|
لقد مر بنا مائة عام على ميلاد
سعاده , ففي الأول من آذار من عام 1904 , اهتزت الأرض طربا و تراقصت البراعم و
ابتسمت الزهور و غنت , ليس فرحا بقدوم الربيع , فهذا قد اصبح شيئا متكررا عاديا
بالنسبة لها , فهو يأتي في كل عام , لكن في هذا العام هنالك شيئا أهم من الربيع
, إنه ميلاد سعاده , ذاك الذي توسمت فيه الأرض ربيعا جديدا لهذه الأمة بعد أن
كادت تقتلها الشيخوخة المخيمة عليها .
نعم إنه سعاده ذلك الصقر المحلق في سماء الوطن , يحمله " حدد " على أجنحته الذي
استطاع من هناك ببصره الثاقب و بصيرته الفذة رؤية المرض الذي يتغلغل في جسد
الأمة و يسبب انهيارها , فانقض بقوة على أفاعي الضعف و الشر لتخليص البلاد منها
و أعاد ترميم الجسد من جديد , ليطلق أمة حية نابضة مليئة بالقوة و العزم و
الشباب .
نعم نعم أيها الحضرات , فمن نفسيته و فكره القوميين انبثقت الدعائم الأربع لهذه
الأمة ( حرية – واجب – نظام – قوة ) فشكلت الزوبعة التي اقتلعت مواقع الفساد و
الخراب و التآمر من جذورها و تصدرت كبد السماء , فكانت الشمس التي ترسل أشعتها
المضيئة الحاملة لمبادئ العقيدة القومية الاجتماعية , معيدة الدفء و الحياة
للأمة السورية العظيمة .
لقد عمل سعاده بنشاط و همة نادرين , و كرس حياته لهذا الأمر فاستحق لقب الزعيم
الحي أبدا فينا , لقد استطاع فضح الأهداف الاستعمارية في المنطقة و الإشارة إلى
المؤامرة الكبرى على هذه الأمة , و حاول تطهير المنطقة من الألغام التي كانت
مزروعة فيها كالطائفية و العرقية و العشائرية و التي استغلها الاستعمار خيرة
استغلال للعب بمقدرات البلاد .
أدرك سعاده اللعبة فربح حقد المستعمر و الفئات المستفيدة من وجود هذه التفرقة ,
فقد أعاد بدعوته القومية كابوسا حاول الغرب طوال قرون تناسيه , ألا و هو ذكريات
تربع هذه الأمة على عرش القوة و العلم فكانت أمة هادية للأمم .
لقد عانى سعاده من الصعوبات الكبيرة , من مطاردة و نفي و سجن , لكنه لم يرضخ و
لم ييأس فقد كان مؤمنا بعظمة هذا الشعب و عبقريته الفذة التي استقاها من روح
التاريخ فكان مثالا للمناضل الثائر , حيث قال : " إن الحياة كلها وقفة عز فقط "
.
نعم وقفة عز وقفها سعاده طيلة حياته مدافعا عن قضايانا القومية و مبادئ العقيدة
, حتى قضى شهيدا في سبيلها , و لكنه كان موقنا تماما بما فعله , فقد قال
لقاتليه بثقة : " أنا أموت أما حزبي فباق " .
لقد أنار سعاده باستشهاده الدرب لرفقائه , لتستمر شعلة الحزب منيرة على مر
الأجيال , و ها نحن الآن نقف على الذكرى المائة لولادته, وقفة لا نريدها كوقوف
غيرنا على الأطلال و الذكريات و الوعود الفارغة , بل أن نبقى حاملين لمشعل
النضال و البطولة المؤمنة المؤيدة بصحة العقيدة , و التي علمنا إياها حضرة
الزعيم , و يجب علينا دوما عند تذكره , أن نتذكر القيم و المبادئ و الأفكار
التي غرسها في نفوسنا و نقارنها بما نفعله و فعلناه لندرك مواقع أخطائنا و
نصححها , لأن حامل المبادئ ليس المتشدق بها على الناس و إنما من يطبقها على
نفسه قبل الآخرين كما قال سعاده :
" نحن حركة هجومية لا حركة دفاعية. نهاجم بالفكر والروح، ونهاجم بالأعمال
والأفعال أيضاً " . و قال : " فالتاريخ لا يسجل الأماني ولا النيات بل الأفعال
والوقائع " .
علينا اليوم أن نراجع حساباتنا , ترى هل حققنا شيئا مما طمح له الزعيم , و تطمح
له أمتنا و توسمته بنا , هل فعلنا شيئا للوقوف في وجه العدو المتربص بنا على كل
الجبهات , ليفترسنا .
يجب إذا أن ننطلق من قول الزعيم : " مارسوا البطولة و لا تخافوا الحرب بل خافوا
الفشل " , و نشحذ هممنا أكثر للتضحية و النضال لأن النهضة المنشودة لن تقوم
بالتكاسل و التراخي بل على أيدي الشعب الطموح العامل الواعي و القادر , و نسير
على الدرب الذي رسمه لنا سعاده القائل :
" إني أخاطب فيكم أجيالا لم تولد بعد " .
نعم نحن أبناء النهضة السورية القومية الاجتماعية , و نعاهدك يا زعيمنا أننا
سنواصل النضال على الدرب الذي رسمته حتى آخر نفس لنا , لكي تنهض هذه الأمة التي
لا ترضى لها القبر مكانا تحت الشمس , موقنين أننا سنلاقي النصر الذي بشرت به
قائلا : " إنكم ملاقون أعظم انتصار لأعظم صبر في التاريخ " . انتصار العقيدة
الحاملة لكل ما هو حق و خير و جمال لهذه الأمة المعطاءة , فهنيئا لنا و للأمة
بك , و ستظل في صدورنا رمزا كبيرا .
و أخيرا , أطلب عذركم أيها الحضرات , فلا أعتقد أن مواطنا بسيطا مثلي سيعطي
سعاده جزءا من حقه , و لكني أتمنى أن تكونوا قد قرأتم ما بداخلي , فحبي لسعاده
ينبع من حبي للوطن و لكل الشرفاء الذين يضحون لخيره , و لا يسعني أن أنقل حبي
هذا إلا بقولي :
لتحيى سورية و ليحيى سعاده .
|