صدى النهضة السورية القومية الاجتماعية                     

www.ssnps.jeeran.com

 
أزمة حزب أم أزمة تنظيم
الجزء خامس : ديموقراطية الحزب
 
بشار فادار
 

هذا الموضوع له حساسية خاصة عند القوميين الاجتماعيين لسببين :
أولهما - أن القسم الأكبر من القوميين الاجتماعيين راسخ في أذهانهم أن حزبنا ليس ديموقراطياً . والقسم الباقي راسخ في أذهانهم فهماً مغلوطاً لديمقراطيتنا التعبيرية .
ثانيهما - أن أي حديث عن تغيير آلية انبثاق السلطة في الحزب ، يؤخذ عند حاملي رتبة الأمانة ، الذين استأثروا بالسلطة منذ استشهاد حضرة الزعيم ، على أنها عدم ثقة بهم أو محاولة كيدية ضدهم ، وخرق فاضح لطبيعة نظامنا .

إذاً ، أمامنا مهمتين ...
إثبات أن حزبنا ديموقراطي .
وإثبات أن تغيير آلية انبثاق السلطات كما هي عليه الآن ، ليس خرقاً لطبيعة نظامنا ، وليس محاولة كيدية ضد الأمناء بل على العكس هو محاولة إعادة نظامنا إلى طبيعته .

لذلك سنحاول أن نسير بهذا الموضوع بالتدريج ، حيث أن كل فكرة نوضحها ستكون أساساً للفكرة التي تليها .

بادئ الأمر دعونا نتساءل : ما هي الديموقراطية في فكر سعادة ؟

" إن الديموقراطية من حيث إنها تعني أن الشعب هو صاحب السيادة ومصدر السلطة هي أساس ثابت لايزعزعه شيء ، أما التلاعب بهذه اللفظة حتى تعني الفوضى والرياء والزلفى فأمر يعيب الأمة "
آثار كاملة ... ج 2 .. مرشحوا الديمقراطية .. ص 156 .

الديموقراطية إذاً بشكل حاسم عند سعادة ، هي أن يكون الشعب صاحب السيادة ومصدر السلطة . وليس أي جهة أو فئة أو شخص مهما كان .

السؤال الآن : ما هو هدف الديموقراطية ، أي ما هي الغاية من النظام الديموقراطي ؟
يقول سعادة :
" أما الديموقراطية التي يفتخر بها العالم الآن فهي من صنع سوري أيضاً ، لأن أول فكرة ديموقراطية تعطي الشعب حقه في إبداء الرأي في سائر شؤونه ظهرت في سورية ، وبلا شك هي الغرسة الأولى في هذا الباب التي أعطت الثمر الكثير للعالم كله ، ولايزال البشر يجاهدون في إيصال هذه الفكرة " حقوق الإنسان " إلى حد الكمال " .
آثار كاملة .. ج 4 ... الزعيم في سانتياغو أيضاً ... ص 41 .

يتضح لنا من الجواب على السؤال السابق حسب سعادة ، على أن الهدف من الديموقراطية ، أوغاية الديموقراطية ، ضمان حقوق الإنسان .
إلى الآن أصبحنا نعرف ماهي الديموقراطية وماهي غايتها ، حسب مفهوم سعادة ، ولكننا لانعلم إن كان حزبنا ديمقراطياً أم لا ...
ولكن بما أن حزبنا فكرة وحركة ، أي ( جوهر ومظهر ) متناغمين ومتآلفين . من حقنا أن نتساءل ، هل نحن ديموقراطيون ، ولكن بطريقة غير مباشرة ، على الشكل التالي :
هل فكرنا يحمل في طياته بعداً إنسانياً ، يعطي للناس حقوقها ؟
وهل يتبنى أشكالاً وآليات تكفل تحقيق هذه الغاية ؟
طبعاً عندما يكون السؤال بهذه الصيغة ، معظم القوميين لسانهم سوف يسبق عقلهم ، ويجيبوا بغالبيتهم المطلقة ، حزبنا هو الذي يحمل في طياته بعداً إنسانياً ، وهو الذي يعطي للناس حقوقها.
إذاً أين المشكلة ؟ ..
في لفظة الديموقراطية ، أم في مفهومها ؟

ربما ليس هناك مشكلة .. دعونا نتابع إيضاح ماجاء به فكرنا ، استناداً إلى ماورد على لسان حضرة الزعيم :

" السوريون القوميون يجب أن يعرفوا واجبهم في هذه القضية الخطيرة ، وأن العالم بأسره ينتظر منهم تفكيراً جديداً ، ولاسيما في الوجهة الديموقراطية التي أصبحت الآن مبهمة ، فالسوري القومي يجب أن يعالجها من جديد ويدفعها إلى العالم كاملة ... فالسوري المفكر يجب أن يهتم في إنقاذ الديموقراطية من الهلاك . وذلك بأن يزيل مادخل إليها من الفساد ويدخل إليها تفكيراً ينطبق على ماوصل إليه الناس من العلم والمعرفة ، فتصير صالحة لنفع الإنسان وتكفل حقوق الإنسان من كل مهاجمة وتعدٍ " .
نفس المصدر السابق ... الزعيم في سانتياغو أيضاً ..

لاحظوا معي حضرات الأمناء الجزيلي الاحترام ، وحضرات الرفقاء المحترمين ، سخرية هذا الزمن ...
زعيمنا والعالم بأسره ( حسب قوله ) ينتظر منا ، تفكيراً جديداً يعالج الديموقراطية وينقذها من الهلاك ، ويزيل ما دخل إليها من الفساد ، لتصير صالحة لنفع الإنسان وتكفل حقوقه من كل مهاجمة وتعد .
ونحن إلى الآن ، لا نعلم إن كنا ديموقراطيين أم لا !!!.
ومعظمنا أصبح خارج الحزب نتيجة مهاجمتنا والتعدي على حقوقنا !!.

نحن ديموقراطيون بامتياز ، ومن واجبنا وحقنا أن نفهم ديموقراطيتنا وأن نجد الآليات والأشكال التي تعبر عن وجهة نظرنا في هذه المسألة .
يقول سعادة :
" إن الديموقراطية الحاضرة قد استغنت بالشكل عن الأساس ، فتحولت إلى نوع من الفوضى لدرجة أن الشعب ذاته أخذ يئن من شلل الأشكال التي أخذت على نفسها - تمثيل - الإرادة العامة ، وصار ينتظر إنقلاباً جديداً . وهذا الإنقلاب الجديد هو ما تجيء به الفلسفة السورية القومية القائلة بالعودة إلى الأساس والتعويل على - التعبير عن الإرادة العامة - بدلاً من - تمثيل الإرادة العامة - الذي هو شكل ظاهري جامد " ..
أثار كاملة .. ج4 .. الزعيم في سانتياغو .. ص 38 .


إذاً ، وجهة نظرنا في الديموقراطية ، هو التعويل على التعبير عن الإرادة العامة، وليس تمثيل الإرادة العامة .
أصبح واضح لنا تماماً حتى الآن :
الديموقراطية تعني أن الشعب هو صاحب السيادة ومصدر السلطة .
غاية الديموقراطية هي تأمين حقوق الناس .
حزبنا ( كفكر وحركة ) هو حزب ديموقراطي .
ديمقراطيتنا ، ديموقراطية تعبيرية ، تعبر عن الإرادة العامة ، وليست ديموقراطية تمثيلية ، تمثل الإرادة العامة .

كل هذه التوصيفات وردت على لسان حضرة الزعيم ، ولم نأت بشيء جديد ، أو من خارج العقيدة القومية ، وهذه الخلاصات سنستمر في اعتمادها كأساس لما يليها .

مهمتنا الآن ، توضيح مفهومنا للديموقراطية التعبيرية ، وإيجاد الآليات التي تضمن تحقبقها .
بالنسبة لمفهومنا للديموقراطية التعبيرية واختلافها عن الديموقراطية التمثيلية .
يقول سعادة :
" التمثيل هو دائماً أهون من التعبير ، لأن التمثيل شيء جامد يتعلق بما قد حصل ، أما التعبير فغرضه الإنشاء وإدراك شيء جديد "        
نفس المصدر السابق ... الزعيم في سانتياغو ...

إذاً ، الاختلاف بين التمثيل والتعبير ليس اختلافاً شكلياً ، يتعلق بآلية انبثاق السلطة كما تظن الغالبية العظمى من القوميين الإجتماعيين . بل هو اختلاف في الأساس .. في الهدف وفي الغاية من الديموقراطية ..

الديموقراطية التمثيلية : كما هي في واقعنا ، غرضها تمثيل نظام الحياة القائم على نظرة فردية . الذي فيه لأصحاب المكانة المتراكمة ، ذوو الغايات الخصوصية ، دور القيادة .
ديمقراطيتنا التعبيرية : غرضها التعبير عن إرادة القوميين العامة في الانتقال إلى نظام الحياة القائم على نظرة مجتمعية إنسانية . والذي فيه لأصحاب الأهلية والكفاءة ، ذوو الغايات الإنسانية السامية ، دور القيادة .

إذاً ، ديمقراطيتنا التعبيرية ، هي إحدى وسائلنا للنهوض بحياتنا ، وليست شأن عارض يمكن أن نتساهل به ، أو نتهاون .
إن تساهلنا في ديمقراطيتنا التعبيرية يعني تساهلنا في سعينا لينال الإنسان حقه في هذه الحياة .
وإذا تساهلنا في سعينا لينال الإنسان حقه في هذه الحياة ، ماذا يتبقى منا ؟!

إن واقع حزبنا الحالي ، هو أكبر شاهد على ما يتبقى منا .

ننتقل الآن إلى الأشكال التي أخذتها ديمقراطيتنا التعبيرية ، منذ حضرة الزعيم وإلى الآن .

يقول سعادة :
" فالتفكير السوري القومي الجديد هو إيجاد طريقة جديدة اسمها – التعبير عن إرادة الشعب – وقد يكون هذا التعبير بواسطة الفرد أو بواسطة الجماعة حسبما يتفق أن يوجد "         
نفس المصدر السابق .. الزعيم في سانتياغو .

إذاً ، قد يكون التعبير بواسطة الفرد ، كما كان على أيام حضرة الزعيم ، وقد يكون بواسطة الجماعة كما حصل بعد استشهاده .
دعونا نرى إن كان سعادة منسجماً مع المبادئ والأفكار التي أوردناها سابقاً على لسانه والتي تقول إن الشعب هو صاحب السيادة ومصدر السلطة .

وأيضاً إذا كان الأمناء والرفقاء ، منسجمين مع مبادئ وأفكار حزبنا في هذه المسألة .

المادة الرابعة من الدستور تقول :
إن زعيم الحزب هو قائد قواته الأعلى ومصدر السلطتين التشريعية والتنفيذية .
كيف يمكن للزعيم أن يكون مصدر السلطتين التشريعية والتنفيذية ، وقبل قليل وجدنا على لسانه بأننا ديموقراطيون وأن الديموقراطية حسب رأيه هي أن الشعب هو صاحب السيادة ومصدر السلطة . وهذه الفكرة هي أساس ثابت لا يزعزعه شيء ؟ ! .
يبدو للوهلة الأولى وكأن هناك تناقض واضح بين أفكار الزعيم وواقع الحزب .
لنتابع محاولة اكتشاف إن كان سعادة متناقضاً مع ذاته أم لا .
يقول سعادة :
" إن الزعيم وإن كان فرداً فهو مبايع من جميع القوميين الإجتماعيين ليمثلهم كلهم ويعبر عن إرادتهم ، تشريعاً وتنفيذاً وكلمته هي كلمة القوميين الإجتماعيين جميعهم .. "
أثار كاملة .. ج 6 .. عود على النزعة الفردية في شعبنا .. ص 188.

ماذا نفهم من هذا الكلام ؟

حضرة الزعيم في الأساس ليس هو مصدر السلطات في الحزب .
لكنه أصبح مصدر السلطات بموجب مبايعة القوميين الاجتماعيين له ، أي أنهم جيروا صلاحياتهم كمصدر للسلطات إلى حضرة الزعيم وأصبح يمثلهم كلهم ويعبر عنهم كلهم تشريعاً وتنفيذاً .

إذاً ، حضرة الزعيم واضع أسس النهضة ومؤسس الحزب ، سلطته مستمدة ، ليس من نفسه ، وليس من مبايعة الأمناء له ، ولا من مبايعة أي فئة أو هيئة أخرى في الحزب ... بل من مبايعة – كل - القوميين الإجتماعيين له ، ليمثلهم – كلهم – ويعبر عن إرادتهم – كلهم - .
إذاً ، القوميون الاجتماعيون – كلهم – هم أصحاب السيادة ومصدر السلطات في الحزب القومي . وليس الزعيم ، أو الأمناء أو أي فئة معينة ، أو هيئة .
هذا مقياس أساسي في الحزب عليه تبنى كل آليات انبثاق السلطة.
ولكن كيف بايع القوميون زعيمهم ؟
بالعودة إلى مقدمة الدستور وقسم الانتماء ، وقول حضرة الزعيم :

" من هذا القول آخذ النقطة الإبتدائية للدرس الجديد الذي يشتمل عليه هذا المقال في ضمان سلامة الحزب السوري القومي الإجتماعي بواسطة سلطة الزعيم التشريعية والتنفيذية التي بايع القوميون سعادة عليها مبايعة بقسم صريح النص "                                    أثار كاملة .. ج4 .. ضمان سلامة الحزب السوري القومي .. ص 165 .

إذاً ، الشرط الحقوقي الذي على أساسه بايع القوميون زعيمهم محقق تماماً .
ومن خلال إلقاء الضوء على ممارسته للسلطة ، لم يستخدمها أبداً ، إلا للتعبير عن إرادة القوميين في العمل لحياة أفضل .

نستنتج من ذلك كله أن سعادة كان منسجماً تماماً مع مبادئ وغاية الديموقراطية التعبيرية .

ننتقل الآن لنرى إن كان هذا الأمر استمر بعد استشهاده .

لقد حصر الأمناء في أنفسهم ، أن يكونوا مصدر السلطة التشريعية والتنفيذية ، وأيضاً أن تكون السلطة التشريعية ورئاسة الحزب محصورة فيهم . أي كأنهم ضمناً استبدلوا المادة الرابعة من الدستور وجعلوها على الشكل التالي :

إن الأمناء هم مصدر السلطتين التشريعية والتنفيذية .
وأضافوا مواداً دستورية أخرى تحصر فيهم السلطة التشريعية ورئاسة الحزب .

وهذا ليس من حقهم على الإطلاق !!..
وإن كان ولابد من تغيير المادة الرابعة من الدستور بعد استشهاد سعادة ، يجب أن تتغير باتجاه عودة الحق إلى أصحابه الأساسسين ، والذي هم القوميون الاجتماعيون ، أي يجب أن تتغير إلى الشكل التالي :
القوميون الاجتماعيون هم مصدر السلطتين التشريعية والتنفيذية .
وأما أن تكون السلطة التشريعية ورئاسة الحزب محصورة في الأمناء ، فهذا يجرى عليه استفتاء القوميين للموافقة عليه من عدمها .

إذاً قانونياً يسقط عن الأمناء ، حق أن يكونوا مصدر السلطات ، وأن يكونوا السلطات .
عملياً ، يمكن أن نرى الجواب عند سعادة :

" إن الأمم كلها تريد الخير والفلاح . ولكن المشكل هو في إيجاد التعبير الصالح عن هذه الإرادة . فالإرادة العامة إذا لم تجد – التعبير – الصحيح في فكرة واضحة وقيادة صالحة تصبح عرضة لأن تقع فريسة للمطامع والمآرب – التمثيلية - .. " .       أ ، ك .. ج 4 .. الزعيم في سانتياغو .. ص 38 ...
وتاريخ حزبنا بعد استشهاد سعادة ، وإثباتنا السابق غياب فكرة الحزب عن قيادة نظامنا .. ألا يجعلنا نقر مع حضرة الزعيم بأننا فعلاً وقعنا فريسة للمطامع والمآرب التمثيلية ؟

والتساؤل الذي يطرح نفسه بقوة هو :
هل كان حضرات الأمناء الجزيلي الاحترام ، كل هذه الفترة الماضية ، يعرفون أن القوميين الاجتماعيين هم مصدر السلطة في الحزب ، وصادروا هذا الحق ؟
وجوابنا هو : إن كانوا يعرفون فهذا كارثة .. وإن كانوا لايعرفون فكارثة أكبر .

وهل كان القوميون الإجتماعيون أيضاً يعرفون كل الفترة الماضية أنهم هم مصدر السلطة وتخلوا عنها ؟
وجوابنا هو : إن كانوا يعرفون ، فكارثة .. وإن كانوا لايعرفون ، فكارثة أكبر .

إن كان ماحصل خطأ ... فمغفورة لكم خطاياكم .
وإن كان ماحصل خطيئة .. فيجب أن يرجم مرتكبها بحجر .

أيها القوميون الإجتماعيون ..

في أيام حضرة الزعيم ( الذي كان يمثلكم كلكم ويعبر عن إرادتكم كلكم ، بمبايعة منكم له ) ، هو الذي كان يمنح رتبة الأمانة وينتقي أعضاء المجلس الأعلى من جسم الأمناء ..
أي أنكم جميعاً ممثلين في شخص حضرة الزعيم كنتم تمنحون رتبة الأمانة وتنتقون أعضاء المجلس الأعلى من جسم الأمناء .

بعد استشهاد حضرة الزعيم ، هل جرت عملية مبايعة منكم لأحد أو هيئة في الحزب لكي يمثلكم ويعبر عنكم ؟

لماذا تخليتم عن ديموقراطية حزبكم ، وحقكم في أن تكونوا مصدر السلطات في الحزب ؟
أي لماذا قبلتم أن تستبدل عملية انتقاء أعضاء المجلس الأعلى ، المنصوص عنها في دستورنا ، والتي يجب أن تتم من خلال جميع القوميين الاجتماعيين ، بعملية انتخاب تتم عن طريق جسم الأمناء فقط ؟!
يقول سعادة :
" مما لاشك فيه أن الديموقراطية تأتلف وجميع أشكال الحكم الممثل للشعب ، ولا تأتلف مع الشيوعية التي اتجهت نحو تمثيل الطبقة "                 
آثار كاملة ... ج 2 ... مرشحوا الديمقراطية ... ص 156 .

لا أريد أن أشبه طبقة الأمناء في حزبنا بطبقة البروليتاريا في الحزب الشيوعي ، وإنما ما أريد أن أؤكده هناهو أن الديموقراطية في مفهوم سعادة ليس لها شكل واحد ، أو آلية واحدة ، وإنما لها مقياس واحد وهو الحكم الممثل للشعب وليس لفئة .

وقبل الدخول في البحث لإيجاد الآلية التي تعبر عن ديموقراطيتنا نحن . لا بد من توضيح أن مفهومنا للسلطة السياسية والإدارية ، يختلف كل الإختلاف عن مفهوم السلطة السياسية والإدارية في أسلوب الاستحواذ القائم على نظرة فردية إلى الحياة .

ومما لاشك فيه أن استخدام نفس الآلية في الأسلوبين لايعطي النتائج ذاتها .
كذلك فإن استخدام آليتين مختلفتين لنفس الأسلوب في الحياة ، يعطي نتائج مختلفة ..
فهنا ليس كل الدروب تؤدي إلى الطاحون .
يقول سعادة :
" إن الديموقراطية ، إسم تنطوي تحته أشكال عديدة ، وكل شكل منها له خصائص سياسية وإدارية تعطي نتائج تختلف عن التي يعطيها شكل آخر " ...
آثار كاملة .. ج 6 .. العقيدة السورية القومية وبحث اليمكراتيين عن عقيدة ... ص 92

السلطة في أسلوب الاستحواذ ، تقوم على المكانة الاجتماعية وقوة المال ، حتى في أكثر الأنظمة ديموقراطية في عالمنا الراهن .
السلطة في أسلوب الائتمان ، تقوم على الكفاءة والأهلية .

للسلطة في أسلوب الاستحواذ ، غاية تعزيز النفوذ والمكانة الاجتماعية ، وحصد المكاسب المادية والمعنوية .
أي أن السلطة مكسب .

للسلطة في أسلوب الائتمان ، غاية حمل المسؤولية الإنسانية تجاه الجماعة ، ومسؤولية الارتقاء بحياتها .
أي أن السلطة مسؤولية .
لذلك قلنا حتى لو تشابهت آليات انبثاقها ، فهي لن تعطي نفس النتائج .

وماحصل في حزبنا - إضافة إلى تخلي القوميين الاجتماعيين عن حقهم في أن يكونوا مصدر السلطة - هو أن نظامنا الفكري فعلياً مازال قائم على نظرة فردية إلى الحياة ، أي أن السلطة وجاهة ونفوذ ومكسب ، ونظامنا ( الشكلي ) موضوع لأناس يتبنون في الأساس النظرة المجتمعية إلى الحياة ، أي السلطة مسؤولية .

هذه الإشكالية ، غير قابلة للمزاوجة .

والذين اتهموا حضرة الزعيم ونظامه الفردي بالديكتاتورية كانوا على حق لأنهم حكموا عليه وعلى نظامه انطلاقاً من توجههم في الحياة القائم على الاستحواذ ، والمغذي للنزعة الفردية .
المشكلة ليست في النظام الديكتاتوري ...
يقول سعادة :
" إرادة الجماعة تظهر بواسطة الحكم في أشكاله المتعددة ، ومن هذه الأشكال ، السيطرة ( الديكتاتورية ) القائمة على تفويض الشعب أو العموم واختيارهم ، فهي المعبرة عن الإرادة الشعبية العامة ، وتبطل السيطرة أن تكون المعبرة عن الإرادة الشعبية العامة حين تكون أو تتحول إلى طغيان فردي قائم على النزعة الفردية وميولها "
أثار كاملة ... ج 6 .. عود على النزعة الفردية في شعبنا ... ص 186 .

المشكلة إذاً في النزعة الفردية ، التي " تحرم الإنسان الشعور بالمسؤولية الإجتماعية ، والشعور الفردي المكسي بكساء الغيرية يعدمه الإدراك أنه من الجماعة ومرتبط بها وأن شخصيته ليست سوى جزء من شخصيتها ، أي أنه من العائلة ومن أهل البيت " .. نفس المصدر السابق ... ص187

إذاً في أسلوب الاستحواذ لايمكن أن يكون أي نظام فردي ، إلا نظاماً ديكتاتورياً لايعبر عن الإرادة الشعبية ...
وعلى فكرة إن نظامنا الفردي كان فقط على أيام حضرة الزعيم . وعلى القوميين الاجتماعيين أن يكفوا عن وصف نظام حزبهم ، بأنه فردي مركزي تسلسلي .
فالمادة الرابعة من الدستور واضحة في هذا الشأن .
ويمكننا أن نصف نظام حزبنا ( الشكلي ) بأنه نظام مؤسساتي مركزي تسلسلي .

بعد إيضاحنا هذا لمفهوم السلطة في حزبنا ، نستطيع أن نعود إلى فكرتنا الأساسية ، في محاولة إيجاد الآلية التي تعبر عن ديموقراطيتنا نحن ، بثقة أكبر ووضوح أكثر .

أول مايلفت نظرنا في هذا الشأن ، هو أنه لاتوجد أية عملية انتخاب في حزبنا ، بدون أن يكون المنتخب يعرف الذي ينتخبه ( تمام المعرفة ) وهذه على ماأعتقد قمة الاحترام للإنسان ورأيه .

حيث أنه لايمكن للإنسان أن يكون رأياً عن اقتناع حقيقي ويشارك مشاركة فعالة ، إلا إذا توفر له شرطان : معلومات كافية ، ومعرفة أن لرأية قيمة وتأثيراً .

وهذا مانلاحظه في آلية انتخاب لجان المديريات ، ومجالس المنفذيات .
لذلك لو حاولنا تطبيق القاعدة في أن القوميين هم مصدر السلطة ، عن طريق انتخابهم المباشر لأعضاء المجلس الأعلى والرئيس ، فما الذي سيحصل ؟ ..
أولاً : لم نطبق آلية انتقاء المجلس الأعلى .
ثانياً : معظم القوميين سوف ينتخبون أناس لايعرفون عنهم شيئا.ً

فهل هذه ديموقراطيتنا ؟ !

يقول الزعيم أيضاً في هذا الشأن :
" إنني ألفت النظر إلى أن سورية هي عنوان الديموقراطية التي أعطتها للعالم منذ قرون عديدة ، والتي كانت مثالاً عديم النظر في إنتخابها ملوكها على طريقة الإستفتاء الشعبي " .
أثار كاملة .. ج 3 .. ليست سورية في الشرق ، إنها أمة مديترانية ... ص 359 .

مهمتنا الأساسية الآن ، أن نجد الآلية التي ينتقي فيها جميع القوميون الاجتماعيون أعضاء المجلس الأعلى ، وينتخبون رئيس الحزب ، مع المحافظة على القواعد التي ذكرتها سابقاً .

لنستأنس برتبة الأمانة وآلية منحها ، لأنها في الأساس عملية ديموقراطية .
في أيام حضرة الزعيم ( الممثل لجميع القوميين الاجتماعيين والمعبر عن إرادتهم ) كان هو الذي يمنح رتبة الأمانة للرفيق الذي يستحق شرف حملها .
بعد حضرة الزعيم ، من المفترض أن القوميين الاجتماعيين هم الذين يمنحون شرف هذه الرتبة .
كما هو حاصل الآن ، يعمم اسم الرفيق المرشح على جميع القوميين ، ويرفع القوميون الذين يعرفون الرفيق المرشح مطالعاتهم عنه .
بناء على مطالعاتهم هذه ، تقيم أهلية الرفيق أو عدم أهليته لهذه الرتبة . ( في مكان لاحق سأناقش مسألة وصلاحية لجنة منح رتبة الأمانة ).
أي أن القوميين منحوا الرفيق رتبة الأمانة دون أن ينتخبوه ، بمعنى آخر ، انتقوه ليحمل هذه الرتبة .
أي أن إرادة القوميين اجتمعت لمنح هذا الرفيق رتبة الأمانة ، أي أنه حصل عليها بالإجماع .

وبحصوله على هذه الرتبة لم ينته دور القوميين ، لأنه بمقدورهم أن يجردوه إياها ، في أي وقت يخل بشروطها .
يقول سعادة :
" الدولة الديموقراطية لم تمثل التاريخ الماضي ولا التقاليد العتيقة ولا مشيئة الله ولا المجد الغابر ، بل مصلحة الشعب ذي الحياة الواحدة الممثلة في الإرادة العامة ، في الإجماع الفاعل ، لا في الإجماع المطاوع "
نشوء الأمم ... نشوء الدولة وتتطورها .. ص 111 .

كأننا نتحدث عن ديموقراطية من نوع خاص تحقق غرضين :
أولهما - عملية انتقاء تقوم على الأهلية والكفاءة .
ثانيهما - ديموقراطية مشاركين ، لاديموقراطية متفرجين ينتهي دورهم باللحظة التي يضعون فيها أصواتهم في صناديق الاقتراع ( إجماع فاعل ، لا إجماع مطاوع )

سنحاول أن نعتمد هذه الخلاصات للمحافظة على روحية نظامنا الفكري والشكلي .

طالما أن العرف المتبع في الحزب ( مع عدم قناعتي به ) هو أن السلطة التشريعية تنبثق من جسم الأمناء. وأن الأمناء ( كما هو مفترض ) يتمتعون بالأهلية والكفاءة ، التي تكون الشرط الأساسي للسلطة في حزبنا ، لابأس في أن نحافظ مرحلياً على هذا العرف ، ولكن على قاعدة أن القوميين هم مصدر السلطة .

من المفترض أن يكون الأمين ، عضواً فاعلاً في الحزب ( في مديرية ، في هيئة منفذية ، في مجلس عمد ..الخ )

يرشح الأمين نفسه لعضوية المجلس الأعلى في منفذيته ( لأنه في أي موقع كان ، لابد أنه ينتمي إلى متحد معين ، وهذا المتحد تابع لمنفذية ) ويعمم اسمه على جميع المنفذيات . مع مطالعة من منفذ المنفذية التي ينتمي الأمين إلى مجالها الحيوي ، توضح مزايا ه وإمكانياته .

يصوت مجموع القوميين في المنفذية بالموافقة أو عدمها للأمين المرشح في منفذيتهم . في صندوق واحد في مركز المنفذية .
وتتألف لجنة الإشراف على الإنتخابات وفرز الأصوات ، من المنفذ العام ومديري مديريات المنفذية .
تحسب نسبة الأصوات التي وافقت على عضويته . مثلاً ، إذا كان عدد أعضاء المنفذية مائة ، وصوت أربعون منهم بالموافقة ، تكون نسبة النجاح أربعين بالمائة .

تؤخذ هذه النسب لجميع المرشحين ، وينتقى العشرين الأوائل ( مثلاً ) الذين حصلوا على أعلى النسب
كأعضاء في المجلس الأعلى .
وهنا أحب أن ألفت النظر إلى مسألة مهمة جداً ، وهي سبب تعميم اسم الأمين المرشح في منفذية معينة على جميع المنفذيات في الحزب .

لنفترض وجود منفذيتين ، إحداهما منفذية ( صافيتا ) والثانية منفذية (صور) .

ويوجد في كل منفذية أمين مرشح لعضوية المجلس الأعلى ... ووجد بعض الرفقاء في منفذية صافيتا أن الأمين المرشح في منفذية صور ( وليس عن منفذية صور ) ، أكثر أهلية لعضوية المجلس الأعلى من الأمين المرشح في منفذيتهم ..

يمكنهم حينها أن لايعطوا أصواتهم للمرشح في منفذيتهم ، دعماً لإحتمال نجاح المرشح في منفذية صور للوصول إلى المجلس الأعلى .

أي أن الرفقاء في منفذية صافيتا ساهموا بطريقة ما في نجاح المرشح في منفذية صور ، دون انتخابه . أي كأننا نقول انتقوه من بين الأمناء لكي يكون عضواً في المجلس الأعلى .

بكل بساطة هذه هي آلية انتقاء المجلس الأعلى ، التي تحقق كل الشروط :
أولاً : القوميون الإجتماعيون مصدر السلطة .
ثانياً : تكريس ديمقراطية الحزب .
ثالثاً : انتقاء أعضاء المجلس الأعلى وليس انتخابهم .
رابعاً : معرفة القومي الاجتماعي للذي ينتقيه أو لاينتقيه معرفة تامة .
خامساً : تكريس الديموقراطية التعبيرية وليست التمثيلية . لأن الأمين الذي وصل إلى المجلس الأعلى ، وصل بأصوات جميع القوميين الاجتماعيين ، دون أن ينتخبوه بالتصويت له ، وليس بأصوات أعضاء منفذيته فقط ، لذلك هو يعبر عن إرادة جميع القوميين ، ولا يمثل أعضاء منفذيته .

كل ماسبق ، بني على أساس فهمي لحزبنا بكل أبعاده ، بمعزل عن الواقع الذي نعيشه .
وباستحضار واقعنا الحزبي يضاف أهمية أخرى على ذلك ، تتمثل في :

أولاً : القضاء على الفئوية والشللية ، التي تمثلت بلوائح الانتخابات في السنوات الأخيرة ، ولكل لائحة زعيم !!

ثانياً : حافظنا على رتبة الأمانة في الحزب ، وفعلناها في نفس الوقت .. حيث أن الأمين الذي عنده طموح ليكون عضواً في المجلس الأعلى عليه أن يقنع الرفقاء من خلال ممارسته بأهليته وكفاءته .

ثالثاً : أخرجنا رتبة الأمانة من التجاذبات والفئويات التي كانت تسيطر على طريقة منحها ... فمن يريد أن يستعمل نفوذه لمنح من يريد رتبة الأمانة فليفعل ، لن يستفيد من هذا شيئاً بعد الآن .

رابعاً : أدخلنا أسلوباً حضارياً لمحاسبة الأمناء ، لايمس من شرف رتبة الأمانة ولامن شرف من يحملها .

خامساً : ألغينا حتمالات سيطرة البعض على مقدرات الحزب ومصادرة سلطاته دون أن نغير من روحية نظامنا .

 

 

فهرس كتاب أزمة حزب أم أزمة تنظيم
1 ـ حقيقة أزمتنا 2 ـ الإئتمان مقابل الاستحواذ 3 ـ فلسفة المدرحية 4 ـ لامركزية الحزب
5 ـ ديموقراطية الحزب 6 ـ انتخاب رئيس للحزب . 7 ـ ثقافة العمل والإنتاج ، لا ثقافة الولاء والتبعية

 للمشاركة في الحوار حول أزمة الحزب أم أزمة تنظيم المراسلة على العنوان التالي : giath-da@mail.sy

إن جميع المقالات التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع