزار قباني، عمر أبو ريشه، بدوي الجبل نديم محمد، سليمان العيسى. (2) كتبت هذه الفصول من المذكرات في أوائل السبعينات. (3) ولم يتوقف ذلك حتى ما بعد هزيمة حزيران، فقد ألف باتريك سيل وهو صحافي من عناصر المخابرات البريطانية كتابا أسماه (الصراع على سوريا) غمز فيه من قيادتي لحركة الفلاحين في صراعهم ضد الاقطاع وروى فيه إدعاءات على لسان حسني البرازي كما روى أقوالا غير صحيحة على لسان غسان التويني صاحب جريدة النهار الذي قال انني بقيت منتميا للحزب السوري القومي سرا حتى الأربعينات. (4) ككتاب نشوء الأمم لأنطون سعادة، وقد تكون مكتبة الحزب السوري القومي أغنى مكتبة بالنسبة للأحزاب الأخرى آنذاك.
|
|
|
Dr.Basel Naser |
|
|
|
|
|
www.ssnps.jeeran.com |
|
|
إن جميع المقالات التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع |
|