صدى النهضة السورية القومية الاجتماعية                      www.ssnps.jeeran.com
 
أعتى الأسلحة!
 
هنري حاماتي


وقائع اليوميات الفلسطينية الراهنة تخبر عن الماضي أكثر مما هي تُنبئ عن المستقبل: ففي ظروف مثل هذا التحكم الاستعماري الغربي، وفي ظروف مثل هذا القصور القومي وهذا الاذعان العربي... حصلت كارثة فلسطين الأولى، وضاعت أرض 48، وقامت دولة الاغتصاب اسرائيل.

ولولا أحجار هؤلاء الأطفال الأسطوريين الذين يطاردون دبابات العدو في شوارع الضفة الغربية وغزة، لكان مصير أرض 67 امتداداً طبيعياً للكارثة.

الكلام عن فلسطين والفلسطينيين لا يتلخص ولا ينتهي. وكل ما يستطيعه المراقب ـ الآن، وإلى أجل غير مسمى ـ هو مقاربات صغيرة سريعة متفرّقة تلحظ بعضاً من جوانب هذا المأزق المأساة.

أ ـ في مقاربة أولى، نتوقف عند السؤال عن الوصف الحقيقي، القانوني والسياسي، لهذه المؤسسات السياسية والفلسطينية التي تواجه منفردة، أهوال الزمن الحاضر.

والسؤال هو: ما هي حقيقة الحكومة الفلسطينية الراهنة؟

ـ هل هي حكومة مقاومة، كما المفترض أن تكون حكومة صنعتها منظمة التحرير الفسطينية؟

ـ هل هي حكومة احتلال، على شاكلة الحكومة التي اصطنعها الاحتلال في بغداد؟

ـ هل هي حكومة استقلال، وظيفتها رعاية المصالح الحيوية العامة للشعب الفلسطيني... وما من مصالح عامة ممكنة بعد؟

فنحن نعلم أن القيادة الفلسطينية هي منظومة قيادات لا قدرة لها على الائتلاف، ولا قدرة لها على الاختلاف، في وقت واحد. وهذا هو بالضبط المأزق التاريخي الذي وجدت الانتفاضة الفلسطينية نفسها فيه.

هذه "جنيف" تكرار "أوسلو" لمن يحلمون بالتسوية السهلة السريعة لمشكلة واحدة ذات وجهين: عودة الفلسطينيين إلى ديارهم، ومصير المستعمرات المزروعة، أمراً واقعاً، في الضفة الغربية!

والقيادة الفلسطينية لا تستطيع شيئاً ـ بالطرق الديبلوماسية، وتحت مطارق الارهاب العسكري اليهودي ـ حيال هذه المشكلة:

ـ هي لا تستطيع القبول بإسقاط حق العودة، كما أسقطت، من قبل، الميثاق الوطني الفلسطيني، الذي اعتبر حق العودة جزءاً من حق التحرير.

ـ ولا تستطيع القبول ببقاء المستعمرات التي تمثل امتداداً توسعياً لعملية الاغتصاب، بعد الاعتراف بدولة الاغتصاب وشرعيته.

كل ما نملكه من فلسطين اليوم، للغد، هو هذه الانتفاضة التي بمجرد قيامها، وضعت حداً لمسلسل إسقاط الحقوق:

فهي انتفاضة على الحالمين بالتسويات السهلة السريعة بقدر ما هي انتفاضة على الاحتلال.
والحقيقة التي يجب أن تعلن هي أن الانتفاضة ترغم المراقب السياسي، كما كل أطراف النزاع، المحليين والاقليميين والدوليين، على الاعتراف بأن الارادة الشعبية الفلسطينية هي القوة العظمى في معادلات هذه التجاذبات السياسية التافهة، بين السلطة الفلسطينية وسلطة الاغتصاب.

فمع غياب الدور العربي، وتباطؤ الدور الدولي، وسقوط المشرق العربي كله تحت الاحتلال الأنكلوسكسوني... الانتفاضة هي صاحبة الدور الحاسم!

ولقد أدرك العدو هذه الحقيقة، وهو، لهذا، يشيح بنظره عن المؤسسات الفلسطينية، بأشكالها المختلفة، وحشواتها البشرية المختلفة، ليضرب في عمق الوجود الشعبي الفلسطيني، لغرض قهر إرادته الأسطورية، وتدمير كيانه المعنوي.

ب ـ المقاربة الثانية، في النطاق الدولي، تكشف لنا حقائق مريعة تشكل مادة اتهام أخلاقي قيمي للوجود الانساني برمته.

أولها أن أوروبا ـ أوروبا ألمانيا وفرنسا وإيطاليا خصوصاً ـ مرتاحة كلياً لمشاهد هذه المجزرة القذرة التي يتعرّض لها شعبنا في فلسطين على أيدي اليهود الأوروبيين الذين، وفدوا علينا، واستوطنوا أرضنا، وقتلوا شعبنا، وشرّدوه... وهذا، في مشروع أوروبي أصلاً...

آخر استفتاء أجرته أوروبا في شأن اليهود كان بياناً طبياً صحياً أعلنت فيه أوروبا شفاءها من عقدة الذنب تجاه اليهود!

وإذا كانت أوروبا ما زالت ساكتة عن هذه المجزرة المريعة المتابعة فصولها، يومياً، على شاشات وجدانها، فلسطين:

الأول أنها ما زالت في طور النقاهة، ولكنها تحضر، ضمن الرباعية الدولية، لتحجيم جريمتها في فلسطين، بإقامة دويلة للفلسطينيين...

والثاني ان محور موسكو/ برلين/ باريس ما يزال نطفة في رحم القارة الأوروبية، وسيستمر هذا زمناً تبقى فيه أوروبا متشنكلة بالستراتيجيا الانكلوسكسونية.

ج ـ المقاربة الثالثة هي للبعدين القومي والاقليمي.

بعد احتلال العراق، توجهت الولايات المتحدة الأميركية إلى تهديد الشام وإيران، لحماية عملياتها في فلسطين، والعراق، وأفغانستان.

ـ تهديد الشام هو لعزل لبنان، وحماية الاحتلال في الأرض المحتلة من قوى شعبية ضاربة متمركزة في جنوب لبنان، ولوقف الدعم السوري للانتفاضة، وتكييف الموقف الشامي تجاه العراق.

ـ وتهديد إيران هو من أجل إرغامها على المساعدة في لجم القوى الشعبية المناهضة للاحتلال، في جنوب العراق، بواسطة المرجعيات الدينية العراقية الموالية لإيران، الواقعة في مأزق تاريخي مميت: بين السكوت عن الاحتلال الأجنبي للعراق، أياً كانت الذرائع... أو معارضة السياسة الايرانية المنكفئة والالتحاق بركب المقاومة العراقية التي تسجل ضربات موجعة للاحتلال.

وثمة، طبعاً، غرض استراتيجي كبير تشدد عليه الولايات المتحدة الأميركية، بوقاحة ما بعدها وقاحة، وهو منع إيران ـ كما منعت العراق ـ من صنع سلاح تدمير شامل يهدد وجود اسرائيل، ركيزتها العسكرية النووية في المنطقة... هذه الركيزة التي بواسطتها تمكنت الولايات المتحدة من إركاع العالم العربي، وإلحاقه ـ أنفاطاً، وأسواقاً، وحكاماً ـ بممتلكات رأسمالييها.

أمر واحد سيبقى هو الثابت التاريخي الأبرز في وقائع التداعي، والعجز، والغياب، الحاضرة، هو صمود شعبنا في لبنان وفلسطين والعراق، بقدرته على التعبير، يومياً، رجالاً ونساءً وأطفالاً، عن سيادته القومية، وتجذر وجوده في أرضه، واستعداده، كل لحظة، للموت على ترابه الوطني، في انتفاضاته التاريخية المقدسة، التي تتعلم منها شعوب العالم قاطبة أن قوة الانسان والمتشبث بقيمه هي أعتى من أعتى الأسلحة، وأضخم الجيوش.

وبهذا الثابت التاريخي الذي أثبتنا امتلاكنا له، سيرتبط مصير فلسطين، إلى أجل غير مسمى... ومصير كيانات سايكس بيكو جميعاً... أيضاً!
 

www.ssnps.jeeran.com

إن جميع المقالات التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع