|
كثيرا ما وصف الوضع السياسي
اللبناني على انه وضع سياسي بين نارين , نار الولايات المتحدة الامريكية , ونار
الحلف السوري الإيراني , على أساس ان الانقسام السياسي في الاداء وفي اختلاف
وجهات النظر موزع بين رجال السياسة اللبنانيين وفق هذا الفرز الجيوسياسي .
بمعنى ان الأكثرية توالي الولايات المتحدة , ومن ورائها فرنسا . والمعارضة
توالي سوريا , ومن ورائها إيران .
ولكن الصورة ليست بهذه البساطة والسطحية استنادا الى ما يتهم به كل من الطرفين
الطرف الآخر حيث الاتهامات وحدها لا تكفي لتحديد المواقف ولا للتصنيف ولا لبيان
حقيقة الوضع وماهيته وكنهه. فالوقائع وحدها , والاداء والممارسة السياسية
اليومية هي التي تحكم وتقرر وتفرز من هو التابع ومن هو المتبوع , ومن هو الملاذ
الآمن للبنان الذي يعتبر امن لبنان امنه , ومن هو الذي يسخر امن لبنان ويتلاعب
به لتحقيق اهدافه الخاصة .
ليس بالأقوال وحدها نجعل من الولايات المتحدة نارا تحرق المصالح الوطنية
اللبنانية , كما ليس بالأقوال وحدها تكون سوريا وإيران سببا في التأزم الأمني
في لبنان . وإنما الأرقام والوقائع والأداء على الأرض ووراء الكواليس هو ما
يحدد أين النار المحرقة وأين الجنة المنقذة . |
|
|
فاذا راجعنا ادبيات كلا من
الطرفين طوال الاعوام الماضية منذ عام 2003 واحتلال العراق وبعده مصرع الرئيس
الحريري ودخول الولايات المتحدة وفرنسا على الخط السياسي اللبناني بكل ثقل وقوة
. نجد ان الدور السوري الايراني لا يمكن مقارنة تداعياته وآثاره كما الدور
الامريكي في توجيه السياسة اللبنانية , ظاهريا في اضعف الحالات على الاقل .
ففي طرف المعارضة نسمع انتقادات لبعض المواقف السورية اثناء فترة الوجود السوري
في لبنان . وخاصة من التيار الوطني الحر الذي يعلن بكل مسؤولية وصراحة وجرأة ,
حتى قبل عودة الجنرال عون الى بيروت باسابيع , انه لا يوجد له أي مشكل مع سورية
بعد سحب جيشها من لبنان بل يجب ان يكون لبنان على افضل علاقات واقوى ترابط مع "
جارته " سورية . معلنا انه ضد أي تدخل لسورية في الشؤون اللبنانية السياسية
والداخلية ورفضه في الوقت ذاته لاي تجن او تهجم على سورية .
وفي وجه آخر نجد شارل أيوب احد أعمدة المعارضة من المستقلين , يتخذ موقفا
مستقلا كليا عن الموقف السوري من الرئيس اميل لحود , دون ان يتخلى عن الوقوف
علنا الى جانب سورية ودون ان يمتنع عن التذكير بمواقفه المعارضة لتصرفات بعض
قادتها في لبنان قبل الانسحاب . بالإضافة الى انتقاده لبعض أداء المعارضة ذاتها
المحسوبة معه هو أيضا إنها تعمل وفق المخطط السوري المزعوم .
والامثلة كثير ة من الوزير فرنجية الى الرئيس عمر كرامي , الى حزب الله الى
معظم الفعاليات السياسية المعارضة . بينما لا نجد لدى الطرف الآخر أي صوت يرتفع
او يتوجه بأي نقد للولايات المتحدة لا عن ادائها وممارساتها في لبنان ولا عن
ادائها في أي بقعة من العالم بما في ذلك فلسطين والعراق . مع كثرة المناسبات
وتعددها التي دفعت بالمعارضة الأمريكية والصحافة الأمريكية الى فضح الممارسات
والارتكابات والمجازر وسوء الاداء في فلسطين والعراق ولبنان . بينما لم نسمع من
أي نجم من نجوم الموالاة في لبنان أي انتقاد لاي اداء للولايات المتحدة في اي
بقعة من العالم كما ينتقدها الامريكيون انفسهم والشعوب الأوروبية وغيرها حتى
اننا لا نجد أي سياسي لبناني يتساءل عن كل هذا النشاط المتفوق الفوار للسفير
الامريكي يوميا بتنقله من وزارة الى وزارة ومن " قصر" الى قصر ومن " صرح " الى
" دار " .
فهل حقا ان الوضع السياسي اللبناني بين نارين ام انه امام نار التدخل الامريكي
المباشر وغير المباشرالذي غالبا ما يتخفي وراء عبارة " تصريح لمسؤول امريكي رفض
ان يذكر اسمه " ثم في اليوم التالي او بعد ايام يصبح تصريح المسؤل الامريكي –
الشبح – قرارا اكثريا يتخذ في قريطم او في البريستول او في اذاعة الشيخ الجوزو
. واخيرا ما لنا وما لكل الا مثلة ازاء التدخل الامريكي المباشر في وسط بيروت
العاصمة حين طبّ عليها وولش .
وفي المقابل في المقلب الآخر حيث تتهم المعارضة بالعمل على اعادة لبنان تحت "
الوصاية " السورية لم تقدم الأكثرية ولا أي من ديوكها الفصيحة أي واقعة او
مستند يثبت اتهاماتها للمعارضة بالعمالة السورية لمجرد تصدي المعارضة للمخططات
والاداء الاكثري المنافي للمصلحة اللبنانية في مقابل التأكيدات والممارسات
السورية على ان سورية تقبل بكل ما يتوافق اللبنانيون وكل ما يتفقون عليه .
بينما تفرض السياسة الامريكية الفرنسية على " الاكثرية " ما تريد ان يتفق عليه
اللبنانيون وفق ما تحدده هي لهم . وذلك ما بدا واضحا في جلسات الحوار التي
انقلبت الى حوار طرشان بفضل الاملاءات الخارجية .
وحتى نكون منصفين وعادلين وحياديين ندعو جميع اللبنانيين ان لا يسيروا وراء
المعارضة على بياض والا يتأثروا بآراء الاكثرية بالمطلق . بل على اللبنانيين ,
الشعب – البسطاء , ان يقرؤوا نشرات الاخبار بعناية وتصريحات رجال السياسة من
الاكثرية والمعارضة بتمعن . وخاصة خطابات التحريض الطائفي والمذهبي وحفلات
الشتائم والسباب والقذف والذم واطلاق العبارات السوقية عبر الشاشات في النقل
المباشر للمطالبة " بالتار" , وبلغة القرود والسعادين . وكيف تفتح امامهم ابواب
البيت الابيض في واشنطن والقصر الاسمر في باريس الاليزة . ويستقبلون استقبال
الملوك والرؤساء امام المدخل الرئيسي دون ان تكون لهم اية صفة رسمية .
والسؤال الهام هو :
هل كانت رسالة السنيورة الى مجلس الأمن بخصوص المحكمة ذات الطابع الدولي مبادرة
لبنانية ام انها جاءت تلبية فورية لغمزة عين امريكية نقلها وولش ؟؟.
|