صدى النهضة السورية القومية الاجتماعية                      www.ssnps.jeeran.com
 
"8 تموز" محاولة في تأريخ رجل فذ
 

أنطوان بطرس

 

أوائل العام 2000، وفي غمرة حمى الكلام عن قرن جديد وألفية جديدة، وصدور عشرات المراجع والكتب التوثيقية محليا وعالميا متناولة ابرز أحداث القرن، لفت انتباهي كتابان مرجعيان ضخمان صدرا في لبنان عن مؤسستين صحفيتين، يؤرخان لهذه الفترة في لبنان، لم يفردا للزعيم سعاده الا بضع سطور وهي تتركز على محاكمته وإعدامه، وبأسلوب إخباري بارد ودون ابعاد تعبر عن حجم الحدث. بحيث ان القارئ، من ابناء الجيل الجديد، كان سيمر على الخبر دون ان يستوقفه فيه شيء من عشرات الأشياء التي تفرد بها الرجل. جريمة ومضت. هكذا جرى تأريخ سعاده بعد نصف قرن. فأي عتب على الجناة!

كل ذلك رغم ان سعاده لا يزال حتى اليوم من ابعد القادة النهضويين وهجا وتأثيرا على صعيدي العقيدة والفكر عموما، إذ ان أعماله الكاملة تتراوح بين 6000 – 7000 صفحة. أضف إلى ذلك حياة حافلة بالإثارة وشخصية فذة استقطبت إعجاب كل من عرفه، فكان محجة الزوار والمفكرين يتقاطرون للتعرف إليه والاستماع إلى أفكاره من كل حدب وصوب. ناهيك عن سحره الشخصي وهي عوامل ميزته عن أي زعيم آخر. وأخيرا وليس آخرا نهايته الأسطورية.

اما بالنسبة للحركة التى أنشأها فهي الوحيدة من بين حركات تلك الفترة التي لا تزال حية تتمتع رغم قصورها، بآلية الاستمرار، ولو بديمقراطية منقوصة ، وهي الوحيدة أيضا التي تعاقب على رئاستها قادة ومسؤولون ينتمون إلى مختلف الطوائف.

ومن الواضح ان اسم سعاده لا يزال يواجه حصارا مستمرا منذ نيف ونصف قرن من قبل القوى التقليدية المهيمنة ، لأن مبادئه السياسية والإصلاحية الكفيلة بإخراج هذا البلد من دوامة الحروب الأهلية التي تضرب هذا الجزء من الوطن ،مرة كل حوالي عقدين من الزمن، سوف تنهي تلقائيا هيمنة هذه القوى التقليدية.

ان تأريخ حياة سعاده وجهاده مسألة كبيرة وعمل طويل وهو لا يمكن ان يكون مهمة فرد واحد. آثرت التخصص فاخترت الشهر الحاسم الأخير من حياته أي من حادث الجميزة في 9 حزيران وحتى إعدامه في 8 تموز. أردت لكتابي ان يكون مرجعا متوازنا متكاملا يؤرخ لهذه الفترة بكل ما يمكن من صرامة البحث والموضوعية، بحيث يحسم مسائل كثيرة بالبرهان عليها بشهادات الخصوم أولا ومن ثم الأصدقاء والمناصرين.

قبل مباشرتي بالعمل وضعت إمامي المقاييس والاعتبارات التالية:

اولا: ضرورة الخروج من نسق الكتب التي تطالعنا بها دور النشر وخصوصا العقائدية منها. فالعقائدية والنضال لا يشترطان كتبا رثة او مليئة بالأخطاء او غير انيقة خوفا من اعتبارها من الكماليات غير الضرورية، او البذخ المكلف المرهق لخزينة الحزب.

ثانيا ومن حيث الشكل أيضا - وكان هذا من القرارات الصعبة - فقد اخترت شكلا ينسجم مع قصة حياة بطل يعبر عن نهايته الملحمية. فحياة سعاده ، خاصة في مرحلة الشهادة، تستحق تعظيما يليق بصاحبه. كان هاجسي الأول ان يرى الكتاب النور بمستوى يليق بسعاده وبمضمون يستوعب حجم ما حصل، وهو شيء مريع لشخصية نادرة.

ثالثا من حيث المضمون فقد بات من الضروري، نظرا لتقادم الزمن ان يكون لحياة سعاده او جانبا منها _ ايا كان وذلك حسب اختيار الباحث المؤلف _ مرجع متكامل قدر الإمكان عن حياة غنية حافلة استثنائية خوفا عليها من الضياع. وسيكون من اخطائنا جميعا، في هذا الجيل الإنتقالي، الا نحفظ لمن لا يعرف سعاده من هو هذا الرجل، بل أي رجل كان. لست ادعى معرفته الشخصية ويا للأسف، ويا للأسف مرتين وثلاثة، لكن الأحياء الباقين هم امانة في نفوسنا إلى ان نصبح من الراحلين. أمانة نؤديها للجيل الجديد الذي بدأ يدرك افلاس العقائد المصطنعة ويكتشف صحة العقيدة القومية الإجتماعية.

وانني ارى اوجه شبه عديدة بين انتشار الحركة القومية الاجتماعية ونموها وانتشار المسيحية ونموها. صلب السيد المسيح حوالي العام 30 ب م ولم يُباشر بكتابة الأناجيل كما نعرفها قبل مرور ما يتراوح بين 50 إلى 70 عاما حسب آخر تقديرات اللاهوتيين ولو ان بعض عناصرها دونت قبل ذلك. طوال ذلك مورست ابشع انواع الاضطهاد بحق التلاميذ او الحواريين والأتباع. منهم من قضى تعذيبا في السجون ومنهم من اعدم ومنهم من رمي طعاما للوحوش. كانوا يجمعون بالألوف في ملاعب كبيرة تشبه ملعب المدينة الرياضية في بيروت، تحت حرارة الشمس اللافحة، يعذبون ويجوّعون. كل فترة تهمة وكل يوم اقتناص فرصة خطأ او صواب يرتكبونه. كانت النية إبادتهم ولكنهم استمروا. وفي كل مرة كانوا يخرجون اصلب عودا واشد ايمانا. وظلت الدعوة تنتشر وتنتشر إلى ان استتب الأمر لها بعد حوالى ثلاثة قرون ونصف حينما اعتنقت الإمبراطورية الرومانية المسيحية دينا رسميا لها وانحنى الإمبراطور امام هامة المصلوب.

لن تضيع رسالة سعاده مهما طال الزمن . ان الزمن للمؤمنين ولو بعد حين .

رابعا، ومن حيث المضمون ايضا، كان لا بد من وضع معادلة تبقي الكتاب في خانة التوثيق الرصين، إنصافا للحقيقة ولصاحبها، وفي إطار بساطة الأسلوب والسرد في آن، كي لا يكون الكتاب وقفا على الرفوف، بل يستقر في العقول والقلوب.

من هنا كان طموح الكتاب ان يكون مرجعا تاريخيا عن ذروة صراع سعاده ونهايته الجسدية ، مع إيراد صورة مفصلة شبه يومية عن حياته في الفترة الأخيرة، وما أحيط بها من ألغاز في سرد هو مزيج من العرض الروائي والتحليل السياسي والبحث التنقيبي. إن كل مسألة أو حادثة في الكتاب مسندة في الدرجة الأولى، إلى مصادر غير حزبية، وحيث أمكن، إلى مصادر معادية تأكيدا لمصداقية هذه الأحداث.

السؤال الرئيسي الذي استوقفني كان التالي : بعد خمسين عاما ونيف من إعدام سعاده هل ثمة جديد يقال فيه؟.

المعروف ان سعاده قضى برصاص الدولة اللبنانية فجر الثامن من تموز (يوليو) 1949 في مثل هذا اليوم المهيب بالضبط قبل خمسة وخمسين عاما، بتهمة العصيان المسلح على الدولة. وعلى إثر محاكمة سرية أجريت بسرعة قياسية، حكم عليه بالإعدام وجرى تنفيذ الحكم في فترة لا تتجاوز أربعا وعشرين ساعة بين المباشرة بالتحقيق والتنفيذ. وبعد إعدامه وإعدام بعضٍ من رفاقه، جرى التنكيل بأعضاء الحزب ومناصريه وصودرت أوراقهم ومذكراتهم وقيودهم وأتلفت، مثلما اتلف او اخفي ملف التحقيقات والمحاكمة و الإعدام، ثم جاء اتهام الحزب بتدبير اغتيال العقيد المالكي في دمشق عام 1955 ومن بعدها مغامرة الحزب الانقلابية نهاية العام 1961 وما تلاهما من تنكيل وملاحقات ومصادرات فاختفى، لا الأرشيف الحزبي الرسمي فحسب، وإنما المذكرات والمدونات الشخصية ومنها ما صودر ومنها ما اتلف من قبل أصحابها لضرورات ، واخذ رفاق سعاده الأول ومعاصروه يتناقصون رحمهم الله عاما بعد عام ولم يبق من الرعيل الأول الا القليل أطال الله في أعمارهم.

من هنا فالكتاب حرص على ان يقدم أجوبة على الأسئلة والملابسات التي أحاطت بالأحداث الدرامية الى بلغت ذروتها في نهاية سعاده المأساوية التي تركت وصمة عار على جبين العدالة اللبنانية.

يستند الكتاب الى مراجع أساسية، من مقابلات مع شخصيات مرجعية ومدونات ووثائق سلمت من المصادرة والإتلاف، او أخرجت من الذاكرات الدفينة، ومنها ما يكشف النقاب عنه للمرة الأولى منذ نصف قرن. مقدما صورة متكاملة عن أحداث حقبة هامة من تاريخ هذه المنطقة وصراعها مع القوى والمصالح الأجنبية. ومن النتائج الهامة التي توصل اليها الكتاب على هذا الصعيد ان نية الخلاص من سعاده كانت حافز جميع القوى المحلية والإقليمية والدولية، وقد جرى التخطيط لها بدقة. فقد كانت النهضة التي عمل لزرعها اخطر من ان تقبل بها القوى المحلية الطائفية والإقطاعية أو النظم الإقليمية صنيعة مخططات الدول العظمى، أو القوى العالمية التي عملت لزرع إسرائيل وتقاسمت المنطقة وفق مصالحها النفطية، وجميعها لم تكن في وارد القبول بمن يدمر مخططاتها ومكاسبها.

ومن هذا القليل القليل الذي بقي ولا يزال في الذاكرات والوثائق والمدونات والوريقات المتناثرة هنا وهناك، وبواسطة القراءة النقدية الموضوعية لما كتب وعرف، وهو كثير وان كان متناثرا، يمكن تكوين صورة منقحة واكثر تفصيلا ووضوحا عن إعدام سعاده. حاولت إخراج سعاده من كنف الأسطورة إلى الحقيقة، وكانت المفاجأة ان سعاده عاد أسطورة مدعمة بالوقائع الموثقة.

من ناحية الأسلوب البحثي اعتمدت الاستقصاء الصحفي، اي تجميع المعطيات ومناقشتها مع أصحابها ومقارنتها بالوقائع، وبما يمكن استخراجه من معلومات جديدة دفينة ووضعها في سياق متسلسل بحيث تشكل نظرية متماسكة مترابطة لا تناقض فيها ولا ثغرات.

وبسبب مرور الزمن وضياع الأرشيف الحزبي والشخصي، و بسبب الملاحقات المنتظمة وغياب شخصيات حزبية وصديقة شاركت في الأحداث يعتبر الكتاب، بشهادات اطراف مناصرة او معادية، او محايدة لها مراكزها الفكرية ومستواها الأدبي والسياسي، اقرب ما يكون إلى الحقائق الفعلية والوقائع التي أحاطت بسعاده والطريقة التي تصرف فيها في ذروة عطائه عند استشهاده.

ومن اجل ذلك اجريت احاديث واسقصاءات مع اثنين واربعين شخصا مرجعيا. اما مراجع الكتاب فتربو على 72 مرجعا بالعربية وثمانية بالإنكليزية وحوالي 1000 استشهاد تستند إلى 23 دورية و5 مراجع رسمية وارشيفين شخصيين .

طبعا تطور العمل في الكتاب على نحو ما يتطور الكائن الحي. كنت كلما اقفلت ثغرة بدت لي اخرى وكلما انتهيت من فصل ادخلت فصلا آخر يجيب على ما تطور في الصورة إلى ان اكتمل ما بدا لي سيناريو منطقيا مسندا إلى المراجع لخطة القضاء على سعاده وتسلسل الأحداث التي ادت إلى استشهاده.

اثناء اعداد الكتاب حاولت ان أعيش مع الأحداث الجسيمة وخاصة المروّع منها. بدء ببيت السكن في رأس بيروت . صعدت ونزلت مرارا ادراج البيت وكأني اسمع وقع خطاه يوم المداهمة، جلست في الردهة الخارجية المسيّجة حيث تجمع الرفاق يتبادلون الرأي وهم ينتظرون بقلق وقلوبهم على الزعيم. تنشقت الهواء مليء رئتي أملا بأن تكون فيه ذرات من هواء تلك الأيام فأشاركه الوجود الحسي.دخلت البيت وشاهدت تقاطيعه. هنا كان يكتب وهناك كان ينام وهنا يستقبل.

صعدت إلى العرزال والمطل واستكشفت مع بعض الرفاق بالروح المغارة الشهيرة حيث كان يعمل آمنا مطمئنا أثناء الملاحقة، ومررت بعين القسيس ونزلت إلى بيت وديع الياس، إلى الطابق الأرضي بالذات، أتخيله هناك نشطا مرحا ساحرا، نظرت إلى صنين شرقا والى البحر غربا يا لجلال المنظر وجلال الروح التي تسكن فيه. هل يمكن لأحد بعد اليوم ان يقف حيث وقفت ولا يكون طيف سعاده إلى جانبه.

من بعيد شاهدت البيت الذي كان يزمع إكماله بعد انتهاء الثورة القومية الاجتماعية الأولى ، سرت مسافة الطريق التي كان يقطعها وصولا اليه ويا حسرتي حينما رأيت ما رأيت.. منزلا مهجورا مدمرا في صمته ابلغ كلام.

نزلت إلى مطبعة فضول وقهوة الجميزة حيث مسرح العمليات، صعدت سلالم المطبعة المحفورة وشاهدت المكتب حيث كتب " هشيم الطائفية..." وتخيلت الهرج والمرج قبل ان ساد الصمت وهو يغادر بعظمة وجلال فيصطف أمامه بضعة رفاق ويأخذون التحية، والمهاجمون مصدومون ولا تتحرك يد احدهم لتطلق الرصاص الا بعد ان تغيب أعين سعاده الثاقبة عن ناظريه. ولم انس ان اكيّل المسافة بين القهوة والمطبعة لأتثبت من بعض التفاصيل ، ربما بعض الذين كانوا في القهوة آنذاك تساءلوا عما يفعله هذا الغريب الذي يقيس الشارع بقدمية وعما اذا كان راجح العقل ام معتوها.

ووفر لي التجوال الحسي التثبت من مكان الإعدام وطريق قافلة الموت ووقفت متألما امام ساحة اليونسكو، وكان مبنى هذه المنظمة حديث العهد آنذاك حيث عقد قبل فترة وجيزة مؤتمر دولي اعتبره لبنان الرسمي تأكيدا على احترامه لحقوق بالإنسان. ولكن القناع سقط بعد أيام ولم يستح أي من الرسميين وكلهم كانوا شركاء في الجرم الفظيع.

وقمت بزيارة الضريح مرارا وتكرارا بحثا عن الحفرة الأصلية وللأسف لم اعثر عليها لفرط ما تغير في مدافن مار الياس طوال فترة نصف قرن ونيف. لم تكن هذه زيارتي الأولى للضريح اذ زرته في أواخر الخمسينيات شابا يافعا، لكن زيارتي الجديدة اكتسبت معنى آخر وقفت لا أمام إيقونة جليلة بل كما لو ان الجاثم من لحمي ودمى. اشعر اليوم اني مسكون بسعاده. لقد أُصبت " بداء سعاده".

طرحت في البداية سؤالا عما اذا كان ثمة جديد يبرر مثل هذا الكتاب؟ واتساءل الآن ما الجديد الذي يتضمنه الكتاب؟ هذا الأمر متروك تقريره إلى الباحثين الأكثر اطلاعا مني عن كامل فترة حياة سعاده. ربما نجح الكتاب في ان يكون سيناريو متكاملا للشهر الأخير اقرب ما يمكن لما هو معروف او أمكن إماطة اللثام حوله. ولكن قطعا ليس هو النهاية. وطموحي ان قدر لي ان أتابع البحث في أحداث هذا الشهر بالذات. وقد تجمّع لدي ما يفوق ما صدر حتى الآن.

ولعله من المناسب ان انقل إليكم أمرين يتعلقان بتموز مما وقع أمامي مؤخرا. في الوقت الذي كان سعاده يلاحق فيه بتهمة التآمر على لبنان من اجل كيان سوري كانت طبعة العام 1948 من " الأفراميات" لاتزال تتضمن ( وربما لا تزال حتى الآن، لست اعرف)، تراتيل لتتلى" بصوت صارخ قبل الرسالة في خدمة القداس الماروني" ومنها الأفرامية التالية المخصصة " لعيد الشهدا رهبان دير مارمارون الثلاثمائة والخمسين" :


أجيدوا التهليلَ أهل سوريا وأحْسِنوا التمجيدَ

للذي كلّلَ الثلاثمائةَِ والخمسينَ شهيدَ

...

عروسُ الإيمانِ والبرِّ والتُقى غَرَسَها الفخيمْ

الأبُ مارونُ بقورشَ فَجَرَت ْ كجنانِ النعيمْ

...

اختارَ الخلوةَ ثمانمائةِ بارِّ بديرهِ الكبيرْ

المُشيّدِ على شاطئِ العاصي مُنْقطِعَ النظيرْ

تفرغوا للدفاع عن صدق الدينِ القويمِ الخطير

وكانوا يقاومون ساويرا المُضِلَّ من له إتَبَعْ

فصانوا سكانَ سوريةَ من ضلالهِ المُبتَدَعْ


الشيء الثاني الذي يجدر بي ذكره في مناسبة هذا اليوم المؤلم انه في الشهر الذي اعدم فيه الزعيم سعاده، وفي السنة ذاتها، وقف عدد من الحاخامية اليهود وقادة الحركة الصهيونية، ولست اعرف تاريخ اليوم بالضبط، يؤدون التحية أمام ضريح ثيودور هرتسل مؤسس الحركة الصهيونية. نحن هنا قتلنا القادر وحده على قتل التنين بينما كانوا هم يتعاهدون على إكمال عملية الاغتصاب.

من هنا إلى اين؟

لقد اخترت التخصص في فترة معينة. ولكن هذا ليس سوى الجزء اليسير من حياة سعاده. فحياة سعاده الحافلة تحتاج إلى مجموعة تتقاسم العمل في هذه المراحل وتعكف على دراستها والتأريخ لأحداثها.. وانتهز هذه المناسبة للفت الانتباه إلى أهمية تنشيط فكر سعاده، الفلسفي والاجتماعي، بآلية منفصلة عن الأطر الحزبية .

وبصورة أكثر تفصيلا أعيد اقتراح ما سبق واقترحت في بعض الصحف في فترات متقطعة وهو ما يلي:

إنشاء مؤسسة دراسات وبحوث تعنى بفكر سعاده سيرة ونضالا وتأليفا وتأسيسا وقيما وتجربة، على ان يكون هدفها:

1. جمع تراث سعاده من مؤلفات ومراسلات وأرشيف ومصادر بحثية متصلة بنشاطه وأفكاره وسيرته وضبطها وتصنيفها وفهرستها وجعل هذه المؤسسة مركز ايداع مرجعي لفكر سعاده، ووضع هذه المصادر في متناول الباحثين والمؤلفين المعنيين.

2. تنشيط الندوة الفكرية الشهرية التي كان سعاده قد استهلها إثر عودته إلى الوطن لتكون أداة تفاعلية للفكر والمفكرين، وعلى ان يشجع الشباب، من جميع التيارات على حضورها والمشاركة فيها، للإسهام في إعادة تقييم طروحاته بصورة منهجية دون التزام تنظيمي بقواعد العمل الحزبي. ففكر سعاده للجميع، وهو عابر للانتماءات وليس لأطر الحزب فقط.

3. نشر، وتشجيع نشر، الدراسات المستقلة حول فكر سعاده .

4. إقامة " جامعة انطون سعاده الافتراضية " على الإنترنت لدراسة فكر سعاده بصورة منهجية على غرار ما يحدث في الجامعات المفتوحة.

وأعود الى الكتاب. اذا كان علي ان احدد بدقة الهدف من الكتاب أقول ان الهدف الأول والأخير كان تحرير مضبطة إدانة للدولة على فعلها المشؤوم ووثيقة تبرئة او رد اعتبار. وللأسف لا تزال القيادات الحزبية الرسمية والمعنوية منقسمة بين من يرى حاجة وفائدة لرد الاعتبار ومن لا يرى ذلك. واعتقد ان الأمر ضروري لأنه حجر عثرة قانونية تشكل عائقا قد يستغل لعدم تلبية مطالب او استحقاقات. وللأسف فقد أقيم تمثال نصفي لسعاده على عقار خاص أين منه وجه الزعيم الحقيقي.

***

لو سئلت لقلت ان اجمل فصول الكتاب، برأيي، هو الفصل التاسع. فصل صغير لا يتعدى صفحتين ونصفا. عنوانه : "سعاده والموت". في هذا الفصل يقف سعاده شامخا بموازاة اعظم شهداء العقيدة والفكر الحر عبر التاريخ. اذكر يوما وكان الكتاب قد صدر حديثا ان جاءني زائر في مكتبي أب شاب، محترم، لم أكن اعرفه. حدثني عن الكتاب. للوهلة الأولى تسرب إلى داخلي شعور بالقلق من ان أكون جرحت شعور المؤمنين وجاء من يلفتني إلى ذلك. وسرعان ما تبدد قلقي حينما قرأ لي هذا الأب مبديا إعجابه بهذا المقطع من الفصل:

متى في الأمثولات الشهيرة المعروفة تصبح حبة بحص تحت الركبة اشد ألما وأولى بالاهتمام من خطر الموت الجاثم بعد هنيهات. أي صفاء ذهني هو هذا؟ أي مارد روحي سكن هذا الجسد؟


وفي الختام لابد من ان أشير، إنصافا للحقيقة، إلى انتقاد وجّه إلى الكتاب واعتقد انه في محله: في الكتاب عاطفة. فقواعد البحث العلمي الصارمة التي اتبعتها لم تستطع ان تحررني من العاطفة. لكنني لم احوّر نصا ولا بدّلت في إفادة ولا نقلت باجتزاء . كنت أمينا إلى أقصى الحدود وملتزما تماما الموضوعية. كنت واثقا ان الحقيقة العلمية تقف الى جانب سعاده. ليكتب من شاء وليجمع ما جمعت فسيكون كتابه مثل هذا الكتاب. فلسعاده وجه واحد لا وجهان . والفضل للبطل لا للمؤلف. لست مستشرقا كي اكتب بلا روح، وبعد، فمن يستطيع ألاّ يبكي سعاده!

 

www.ssnps.jeeran.com

إن جميع المقالات التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع