|
لقد ذكرت سابقاً ، أنه بسبب بقاء
النظرة الفردية فاعلة في حياتنا ، وبسب إختزال الحزب إلى بعده التنظيمي –
المؤسساتي ، أدى بمعظمنا لأن ينتمون عملياً إلى تنظيم الحزب ومؤسساته المدنية ،
وليس إلى الحزب .
وقلت إن الرابطة التي أصبحت تجمعنا هي رابطة عصبية الإنتماء إلى تنظيم واحد ،
في مواجهة العصبيات الأخرى الموجودة في مجتمعنا .
نتج عن ذلك كله تكريس ثقافة الانتماء للمؤسسات والقيمين عليها ، على حساب ثقافة
الانتماء للحزب .
وكما هو معلوم ، إن قبول الفرد في أي تجمع منظم أوغير منظم ، هو قبول مشروط ،
من خلال دساتير وقوانين التجمع ، أو من خلال العرف ، أوالقيمين عليه ( قادته ).
هذا القبول المشروط ، لا يرضى من الأفراد بأقل من الخضوع والولاء غير المشروطين
لإرادة القيمين على التجمع . سواء كانت تلك الإرادة تراعي مصالحهم ، أو لم تكن
كذلك .. ويتم ذلك من خلال عملية مركبة ، تتعاون فيها الدساتير والقوانين ، مع
أساليب التلقين والعقاب والثواب وبث الأفكار المناسبة ، بمعزل إن كانت هذه
الأساليب قمعية أو ذات ابتسامة تحمل شكلاً حضارياً ، فهذا الأمر ليس مهماً
قياساً إلى القضية الجوهرية ، التي هي زرع ثقافة أخلاق الطاعة والولاء في نفوس
الأفراد ، لتصبح هذه الثقافة مبدأً داخلياً هادياً للجميع ، تضمن حسن سير
النظام .
الانتماء إلى الحزب السوري القومي الاجتماعي ، هو أيضاً انتماء مشروط ، ولكنه
انتماء إلى جماعة موحدة في الحياة وليس إلى تجمع ، وبشروط تبدو أقسى ، من شروط
اي انتماء آخر ، تتوج بقسم انتماء ، يلزم المقبل على الحزب بما يلي :
أن يتخذ مبادئه القومية إيماناً له ولعائلته ، وشعاراً لبيته .
أن يحتفظ بأسرار الحزب فلا يبوح بها ولا بأي طريقة ممكنة .
أن يحفظ قوانينه ونظاماته ويخضع لها .
أن يحترم قراراته ويطيعها .
أن ينفذ جميع ما يعهد به إليه بكل أمانة ودقة .
أن يسهر على مصلحته ويؤيد زعيمه وسلطته .
أن لا يخون الحزب ولا أي فرع أو فرد منه .
أن يقدم المساعدة لرفقائه .
أن يفعل واجباته نحو الحزب بالضبط .... على كل ذلك يقسم .
بالإضافة إلى كل ذلك ، أدبيات الحزب مليئة بالتأكيد على أهمية النظامية
والانضباط عند القوميين الاجتماعيين . وتاريخ الحزب وممارسة جميع أعضائه تؤكد
على ذلك .
لكن بسبب اختزال الحزب إلى بعده التنظيمي – المؤسساتي ، وبقاء قسم الانتماء ،
وأدبيات الحزب على حالها ،
أدى كل ذلك إلى إنتاج ثقافة ولاء مطلقة للتنظيم ونظامه والقيمين عليه ، أدت إلى
نتائج كارثية . وهي مازالت إلى الآن من المعطلات الأساسية لنهوض الحزب
وانطلاقته .
لتبيان خطر ثقافة الولاء هذه ، علينا أن نميز بين الحزب والتنظيم ، وبين
مايعنيه الولاء للحزب ونظامه ، ومايعنيه الولاء للتنظيم ونظامه .
في الحزب ، سلطة الفكر هي التي تقود النظام والتنظيم .
في التنظيم ، لادور لسلطة الفكر ، وسلطة التنظيم هي التي تقود النظام والتنظيم
.
في الحزب ، القوميون الاجتماعيون هم أصحاب السيادة ومصدر السلطة .
في التنظيم ، الأمناء هم أصحاب السيادة ومصدر السلطة .
في الحزب ، الديموقراطية التعبيرية ، ليست شكلاً جديداً ، بل هي جوهر جديد .. "
غرضه الإنشاء وإدراك شيء جديد " .
في التنظيم ، الديموقراطية التعبيرية ، شكل جديد ، يعبر فيه الأمناء عن
القوميين الاجتماعيين .
في الحزب ، نحن جماعة ، والخضوع والولاء ، هو لوحدة الجماعة ومصلحتها في الحياة
، وللسلطة المعبرة عن الإرادة الواحدة للقوميين الاجتماعيين كلهم والتي وقفت
نفسها على تحقيق مصلحة الجماعة كلها .
بهذا البعد العميق ، القوميون الاجتماعيون ، تحركهم إرادتهم الذاتية الواحدة في
العمل لوحدة الجماعة ومصلحتها في الحياة التي هي مصلحتهم ، وبالتالي خضوعهم
وولائهم للحزب وسلطته هو خضوع وولاء بإرادتهم الذاتية الواحدة ، لتحقيق مصلحتهم
الواحدة في الحياة .
في التنظيم ، نحن تجمع ، ولا وجود لمصلحة واحدة ، وبالتالي لاوجود لإرادة واحدة
عند القوميين الإجتماعيين :
يقول سعادة :
" إذا كانت المصلحة والإرادة هما قطبا المجتمع فواحدهما سلبي وهو المصلحة
والآخر إيجابي وهو الإرادة ، فالمصلحة هي التي تقرر العلاقات جميعها ، والإرادة
هي التي تحققها . وبديهي أنه لا إرادة حيث لا مصلحة "
نشوء الأمم ... الإثم الكنعاني ... ص 142
والخضوع والولاء هو للسلطة القيمة على النظام والتنظيم ، التي لا تعبر عن وحدة
إرادة القوميين الاجتماعيين ، وإنما تمثل الأمناء .
وفي ظل استمرار غياب فكرة الحزب عن قيادة النظام والتنظيم ، لو حاولنا إيجاد
آلية لانبثاق سلطة تعبر عن إرادة القوميين الاجتماعيين كلهم ، لن نفلح في ذلك ،
وكل ما سنصل إليه ، هو سلطة تمثل القوميين الاجتماعيين كلهم .
لأنه في ظل أسلوب الحياة القائم على الاستحواذ ، لا يوجد جماعة ، ولا يوجد مصلحة
عامة واحدة ، ولا يوجد إرادة واحدة للعمل لها ، وإنما يوجد مصالح أفراد ،
وإرادات فردية لتحقيق هذه المصالح :
يقول سعادة :
" إن المصالح ، مبدأياً ، صنفان يجب ألا يصير بينهما خلط وتداخل كما يحدث عادة
في تعميم المصطلحات الفنية . فهنالك المصالح المتشابهة أو الشكلية التي هي لكل
فرد مثلما هي لكل فرد آخر ، كتحصيل المعاش أو ربح الصيت أو جمع الثروة ، أو أي
مصلحة أخرى شخصية خاصة . فهذه المصالح هي شكلية أو متشابهة ولكنها لاتقتضي
إتحاد من يريدونها أو إيجاد علاقة إجتماعية ثابتة فيما بينهم . وهنالك المصلحة
العامة أو المشتركة التي يجتمع عدد من الناس على الإشتراك في تحقيقها لأنها
تشمل الكل ، كمصلحة خير القرية أو المدينة أو القطر " .
نفس المصدر السابق .. نشوء الأمم
إذاً ، أي سلطة في واقعنا الحالي ، إن كانت تمثل فئة معينة ( الأمناء ) ، أو
تمثل مجموع القوميين ، ستبقى سلطة ثمثل مصالحها ، ومصالح الموالين لها .
ويصبح الولاء والتبعية للسلطة هو المعيار للحصول على رتبة الأمانة
، وهو الذي
يحدد مكانة القومي الاجتماعي في التنظيم ، وحصده المكاسب المادية والمعنوية ،
وهو الطريق الذي تتم عبره الترقيات واحتلال المناصب العليا .
فتتكرس أكثر وأكثر ثقافة الولاء ، ويهمش الكثير من أًصحاب الكفاءات ويدفعون إلى
الهجرة، وإلا فإلى الانصياع وتبني هذه الثقافة والتميز فيها ، أو إلى اجترار
الإحباط والمعاناة ، واشتعال نفوسهم بالغضب ، الذي يتكفل بتدمير إمكانياتهم ، في
حالة من الإحساس باللاجدوى .
والأخطر من هذا كله أن الكثير من القوميين الاجتماعيين الناقمين على هذا الوضع
المأساوي يفضلون ألف مرة
أن يمضوا حياتهم في الخضوع لهذا النظام على أن يثوروا ويلطخوا أيديهم وسمعتهم
وتاريخهم بارتكاب خطيئة الخروج عليه !!!.
ثقافة الخطيئة في الخروج على النظام الشكلي في حزبنا ، مارستها وكرستها سلطات
التنظيم بذكاء ودهاء كبيرين ،
عبر فترة زمنية طويلة .
فأصبح أي قومي اجتماعي يشعر بالذنب والإثم ، ليس بفقده شرعية انتمائه الحقيقي
إلى الحزب وخضوعه المطلق لنظام الشكل !.
بل عندما يخرج على نظام الشكل وسلطته . وهذا الشعور لا يمكن التخفيف منه إلا
بعفو تمنحه إياه السلطة نفسها التي خرج عليها .
ولو راجعنا تاريخ حزبنا ، لرأينا أن أي قومي يخرج على نظام الشكل ( ولو كان
خروجه حق ) يعاقب ، وإذا تقبل عقوبته وأعلن ندمه ، يحصل على العفو ، ويعود إلى
حظيرة الطاعة ، مطيعاً أكثر من السابق . لتصبح هذه السلسلة حلقة مفرغة ، طالما
أن كل خروج على الطاعة يؤدي إلى مزيد من الطاعة ، ولا يؤدي إلى تصحيح مسار
السلطة .
ولا أعلم لماذا في السنوات الأخيرة ، سلطات الحزب خففت صرامتها في التعاطي مع
الخارجين على نظام الشكل ، ومحاولتها الدائمة لاستيعابهم وإرضائهم .
هل هو من باب الإحساس بالذنب ، أو من باب تأثير ثقافة النظام اللبناني في تقاسم
الحصص ؟!
أما في حزبنا فقد رأينا سابقاً أنه يتبنى عبر أسلوب الائتمان الذي جاء به "
ثقافة الإنتاج " ، التي تحدد هوية الإنسان ومكانته .
في هذه الثقافة ، المرجعية في الحكم على الإنسان وتقييمه وتقييم الإمتيازات
التي يحصل عليها تقوم على أدائه ، أي على أهليته وكفاءته وإنجازاته .
أيضاً في هذه الثقافة ، المرجعية في الحكم على النظام والدساتير والقوانين
وتقييمها ، يعود إلى فعلها ودورها في العمل لمصلحة حياة الجماعة وخيرها ،
يقول
سعادة :
" إن النظام هام بقدر ماهو ضروري لحاجة الحياة . وبقدر ما يكون النظام مضاداً
لحاجة الحياة ومصالح المجتمع يكون غاية حقيرة ومحاولة سقيمة .. إن سر النجاح
ليس في النظام بل في القوة التي تحرك النظام " .
أ ، ك ... ج2 ... النظام ... ص 68 .
إذاً ، نظرتنا في الحزب إلى الإنسان تحكمها ثقافة الإنتاج ، ونظرتنا إلى النظام
يحكمها أن النظام وجد لخدمة حياتنا وليست حياتنا لخدمة النظام .
وبالعودة إلى نص قسم الانتماء نجد أول فقرة فيه هي :
أن أتخذ مبادئه إيماناً لي ولعائلتي ، وشعاراً لبيتي .
وآخر فقرة فيه هي :
أن أفعل واجباتي نحو الحزب بالضبط .
وكلتاهما تتعلقان بغاية الحزب ، التي هي انتصار مبادئه ... ومابينهما يتعلق
بالنظام الذي هو وسيلة تحقيق الغاية .
وهذه الوسيلة التي تتطلب الخضوع والطاعة وكل ماتشتمل عليه . مشروطة بخضوع هذه
الوسيلة أو من هو قيم عليها بالعمل لتحقيق مبادئ الحزب .
إذاً ، انتماؤنا المشروط ، كل شروطه من أجل انتصار مبادئنا في الحياة ، وليست
من أجل الولاء لحضرة الزعيم ، ولا للنظام ولا للقيمين عليه . بل حضرة الزعيم
والنظام والقيمين عليه والقوميون الاجتماعيون ، كلهم يعملون من أجل مصلحة
الجماعة في الحياة .
ثقافة الحزب إذاً ، هي ثقافة عمل وإنتاج وإنجاز ، وليست ثقافة ولاء للنظام
والتنظيم كما حصل وكما هو حاصل الآن في الحزب .
ثقافة الولاء للنظام تنتعش وتتجذر عندما يختزل الحزب إلى تنظيم فقط . أي عندما
تفقد فكرة الحزب دورها في قيادة الحزب .
أيها القوميون الإجتماعيون ثوروا على ثقافة الولاء لنظام الشكل للتنظيم
والمطبلين لها بكل ما أوتيتم من قوة ، فهي ثقافة غريبة عن حزبنا ، وهي من أكبر
المعطلات لقوانا الحية . وليكن ولاءكم فقط للحزب ، ولنظامه الفكري والشكلي ،
بالعمل المؤمن بإنتصار حقيقته التي هي أنتم
.
خاتمة
صاحب الآمال الصغيرة ... إذا انتصر ، انتصاره يكون صغيراً .
صاحب الآمال الكبيرة ... إذا انتصر ، انتصاره يكون كبيراً .
الخيار لنا ...
واسمحوا لي أن أختم بكلام لحضرة الزعيم – خطاب اللاذقية – آثار كاملة .. ج 8 ..
ص 434 – 440
" الحزب القومي الإجتماعي هو كما قلت تعبير عن إرادة حياة لايمكن أن يصدها شيء
في الوجود ، وهو في جهاده وعمله يعلن حقيقة سامية في هذا الوجود هي الحياة .
وماهي الحياة ؟ .. الحياة عز وشرف ! الحياة ليست سيارات ، الحياة ليست مقتنيات
! .. الحياة الإنسانية هي قيمة عظيمة في نفس الإنسان !! .. هي تعبير عن
إنسانيته السامية العظمى ! .. وماهو الإنسان إذا كان مجرداً من قوة الحياة
وجمال الحياة . ذليلاً مستعبداً يساق بالعصي فاقد الإرادة ؟...
... نحن لم نتلكأ عن واجب لأن الواجب مبدأ أساسي من مبادئنا الأخلاقية ولم
نتراجع عن معركة ، ولكننا جماعة أرادت قبل كل شيء المحافظة على إيمانها
وحقيقتها ، فلم ندخل في ما أراد البعض أن يجرنا إليه من منازعات لاتمثل غير
قضايا شخصية ، لا في لبنان ولا في الشام ولا في أية بقعة من بقاع وطننا السوري
الجميل ، بل كنا حريصين على الإحتفاظ بحقيقتنا بين مختلف الأعمال الإعتباطية
التي عرض علينا المساهمة فيها ، وأبينا أن نساهم فيها لأنها لم تكن أعمال قضية
قومية ...
بهذا الإيمان ، نحن مانحن !! وبهذا الإيمان نحن ماسنكون ، وأنتم تعرفون ماسنكون
!! وبما نحن وإلى مانكون ، سيظل يدوي هتافنا في العالم : تحيا سورية " ...
|
|