صدى النهضة السورية القومية الاجتماعية www.ssnps.jeeran.com
 
بعد نصف قرن على الاغتيال أين أصبح الحزب وقادته ؟
(( أنا أموت أما حزبي فباق )).
 
بقلم المحامي بشير الموصلي

08 تموز 2007

نظر اليوتنان (...)بغرابة ودهشة إلى الدخان المتصاعد في الجو ببطء وكثافة من فوهة مسدسه, فلم يسبق ان استوقفه دخان فوهة مسدس كما في تلك اللحظة .

كانت الساعة بعد الثالثة فجر يوم الثامن من تموز 1949 وقد انتهى لتوه من إطلاق رصاصة الرحمة على الجسد الغالي , وراح يتأمل فوهة المسدس , غير مدرك أن ذلك الدخان كان يسطر في الفضاء كلمات سعاده محلقا بها طائرا عبر أجواء الوطن ينقل لأعضاء الحزب والشعب آخر رسائل سعاده (( لقد أديت رسالتي وختمتها بدمي , أنا أموت أما حزبي فباق لان موتي شرط لانتصار قضيتي )).

تلك هي الحقائق المستمرة حتى اليوم , تحمل جوهر بقائها واستمرارها : بقاء الحزب وانتصاره .
فهل حقا أن الحزب بقي وانتصر ؟؟.

لا بد لنا هنا من ان نقف عند معنى " البقاء " وعند معنى " الانتصار " فأعود بالذاكرة إلى ما واجهه الحزب السوري القومي الاجتماعي طوال خمسة وسبعين عاما من كوارث ومصائب والآم وتشريد وسجون وغربة , وفقأ عيون , وتكسير أضلاع , ودفن في القبور , واقتلاع من الوظائف وإبعاد عن الوطن , ومحاولات تحطيم للإرادة , وفلذات أكباد يخترق الرصاص أجسادها بعد محاكمات صورية , وسجون تعرق جدرانها خجلا من الظلم القاتل لزوار غرفها المظلمة من أعضاء الحزب طوال سنوات .

لا اعرف حزبا مر بكل هذه الكوارث مجتمعة لعقود طويلة بقي واستمر بالشكل الذي استمر عليه الحزب . لقد مرت على أحزاب كثيرة مآس وكوارث مشابهة لفترات لم تمتد كفترات الظلم والقهر والاضطهاد الذي مورس على أعضاء الحزب السوري القومي الاجتماعي وقياداته . في الشام ولبنان والأردن وفلسطين والعراق طوال 75 عاما .

صحف بيروت تخرج بمانشيتات ملونة حمراء وسوداء , صفراء المضمون تنهش في جسد القوميين بلا رحمة منذ منتصف الثلاثينات وحتى الثمانينات في فترات وفترات .

وصحف الشام وإذاعاتها تتبارى في اختراع القصص والروايات عن الحزب " الخائن " العميل للغرب , وحكومة الشام تملأ كل فراغ في سجونها من أقصى الشمال في القامشلي والحسكة الى أقصى الجنوب في القنيطرة ومن ابعد نقطة في الشرق البوكمال الى اللاذقية , تدب في سراديبها شباب الحزب وشيوخه وكهوله ونسائه , بلا رحمة ولا إنسانية . أظافر مقلوعة وأجساد مسلوخة وبطون مبقورة وقطع لحم بشرية على الجدران فترة الخمسينات . ثم تظهر الحقيقة انه الحزب المعادي والمجابه لكل مشاريع الغرب ومؤامراته .

وفي العراق يحشر النظام الملكي بضع عراقيين سوريين قوميين اجتماعيين مع رفقاء لهم فلسطينيين ولبنانيين وشوام يعملون في العراق , في شاحنة سوداء ويقذف بهم خارج الحدود مجردين من الجنسبة العراقية , وعلى رأسهم الرفيق الفلسطيني الراحل جورج جورج .

أما في فلسطين فتنشأ الدولة العبرية بقرار من الأمم المتحدة ة وتنتشر الهاغانا والايرغون في الربوع الفلسطينية , جيش " الدفاع الإسرائيلي " المقبل حاملة قوائم باسم الشهيد الرفيق محمد الشلبي وعدد من رفقائه لتنفيذ اعدام صدر بحقهم قبل قيام " الدولة " بسبب العمليات النوعية العظيمة في تفجير محطة القطارات ومراكز صهيونية وبريطانية وغيرها وكلها مشهودة .

ولم تخل الساحة الأردنية من بعض الملاحقة التي توقفت بسبب اغتيال الملك الراحل عبد الله بن الحسين .
كانت حصيلة مراحل الاضطهاد المتمادي مئات الشهداء , بدءا من زعيم الحزب وانتهاء بأعضاء الاستشهاد النوعي في جنوب لبنان في الثمانينات , سلسلة من العطاء بلا حدود لعقيدة بلغ الإيمان بها موضعا بلا حدود في نفوس معتنقيها , ايمان تأسس وقام على وعي زرعه سعاده في نفوس اعضاء الحزب يقول :
(( نحن نبذل انفسنا في سبيل المبادئ , نعني : اننا نبذل انفسنا افرادا في سبيل تحقيق المبادئ التي في تحقيقها حياة الأمة , وليس ان المبادئ مستقلة عن الأمة , خارجة عنها لا علاقة ولا صلة لها بها , وإننا من اجل هذه المبادئ , لأنها تعني حياة الأمة , نحن مستعدون للتضحية ....فإذا وجدت مبادئ لا يمكن ان تعني حياة الأمة , فمهما كانت جميلة في حد ذاتها ومهما كانت رائعة ساحرة , فهي لا تستحق ان تبذل النفس في سبيلها ولا ان نضحي )) ( سعاده المحاضرة الثانية ك2 / 948 ).

هذا الوعي والوضوح والادراك لاهمية المبادئ في ان تكون تحقيقا لحياة الامة , هو ما جسده سعاده ورسخه في آذار 949 في خطاب القاه بمنزل الرفقاء شاوي قال فيه : أقسمت غير شاعر انني اقدم منّة للامة , اقسمت شاعرا انني اعطي الامة ما يخصها ...." كل ما فينا هو من الأمة وكل ما فينا هو للأمة,الدماء التي تجري في عروقنا عينها ليست ملكنا هي وديعة الأمة فينا متى طلبتها وجدتها ".

فبقاء الحزب , لم يكن بعامل الاستمرار ولا بعامل الزمن , الذي يضعف ويخبو بالاستمرار أيضا, ما لم تكن عوامل البقاء قائمة على الوعي وعلى يقظة الوجدان نحو واجب المؤمن بالعقيدة نحو قضيته فلا يتوقف عن العطاء ولا يتوقف عن الاستمرار في نشر العقيدة من جيل إلى جيل حتى تستعصي على الفناء – وقد استعصت .

أدرك سعاده ان فعل الإيمان بنفسه وفعل يقظة وجدانه المتوفرة أيضا لغيره من القوميين الاجتماعيين هي ما سيحفظ للحزب وجوده وبقاءه واستمراره فأطلق آخر نداء :"....اما حزبي فباق " من خلال ايمانه وادراكه ومعرفته لفعل الايمان الصادق في نفوس المعتنقين للمبادئ بوعي .

كل الذين طاردوا الحزب ونكلوا به وحاولوا تحطيمه افراد وجماعات انتهوا الى الضياع والنسيان عند الشعب وسكنوا مزبلة التاريخ ولم يعد لبعضهم وجود الا عند الاهل والعائلة وكثافة المال . اما القوميون الاجتماعيون سواء من جيل الرواد المتواجدين في الوطن وعبر الحدود او من الاجيال التي ولدت فيما بعد فلا يزالون يحملون على عاتقهم مهمة نشر العقيدة والاستمرار بالحزب ومتابعة المسيرة .

بعد خمسين عاما وفي وسط وقلب دمشق في مناسبة الاستفتاء للرئيس الأسد يقف ممثل الحزب السوري القومي الاجتماعي متحدثا بحضور أكثر من مليون مواطن , باسم جميع أحزاب الجبهة الوطنية التقدمية من وحدويين واشتراكيين وناصرين وبعثيين وشيوعيين في وسط الساحة الكبرى التي استخدمت منصة لإطلاق الشائعات ضد الحزب منتصف الخمسينات .

مسحنا دموعنا ونحن نرى عصام المحايري هو نفسه , من قضى احد عشر عاما ونصف في سجون الظلم يلقي تلك الكلمة , محاطا بأعضاء القيادة السورية وأحزابها المعبرة عن إرادة الشعب , وكأنها تعتذر للقوميين عما فعله الطغاة بهم . وفي مطلع التسعينات وبعد سجون الستينات الرهيبة والنضال ضد الأدوات الإسرائيلية يشارك اسعد حردان في اول حكومة لبنانية بعد الحرب الأهلية .

اجيال الحزب الرائدة , المطلوب رأسها احيانا , لا تزال تعمل بلا كلل في كل اصقاع الوطن والمهجر لا تكل ولا تمل في نشر العقيدة من الطبيب سامي الخوري في عمان الى علاء حريب في كاليفورنيا , إلى إسماعيل جمعة في حماه , إلى صلاح دبا في بيروت , إلى عبد الوهاب تركماني وفرحان سحلول في حمص , الى هاجم فلوح في حوران الى صبحي قشقش في حلب وعبد الله قبرصي في بيروت إلى ميخائيل معطي في مرمريتا وكثيرون غيرهم وغيرهم ممن قد اكون نسيت أسماءهم , وقبل بضع سنوات رحل فريق آخر منهم في السبعينات والثمانينات من عمره , وهم في عز العطاء , من عبد الله محسن الى الياس جرجي قنيزح الى مصطفى عز الدين الى انعام رعد الى مصطفى عبد الساتر الى عباس ياغي الى عبد القادر اسرب الى عبد القادر تحوف الى صبحي عبد الرحمن الى نماذج البطولة الفريدة في الاستشهاد النوعي الشهيدة سناء ونورما ووجدي ومالك وخالد وابتسام وعمار .........

في خريف عام 2005 وعلى ارض الملعب البلدي في الخمسينات حيث انطلقت شرارة اضطهاد الحزب في 24 نيسان 955 , كانت صالات مطعم " النبلاء " بدمشق المشاد على ارض الملعب ذاته تستقبل آلاف المواطنين وأعضاء الحزب يحملون للحزب فلي قلوبهم كل الحب وكل الفرح انه لايزال الأمل ولا يزال الارب يشاركونه ذكرى تأسيسه الثالثة والسبعين .

نعم بقي الحزب وبقي سعاده الفكر واالفلسفة والنضال والمعلم مستمرا في الحركة القومية الاجتماعية . الحركة التي لم تستطع قوة ان تلغيها طوال خمسة وسبعين عاما حافلة بالاضطهاد والتنكيل والعطاء والاستشهاد , فلا يمكن لقوة , اليوم , ان تلغي وجودها واستمرارها .

اما النصر والانتصار , فما كان يعني للقوميين يوما ولا لسعاده أصلا , انه الوصول الى السلطة ومع ذلك تمكن الحزب من المشاركة في السلطة السياسية ولو بشكل محدود في الشام ولبنان من خلال انتصاره الحقيقي والأساسي في وجوده واستمراره فاعلا في نفوس أعضاء حزبه , محققا الوحدة الحقيقية بانتصاره على الطائفية واقتلاعها من جذورها , لينفرد في العالم العربي بالتعاقب على رئاسته عفوا وبالنظام , لا تعمدا ولا مداراة , رؤساء للحزب من جميع الطوائف ومن مختلف جنسيات الكيانات السورية .

إلى كل العاملين المستمرين لوحدة الأمة وانتصارها أقول " المجد للأمة " في الذكرى الثامنة بعد اليوبيل الذهبي لذلك اليوم الرهيب , وقد رسخ سعاده فيه أروع تجسيد ومثال للإيمان وللإنسان السوري في التضحية من اجل العقيدة .

 

 

 

إن جميع المقالات التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع