|
اثنان وتسعون عاما انتهت منذ
ولادته – اول آذار عام 1904 . أربعة وستون عاما مضت على تأسيسه الحزب السوري
القومي الاجتماعي – السادس عشر من تشرين ثاني 1932 .
سبعة وأربعون عاما انقضت على استشهاده – الثامن من تموز عام 1949 :
القوميون الاجتماعيون والأعضاء في الحزب السوري القومي الاجتماعي يحتفلون اليوم
بعيد ميلاد انطون سعاده مؤسس الحزب وباعث النهضة السورية القومية الاجتماعية في
جهات الارض الاربع وفي القارات الخمس . وفي الأرض المحتلة في فلسطين المغتصبة
وفي اسكندرون المصادرة وفي الاهواز المنسية .
بعد انقضاء هذه التواريخ كلها . وبما حفلت به من أحداث مرت على الوطن وعلى
الحزب داخل الوطن , لم يعد الاحتفال بمولد سعاده محصورا بالعبارات العاطفية
الصادقة والحارة مهما ابدعت وجسّدت ايمان القوميين بزعيمهم وثقتهم بامتهم
وبانفسهم .
سعاده ليس " فتى الربيع " او " فتى آذار " فقط او ما في مثيلاتها من عبارات
الود الحميم والحب الصادق لما يكنه له اعضاء حزبه بما يمثله في وجدانهم وفي
نفوسهم وفي قلوبهم . انطون سعاده حضور دائم واستمرار في حركة عقائدية سياسية
حققت عقائديا وجذريا وثوريا ما عجزت جميع الاحزاب عن تحقيقه خلال الستين عاما
الماضية . الثقة والايمان بوحدة شعبه ووحدة الولاء والمرجعية في المجتمع .
والعمل لتحقيق غاية واحدة واضحة .
ويجسد سعاده رؤيته وفكرته فيؤسس الحركة المعاكسة للحركة الصهيونية , لان
السوريين يكونون قد تخاذلوا " اذا تركوا الصهيونيين ينفذون مآربهم ويملكون
فلسطين " ومآربهم في فلسطين " سائرة اجراءاتها الى النجاح " ما لم تقم " حركة "
معاكسة للحركة الصهيونية . ( يكتب في شباط عام 1925 ) .
بعد انقضاء هذه التواريخ تحفز ذكرى مولد سعاده , العودة الى ما انجزه سعيه لخلق
هذه " الحركة المعاكسة " للحركة الصهيونية . حركة تؤمن بالحرية وتعتمد النظام
والقوة والالتزام بالواجب لمحاربة الفوضى . " لان الفوضى لا تحارب بالفوضى بل
بالنظام . ويحارب النظام بالنظـــام الافضل " . لان " تاريخنا الماضي يدلنا على
ان موضع الضعف في حياتنا الوطنية هو هنا , أي في عدم وجود احزاب وجمعيات قومية
, علنية كانت ام سرية , تضع نصب اعينها العمل بمبدأ القوة المنظمة " ( كتب في
مجلة المجلة ايار 1925 ).
اعتمدت الصهيونية هذه الاستراتيجية لتحقيق اغراضها الاغتصابية الاستيطانية
فأسست الجمعيات السرية القوية المنظمة وعلى رأسها " الماسونية " العالمية , كما
اسست في الوقت نفسه الحركة السياسية القومية الدينية العلنية العالية التنظيم "
الوكالة اليهودية " . وهكذا باعتمادها هذين الشعارين – القوة والنظام المتقدم
حققت الصهيونية اطماعا واغتصابا , واعتدت على اصحاب الحق. وهكذا ايضا بتخلي
اصحاب الحق عن هذين الشأنين خسروا حقهم وهُزموا وشُردوا .
بعد مرورهذه التواريخ يتوقف المؤرخون باحترام وتقدير عند استشراف سعاده الاخطار
المحدقة بامته , والاحداث الخطيرة المقبلة عليها . والكوارث التي ستتعرض لها ما
دامت مصالحها رهن الارادات الاجنبية . ومصيرها يقرره غيرها وتقرره الارادات
الاجنبية " ان كل مقررات انترنسيونية تخالف ارادة الامة السورية وحقها في تقرير
مصيرها ومصير وطنها بملء حريتها هي مقررات باطلة " " اني اعلن ان الامة السورية
هي وحدها صاحبة الحق الطبيعي والشرعي في فلسطين , وانه ليس لغيرها ان يقول
الكلمة الاولى والاخيرة في مصيرها ".
بعد مرور هذه التواريخ تتضح للمواطنين والدارسين الحقيقة المؤلمة . ليس حقيقة
تخلي السوريين في الوطن السوري كله عن القوة العلنية والسرية وعن النظام فقط ,
بل حقيقة اهداف المحاولات الشرسة المتكررة للقضاء على الحركة الوحيدة في هذه
الامة التي جعلت من الحرية والواجب والنظام والقوة مثلا عليا لها , للحفاظ على
مصالح الامة وحماية مصيرها ومستقبلها ضد جميع الاخطار وفي طليعتها المخططات
الصهيونية . فكان هدف تلك المحاولات الشرسة ,ولا يزال, ضرب القوة الشعبية
الوحيدة الصامدة بوجه المخططات الصهيونية , من خلال الاسلوب العلمي القائم على
مرتكزات قومية اجتماعية عصرية .
لم يكن حزب سعاده , الحزب الثوري الوحيد الذي وقف في وجه الصهيونية . فسعاده "
لم ينكر على المجاهدين جهادهم في سبيل الوطن " واعترف للوطنيين المقاتلين
والمدافعين باخلاص وبلا حدود من غير القوميين الاجتماعيين الذين قاتلوا وناضلوا
من اجل التحرر والوحدة ومن اجل الاستقلال . ولكن حزب سعاده كان الحزب الوحيد في
الوطن , الذي اعتمد القوة والنظام معا بحيث شكلت مسيرته نموذجا حيا يؤمن بانه
لا قوة تستمر بدون نظام ولا فائدة من نظام لا يستند الى قوة . النظام يساعد على
خلق القوة ويصونها وينميها , والقوة ترسخ مفهوم النظام وتحقق فعل النظام
واغراضه .
واليوم نسأل : " هل فشل سعاده في تحقيق امانيه وآماله واحلامه وارادته بتوحيد
امته ووطنه واستعادة ما اغتصب من اراضيه لان حزبه لم يتمكن من الانتشار الافقي
– الكامل والوصول الى ارادة الشعب كله والتعبير عنها وخلق مجتمع واحد قائم على
الوحدة لا على التعايش والتوازن , ام انه انتصر " ؟؟.
لا شك بأن سعاده انتصر حين اعاد الى شريحة كبيرة من شعبه ثقتهم بانفسهم وامتهم
. كما انتصر بتحقيق المستحيل عندما احيا الا مل بتعاظم هذه الثقة من خلال
المجتمع القومي الاجتماعي المصــغر " دولة الأمة السورية " المصغرة , واذ هو
غاب الى الأبد غرس حزبا منتشرا في جميع أجزاء الوطن , وحيثما وجد في ارجاء
العالم لبنانيون " وسوريون " وعراقيون وفلسطينيون واردنيون, محققا انتصارا
ملموسا ومثلا حيا وقدوة عظيمة لما تستطيع ان تفعله وان تحققه في سبيل امتها
ووطنها الاجيال التي لم تكن قد ولدت بعد , ومن رحم تلك الاجيال , شقت سناء
ووجدي ومالك وجميع رفقائهم في الاستشهاد النوعي الطريق لتحيا سوريا .
واذا كان حزب سعاده لم ينتشر الانتشار الكافي والمامول , والانتشار بالوتيرة
نفسها التي انتشرها قبل استشهاده , فذلك ليس فشلا لسعاده ولا للعقيدة التي
اوجدها سعاده. لان فعل العقيدة لم يتوقف حتى اليوم . وظل مستمرا فاعلا بمستوى
او بآخر , وبأمثلة حية وشواهد ناطقة حتى عند الذين تخلوا عن الحزب وابتعدوا عنه
, وانخرطوا في احزاب اخرى , او انقطعوا الى اعمالهم الخصوصية .
الفشل في الانتشار الافقي المامول كان مرده الى الحرب الشرسة التي قادتها قوى
محلية داخلية وقوى خارجية عظمى من جهة , والى فشل معظم قياداته خلال الخمسين
عاما الماضية في تحصين الحزب ضد الاختراق وضد الانزلاق وضد الانشقاق . ومن جهة
ثانية في الابتعاد عن النظام وفي التكلس حول التشريع الناقص المتخلف عن مواكبة
التطورات في الوطن وفي العالم اجمع .
الاختراقات سببت للحزب كارثتين من اعتى الكوارث , وعرقلت مسيرة الحزب , وأعاقت
انتصاره وشتت أنصاره , ولو ان قيادات الحزب المتعاقبة عاقبت من تسببوا في
الكوارث , لكان الحزب حقق انتشارا اوسع باحتفاظه بنقاء قياداته .
ونتيجة لذلك فشلت بعض قياداته في منع انزلاقه في همروجة " اليسار " وغوغائية
شارع السبعينات . مع ان كل حرف من مبادئه وفكره وممارساته وتوجهاته يجسد
بامتياز ارفع معاني التقدمية ومحاربة الرجعية بصلابة .
وبدلا من ان تبرز القيادات هذا المسار التقدمي الالق في الحزب حاولت تبنى افكار"اليسار"
محاولة تحويله الى حزب " يساري " وهو ما كان يوما ولم يكن حزبا يساريا بالمعنى
التقليدي ليسار لانه تأسس واستمر حزبا قوميا اجتماعيا تقدميا . انه حزب العمال
والفلاحين والكادحين والمنتجين, بامتياز , قبل ان يولد اولئك " اليساريون " .
ولا تزال مبادئه هي هي نفسها خير تعبير على تقدميته التي لم تستطع قرارات اعلان
يسارية الحزب الغاءها . ( اذا كان لا بد للحزب ان يكون يساريا فله يساريته
الخاصة ).
ان وجود ثلاثة تنظيمات تحمل اسم حزب سعاده ليس فشلا لسعاده حتى ولو صار عددها
خمسين . انه فشل لبعض القيادات التي جاءت بعد سعاده , بفعل الامر الواقع ,
وبفعل الصراع على السلطة وبفعل " عقدة الرئاسة " وبفعل غياب الرجال , اكثر مما
هو بفعل خلل في الدستور والنظام , بل بعيدا عن الدستور , وبعيدا عن النظام .
انه فشل لمن ابتعدوا عن وحدة الحزب .
في ذكرى سعاده يتجدد الامل بوضوح الرؤيا وصدقها وتسليطها على الانتصارات
العظيمة التي حققتها النهضة عبر مسيرتها الطويلة , في قوافل الشهداء جميعهم –
وشهداء الاستشهاد النوعي خاصة – منذ تأسيس الحزب حتى اليوم . معلنين بافعالهم
العظيمة للعالم ان الاصالة اقوى من أي انحراف في مراكز القيادة , لان العقيدة
هي في نفوس المؤمنين وفي عقولهم وفي ضمائرهم وليست في ايدي القيادات التي
انحرفت ولم تستطع منع الاستشهاد . ولم تستطع منع اختيار " الموت طريقا للحياة
".
اول آذار يأتي حزينا مع اجراس " السلام " فيما " الحركة المعاكسة للحركة
الصهيونية" مغيبة عن الساح , غارقة في وحول الخصوصيات مبعدة عن محورها , تدور
حول محور بعيد بعيد عن محور الحركة المعاكسة للحركة الصهيونية , ويبقى القوميون
الاجتماعيون ابدا , شباب النهضة امل الامة الكبير ورجاءها المنتظر , في عقيدتهم
القومية الاجتماعية وفي مثلهم العليا المجسدة بالواجب والقوة والحرية والنظام
مع مركز القرار القومي ومع كل القوى العاملة للدفاع عن مصلحة الوطن والامة ضد
الصهيونية .
اجيال الحزب اليوم معظمهم ولدوا بعد اغتيال سعاده في تموز 1949 . انهم من
الاجيال التي لم تكن قد ولدت يوم خاطبها موجها نداءه " الى الاجيال التي لم
تولد بعد ". انها الاجيال التي تعمل هي ايضا للاجيال التي لم تولد بعد ,
الاجيال التي يرضع ابناؤها مع حليب الام هويتهم وانتماءهم وواجبهم نحو امتهم
كما رضعوها هم من امهاتهم قبلهم .
تحية الى سعاده في ذكرى ميلاده . وتحية الى كل المؤمنين بالعقيدة القومية
الاجتماعية وتحية الى كل الاجيال التي لم تولد بعد , لتكمل المشوار وتفرض
السلام لوطن لا يكون فيه اثر لمغتصب او محتل , وطن موحد من طوروس الى سيناء ومن
المتوسط الى البختيار .
( أعادت صدى النهضة نشر هذا المقال الذي سبق
أن نشر في جريدة "الديار" الغراء يوم الجمعة 1آذار 1996 والمصنف في أرشيفها
الخاص بأدبيات أول آذار – ما أشبه اليوم بالأمس ). |