صدى النهضة السورية القومية الاجتماعية                     

www.ssnps.jeeran.com

 
أزمة حزب أم أزمة تنظيم
الجزء الثاني : الإئتمان مقابل الاستحواذ 
 
بشار فادار
 

رأينا في آخر فكرة أوردناها لحضرة الزعيم : ".. إن فلسفة سعادة تتكشف عن قضايا ومفاهيم جديدة سامية ، وهي تحتاج دراسات عديدة ، إنها تفتح إمكانية إنتاج فكري جديد .."
إذاً دعونا نحاول دراسة ماهية هذه القضايا والمفاهيم الجديدة السامية .. ولو أخطأنا ، المهم أن نبدأ ونراكم دراساتنا وتجاربنا لنكون دائماً في الموقع الذي نستحقه من الحياة .

ليس عبثاً جاءت غاية الحزب كأول مادة في دستورنا ، وهي تقول ببعث نهضة سورية قومية إجتماعية تكفل تحقيق مبادئه ...
ولو أردنا أن نستخرج من هذا الكلام سبباً ونتيجة لأمكننا أن نقول :
بعث النهضة هو الذي يكفل تحقيق المبادئ ، وليس تحقيق المبادئ يكفل بعث النهضة ..

وكنا أوضحنا سابقاً ، أن هوية الإنسان الحقيقية تتحدد بمايكرس نفسه من أجله ...
فهل تكريسنا أنفسنا من أجل تحقيق مصالحنا الفردية هو البعد الفكري - الفلسفي الجديد ، الذي جاءت به نهضتنا والذي به سوف نحقق مبادئنا ؟
أي هل نظرتنا الفردية إلى الحياة ، هي التي سيتحقق من خلالها " الأمة السورية مجتمع واحد " و " مصلحة سورية فوق كل مصلحة " ؟

بمعنى آخر ، هل العمل لتحقيق مصالحنا كأفراد ، هو عمل نهضوي ، سوف يحقق مصلحة الأمة ويجعل منا جماعة أو أمة موحدة في الحياة ؟

يقول سعادة :" إن المصالح ، مبدأياً ، صنفان يجب ألا يصير بينهما خلط وتداخل كما يحدث عادة في تعميم المصطلحات الفنية . فهنالك المصالح المتشابهة أو الشكلية التي هي لكل فرد مثلما هي لكل فرد آخر ، كتحصيل المعاش أو ربح الصيت أو جمع الثروة ، أو أي مصلحة أخرى شخصية خاصة . فهذه المصالح هي شكلية أو متشابهة ولكنها لاتقتضي إتحاد من يريدونها أو إيجاد علاقة إجتماعية ثابتة فيما بينهم . وهنالك المصلحة العامة أو المشتركة التي يجتمع عدد من الناس على الإشتراك في تحقيقها لأنها تشمل الكل ، كمصلحة خير القرية أو المدينة أو القطر " ..
نشوء الأمم ... الإثم الكنعاني ... ص 142 .

العمل لمصالحنا الفردية ، من تحصيل المعاش وربح الصيت وجمع الثروة ، أو أي هدف فردي آخر ، لايحقق مصلحة الأمة ولا يقتضي إتحادنا في الحياة ، ولايقتضي إيجاد علاقة اجتماعية ثابتة فيما بيننا ، أي لايقتضي منا أن نكون جماعة أو أمة .
لكي نكون جماعة أو أمة يقتضي منا العمل لمصلحة خير القرية ( مفهوم المديرية ) ، وخير المدينة ( مفهوم المنفذية ) وخير القطر ( مفهوم الحزب ) .

إذاً دعونا نحسم الأمور .. لانستطيع أن ندعي أننا في الحزب ( الذي هو الأمة ) جماعة موحدة في الحياة ، وفي نفس الوقت كل منا يعمل لمصلحته الفردية من تحصيل المعاش وربح الصيت وجمع الثروة ..
فمجموع مصالح أعضاء الحزب ، لايحقق مصلحة الحزب .. ومجموع مصالح أفراد الشعب السوري ، لايحقق مصلحة سورية .
ولكن تحقيق مصلحة الحزب يجب أن يحقق مصالح جميع أعضائه .
وتحقيق مصلحة سورية ، يحقق مصالح جميع أفراد الشعب السوري .

النظرة الفردية إلى الحياة ، لاتحقق مصلحة الأمة ، وبالتالي مصالح جميع أفراد الأمة .
ولكن النظرة المجتمعية إلى الحياة هي التي تحقق مصلحة الأمة ، وبالتالي مصالح جميع أفراد الأمة .

ولكي نفهم الفرق بين النظرتين دعونا نحاول سبر أعماق النظرة الفردية إلى الحياة ، وما يترتب عليها من بعد نفسي سلوكي في حياتنا . ونقارنها مع مايمكن أن نصلط الضوء عليه من نظرتنا المجتمعية إلى الحياة .

لنطلق على نظرة مجتمعنا الفردية إلى الحياة ، و أسلوبه القائم على تحصيل المعاش وحيازة الأملاك وربح الصيت والنفوذ والسلطة اسم ( أسلوب الاستحواذ ).
هذا الأسلوب كما تعلمون وتشعرون جميعاً ، تتحدد فيه قيمة كل واحد منا ومكانته وعوامل أمانه بما يملك ، أي أن الإنسان هو ما يملك ، ومن هنا جاء قولنا المأثور " معك قرش بتسوى قرش " .

وبما أن كل مايملكه الإنسان ، هي أشياء خارجية ، يصبح محور حياته ليس في داخله ، أي ليس في السعي لتحقيق إنسانيته و سعادته وسلامه وهدوئه الداخلي ، بل في الأشياء الخارجية التي يملكها ، فيصبح تلقائياً مغترباً عن ذاته ، فاقداً لمعنى الحياة الإنسانية الحقيقية .

وطالما الإنسان هو مايملك ، فمن الطبيعي أنه كلما ازدادت ملكيته ، ازداد شعوره بقيمته ومكانته ، وتعززت أكثر عوامل أمانه .
وفي هذه الحالة من حق كل أفراد المجتمع أن يكونوا في سعي حثيث للاستزادة . كل واحد على طريقته ، وحسب إمكاناته وظروفه ، ولو كان هذا الأمر على حساب الآخرين " حلال عالشاطر" .


يقول سعادة :" كل شيء في هذا المجتمع مسخر لنفعية الفرد ، والحيلة الفردية في تسخير الأوضاع والأشكال والأسس بعينها لخدمة المنفعة الفردية تعد ، وفاقاً للنظرة القديمة ، مهارة شخصية باهرة ... جاء سعادة يقول بتغيير هذا الأساس وإبدال هذه النظرية اللاقومية اللاوجدانية ، وبتأسيس أخلاق قومية ثابتة توجد قاعدة ثابتة لتلاؤم المجتمع وتجانس أفكاره وأعماله ، وبإحلال النظرة القومية محل النظرة الفردية وبإقامة مبدأ التساند العام النزيه " ..
آثار كاملة ... ج 2 ... هل يفلح سعادة ... ص 232  و كذلك ، أنظر آثار كاملة .. ج1 .. ص396 .

بما أن كل مايملكه الإنسان هي أشياء خارجه ، فهو معرض لفقدها في أية لحظة ، وبالتالي معرض لأن يفقد ذاته ، لذلك هو في خوف وقلق دائم من فقدها .
في خوف من رفقائه في الحزب على كرسيه ، وفي خوف من اللصوص على أمواله ، " الغني تعبان بماله والفقير مرتاح البال "
وفي خوف من غدرات الزمن " خبي قرشك الأبيض ليومك الأسود " .. وفي خوف من الأمراض والموت ، والحسد ، حتى أنه في خوف من أي تغير في الحياة . فلا أمان إلا في الأشياء القديمة المجربة ، لأن كل شيء جديد يحمل مخاطر الفشل .
وهذا ربما مادفع أديبنا الساخر سعيد تقي الدين لأن يقول مامعناه : " إن كثير من أبناء شعبنا حذرين جداً ، وبعضهم مغالاة في حذرهم ، يفضلون الزواج من إمرأة متزوجة سابقاً وعندها أولاد "

أما عند سعادة دعونا نرى ماذا يقول في الخطاب المنهاجي الأول :
" لقد بلغني وطرق أذني مراراً أن أعضاء دخلوا الحزب متوقعين أن يروا أصحاب المكانة المتضخمة على رأسه ولكن عجبهم لم يلبث أن تحول إلى إعجاب حين وجدوا أن سياسة الحزب الداخلية تتجه إلى الإعتماد على القوة الحقيقية ، قوة السواعد والقلوب والأدمغة . لا قوة المكانة . إن مكانة كثيرين من رجالات الزمن الذي نريد أن يزول مستمدة بالأكثر من مبادئ لاتتفق في جوهرها ولا في شكلها مع المبادئ التي سنجدد بها حيوية أمتنا "

ويضيف في شرح الخطاب :

" ولذلك عندما أوضحت بالمقاييس المحصورة هذه القوة قلت إنها قوة السواعد الحرة ، قوة القلوب ، قوة الشعور ، قوة الإحساس المرهف ، قوة الأدمغة ، قوة التفكير والتوليد والإبداع والتصور ، لاقوة المكانة المتراكمة "

أول ما يلفت نظرنا في هذا الكلام ، هو قول حضرة الزعيم ، أن مكانة كثيرين من رجالات الزمن الذي نريد أن يزول مستمدة بالأكثر من مبادئ لاتتفق في جوهرها ولا في شكلها مع المبادئ التي سنجدد بها حيوية أمتنا .

ونحن أوضحنا فيما سبق أن مكانة الإنسان في الزمن الذي يريده سعاده أن يزول قائمة على مايملك . بالتالي أصبح من المؤكد لنا أن مكانة الإنسان في مجتمع سعادة لاتقوم أبداً على مايملك .


إذاً ، على أي أمر تقوم ؟
لو عدنا إلى النص السابق ، ولاحظنا قوله : " إن سياسة الحزب الداخلية تتجه إلى الإعتماد على القوة الحقيقة ، قوة السواعد والقلوب والأدمغة ..".

أليست السواعد للبناء .؟
أليست القلوب للمحبة . ؟
أليست الأدمغة للتفكير والإبداع ؟
هذه هي قوة إنسان سعادة ، وهي التي تعطيه قيمته ومكانته .

إذا كان إنسان هذا الزمن يعرف بما يملك .. إنسان سعادة يعرف بما يعطي وينتج ويحب .

يقول سعادة : " لاأبوح بسر إذا قلت إن أكثر مصائبنا هي من فقدان الهدف المجموعي في هيئتنا الإجتماعية ... وإننا مهما اجتهدنا في تحسين أحوالنا الفردية نظل معروفين بين شعوب العالم بالصفة الملازمة لنا ، وهي صفة الخمول والأنانية الخائفة على ذاتها المحبة للأخذ الكارهة للإعطاء . وليس للآخذ كرامة المعطي "
آثار كاملة ... ج1 .. التفكير العملي والإصلاح الإجتماعي ... ص 397

إذاً، النهضة جاءت لتؤسس لحياة إنسانية جديدة ، تقوم على نظرة مجتمعية إلى الحياة والكون والفن ، تتحدد قيمة الإنسان فيها ومكانته على قدر عطائه ، أي على قدر إنسانيته ..
لذلك قلت سابقاً ، إن الفرد لكي يكون سورياً قومياً إجتماعياً ، لايعني أن يكون متحزباً ، بل يعني أن يكون إنساناً ..

وبما أن قوة الإنسان الحقيقية وقيمته ومكانته في ساعده وقلبه ودماغه .. وهي قوى داخلية في الإنسان .
نستطيع أن نستنتج أن أمانه نابع من داخله أيضاً ، وليس من أشياء خارجة عنه يملكها . فلا وجود للشعور بفقد الأمان المتأتي عن خطر فقدان مايملك ( مادياً ومعنوياً ) .
الخطر الوحيد عليه ، هو من داخله . من شعوره بفقده ثقته بنفسه وبالآخرين . أي من فقده إيمانه بالحياة الإنسانية الخيرة ، وإنكسار ذلك الجسر الذي يربطه ويوحده بالجماعة الإنسانية التي ينتمي إليها .
ولأن الأشياء المادية التي تعطي للإنسان قيمته وأمانه ومكانته وهنائه في أسلوب الاستحواذ ، بطبيعتها تنقص
بالإستعمال والمشاركة .
لذلك نرى أن أوضح صفة في إنسان الاستحواذ هي الأنانية .. فالأنانية ليست سلوك سطحي ، بل لها جذور عميقة في نفس الإنسان .

أما في أسلوب سعادة ، كل مايعطي للإنسان قيمته وأمانه وسعادته ، يتعاظم بالاستعمال والمشاركة .

فالإنسان المحب لاتنضب محبته بممارسته فعل المحبة تجاه الآخرين ، لا بل على العكس تزداد قدرته على هذا الأمر، كذلك العقل ، وكل القوى الحية التي قلنا أنها تحدد قيمته ومكانته .
بالتالي فإن ممارسة أسلوب سعادة في الحياة ، يعزز عند الإنسان سعيه للعطاء والتوحد والتكافل مع الآخرين ، أي يعزز إرتباطه بالجماعة التي ينتمي إليها ، لأن في ذلك تحقيق سعادته وسعادة الجماعة .

يقول سعادة :
" إن الإرتباط العام والقرابة العامة والمحبة العامة هي التي تكون مطلباً أعلى عاماً وأساساً حقيقياً للهناء العام ، وهي ماهو مطلوب من الطبقة المتنورة من الشباب أن يفكروا فيه تفكيراً تتحفز وراءه إرادة العمل التي تحدو به إلى استنباط الوسائل الآيلة إلى تحقيقه " ..
آثار كاملة ... ج 1 .. التفكير العملي والإصلاح الإجتماعي ... ص 395

أيضاً من سمات أسلوب الاستحواذ - طالما أن حياة الإنسان تتمحور حول الأشياء التي يملكها - هو تشييء كل الموجودات وجعلها قابلة للإمتلاك .
فالإنسان ومايملك يصبحوا أشياءً ، والعلاقة عكسية بين الإنسان وما يملكه ، فالذي تملكه يملكك أيضاً .
فسمعة الإنسان كما يملكها ، تملكه .
والمال أيضاً يملك صاحبه .
وكرسي السلطة أيضاً تملك صاحبها .

ولكن العلاقة بين الأشياء هي علاقة موت ، وليست علاقة حياة .
فكم رأينا من تجارب الحياة ، أناس تحولوا عبيداً لمالهم وسمعتهم وكرسي السلطة .
وكم رأينا من أناس دمرهم مالهم وسمعتهم وكرسيهم !..

وليس أدل على أن أسلوب الاستحواذ يشيئ كل الموجودات ، أكثر من المفردات التي نستعملها للتعبير عن ذاتنا ، وعن نشاطنا في الحياة ، فنحن على سبيل المثال نقول:

عندي سيارة .. للتعبير على أني أملك سيارة .
وعندي فكرة ... للتعبير على أني أملك فكرة .
أي شيئنا الفكرة وامتلكناها . مع أن الفكرة أمر معنوي وليس مادي يمتلك .

كذلك ، عندي زوجة وأولاد وأصدقاء .
حتى الناس الذين تربطنا فيهم علاقة ، حولناهم إلى أشياء وامتلكناهم .

أيضاً نقول عندي مسؤولية في الحزب السوري القومي الإجتماعي .
المسؤولية التي هي فعل إنساني خلاق ، حولناها إلى شيء نملكه ( وصعب علينا جداً أن نفقده ) ، وإلا فقدنا قيمتنا والملتفين حولنا من المحبين والأصحاب !.

وعندي رتبة أمانة في الحزب القومي .
رتبة الأمانة التي تعني أن يكون حاملها أميناً على النهضة .. تحولت إلى رأسمال إضافي يملكه بعض الرفقاء المناضلين ، ويستخدمونه من أجل الوصول إلى أعلى سلم المكانة المتراكمة .!!

أما سعادة فيقول في شرحه للخطاب المنهاجي الأول :
" إن قواعد التراكم من قواعد الجماد لامن قواعد الحياة . إن الحياة تنمو وتنتعش وتمتد وتتسع . أما الجماد فباق كما هو من الخارج يتراكم . نحن قوة حيوية . نحن نفعل من داخل الحياة ولانقبل بالتراكم من الخارج . نحن قوة تنمو كما ترون بقوة من داخلنا نحو الشباب والرجولة ولانتراكم كطبقات الجماد . نحن قوة تنمو وتتحرك وتنفعل وتنشئ ولسنا تراكم جماد لاحياة ولاقوة " .

إذاً ليس هناك تشيئ للموجودات والحياة . الجماد جماد والكائن الحي أمر مختلف عند سعادة .

الجماد يكبر بالتراكم وازدياد الحجم من الخارج ، أما الإنسان وأي كائن حي ينمو بالتغيروالتجدد من الداخل .
فالشاب ليس طفلاً كبيراً .. بل طفل نما وتغير وتحول إلى شاب .

الرجل ليس شاباً كبيراً .. بل شاب نما وتحول إلى رجل ...
المرأة ليست فتاة كبيرة .. بل فتاة نمت وتحولت إلى إمرأة .

وسنبلة القمح ليست حبة حنطة كبيرة .. بل حبة حنطة نمت وتحولت إلى سنبلة قمح .
والفراشة ليست دودة قز كبيرة .. بل دودة قز نمت وتحولت إلى فراشة .

فالكبر للكائن الحي بشكل عام عند سعادة هو نمو وتحول ، وليس ازدياد في الحجم .
وكبر الإنسان هو نمو وتحول من الداخل نحو النضج والسمو الإنساني ، وليس كما رأينا في أسلوب الاستحواذ تراكم وازدياد في الحجم من الخارج .
يكبر الإنسان في أسلوب الاستحواذ ، بازدياد ثروته وصيته ومعلوماته وسلطته إلى ماهنالك ..

ويكبر الإنسان في نهضتنا ، بإنسانيته ، وعطائه وإنتاجه .

فالأمين في الحزب ليس رفيقاً كبيراً ، ازدادت عدد سنوات انتمائه للحزب ، وازداد معها عدد الوظائف الحزبية التي مارسها ... بل رفيق نما وتحول بممارسته ونضاله ( ومازال ) من رفيق ينتظر الآخرين ليحملوا عنه هم النهوض بالحزب ، إلى أمين يحمل هم النهوض بالأمة جمعاء .

أيضاً إنسان سعادة ينمو إنسانياً بالمعرفة والتجارب ، ولايزداد حجم معارفه ومعلوماته ، كما هو حاصل الآن في أسلوب حياتنا .
فالمثقف عند سعادة ليس من يتحد ث عن موليير وفولتير .. وليس من يحفظ كتبه من الغلاف إلى الغلاف ، بل من يخلع عنه رداء الأنانية والنزعة الفردية ، ويعمل بمحبة وإخلاص للمصلحة الإنسانية .

هنا ربما أصبح أوضح بالنسبة لنا ماتعني مقولة " الترف الفكري " . فهي لاتعني فقط ، التنظير دون الفعل . لا .. بل إن لها مدلول أعمق بكثير من هذا ، وهو من صلب أسلوب الاستحواذ .

كما قلت سابقاً في هذا الإسلوب يسعى الإنسان دائماً لزيادة حجم أملاكه التي تبوئه مكانة أفضل في المجتمع ، وهنا تكون المعارف والمعلومات جزء من هذه الملكية التي يحاول دائماً عرضها أمام الناس ، لتعلو مكانته بينهم ، مثلها مثل أية ملكية أخرى .
أي أنه في أسلوب الاستحواذ يكون الإنسان بحاجة للتنظير على الآخرين ، وإبراز معلوماته لهم ، وأيضاً بحاجة لأن لايستمع ولايأخذ برأي الأخرين ، كي لايضع نفسه في موقف يبدو فيه أن الآخرين يملكون شيئاً ليس عنده .

وإذا تحاور مع إنسان آخر لايقبل بتاتاً أن يكون على خطأ ، لأن الأفكار التي يطرحها هي جزء من رأسماله ، ولايقبل أن ينتقص من هذا الرأسمال ، لئلا ينتقص من قيمته ، وهذا هو سبب الاحتداد وحوار الطرشان الذي يدور دائماً بين الناس ، وهذا ماقصده سعادة حين قال :

" كل إجتماع بسيط من إجتماعاتنا العائلية ، أو التي توجدها الصدف ، يبتدئ بالتصايح وينتهي بالإحتدام والهياج ,إلا فيما ندر . وكل جمعية أو حزب يتأسس تبتدئ المشاحنات الفردية فيه منذ ابتداء عمله ، حتى ولو لم تكن المآرب الخصوصية النفعية هي السبب ، وذلك بدافع النزعة الفردية " .آثار كاملة ... ج6 .. النزعة الفردية في شعبنا ... ص 157 .

نعم إن النزعة الفردية فاعلة في حياتنا دون أن ندري فهي ليست سلوك محدد بل هي بناء نفسي متكامل يعبر عن ذاته بأشكال مختلفة .

أيضاً يمكننا أن نجد لظاهرة " الترف الفكري " معنى أهم وأعمق مما سبق ، ونتائج مترتبه عنها ، لها أثر بعيد في حياتنا .
فالترف الفكري يعني ، أن يشكل الإنسان منظومة معارف ، ناتجة عن قراءاته فقط . أو عن تبنيه لأفكار عقيدة يؤمن بها ، وليس عنده أي إثبات عقلاني عليها ، ناتج عن تجربته الذاتية .

هل القراءة ، أو تبني أفكار عقيدة ما ، بدون تجربة ذاتية ، يكفي لتشكيل معرفة حقيقية ؟
أي هل يكفي أن نقرأ " الحياة كلها وقفة عز فقط " ، ونحفظها ، لتكون لنا معرفة حقيقية بما تعنيه هذه العبارة ؟

دعونا نتدرج بالتساؤلات لربما وصلنا إلى جواب ، يلقي الضوء على جانب مهم في حياتنا .
هل السوري القومي الإجتماعي على علاقة بسعادة ( الفكر)؟
الجواب : نعم .
هل يمكن أن تقوم علاقة سليمة بينه وبين سعادة ، إذا لم يفهم نفسه ويفهم سعادة ؟
الجواب : لا
هل فهم الإنسان مرتبط بتجاربه ؟
الجواب : نعم

لنرتب الفكرة ... لكي تقوم علاقة سليمة بيني وبين سعادة ، علي أن أفهم نفسي وأفهم سعادة ... فهمي لنفسي ولسعادة مرتبط بتجاربي في الحياة ، وتجاربي لاتنتهي إلا بموتي .
إذاً .. هل مستحيل أن أفهم نفسي وسعادة ، أم أنني لا أنتهي من فهم نفسي وفهم سعادة ؟
حتماً الجواب الصحيح هو أنني لاأنتهي من فهمي نفسي وفهم سعادة .
وهذا مايفسر لنا لماذا كلما عدنا لقراءة سعادة وجدنا فيه شيئاً جديداً لم نلحظه في قراءتنا السابقة . وليس كما يقول البعض بأن سعادة هو السهل الممتنع !!.
كلما ازدادت تجاربي وخبرتي في هذه الحياة ، كلما فهمت سعادة أكثر .
وكلما فهمت سعادة أكثر ازدادت قدرتي على تحليل وفهم تجاربي أكثر .
إذاً إنسان سعادة هو إنسان تجربة ، يغتني ويغني حياته بمراكمة تجاربه . وليس إنسان نظريات مسبقة وقوالب جامدة

يقول سعادة " المبادئ ، هي قواعد انطلاق الفكر والقوى " .
ولم يقل هي قوالب الفكر والقوى ، أو هي الفكر والقوى .

أليس إيمان الإنسان بأي أمر ، مقرون بمعرفته بما يؤمن به ؟
طبعاً للمعرفة دور أساسي بإيمان الإنسان .

إذاً .. هل يمكننا أن نصل إلى نتيجة ، أن الإيمان الناتج عن القراءة فقط ، أو عن تبني أفكار العقيدة التي يؤمن بها الإنسان ، بدون تجربة ذاتية لايمكن أن يكون إيماناً حقيقياً ؟ ...

للإيمان معنيين مختلفين بين أسلوب الاستحواذ وأسلوب سعادة .

لنفترض وجود رفيقين في الحزب ، أحدهما يتبنى أسلوب الاستحواذ في حياته ، والثاني يتبنى أسلوب سعادة .

الرفيق الذي يتبنى أسلوب الاستحواذ ، لايفكر ، بل يملك أفكاراً .. ولايؤمن ، بل يملك إيمانيات ..

في البداية يتبنى أفكار الحزب ، وليس عنده دليل عقلاني من تجربته الذاتية عليها . إيمانياته هذه ، المقترنة بتغيير سلوكه لكي يلائم السلوك العام للقوميين ، هي جواز قبوله في الحزب .
فيدخل الحزب خاضعاً لكل مايملى عليه من إيمانيات ( فكرية أو شكلية ) . وهو على يقين تام بصحة هذه العقيدة ، وعلى أنه وصل معها إلى المعرفة المطلقة دون أن يعاني مشقة التفكير . فكل سؤال يعترضه ، يوجد عشرات الرفقاء المهيئين ليعطوه الإجابة الصحيحة . فيصبح مثل الآخرين مالكاً سعيداً لعقيدة صحيحة !.
وما أسهل على الإنسان أن يختار اليقين - الذي تدعمه قوة من يدعو إليه – إذا كان المطلوب منه هو أن يتنازل عن
استقلاليته !...
وتصبح مبادئ الحزب تشكل عنده حقيقة مطلقة ، خارج دائرة فهمه وشعوره !!...
ويصبح إنساناً مغترباً عن ذاته ، بائس روحياً .
فهو يؤمن بالخير الذي أتت به العقيدة ، ولايؤمن بالخير الذي في داخله .
يؤمن بعظمة سعادة ، ولايؤمن بعظمته هو .
يؤمن بالقضية السورية القومية الإجتماعية ، ولايؤمن بقضيته هو .

أيها الرفيق المحترم ..
آمن بنفسك أولاً ، لكي تستطيع أن تؤمن بسعادة .
آمن بالحق والخير والجمال الذي في داخلك أنت .
أسقط من قاموسك ضمير الغائب .. ولاتتحدث عن الأمة السورية ، ولاعن الحزب القومي .
بل تحدث عن نفسك ..عن أمتك .. وعن حزبك .. وعن .. وعن ....
يقول سعادة :
" أيها القوميون ... ثقوا بأنفسكم ، لأنكم إذا وثقتم بأنفسكم وثقتم بعقيدتكم وبعملكم التعميري " .
آثار كاملة ... ج 2 .. كلمة الزعيم في تأبين ميشال زكور ... ص 123 .

أما الرفيق الذي يتبنى أسلوب سعادة ، ليس عنده إيمانيات ، بل هو في حالة إيمان بنفسه وبقضيته ، وهو على يقين . ولكنه يقين قائم على تجربته الذاتية .
هذه التجربة لاتعطيه إجابة كاملة ، بأدلة عقلانية محسوسة في الواقع الذي يعيشه على حقيقة مايؤمن به .
لكنه يدرك بأنه هو الأداة الوحيدة التي تستطيع إثبات حقيقة مايؤمن به .

فحقيقة أن " سورية للسوريين ، والسوريون أمة تامة " .. تكون أداة إثباتها إيمان القوميين الاجتماعيين .
فالإيمان يختلف عن الإيمانيات ...
الإيمانيات شبه قناعات ، وهي تتعلق بالماضي ، بما حصل من قبل ، أو ماهو حاصل الآن ..
أما الإيمان فيتعلق بما يجب أن يكون .. ولايتعلق بما كان .
الإيمان مرتبط بالممارسة والفعل ... فالذي تمارسه هو إيمانك . وليس ماتقتنع به ، هو إيمانك .

فأنت مقتنع بالدليل الحسي المادي ، أن سورية الوطن ، ليست الآن بتصرف السوريين ، ولكنك مؤمن بأن تصيرها كذلك ، بفعلك ونضالك .
فإيمان القومي الإجتماعي بالمبادئ ، لا يعني على الإطلاق ، أن هذه المبادئ محققة . بل يؤمن لكي يحققها .
يقول سعادة :
" كل عقيدة عظيمة تضع على أتباعها المهمة الأساسية الطبيعية الأولى التي هي :انتصار حقيقتها وتحقيق غايتها . كل مادون ذلك باطل ... "
أ ، ك ... ج8 .. المحاضرة الأولى .... ص 11

نعم ، كل ما دون ذلك باطل . فالحقيقة يجب أن تنتصر لكي تثبت ذاتها .. وكل مؤمن بحقيقة ولايعمل لها ، لايعني أنها باطلة ، بل يعني أنه هو غير مؤمن بها ... أي أن إيمانه باطل .

بعد هذا العرض المبسط والموجز لمفهوم الإيمان حسب سعادة ، يمكننا أن نتساءل :

هل إيمان الإنسان بالعقيدة السورية القومية الإجتماعية ، والعمل على انتصار حقيقتها وتحقيق غايتها ، أي العمل للمصلحة العامة ، قد يفهم منه ، أن عليه أن ينكر ذاته ؟
جوابنا هو على العكس تماماً .
لأن إيمان الإنسان بالعقيدة القومية ، هو إيمان بذاته الإنسانية الخلاقة والمبدعة . و التوحد في الجماعة ، هو تحقيق للذات الإنسانية وليس إنكاراً لها ، فسعادة لم يأت ليلغي الفرد ، بل ليعزز وجود هذا الفرد ، ولكن من خلال حقيقته الإنسانية ، وليس من خلال أنانيته ونزعته الفردية .

كلنا يعلم أن سعادة الإنسان بعطائه ، وأسلوب الحياة الذي جاء به سعادة ، يقوم على عطاء الإنسان .
فهل عمل الإنسان لتحقيق سعادته ، هو إنكار لذاته أم تحقيق لهذه الذات ؟

أن تحرم أم نفسها من الطعام لتطعم أبنائها ، هو إنكار لذاتها ، أم تحقيق لذاتها الإنسانية ؟
إذا كان في حرمانها نفسها الطعام ، وإطعامها أولادها ، كل سعادتها ، ورضاها عن ذاتها .. فهل يمكننا أن نقول أنها تنكر ذاتها ؟!
كذلك ، الأب الذي يتعب ويشقى لتربية أبنائه أحسن تربية ، وتدريسهم في أحسن المدارس والجامعات .. يكون ينكر ذاته ، أم يحقق ذاته الإنسانية ، بأجمل صورها ؟

أيضاً يمكننا أن نسأل هنا .. هل محبة سعادة لشعبه ، والعمل لخيره وعزه ومجده ، والتضحية بكل غال ورخيص من أجل قضيته الإنسانية .. هو إنكار لذاته ، أم تحقيق لهذه الذات بأبهى صورها وتجلياتها الإنسانية ؟

بالإضافة إلى ذلك ، مجتمع سعادة ليس مجتمع مساواة ، بل هو مجتمع تراتبية إجتماعية ، قائم على أسس جديدة ، تقدر النجاح الفردي ، وتعطي للفرد امتيازات على قدر عطائه وإنتاجه وعمله للمصلحة العامة .

فليس مطلوب من أحد أن ينكر ذاته .. كل إنسان من حقه أن يسعى لنجاحه الفردي ، المشكلة ليست في النجاح الفردي، المشكلة في مفهوم النجاح الفردي ، بين أسلوب الاستحواذ ، وبين أسلوب سعادة .
عن أسلوب الاستحواذ ، يقول سعادة :
" النفوذ الشخصي والوجاهة الشخصية هما مصلحة فردية من طبيعة العمل للنجاح الفردي ، مهما كانت المظاهر الخارجية التي يتذرعان بها دالة على الغيرة على المصالح العامة ، ولا يمكن بوجه من الوجوه حسبانهما قاعدة أو أساساً للنجاح القومي "
أ ، ك ... ج 6 .. النجاح الفردي والنجاح القومي ... ص 492 .

ولكن في مكان آخر من المقال نفسه ، يطرح التساؤل التالي :
" ألا يمكن التوفيق بين مبدأ النجاح الفردي ومبدأ النجاح القومي ؟
وعليه نجيب أن ذلك ممكن ، بل ضروري . ويمكن بلوغ درجة أعلى من درجة – التوفيق - . يمكن إيجاد الإمتزاج بجعل كل من المبدأين فاعلاأ في المبدأ الآخر بالإستمرار . وإيجاد هذا التمازج هو من خصائص العمل القومي وليس من خصائص العمل الفردي . فإذا أمن الشارع القومي والعقيدة القومية إمكانيات النجاح الفردي في نتائج النجاح العام الحاصلة أو المنتظر حصولها فقد قدم مبدأ النجاح القومي السدى . وإذا أدرك مبدأ النجاح الفردي شدة إرتباطه وتعلقه بالنجاح القومي ورأى ضرورة المساهمة في مبدأ هذا النجاح فقد قدم مبدأ النجاح الفردي اللحمة " .

لإيضاح ماقصده حضرة الزعيم ، دعونا نقارن بين النظام البرلماني في الكيان اللبناني ، ونظام حزبنا .
في النظامين يوجد أفراد عندهم طموح للتميز واحتلال مكانة اجتماعية مرموقة .
في نظام الحياة في لبنان ( الذي يقوم على أسلوب الاستحواذ ) الوصول إلى البرلمان هو نجاح فردي يحقق من خلاله الفرد مكاسب مادية ومعنوية كبيرة . وكل من عنده طموح لأن يكون في البرلمان ، عليه أن يمتلك المال ، أو يرث زعامة طائفية ما ، أو أن يستزلم عند من يمثل مرجعية طائفية أو مالية ( أو أن ينتمي إلى أحد الأحزاب العقائدية ! ).

وقد رأينا عبر تجربة طويلة مع هذا النظام ، أن تحقق النجاحات الفردية لكل أعضاء البرلمان ، لم ينعكس نجاحاً عاماً للبنان .
في حزبنا ، الحصول على رتبة الأمانة هو نجاح فردي بالمقياس الشكلي ، ورتبة الأمانة هي البديل عن المال والزعامة الطائفية والاستزلام في النظام اللبناني ، وهي التي تمكن السوري القومي الاجتماعي من الوصول إلى المجلس الأعلى أو رئاسة الحزب .
وكلنا يعلم أن رتبة الأمانة تمنح للرفيق الذي يعمل للمصلحة العامة ، وليس لمصلحته الفردية .
وكل رفيق عنده طموح للوصول إلى مكانة وظيفية أو اجتماعية عليا ، عليه أن يعمل للمصلحة العامة .
هنا يمكن أن نرى الامتزاج بين المصلحة العامة والمصلحة الفردية ، التي تحدث عنها حضرة الزعيم ، ويمكننا أن نقيس كل شؤون حياتنا الجديدة على هذا المنوال .
وهنا يجب أن ننتبه إلى أن نجاح الرفيق في العمل للمصلحة العامة ، هو الذي حقق له مصلحته الفردية ، وهذه القاعدة غير قابلة للعكس .
يقول سعادة في نفس المقال " النجاح القومي العام هو مؤمن بطبيعته النجاح الفردي . أما النجاح الفردي فليس مؤمناً بطبيعته النجاح القومي ، لأن طبيعته استبدادية وغرضه محصور في الفرد بذاته "

ويتابع حديثه بالتوجه إلى أغنياء بلادنا ويقول لهم :
" إذا أدرك أغنياؤنا هذه المبادئ الأولية قدموا لنهضة أمتهم خدمة كبيرة تسجل لهم في صفحات النجاح القومي ، الذي يكسبهم بدوره امتيازات كبيرة ويفتح أمامهم طريق العز العالي والسعادة الكبرى ".

إذاً ، مجتمع سعادة ، تراتبي ، وأسلوب الحياة فيه لايتطلب من الإنسان إنكار ذاته ، وهو لايحد من طموح الفرد فيه ولا من سعيه للتميز . بل على العكس يفسح المجال لأصحاب العقول والقلوب النيرة أن يأخذوا دورهم ومكانتهم الحقيقية التي يستحقونها . وهو نظام حياة لايحاسب على النوايا ، بل على الأفعال ، ومقياس الأفعال هو تحقيق المصلحة العامة :

يقول سعادة :
" ومهما كان الباعث على العمل لهذه المصلحة – المصلحة العامة – فالمصلحة نفسها تظل مصلحة الجميع لأنها تشملهم ، أي أنه قد يكون حب المجد هو الموحي أو الدافع لبعض الأشخاص على العمل للمصلحة العامة ، فتكون المصلحة في هذا المثل مركبة بالنسبة إلى الشخص . ولكنها بالنسبة إلى العموم عامة بسيطة ، وهنا نضطر إلى التمييز بين المصلحة العامة الأولية بالنسبة إلى الكل وبين المصلحة العامة الثانوية بالنسبة إلى الشخص الذي يتخذ من المصلحة العامة وسيلة لمصلحة شكلية شخصية هي المصلحة الأولية له . فالأساس الإجتماعي للمصلحتين واحد هو خير المجتمع وهو وحده يوجد علاقة المصلحة الاجتماعية الثابتة ".
نشوء الأمم .. الأثم الكنعاني ... ص 143 .

على كل حال إن الاستزادة والتعمق في شرح نظرة سعادة إلى الإنسان ، والتوجه الجديد في الحياة الذي أسس له ، والفرق بينه وبين أسلوب الحياة الذي نعيشه ، لاتتسع له هذه الدراسة ، ولكن أحب أن أؤكد على أن نظرة سعادة إلى الإنسان هي نظرة مجتمعية ، والقيم الإنسانية هي قيم مجتمعية ، وبين السطر والسطر من تراثه الفكري تأكيد وشرح لهذه الفكرة .

ولكن قبل أن أنتقل إلى الفكرة التي تليها ، دعونا نحاول أن نطلق تسمية على أسلوب سعادة في الحياة يكون منسجماً مع ما أوضحناه سابقاً ، ويزيل أي التباس ممكن أن يحصل عند البعض من أن سعاده يطرح توجهاً في الحياة لايملك فيه الإنسان أي شيء .

يقول سعادة في المبدأ الإصلاحي الرابع : " أننا لانرمي إلى إبادة الملكية الشخصية كملكية عملية ، ولا إلى أخذ الرأسمال من أيدي الأفراد رأساً ونزع حق التصرف من أيديهم ، ولكن يعني أن الأفراد الذين يتصرفون الآن بالرأسمال تصرفاً فردياً ، يتصرفون به تحت إشراف الدولة لضبطه وتوفيقه ، لأنهم مبدأياً مؤتمنون عليه إئتماناً من قبل المجتمع " أ . ك .. ج8 ... ص112

من هذا القول نستطيع مباشرة أن نطلق على أسلوب سعادة في الحياة أسلوب " الائتمان " ، وفعلياً هو الذي سماه كذلك . حيث كما رأينا أن الإنسان لايتملك ما يملك ، بل هو مؤتمن عليه من قبل الجماعة التي يعيش فيها .

كذلك يمكننا أن نستحضر قوله " إن الدماء التي تجري في عروقنا عينها ليست ملكاً لنا بل هي وديعة الأمة فينا متى طلبتها وجدتها " .. وهذا الكلام ليس شعرياً ولاخطابياً ، بل هو من صميم فلسفة سعادة ونظرته إلى الحياة والكون والفن .
ففي أسلوب الاستحواذ الذي يشيئ كل الموجودات ، حتى جسد الإنسان يتحول إلى شيء يملكه ويخاف فقده ، وهذا مانراه من الخوف من الموت والسعي للخلود ، من أيام الفراعنة ، عن طريق تحنيط الجسد ، إلى السعي لتخليد الذكرى ، عبر الأولاد ، والورثة ، والأعمال العظيمة ، حتى لو كانت على حساب آلاف الضحايا .

أما في أسلوب الائتمان ، كما قلنا سابقاً ، لاتشيئ للموجودات ، ولاتملك للأشياء ، حتى علاقة الإنسان بجسده ليست علاقة تملك ، والخوف من الموت يصبح في أدنى درجاته .. لأن الإنسان في الأساس ليس هاجسه أن يفقد مايملك ، وحياته ليست مبنية على الخوف من الموت والصراع معه والانتصارعليه ..

وهنا أود أن أشير إلى أدبيات حزبنا المليئة ، بوصف سعاده بأنه هو وقوافل شهادئنا انتصروا على الموت ... هذا ليس صحيحاً على الإطلاق ، لأن الذي ينتصر على الموت ، هو الذي يفكر بالموت ويخوض معركته معه ..
سعادة لم يفكر بالموت ولابالانتصار على الموت . بل فكر بحياة سامية في الوجود ، وعمل لها وضحى من أجلها واستنفذ حدود الممكن في ذلك بتضحيته بجسده ، لاأكثر ولاأقل ...

إذاً ، فكرنا يأتي بأسلوب جديد في الحياة ، نابع من نظرة جديدة إليها يقوم على نبذ كل أشكال التملك التي لاتغذي إلا الأنانية والنزعة الفردية ... إلى حياة التكافل والتعاون والتوحد بين الناس في الجماعة الإنسانية الواحدة ، الموحدة المصالح والمصير .

فعملنا لتحصيل المعاش أو ربح الصيت أو جمع الثروة أو أي مصلحة أخرى شخصية خاصة لايقتضي اتحادنا في الحزب .. وربما يقتضي تجمعنا في تنظيم .

الذي يقتضيه اتحادنا في الحزب هو عملنا لتحقيق المصلحة العامة ، التي تشملنا كلنا .

هنا ممكن أن يعترض البعض على إمكانية التغلب على النمط السائد في حياتنا ، ويتهمنا بأننا وكأننا نتحدث عن مدينة أفلاطون ، فمعظمنا يظن أن الأنانية والجشع والطمع والحسد ، والسعي إلى الربح والتنافس مع الآخرين ، هي صفات متأصلة في الطبيعة الإنسانية .
ولكن نظرة معمقة في هذه الصفات تبين أن قوة فعلها في نفوسنا ، لاترجع إلى شدة تأصلها ، وإنما ترجع إلى صعوبة مقاومة الضغوط الاجتماعية على الفرد ليكون ذئباً في عالم من الذئاب . ومشروعنا لم يوضع ليقوم به أفراد . التغيير يتطلب جماعة مؤمنة بشق طريق جديد للحياة الإنسانية .

فالمجتمع هو الذي يحدد توجه أفراده في الحياة ، وهو الذي يمارس الضغوط عليهم لتبني هذا التوجه ، أو ذاك . وهنا يجب أن ننتبه إلى ما فعلناه خلال مسيرة حياتنا الحزبية .. فاحترامنا وتقديرنا لكل من يحمل وظيفة حزبية ، أو رتبة أمانة ، أو مال أو جاه ، أوشهادة عليا ، أو معارف كثيرة ، أو كرسي وزارة أو نيابة ، فقط لمجرد أنه يملك هذه الأشياء ، غذينا من حيث لاندري هذا التوجه ودفعنا بعضنا البعض إليه ، ومن قاوم منا ولم يستسلم ، ماهي حاله الآن؟.. هو أشبه بالمنبوذ ، نحترمه و نبعد عنه ، لأننا لانريد أن نكون مثله ! ...

لكن كيف يمكن لهذا التوجه الجديد أن يواجه التحديات الكبيرة التي تواجهه ، إذا لم يكن من ضمن نظام فكري – عملي متكامل ، واضح الرؤية والخطوات العملية التي ستحمله إلى واقع الحياة .
وهل حزبنا كفكرة وحركة ، يحمل في طياته هذا النظام الفكري – العملي المتكامل ؟ ..

 

فهرس كتاب أزمة حزب أم أزمة تنظيم
1 ـ حقيقة أزمتنا 2 ـ الإئتمان مقابل الاستحواذ 3 ـ فلسفة المدرحية 4 ـ لامركزية الحزب
5 ـ ديموقراطية الحزب 6 ـ انتخاب رئيس للحزب . 7 ـ ثقافة العمل والإنتاج ، لا ثقافة الولاء والتبعية

 للمشاركة في الحوار حول أزمة الحزب أم أزمة تنظيم المراسلة على العنوان التالي : giath-da@mail.sy

إن جميع المقالات التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع