صدى النهضة السورية القومية الاجتماعية                      www.ssnps.jeeran.com
 

تراثنـــا نبـــع حقائقنــــــــا  ..كما اليوم كما قبل 13 عاما
أول آذار يأتي حزينا

 
المحامي بشير الموصلي
 

اثنان وتسعون عاما انتهت منذ ولادته – اول آذار عام 1904 . أربعة وستون عاما مضت على تأسيسه الحزب السوري القومي الاجتماعي – السادس عشر من تشرين ثاني 1932 .
سبعة وأربعون عاما انقضت على استشهاده – الثامن من تموز عام 1949 :
القوميون الاجتماعيون والأعضاء في الحزب السوري القومي الاجتماعي يحتفلون اليوم بعيد ميلاد انطون سعاده مؤسس الحزب وباعث النهضة السورية القومية الاجتماعية في جهات الارض الاربع وفي القارات الخمس . وفي الأرض المحتلة في فلسطين المغتصبة وفي اسكندرون المصادرة وفي الاهواز المنسية .
بعد انقضاء هذه التواريخ كلها . وبما حفلت به من أحداث مرت على الوطن وعلى الحزب داخل الوطن , لم يعد الاحتفال بمولد سعاده محصورا بالعبارات العاطفية الصادقة والحارة مهما ابدعت وجسّدت ايمان القوميين بزعيمهم وثقتهم بامتهم وبانفسهم .
سعاده ليس " فتى الربيع " او " فتى آذار " فقط او ما في مثيلاتها من عبارات الود الحميم والحب الصادق لما يكنه له اعضاء حزبه بما يمثله في وجدانهم وفي نفوسهم وفي قلوبهم . انطون سعاده حضور دائم واستمرار في حركة عقائدية سياسية حققت عقائديا وجذريا وثوريا ما عجزت جميع الاحزاب عن تحقيقه خلال الستين عاما الماضية . الثقة والايمان بوحدة شعبه ووحدة الولاء والمرجعية في المجتمع . والعمل لتحقيق غاية واحدة واضحة .
ويجسد سعاده رؤيته وفكرته فيؤسس الحركة المعاكسة للحركة الصهيونية , لان السوريين يكونون قد تخاذلوا " اذا تركوا الصهيونيين ينفذون مآربهم ويملكون فلسطين " ومآربهم في فلسطين " سائرة اجراءاتها الى النجاح " ما لم تقم " حركة " معاكسة للحركة الصهيونية . ( يكتب في شباط عام 1925 ) .
بعد انقضاء هذه التواريخ تحفز ذكرى مولد سعاده , العودة الى ما انجزه سعيه لخلق هذه " الحركة المعاكسة " للحركة الصهيونية . حركة تؤمن بالحرية وتعتمد النظام والقوة والالتزام بالواجب لمحاربة الفوضى . " لان الفوضى لا تحارب بالفوضى بل بالنظام . ويحارب النظام بالنظـــام الافضل " . لان " تاريخنا الماضي يدلنا على ان موضع الضعف في حياتنا الوطنية هو هنا , أي في عدم وجود احزاب وجمعيات قومية , علنية كانت ام سرية , تضع نصب اعينها العمل بمبدأ القوة المنظمة " ( كتب في مجلة المجلة ايار 1925 ).
اعتمدت الصهيونية هذه الاستراتيجية لتحقيق اغراضها الاغتصابية الاستيطانية فأسست الجمعيات السرية القوية المنظمة وعلى رأسها " الماسونية " العالمية , كما اسست في الوقت نفسه الحركة السياسية القومية الدينية العلنية العالية التنظيم " الوكالة اليهودية " . وهكذا باعتمادها هذين الشعارين – القوة والنظام المتقدم حققت الصهيونية اطماعا واغتصابا , واعتدت على اصحاب الحق. وهكذا ايضا بتخلي اصحاب الحق عن هذين الشأنين خسروا حقهم وهُزموا وشُردوا .
بعد مرورهذه التواريخ يتوقف المؤرخون باحترام وتقدير عند استشراف سعاده الاخطار المحدقة بامته , والاحداث الخطيرة المقبلة عليها . والكوارث التي ستتعرض لها ما دامت مصالحها رهن الارادات الاجنبية . ومصيرها يقرره غيرها وتقرره الارادات الاجنبية " ان كل مقررات انترنسيونية تخالف ارادة الامة السورية وحقها في تقرير مصيرها ومصير وطنها بملء حريتها هي مقررات باطلة " " اني اعلن ان الامة السورية هي وحدها صاحبة الحق الطبيعي والشرعي في فلسطين , وانه ليس لغيرها ان يقول الكلمة الاولى والاخيرة في مصيرها ".
بعد مرور هذه التواريخ تتضح للمواطنين والدارسين الحقيقة المؤلمة . ليس حقيقة تخلي السوريين في الوطن السوري كله عن القوة العلنية والسرية وعن النظام فقط , بل حقيقة اهداف المحاولات الشرسة المتكررة للقضاء على الحركة الوحيدة في هذه الامة التي جعلت من الحرية والواجب والنظام والقوة مثلا عليا لها , للحفاظ على مصالح الامة وحماية مصيرها ومستقبلها ضد جميع الاخطار وفي طليعتها المخططات الصهيونية . فكان هدف تلك المحاولات الشرسة ,ولا يزال, ضرب القوة الشعبية الوحيدة الصامدة بوجه المخططات الصهيونية , من خلال الاسلوب العلمي القائم على مرتكزات قومية اجتماعية عصرية .
لم يكن حزب سعاده , الحزب الثوري الوحيد الذي وقف في وجه الصهيونية . فسعاده " لم ينكر على المجاهدين جهادهم في سبيل الوطن " واعترف للوطنيين المقاتلين والمدافعين باخلاص وبلا حدود من غير القوميين الاجتماعيين الذين قاتلوا وناضلوا من اجل التحرر والوحدة ومن اجل الاستقلال . ولكن حزب سعاده كان الحزب الوحيد في الوطن , الذي اعتمد القوة والنظام معا بحيث شكلت مسيرته نموذجا حيا يؤمن بانه لا قوة تستمر بدون نظام ولا فائدة من نظام لا يستند الى قوة . النظام يساعد على خلق القوة ويصونها وينميها , والقوة ترسخ مفهوم النظام وتحقق فعل النظام واغراضه .
واليوم نسأل : " هل فشل سعاده في تحقيق امانيه وآماله واحلامه وارادته بتوحيد امته ووطنه واستعادة ما اغتصب من اراضيه لان حزبه لم يتمكن من الانتشار الافقي – الكامل والوصول الى ارادة الشعب كله والتعبير عنها وخلق مجتمع واحد قائم على الوحدة لا على التعايش والتوازن , ام انه انتصر " ؟؟.
لا شك بأن سعاده انتصر حين اعاد الى شريحة كبيرة من شعبه ثقتهم بانفسهم وامتهم . كما انتصر بتحقيق المستحيل عندما احيا الا مل بتعاظم هذه الثقة من خلال المجتمع القومي الاجتماعي المصــغر " دولة الأمة السورية " المصغرة , واذ هو غاب الى الأبد غرس حزبا منتشرا في جميع أجزاء الوطن , وحيثما وجد في ارجاء العالم لبنانيون " وسوريون " وعراقيون وفلسطينيون واردنيون, محققا انتصارا ملموسا ومثلا حيا وقدوة عظيمة لما تستطيع ان تفعله وان تحققه في سبيل امتها ووطنها الاجيال التي لم تكن قد ولدت بعد , ومن رحم تلك الاجيال , شقت سناء ووجدي ومالك وجميع رفقائهم في الاستشهاد النوعي الطريق لتحيا سوريا .
واذا كان حزب سعاده لم ينتشر الانتشار الكافي والمامول , والانتشار بالوتيرة نفسها التي انتشرها قبل استشهاده , فذلك ليس فشلا لسعاده ولا للعقيدة التي اوجدها سعاده. لان فعل العقيدة لم يتوقف حتى اليوم . وظل مستمرا فاعلا بمستوى او بآخر , وبأمثلة حية وشواهد ناطقة حتى عند الذين تخلوا عن الحزب وابتعدوا عنه , وانخرطوا في احزاب اخرى , او انقطعوا الى اعمالهم الخصوصية .
الفشل في الانتشار الافقي المامول كان مرده الى الحرب الشرسة التي قادتها قوى محلية داخلية وقوى خارجية عظمى من جهة , والى فشل معظم قياداته خلال الخمسين عاما الماضية في تحصين الحزب ضد الاختراق وضد الانزلاق وضد الانشقاق . ومن جهة ثانية في الابتعاد عن النظام وفي التكلس حول التشريع الناقص المتخلف عن مواكبة التطورات في الوطن وفي العالم اجمع .
الاختراقات سببت للحزب كارثتين من اعتى الكوارث , وعرقلت مسيرة الحزب , وأعاقت انتصاره وشتت أنصاره , ولو ان قيادات الحزب المتعاقبة عاقبت من تسببوا في الكوارث , لكان الحزب حقق انتشارا اوسع باحتفاظه بنقاء قياداته .
ونتيجة لذلك فشلت بعض قياداته في منع انزلاقه في همروجة " اليسار " وغوغائية شارع السبعينات . مع ان كل حرف من مبادئه وفكره وممارساته وتوجهاته يجسد بامتياز ارفع معاني التقدمية ومحاربة الرجعية بصلابة .
وبدلا من ان تبرز القيادات هذا المسار التقدمي الالق في الحزب حاولت تبنى افكار"اليسار" محاولة تحويله الى حزب " يساري " وهو ما كان يوما ولم يكن حزبا يساريا بالمعنى التقليدي ليسار لانه تأسس واستمر حزبا قوميا اجتماعيا تقدميا . انه حزب العمال والفلاحين والكادحين والمنتجين, بامتياز , قبل ان يولد اولئك " اليساريون " . ولا تزال مبادئه هي هي نفسها خير تعبير على تقدميته التي لم تستطع قرارات اعلان يسارية الحزب الغاءها . ( اذا كان لا بد للحزب ان يكون يساريا فله يساريته الخاصة ).
ان وجود ثلاثة تنظيمات تحمل اسم حزب سعاده ليس فشلا لسعاده حتى ولو صار عددها خمسين . انه فشل لبعض القيادات التي جاءت بعد سعاده , بفعل الامر الواقع , وبفعل الصراع على السلطة وبفعل " عقدة الرئاسة " وبفعل غياب الرجال , اكثر مما هو بفعل خلل في الدستور والنظام , بل بعيدا عن الدستور , وبعيدا عن النظام . انه فشل لمن ابتعدوا عن وحدة الحزب .
في ذكرى سعاده يتجدد الامل بوضوح الرؤيا وصدقها وتسليطها على الانتصارات العظيمة التي حققتها النهضة عبر مسيرتها الطويلة , في قوافل الشهداء جميعهم – وشهداء الاستشهاد النوعي خاصة – منذ تأسيس الحزب حتى اليوم . معلنين بافعالهم العظيمة للعالم ان الاصالة اقوى من أي انحراف في مراكز القيادة , لان العقيدة هي في نفوس المؤمنين وفي عقولهم وفي ضمائرهم وليست في ايدي القيادات التي انحرفت ولم تستطع منع الاستشهاد . ولم تستطع منع اختيار " الموت طريقا للحياة ".
اول آذار يأتي حزينا مع اجراس " السلام " فيما " الحركة المعاكسة للحركة الصهيونية" مغيبة عن الساح , غارقة في وحول الخصوصيات مبعدة عن محورها , تدور حول محور بعيد بعيد عن محور الحركة المعاكسة للحركة الصهيونية , ويبقى القوميون الاجتماعيون ابدا , شباب النهضة امل الامة الكبير ورجاءها المنتظر , في عقيدتهم القومية الاجتماعية وفي مثلهم العليا المجسدة بالواجب والقوة والحرية والنظام مع مركز القرار القومي ومع كل القوى العاملة للدفاع عن مصلحة الوطن والامة ضد الصهيونية .
اجيال الحزب اليوم معظمهم ولدوا بعد اغتيال سعاده في تموز 1949 . انهم من الاجيال التي لم تكن قد ولدت يوم خاطبها موجها نداءه " الى الاجيال التي لم تولد بعد ". انها الاجيال التي تعمل هي ايضا للاجيال التي لم تولد بعد , الاجيال التي يرضع ابناؤها مع حليب الام هويتهم وانتماءهم وواجبهم نحو امتهم كما رضعوها هم من امهاتهم قبلهم .
تحية الى سعاده في ذكرى ميلاده . وتحية الى كل المؤمنين بالعقيدة القومية الاجتماعية وتحية الى كل الاجيال التي لم تولد بعد , لتكمل المشوار وتفرض السلام لوطن لا يكون فيه اثر لمغتصب او محتل , وطن موحد من طوروس الى سيناء ومن المتوسط الى البختيار .



( أعادت صدى النهضة نشر هذا المقال الذي سبق أن نشر في جريدة "الديار" الغراء يوم الجمعة 1آذار 1996 والمصنف في أرشيفها الخاص بأدبيات أول آذار – ما أشبه اليوم بالأمس ).

مقالات أخرى للكاتب

  1. تراثنـــا نبـــع حقائقنــــــــا ..كما اليوم كما قبل 13 عاما  ..أول آذار يأتي حزينا 27/02/2007

  2. موجــز لتاريـخ " الحزب السوري القومي الاجتماعي "1932-2006
  3. "خلاصات الحرب"الأحزاب حققت معناها 18/10/2006

  4. " شهــــداؤنا يمثلــــون طليعـــــة انتصاراتنــــــا " سعاده" والشهيد الحبيب " حي في قلوبنا وذاكرتنا 06/10/2006

  5. من كان في الخارج لا يحق له الكلام عن الداخل عدم الانتظام انهزام ليس بديلا للالتزام 21/09/2006

  6. الدماء الوديعة في العروق وحدها تدمر الدروع , لا تحارب الفوضى بالفوضى بل بالنظام 03/08/2006

  7. الاعتباط والاختلاط في عقل جنبلاط ,شخصية خشبية فقدت الأحاسيس الوطنية ,جنبلاط – الخدام مــنبت واحــــد 31/07/2006

  8. المقاومة فرضت توقيتها على " إسرائيل " والمعارك كشفت فضائح العدو والموساد 27/07/2006
  9. عوامل انهيار المؤسسات في الأحزاب ! 15/07/2006
  10.  " التاريخ إن حكى " وعندما حكى استمع له عشرات الألوف 11/07/2006
  11. لماذا لا توضع معايير لظهور القوميين على الشاشة د. ربيع الدبس نموذج مثالي
  12. تمــــــوز ..نبـع دمـاء لا يـزال يـروي العطشـى ..نصف قرن من العطـاء المتدفـق الحزب لا ينتـه بموت شخص
  13. " إعلان دمشق / بــــيروت "استعراض لبناني إعلامي للهجوم على الشام
  14. إعلان " دمْشَـــروت " إعلان بيروت – دمشق / إعلان دمشق – بيروت
  15. الأخطاء لا تعالج بالأخطاء والاعوجاج لا يقوم بالاعوجاج 20/05/2006
  16.  أبو جاعور و زلمان جنبلاط  وحدة المسارين الجنبلاطي – الإسرائيلي
  17. لــــن يذهــــب العــــراق بعـــــيدا
  18.  " الروبوت " الذي دمّر صاحبه 11 أيلول – القنبلة المرتدة الصاعق الذي اغتال مصطفى العقاد صنع في أمريكا .
  19. مع النبلاء في " قصر النبلاء " الاحتفال الـ 74 لتأسيس الحزب السوري القومي الاجتماعي بدموع الفرح تعانق الرفقاء بعد غياب نصف قرن
  20. كراس للرد على انتقاد مذكرات الأمينة الأولى
  21.  بين سطحية التعليل وضحالة التضليل كتاب الرد على مذكرات الأمينة الأولى " مــــن خلّـــف ما مــــات "
  22. علي حمية وراء القضبان والشبح لا يزال فلتان النظام اللبناني الجديد يكيل بمكياليـن
  23. رسالة مفتوحة إلى يوسف الأشقر
  24.  " الدفاتر العتيقة " سلاح المفلس التوقيع باسم " رؤى ثقافية " تصرف جبان
  25.  النقد من اجل النقد يؤزم ويخرب ولا يصحح ولا يقوّم
  26. (( اغتيال سعاده )) و (( مصرع رياض الصلح )) على قناة الجزيرة
  27. متى يرتفع ((الإعلام )) إلى مستوى المرحلة ومتى يواكب الخطاب ((الإعلامي )) خطاب الرئيس
  28. القوميون الاجتماعيون في الجبهة الوطنية التقدمية امتحـــان أم ارتهـــــان
  29. " حزب سعادة " لا يعرف الأزمات "  
  30. وليد بك فيتزجيرالد و بيتر جنبلاط  
  31.  الحزب بين التشتيت والتفتيت  
  32.  (( الانشقاق )) استنتاج خاطئ في موضوع غامض  

www.ssnps.jeeran.com

إن جميع المقالات التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع