صدى النهضة السورية القومية الاجتماعية                     

www.ssnps.jeeran.com

 
أزمة حزب أم أزمة تنظيم
الجزء الرابع : لامركزية الحزب السوري القومي الإجتماعي
 
بشار فادار
 

لا بد أن هذا العنوان سوف يستفز القوميين الاجتماعيين ، خاصة وأنه يبدو للوهلة الأولى ، أنه يتعارض مع فهمنا ومع وصف حضرة الزعيم لطبيعة الحزب .
ولكن لماذا البحث في مركزية الحزب ، أو لامركزيته ؟ .. وما أهمية ذلك ؟
وما معنى إدارة مركزية ؟

وهل قولنا إن نظامنا مركزي تسلسلي ، يعني أن حزبنا على شاكلة الأنظمة المركزية الشمولية التي قامت في الإتحاد السوفييتي السابق ، وفي الأنظمة الإشتراكية ؟
أو على شاكلة أي نظام حكومي عملاق ، أوشركة ضخمة تدار إدارة مركزية من أعلى بواسطة آلة بيروقراطية ؟

أول الأمر دعونا نتساءل ، لماذا قسم الحزب إلى وحدات إدارية صغيرة ، تشمل الأحياء والنواحي والقرى ، وعلى رأس هذه الوحدات إدارة من أبناء الحي أوالقرية ؟
وما معنى أن صلاحية المدير هي إدارة مديريته وفاقاً لدستور الحزب ؟
وخاصة أن الدستور يتضمن مبادئ الحزب وغايته ، أي النظام الفكري – المادي بمجمله .

ولو قرأنا صلاحية مجلس المنفذية الذي جاء عبر عملية انتخاب محلية ، شارك فيها على مرحلتين جميع أعضاء مديريات المنفذية ، لوجدنا من صلاحياته ( التي هي واجباته وحقه في نفس الوقت ) ، اقتراح مشاريع وتدابير سياسية ومالية واجتماعية واقتصادية محلية ، على هيئة المنفذية .

تتدارس هيئة المنفذية هذه الاقتراحات ، وفي حال اقتناعها بها أو ببعضها ، تقوم بتوجيه هيئات المديريات التابعة لها
لاتخاذ التدابير المناسبة ، وإقامة المشاريع الضرورية ، حسب كل مديرية واحتياجاتها.

إذاً إقامة المشاريع واتخاذ التدابير السياسية والمالية والإجتماعية والإقتصادية ، في المديريات ( أي في الأحياء أو القرى ) التي تؤسس لبناء نظام الحياة الجديد ، وتعزز لحمة الجماعة وإرتقاء حياتها الإنسانية ، أي إدارة شؤون الجماعة وحياتها ، تقع على عاتق المديرية .

نلاحظ مما سبق أن الإدارات المحلية ، هي التي درست وخططت ونفذت ، كل مايتعلق بالنهوض بواقعها . فأين هي
مركزية الحزب هنا ؟

قد يقول البعض ، إن قرارات تعيين المنفذ العام ، ومدير المديرية ، من صلاحية القيادة المركزية ، وهذا هو معنى المركزية في حزبنا .

صحيح أن التعيينات ، من صلاحيات القيادة المركزية ، ولكن بناءً على اقتراحات محلية ، ويتم تعيين رفقاء محليين في الوظائف الحزبية المحلية .

فلا يتم تعيين رفيق من بيروت ، مدير مديرية في صافيتا ، ولايعين رفيق من دمشق منفذ عام لبيروت ، بشخطة قلم من قبل الذي بيده صلاحية التعيين .

الوظيفة الحزبية لها معنى خاص عند سعادة ... فعلى سبيل المثال ، مدير المديرية ، هو إنسان ينتمي إلى متحد معين ، ويشترك مع أبناء متحده في الحياة ، وشؤون حياة المتحد تهمه ، بقدر شؤون حياته الشخصية .
فإذا كان لاينتمي إلى هذا المتحد ، ولايعرف أبناءه ، ولاشؤون حياتهم واحتياجاتهم ، كيف يستطيع أن يقوم بمسؤوليته الإنسانية تجاه هذا المتحد ؟!
يقول سعادة :
" إن مصالح الحياة هي مصالح كل متحد ولكن ليست مصالح اي متحد مصالح كل متحد "
نشوء الأمم ... الإثم الكنعاني .. ص 144 .

أيضاً قد يتساءل البعض ويقول : طالما أن هيئات المديريات والمنفذيات لاتنتخب من قبل الرفقاء ، بل تعين من قبل القيادات المركزية ، فهذا يعني أن حزبنا مركزياً .

هذا أيضاً ليس صحيحاً لأكثر من سبب ، أهمه هو أن الهيئات المنتخبة ليس لأحد صلاحية عليها إلا الذين إنتخبوها وفي حالة أن مدير مديرية ، أو منفذ عام خرج بإدارته عن التوجه العام في الحياة الذي جاء به الحزب ، من يوقفه عند حده في هذه الحالة ؟ ... لا أحد . إذاً يحصل قطع وانكسار في نظام الحزب التسلسلي ، وتفقد قيادات الحزب صلاحياتها ، على الوحدات الحزبية ، وتصبح في هذه الحالة ، كل مديرية تغني على ليلاها ، فنفقد وحدة الإتجاه ..
كذلك إذا حصل نزاع بين أعضاء هيئة المديرية ، وكانت هيئة منتخبة ، من له الصلاحية لحسم هذا النزاع ؟
أو إذا حصل نزاع بين مدير المديرية والمنفذ العام .. من يحسم هذا النزاع ؟
الجهة التي تعين ، هي الجهة التي لها الصلاحية على الذي عينته.

إذاً الغاية من التعيينات هو ضبط إيقاع عمل الوحدات الحزبية في الاتجاه السليم ، وحسم النزاعات التي تنشأ ، وليس إدارة شؤون حياة المتحدات .

أيضاً قد يتساءل البعض ، لماذا ليس من صلاحية لجان المديريات ، وهيئات المديريات ما لمجالس المنفذيات وهيئات المنفذيات من صلاحيات ؟ أي طالما أن المديرية هي التي تدير شؤون حياتها ، لماذا ليس عندها الصلاحيات المطلقة لذلك ؟

السبب في ذلك هو إيجاد التوافق والتعاون وتوثيق مصالح المتحدات التي تضمها المنفذية . حيث أن علاقة التوحد والتعاون والتكامل القائمة بين أعضاء المتحد الواحد هي نفسها العلاقة القائمة بين المتحدات المتجاورة .

نعطي مثالاً توضيحياً على هذا الأمر ... لو كان نبعاً صغيراً ينبع من أراضي مديرية معينة ، ويستمر في سيره ويسقي أراضي تابعة لملاك مديرية أخرى مجاورة ، وارتأت لجنة المديرية أو هيئة المديرية التي ينبع من أراضيها أن تقيم عليه سداً صغيراً سياحياً يعود بالخير على وضع متحدها لكنه سيؤثر سلباً على مصلحة المتحد الذي يستفيد من هذا النبع لسقاية أراضيه الزراعية .

ماذا يحصل في هذه الحالة ؟ ومن يقرر في هذه المسألة ؟

طبعاً إنهامهمة المنفذية عبر المنفذ العام الذي من صلاحياته إيجاد التوافق والتعاون وتوثيق مصالح المتحدات التي تضمها المنفذية .

أكيد أن هذا المثال لايكفي لتوضيح الفكرة بشكل كامل ، لكن مايهمنا هنا هو الإضاءة على لامركزية الحزب ، المتمثلة في أن الإدارات المحلية وأبناء المتحدات هم أدرى بشؤون حياتهم ، وأدرى بالإجراءات التي عليهم اتخاذها للنهوض السياسي والاجتماعي والاقتصادي بواقعهم ، وطريقة إدارة هذه المصالح .

المادة الخامسة من الدستور تقول : نظام الحزب مركزي تسلسلي حسب الرتب والوظائف التي تنشأ بمراسيم يصدرها الزعيم .

هل نظام الحزب حسب الرتب والوظائف ، هو ( الحزب )؟.. الجواب : طبعاً لا ..
إذاً ، هل يمكن أن نقول إن الحزب ليس مركزياً لكن نظامه مركزي .. أي بمعنى أن مصالح حياة الأمة كل متكامل ، والنظام أوجد لينسق ويضبط ويوجه هذا التكامل ..

يقول سعادة : " النظام ( discipline ) أوجد ليعطي الحزب وحدة عملية قوية وسريعة . والتنظيم (organisation ) فقد أوجد ليعطي التوافق والتعاون وليوثق المصالح القومية الإجتماعية والسياسية والإقتصادية

إن النظام يوجد طريقة العمل الموحد المثلى لبلوغ الهدف . أما التنظيم فيشمل المصالح الداخلية على إطلاقها ويوحدها في مصلحة الأمة التي هي أساس كل نظام وتنظيم . وخدمة مصلحة الأمة هي التي تجعل للنظام والتنظيم قيمة . وفهم مصلحة الأمة وخدمتها هما القوة العظيمة القائمة وراء نظام الحزب السوري القومي وتنظيمه " .
آثار كاملة ... ج2 ... النظام .. ص 67 – 68

لقد وضع حضرة الزعيم مصدر الكلمة الإنكليزية التي تعطي المعنى الحقيقي لما قصده بالنظام ، وبالعودة إلى قاموس المورد نجد عدة معاني لهذه الكلمة وهي : تدريب ، تهذيب / انضباط / ضبط النفس / قاعدة أو قواعد لضبط السلوك أو العمل / نظام / يفرض النظام على ( وبخاصة عن طريق التدريب والمراقبة ) ..
وبالعودة إلى المعنى السائد للكلمتين في اللغة الإنكليزية نجد أن كلمة ( discpline ) تعني الانضباط الداخلي الذاتي النابع من الذات ، أما كلمة ( organisation ) فتعني التنظيم الإداري العام الذي ينظم التعامل بين الأفراد .

هل نجد مما قاله الزعيم عن النظام ، ومن ترجمة المصدر الإنكليزي ، أي شيء يدل على أن الحزب مركزي ، بما تعني الأنظمة المركزية الشمولية . .. حتماً لا .
كل ما نجده هو أن نظامنا المركزي يعني ، إيجاد حالة إدارية توحد اتجاه عمل الوحدات الإدارية ، وتضبط هذا الإتجاه .

والجدير بالذكر هو أن نظامنا المركزي التسلسلي ليس بإتجاه واحد ، بل باتجاهين ...
أي أن الانضباط والتقيد بالتسلسل الإداري يطبق على جميع مؤسسات الحزب والقيمين عليها .

مما سبق نستطيع أن نقول أن الحزب كإدارة للحياة ليس مركزياً .
أي أن سعادة جمع بامتياز بين - وحدة الإتجاه العام ، واللامركزية – وهذا من الأمور الهامة جداً التي أبدعها الفكر السوري .

وأهمية أن يكون الحزب لامركزياً ، تكمن في أنه لكي يقيم القوميون الإجتماعيون مجتمعاً أساسه الائتمان ، عليهم كمواطنين أولاً ، أن ينشطوا في تسيير شؤون حياتهم ويساهموا في بنائها ، وإلا وقعنا في المحظور . حيث أن مبالغتنا في التعاطي مع الحزب على أنه مركزي ، وكل شيء يصدر عن المركز ، أدى إلى توقف الكثير من القوميين الاجتماعيين عن التفكير النقدي الخلاق ، وعاشوا على التوجيه والإرشاد من قبل الإدارات الحزبية ، فأصيبوا بالعجز والسلبية ، وهم في انتظار دائم لقادتهم لكي يدلوهم عل مايجب أن يقوموا به .

لقد أدت فكرة أن الحزب مركزي ، والمبالغة في تطبيق النظام المركزي ، إلى تنظيم اللاتفكير عند القوميين الاجتماعيين .

فما معنى أن ينتظر القوميون الاجتماعيون الخطط المركزية لكي يقوموا بواجبهم تجاه متحدهم وتجاه أنفسهم ؟
وماعلاقة الأزمات التي حصلت وتحصل بين القيادات الحزبية في تخلي القوميون الإجتماعيون في متحد ما عن السير في توجه الحياة القائم على التوحد والتكافل والتضامن وتحسين ظروف حياتهم الإنسانية ؟!
هل أصبحنا مغتربين عن ذاتنا وإيماننا ، إلى حد السلبية المطلقة ؟

وهل فعلاً ننتمي إلى تنظيم سياسي ، له رأس وأرجل ، القيادة الحزبية هي الرأس ، والوحدات الحزبية هي الأرجل ، وعندما يتعطل الرأس ، تتعطل الأرجل ؟!

وقد نتج عن فكرة مركزية الحزب ، قناعة أخرى لاتقل خطراً عن ماذكرناه سابقاً . دعونا نوضحها بالتوجه للقوميين بالسؤال التالي :

أين يقع مركز الحزب السوري القومي الاجتماعي ؟

معظم الإجابات سوف تكون ، مركز الحزب يقع في منطقة الروشة – بيروت .

طالما أن الحزب هو فكرة وحركة ، هل يمكن أن يكون للفكرة مركزاً جغرافياً محدداً ؟! ..

الجواب البديهي على هذا السؤال هو حتماً لا .. لايمكن أن يكون للفكرة مركزاً جغرافياً محدداً .

إذاً لماذا مطبوع في أذهان القوميين أن مركز الحزب في ( بيروت ) ؟.

لقد انحدرت المسيحية وخرجت عن محورها الطبيعي عندما غادرت كنيسة الرب قلوب وعقول المؤمنين بها ، وتحولت إلى كنيسة من حجارة وطين ، لها كل القداسة ، و لها باب وقفل ومفتاح ، والمفتاح في جيبة الكاهن . وشؤون حياة أتباع الكنيسة تداربالتسلسل من قبل إدارة مركزية تتربع على قمة هرم السلطة .

كذلك انحدرت النهضة السورية القومية الاجتماعية ، وخرجت عن محورها الطبيعي ، عندما غادر مركز الحزب عقول وقلوب المؤمنين به ، وتحول إلى مركز من حجارة وطين ، له كل القداسة ، و له باب وقفل ومفتاح ، والمفتاح في جيب قيادة التنظيم . وشؤون الحزب ، تدار بالتسلسل ، من قبل إدارة مركزية ، تتربع على قمة هرم السلطة .

قد يتبادر لأذهان بعض القوميين بعد قراءة ماسبق ، أن مايوجد في الروشة هو مركز تنظيم الحزب وليس مركز الحزب .

هذا أيضاً ليس صحيحاً ... يقول سعادة :
" فكرة أن العمل العام دوائر صغرى في دائرة كبرى ، وأن كل فرد يجب أن يعمل ضمن الدائرة التي يقع فيها إختصاصه وكفاءته . هي فكرة جديدة أوجدها التنظيم القومي الإجتماعي . ولذلك هي فكرة لاتزال غير مفهومة الفهم اللازم ، حتى عند أكثر القوميين الإجتماعيين أنفسهم ، بدون استثناء المتنورين منهم "
آثار كاملة .... ج6 ... النزعة الفردية في شعبنا ... ص 157

بناء على هذا ، نستطيع أن نقول إن أصغر دائرة في التنظيم هي الدائرة التي تحتوي القومي الاجتماعي الفرد ومجال عمله ...
ومجموع الدوائر بعدد أعضاء مديرية ما ، تحيط بهم دائرة واحدة ، تشكل المديرية ومجال عملها .
ومجموعة دوائر مديريات عدة ، والتي تتجاور ولا تتقاطع ، تحيط بها دائرة المنفذية ومجال عملها ...
ومجموعة دوائر منفذيات التنظيم التي تتجاور ولاتتقاطع ، تحيط بها دائرة الرئاسة ومجلس العمد ومجال عملها .
ودائرة المجلس الأعلى والقضاء تحيط بدائرة الرئاسة ومجلس العمد .

بناء على هذه الأشكال وعلم الهندسة .. هل يمكن لمحيط الدائرة أن يكون مركزها .. حتماً لا .

كيف إذاً يمكن للدائرة التي هي الرئاسة ومجلس العمد أن تكون مركز التنظيم ؟

على العكس ، ممكن أن نصل إلى استنتاج ، على أن أصغر دائرة والتي تحتوي القومي الاجتماعي الفرد ، هي التي من الممكن أن تكون مركز التنظيم .
وإذا كان مزروعاً في أذهاننا ، أن للمركز دائماً الأهمية الأولى ، فهذا يعني أن للإنسان الأهمية الأولى في حزبنا .
أي غايتنا في الحياة هي الحياة الإنسانية ورقيها ، وما التنظيم ونظامه إلا وسيلة الوصول إليها .

إذاً ، ماذا يوجد في بيروت ؟!

يقول سعادة :
" بيروت التي هي مركز إدارة الحركة السورية القومية الإجتماعية .. "
آثار كاملة ... ج 6 .. نظرة الحزب الإدارية في أوروبة .. ص 99

في نهاية هذه الفقرة ، أود أن ألفت النظر إلى أن المشكلة ليست في تسمية مايوجد في الروشة ، بمركز الحزب أو لا ، فلنسمه ماشئنا ، فقد ذكره حضرة الزعيم باسم مركز الحزب كثيراً من المرات .
المهم ألا تزدهر في حزبنا ثقافات غريبة عن حقيقتنا ، تؤدي بنا إلى الخروج عن الغاية الأساسية التي من أجلها وجد الحزب .

 

فهرس كتاب أزمة حزب أم أزمة تنظيم
1 ـ حقيقة أزمتنا 2 ـ الإئتمان مقابل الاستحواذ 3 ـ فلسفة المدرحية 4 ـ لامركزية الحزب
5 ـ ديموقراطية الحزب 6 ـ انتخاب رئيس للحزب . 7 ـ ثقافة العمل والإنتاج ، لا ثقافة الولاء والتبعية

 للمشاركة في الحوار حول أزمة الحزب أم أزمة تنظيم المراسلة على العنوان التالي : giath-da@mail.sy

إن جميع المقالات التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع