الإيديولوجيا والديمقراطية
شهد القرن العشرون انتصار الإيديولوجيا ثم لما يبدو هزيمتها. هل يشهد القرن
الواحد والعشرون انتصار الديمقراطية؟ ثمة فارق أساسي بين فكرة الديمقراطية
وفكرة الإيديولوجيا، بل قد تظهران من وجهة نظر معيّنة، على طرفي نقيض.
فالديمقراطية تتيح الفرصة لاجتهادات جديدة باستمرار، ولعدم التسليم بأن ما هو
مقرّر، مقرّر بصفة نهائية. بل إن كل فكر قابل للتجديد والإثراء والتلوين
والانفتاح على آفاق أوسع نطاقا وأبعد مدى. بينما الإيديولوجيا تتجه إلى تكريس
مفاهيم معيّنة، والى طبعها بطابع شمولي، والى اعتبارها حقائق لا تقبل الطعن.
إن الديمقراطية تبحث باستمرار عن متغيرات جديدة بينما الإيديولوجيا تكرّس ثوابت
معيّنة وبهذا المعنى فقط فإنهما على طرفي نقيض.
يمكننا أن نقول إن ثورة المعلومات أتاحت فرصة للتجديد المستمر لتصوّر الإنسان
عن عالمه المحيط، ومن شأن ذلك توجيه ضربة في الصميم إلى الجمود الفكري وبشكل
أعم إلى الفكر الشمولي، الذي يقرر للواقع صورة نهائية تتعارض مع التجديد.
لكن ثورة المعلومات هذه لم يكن بالإمكان أن تحدث لولا الإنجازات العصرية في
مجال التكنولوجيا وتطبيقاتها في المعلوماتية والاتصالات الإلكترونية، إذ انبثق
عنها ما يمكن أن نسميه الذكاء الجمعي، حيث كل ما يمكن اكتشافه في مجال ما أصبح
متاحاً للجميع، وبدأ يتشكل بناء تراكمي للمكتشفات و الإجتهادات على نحو يحقق
للجماعة البشرية، أو على الأقل للجزء المتقدّم منها، تضامناً في البحث العلمي
وتكاملاً لم يكن لهما مثيل من قبل.
يمكن القول أن الديمقراطية أكثر ملاءمة لعالم ثورة المعلومات من عالم العقائد
الشمولية وعالم اليقينات الإيديولوجية كما سادت في القرنين 19 و 20 . وقد يقال
أن فكرة الديمقراطية تناسب المجتمعات المتقدمة ولا تتناسب مع المجتمعات
النامية، الساعية إلى اللحاق بها، ومن هذه الوجهة تجد نفسها مضطرة بقبول قيم لا
تنبع بشكل طبيعي وتلقائي من مجتمعاتها، إنما هي قيم منبثقة من مجتمعات أخرى،
ومن إرث ثقافي مختلف. وهذا يعرّض التسابق من أجل اللحاق بها إلى تشويهات شتّى،
ويشجّع النظر إلى فكر الآخر كفكر دخيل وعنصر اضطراب من شأنه أن ينال من الذات
ومن الهويّة، بدلا من أن يكون مصدرا للإثراء الفكري ودافعاً لتنشيط تبادل
الأفكار.
أي أنّه ليس من المسلّم به، أن المجتمع الدولي بأسره سوف يسعى جديّاً إلى تبنّي
قيم الديمقراطية، بل هناك ما يشير إلى أن الديمقراطية ستظل حكراً وتمييزاً لمن
يجدون أنفسهم بحاجة متجددة للفكر الخلاق المبدع، والكفيل بخوض المنافسة الشرسة
بين أكثر المجتمعات تقدماً.
هل يمكن القضاء على الإيديولوجيا؟ محال! فالإنسان منذ أن وجد وهو لا ينفك يطرح
أسئلة وما زالت تتكرر حتى الآن: من أين أتى؟ ولماذا هو هنا؟ وماذا سيحل به؟
وكيف يجب أن ينظّم حياته؟ وهذا البحث في الوجود أدى إلى ظهور العقائد التي
ستبقى، كون الإنسان ما زال يطرح الأسئلة ويبحث عن أجوبة لها.
والتكنولوجيا كونها علما فهي تطبّق قوانين الطبيعة التي هي قوانين حتمية، أي
أنها تُطبّق 100%. بينما قوانين علم الإنسان هي قوانين احتمالية، وفقط تكرار
الحالة بنسبة عالية يجعل منها قانونا. وهنا كان مطب الماركسية التي أرادت أن
تطبق قوانين الطبيعة الحتمية على الإنسان.قوانين علم الإنسان تفترض وجود
الاحتمالات أي البدائل
وهذا ما قاله أنطون سعادة من انه يجب اختيار البديل المناسب إن كان ظاهراً، أو
كامناً وتنشيطه. إن ارتفاع مستوى الوعي لدى المجتمع هو الذي سيسمح باختيار
البديل الأنسب.
(عودة )
من نحن؟
يعرّف الناس أنفسهم من خلال النسب والدين واللغة والتاريخ والقيم والعادات
والمؤسسات الاجتماعية، ويتطابقون مع الجماعات الثقافية ومع الحضارات على مستوى
أكبر.
إن الهوية الثقافية فرضت نفسها في العالم الحديث كالأكثر أهمية بالنسبة لمعظم
الناس. وسابقا كان تعريف الهوية يعتمد على المقارنة مع الآخر، أي أننا لا نعرف
من نكون حتى نعرف من ليس نحن، وكان ذلك يتم غالبا عندما نعرف نحن ضد من. هذه
الرؤية العدوانية تجاه الآخر أعاد صياغتها من جديد هانتغتون Samuel P.
Huntington في كتابه عن ما يسميه صراع الحضارات، حيث العنف والمجابهة هما
الأساس في بناء وبقاء الحضارات. وحسب رأيه فإن الغرب قد استطاع أن يكسب العالم
ليس فقط بسبب تفوق أفكاره أو قيمه أو دينه، إنما بالأحرى بسبب تفوقه في تطبيق
العنف المنظم. هناك في هذا النوع من الخطاب على فقره المعرفي نوع من التمويه و
التبسيط البدائي. لأنه ما من صراع ثقافي بالمعنى الإبداعي والعميق للكلمة قد
ظهر يوما بين الشرق والغرب، أما بالنسبة للتمويه فهو يتأتى من الإصرار على
الرغبة في نسيان بشاعة العالم التي تجد جذورها في القهر والفقر والتخلف. كما
أنه يتأتى من استخدام فاسد للتقنيات، ومن التنافس المسعور من أجل التحكم
بالعالم. إنه خطاب تبشيري بالسيطرة الاقتصادية الكاملة وبتحويل العالم إلى سوق
وحيدة تديره قوة وحيدة. إن الأخذ بهذه الرؤية يقود إلى مزالق خطيرة، ورؤيتنا
للعالم يجب أن لا تنطلق من مبدأ "نحن وهم" بل من مبدأ "نحن معهم".
إن المفهوم تضمن في كثير من الأحيان مفهوما" عرقيا" ، والكلمة الأجنبية مشتقة
من اللاتينية Natio والتي تعني العرق أو الجنس أو القبيلة. كما أن موضوع تذويب
الفرد في مجتمع بحيث لا يكون له قيمة بذاته بل فقط ضمن مجتمعه هو من المفاهيم
التي ظهرت في عصر التنوير في أوروبا .
كارل مانهايم في كتابه "الأمة واليوتوبيا": "يكون المجتمع ممكنا لأن أبناءه
يحملون في رؤوسهم صورة مشتركة عن هذا المجتمع تاريخاً وحاضراً ومستقبلا، صورة
تصنع وعيا عاماً.. إننا ننتمي إلى جماعة ما ليس فقط لأننا ولدنا فيها، ولا
لأننا نعترف بالانتماء إليها، ولا لأننا نمنحها ولاءنا وإخلاصنا، بل لأننا
أساساً نرى العالم وأشياء بعينها في العالم بطريقة واحدة هي طريقة هذه
الجماعة.."
(عودة )
نشأة الدولة-الأمة
وجد الإنسان على الأرض فردا وعائلة بتنظيم اجتماعي بسيط .كان يجني ويصطاد ليأكل
لم يكن يشكل أي بنية اجتماعيه ولا يمارس أي نشاط اقتصادي وكونه كائن عاقل نظر
إلى ما حوله وسعى لتشكيل حياته بطريقة أفضل فزرع الأرض وربى الحيوانات بدلا من
الاكتفاء باصطيادها. وهكذا بدأت التجمعات البشرية بالظهور وأصبح الفرد يتبع
لعشيرة وقبيلة وثبت في أرض معينه، ومع تطور هذا الأسلوب في الحياة ظهرت المدن
واقتضى تنظيم الحياة فيها نشوء الدولة-المدينة.
وكان التحول من الدولة-المدينة إلى الدولة-الأمة استجابة لمقتضيات اجتماعية
اقتصادية، بالإضافة إلى انه كان خطوة أولى على طريق حضارة التصنيع، أي التحول
من الكيان المحلي، الزراعي أو الرعوي النمطي المحدود إلى دولة أكبر حجما تتوفر
لها إمكانيات بشرية واقتصادية تتجاوز عامل الجنس أو الدم أو غير ذلك من عوامل
ترابط المجتمع التقليدي إلى عوامل توصف بأنها عناصر الهوية القومية. ومثلما
قدمت هذه البنية الجديدة حلولا لمشكلات سابقة وصاغت إطاراً جديداً للانتماء
كذلك اشتملت على أسباب للتوتر الاجتماعي. واقترن عصر التصنيع دعما للقدرات
الاقتصادية بنهضة فكرية تعليمية ونشأت في رحمه المؤسسات الاجتماعية التشريعية
والتنفيذية والقضائية التي اعتبرت سلطات سيادية مستقلة. ومع تزايد تعقد البناء
الاجتماعي ظهرت بنى جديدة اقتضتها ظروف التطور من نقابات وأحزاب وهيئات مدنية
وغيرها وذلك ضمن إطار قومي يدور في داخله الصراع والتنافس ولكن باسم الأمة
القومية ووفاء لمصالحها حسب رأي كل فريق.
وهذه النقلة الارتقائية خرجت بالإنسان من إطار الذوبان في النسيج إلى إطار
التميز والفردية أو إطار الذاتية المستقلة. وأصبح مجتمع الصناعة مجتمع الحرية
الفردية والإرادة الفردية والمشاركة الفردية في بناء المجتمع. وتعززت مفاهيم
العقل والوعي لدى الإنسان الفرد بحيث أضحت هذه العناصر هي مقومات وأسباب وشروط
مجتمع الحداثة والتحديث. ويتميز هذا المجتمع بأنه مجتمع ثورة دائمة على عكس
المجتمع الزراعي أو الرعوي الذي يتصف بالنمطية والتقليدية. وأصبح المجتمع
الديمقراطي الصناعي في حركته الزمانية مجتمع الفعالية الاجتماعية الحرة
للإنسان/المواطن المشارك في إدارة شؤون أمته. ولم يعد مقبولا بناء هيكل اجتماعي
يشتمل على مؤسسات زخرفيه باسم الديمقراطية. وإنما الشيء الوحيد المقبول هو تحول
حضاري يفضي إلى بناء مجتمع وإنسان جديدين قادرين على البقاء والتحدي والتعاون
والتنافس لبناء حضارة عمادها تحول ثوري مضطرد وإبداع فكري ثري دائم التغيير
وابتكار تكنولوجي متسارع.
ولعل اليابان التي انتصر تيار العقلانية فيها هي التي تمكنت من مواجهة تحديات
التحديث مع تأكيد أصالتها الإبداعية وعرفت أن التحديث ليس تغريبا بل هو سبيل
الأمة لتأكيد ذاتها.
لقد قضت مجتمعاتنا قرونا طويلة أسيرة ظلام فكري واستبداد سياسي محلي وخارجي.
عاشت قرونا مغتربة عن ذاتها أسيرة كيانات محلية ضيقة محدودة. ودعمت سلطاتها
الحاكمة نزعة الانتماء العقدي الذي مارست في ظله وباسمه الاستبداد المجحف. لذا
لا تحمل هذه المجتمعات رصيدا من التاريخ السياسي أو الحراك الاجتماعي الذي يهيئ
لها قوى دفع ذاتي ورؤى مستقبلية وإمكانات لتحول حضاري يماشي العصر. إن التراث
الذي تحمله هذه المجتمعات هو تراث التشتت والمحلية الضيقة والنظام الاجتماعي
المغلق وثقافة الانكفاء على الذات. وهي ما زالت رغم محاولات التغيير الظاهري
لتحمل مظاهر الدولة من الخارج امتدادا لنظام القبيلة أو الدولة-المدينة حيث
القرار السياسي شأن فردي خاص بالحاكم وحيث المؤسسات الدستورية إن وجدت إنما
تعتمد نهج التفويض لصاحب السلطان.
إن عقودا طويلة من ممارسة القمع والديماغوجيا وتعميم العلاقات الشخصانية في ظل
استراتيجيات تنموية استهلاكية عززت علاقات التبعية مع الخارج وعمقت اغتراب
المواطن عن وطنه. وقضت في المحصلة على مبادرات الجماهير وعممت سلبيتها.
وأصبحت الدولة هي المثقِّف وهي الصانعة المنتجة للوعي الاجتماعي والمحددة
لإطاره. وأصبح المثقف تابعا عاجزا عن المواجهة والتحدي أو التعالي على ذاته.
وأضحت الثقافة والتعليم والإعلام أدوات لخدمة السلطة ولصوغ عقلية ونفسية
المواطن "الصالح" المؤمن بفضيلة الطاعة، وليس الهدف بناء الإنسان حضاريا ولا
إنجاز استراتيجية تنموية شاملة تنقض التخلف الاجتماعي والفكر التقليدي، وذلك
حتى لا تفلت السلطة من يدي القابضين عليها. ويتجلى هنا تمركز السلطة وتقديس
الفرد الحاكم مما يتناقض تماما مع مبدأ المجتمع الديمقراطي، ويجسد لنا علة
أساسية من علل التخلف وإعاقة التطوير. ولهذا أيضا ترسخت عبر التاريخ علاقة
تحالف استراتيجي بين الديني والسياسي وكلاهما تقليدي محافظ. وهكذا نجد التقليدي
ممتد عضويا في التاريخ الاجتماعي نظرا لامتداد التخلف الحضاري، ويفرّغ التقليد
كل جديد من مضمونه الثوري وان حافظ على الشكل. وإذا سمحت السياسات الرسمية
ببزوغ تيارات عقلانية فيبقى ذلك ضمن حدود مرسومة لا تؤثر على الإطار التقليدي
العام مما يجعلها تحولات شكلية.
إن فكرة الديمقراطية الممكنة في البلاد النامية لا تزال تتحدد سلبا إذا نظرنا
إليها من موقع مختلف الفئات الاجتماعية، وذلك لأن مصالح هذه الفئات الاجتماعية
غير واضحة في وعيها ولا تتجسد في سلوكها إلا من خلال أشكال وجودها الاجتماعية
ذات الطابع الأهلي مثل العائلة أو العشيرة أو القبيلة أو القوم أو الطائفة أو
المذهب.. حتى الرأسمالية في هذه البلاد لم تؤدِ إلى صهر البنية الاجتماعية على
قاعدة وطنية فبقيت البنى الأهلية والانتماءات التي تحكمها العلاقات الشخصانية
هي السائدة في المجتمع تلعب فيه دورا انعزاليا على الضد من مصلحة رأس المال
وعلى الضد من المصلحة الوطنية.
الخيار الديمقراطي ضروري وهو الذي سيساعد على صهر البنية الاجتماعية. وسيعيد
هيكلة البناء الاجتماعي بحيث يضعف تأثير الأشكال الأهلية للوجود الاجتماعي التي
تقسم البنية الاجتماعية شاقولياً لصالح تعزيز الأشكال المدنية للوجود الاجتماعي
التي تقسم البناء الاجتماعي أفقيا. والى أن تتحول الطبقات والفئات الاجتماعية
والأحزاب السياسية إلى عامل توحيد وتماسك للمجتمع.
في مرحلة الاستعمار كانت الروح الوطنية عالية ومتيقظة وكانت للحرية الفردية
طعماً مستساغاً وكانت المنظمات المدنية فاعلة ، وبالتالي لم يكن للمرجعيات
الطائفية والعشائرية والعائلية والجهوية أهمية تذكر في الحقل السياسي. غير أنه
في العقود التالية ونتيجة تزايد ضغط الدولة على المجتمع ونمو طابعها الأمني
وتفاقم الأزمات الاجتماعية والاقتصادية والقضاء على الحريات وتخريب القضاء
وتعميم الديماغوجيا وانتشار الفساد حتى تحول إلى أسلوب في الإدارة، كل ذلك أنعش
موضوعيا الأطر العائلية والطائفية والمذهبية باعتبارها ملاذا للمواطن يؤكد من
خلالها شخصيته ويحقق أمنه. إن سياسة الإفساد وتعميمه كأسلوب في إدارة وضبط
المجتمع بالإضافة إلى تعميم العلاقات الشخصانية، وتفعيل الطائفية والمذهبية
وغيرها من البنى الاجتماعية ذات الطابع التفتيتي في الحقل السياسي كل هذا خرّب
شخصية المواطن إلى حد بعيد.
إن المجتمع الديمقراطي بكل مقومات تحول البنى القائمة فيه، وبالفعالية
الإنتاجية الإبداعية، وبكل أركانه ودعاماته من حرية فكر وتعبير ثم إبداع وحق في
التغيير، هو الأساس الصحيح للمناعة الثقافية في مواجهة كل المحاولات المعادية
التي تستهدف زعزعة الذات الجمعية، وهي الأساس الراسخ لوجود اجتماعي مكين
ولإنسان مبدع واع وحضاري صاحب عقل وفعل جديدين.
وبات واضحا أن هذا الشرط الموجب لزوما للتحول الحضاري يزداد إلحاحا وحيوية أكثر
من ذي قبل.
لكن هناك جانباً خطيراً في هذه المعادلة يجب أن نعيه بدقة، وهو أن الغرب فرض
بشكل أو بآخر منهجه في التقدم، هذا النوع من التقدم الذي أولى الاهتمام
بالمواطن قبل الاهتمام بالإنسان. وركّز على مهارات الفرد دون التركيز على
ضميره. علينا أن نختار مزيدا من المساواة ومزيدا من الكرامة والعدالة للإنسان،
فالتقدم يجب أن يكون مرتبطا بهذه الغايات لأن الهدف النهائي هو أن تعيش
الإنسانية حياة كريمة، مما يتطلب إعادة صياغة مفهومنا عن دور المعارف، بحيث لا
تقتصر مطالبتنا على حقوق الإنسان بل يجب الانتقال إلى تأكيد غاياته. ونحن بحاجة
إلى الشجاعة اللازمة للتصدي لكل ما يعوق هذه الغايات وهي: المعرفة والعمل
والأمل.
إن أزمة العقل الغربي تكمن في توقفه عند أفكار الحرية والمساواة والإخاء وعدم
انتقاله إلى آفاق العلاقة بين المعرفة والعمل والأمل بالنسبة للإنسان المعاصر،
وهي الآفاق الضرورية لإضفاء البعد الإنساني على الفضاء القانوني المجرّد،
ولإزالة حالة القلق والشك وشعور الكرب والحيرة التي تنتاب إنسان القرن الحادي
والعشرين بالنسبة لمستقبل وجوده ومستقبل الأرض. فنحن نلاحظ أن التقدم في ميدان
الاقتصاد والمعارف والتقنيات لم يرافقه تقدم للإنسانية كقيمة روحية معنوية
ولمنظومة القيم التي أساسها احترام الحياة والكرامة الإنسانية.
(عودة )
الحركة الديمقراطية:
في القرن 19 ظهر التطور الديمقراطي الذي وجّه اهتمامه للشعب. والمقصود بالشعب
هنا المجموع البشري. وفيما بعد أصبح هذا التعبير يستعمل للدلالة على الطبقة
الأوسع أو الطبقة الشعبية، التي بدأت تشغل محور الاهتمامات الفكرية، العلمية،
السياسية والأدبية. وكان هذا التحرّك بمثابة رد فعل ضد المفاهيم الأرستقراطية
والملكية. لأن الحياة الفكرية والأدبية والفنية كانت في فرنسا وألمانيا في
القرن 18 مرتكزة على البلاط الملكي ومرتبطة فيه.
وكذلك الحال من الناحية السياسية، ففي القرنين 17 و18 كان يتم تبادل الشعوب بين
الملوك والأمراء تبعاً لمصالحهم وكأنها قطعان من الغنم. أما الدول فكانت تدار
وكأنها مؤسسات خاصة بهدف تحقيق أكبر ربح وقوة للأمراء الذين يحكمونها. وأصبحت
بعض المقاطعات مثل هولندا وبلجيكا وبعض المقاطعات الإيطالية تستعمل كعملة
للتبادل في معاهدات السلام التي كانت تُوقّّع في حينه، وذلك دون الأخذ بعين
الاعتبار برغبة ومصالح الشعوب.
كان كل شيء من توسع وسيطرة وثروة يصب في خدمة طبقة محدودة وصغيرة محصورة في
البلاط والطبقة الأرستقراطية دون أن ينال الشعب شيئا منها.
وبدأت الأفكار الديمقراطية في القرن 18 على المستوى الفكري وفيما بعد على
المستوى العملي عبر الثورة الفرنسية، حيث ظهرت في حينه فكرة المساواة بين جميع
أفراد الشعب، وأن قيمة الفرد تكون حسب الخدمات التي يقدمها للمجموع. وأصبحت
الحياة الاجتماعية متمحورة حول سعادة الشعب ورفاهيته. كما أصبحت الحروب
والغزوات ليست لمجد وقوة الملك، لكن من أجل غنى وأمن الشعب. وصار هذا التوجه
عالمياً.
لقد كان التوجه في زمن العشائر والقبائل يقول إن قيمة الفرد مستمدة من العائلة
وبشكل أعم من القبيلة، وتمت المحافظة على هذا المفهوم لاحقا خاصة في الأحزاب
الشمولية التي كانت تؤكد على ضرورة الانصهار ضمن الجماعة وبشكل أعم الأمة
القابضة على كل شيء. وبدأ هذا الطرح مع جان جاك روسو الذي قال: "إن حياة
المواطنين ليست فقط عطاء من الطبيعة، ولكنها أيضا هبة شرطية من الدولة.
فالمجتمع الذي أعطانا الحياة يحق له شرعا أن يستردها" وورد ذلك في كتابه العقد
الاجتماعي ج2 –5.
ولم يستعد الفرد كفرد قيمته وإنسانيته إلا في العصور الحديثة بعد أن تحرر من
النظم التسلطية، وأصبحت الفرادة والتمايز شروطا ضرورية في النسيج الاجتماعي
السليم، وأساسا لنموه وتطوره. إن إلغاء الفرد لمصلحة المجموع كان الشعار الذي
برر عبره كل الطغاة غيّهم وعسفهم. والمقارنات غير الموضوعية مع النمل والنحل
تنم عن ضعف في التحليل والمعرفة. ومن البديهي أن الإنسان مختلف عن الحيوان
وبالذات عن الحشرات. وهذا النظام البديع الذي تغنى به المنظّرون الذين يريدون
تحويل المجتمع إلى خلية نحل هو كابوس صرف بالنسبة لأي عاقل يحترم فرادة الإنسان
وفكره. النظام الاجتماعي و الحزبي لا يكون بتحويل الإنسان إلى مجرد آلة تنفذ
دون نقاش أو تفكير أوامر تصدر إليها، ودون أن يكون لهذا الإنسان رأي بالقرار أو
صلة بصناعته. وغني عن التذكير إن الاختراعات والاكتشافات الخطيرة في تاريخ
البشرية كانت نتاجا للفرد أولا وآخراً، وإن عمل هذا الفرد ضمن مؤسسة معينة.
ويجب أن لا نقع في مطب ترديد الشعارات ونقول: الديمقراطية هي الحل! وكأنّها
وصفة محددة العناصر محدودة المجال، صالحة للتطبيق وجاهزة للنقل من مجتمع إلى
آخر، لأننا سنجد أننا نتعامل حينها مع إجراءات شكلية وزخارف فارغة. لا يمكن أن
نتجاوز بهذه السهولة منطق التطور التاريخي للمجتمعات وخصوصيتها الثقافية
والحضارية. إن الديمقراطية السياسية ليست ظاهرة منفصلة أو كيانا مستقلا، وهي
قطعا ليست فقط إجراءات وتدابير هيكلية تتعلق بنظام إدارة وحكم المجتمع والعلاقة
المتبادلة بين عناصر السلطة السياسية وصنع القرار. صحيح أن الديمقراطية في
الممارسات الاجتماعية تضفي المشروعية على الحياة والأحكام السياسية الحديثة.
لكن الوصول لهذه النتيجة غير النهائية جاء ويجئ عبر صراعات وتحولات اجتماعية
مكثفة، ومن ثم تحولات في المفاهيم والإجراءات والبنى القائمة وصورة الإنسان
داخل المجتمع. ولهذا تنوعت تعاريف وأشكال الديمقراطية من ديمقراطية المشاركة
إلى الديمقراطية الليبرالية أو النيابية، وهناك ديمقراطية الحزب الواحد الذي
يرى أنه هو المعبّر عن مصالح الشعب عامة ويقدّم مرشحيه إلى الناس لانتخاب من
يرونه الأصلح في نظرهم. وظهرت في دول العالم الثالث ما يمكن أن نسميه ديمقراطية
الموافقة أو التفويض ، وهذا شكل يتنافى مع المحتوى الحقيقي لمفهوم الديمقراطية
حتى بالمعنى السياسي الخالص.
نحن نرى أنه من الضروري التأكيد على نقاط أساسية وهي أن الديمقراطية ليست قاصرة
على الشكل السياسي أو الإجرائي، إنما تشمل وفي تكامل تام كل أشكال أنشطة الحياة
والبشر.
أي أننا نسعى إلى المجتمع الديمقراطي خالصاً، مع التأكيد على الدلالة التطورية
للمجتمع في الزمان والمكان، وأن المجتمع الديمقراطي وليد مرحلة تطورية بذاتها،
ولها شروطها الموضوعية التي تصنع بيئة ومناخا وذهنية عامة، وتصنع مؤسسات
اجتماعية تشكّل جميعها ثقافة اجتماعية تكون مكمّلة للآلية السياسية وداعمة لها
وكفيلة وضامنة. الديمقراطية إذن نهج يبرز إلى واقع الحياة تعبيرا عن حاجة
اجتماعية، ويقتنع الجميع أن في هذا النهج الوسيلة الأوفق لحل المشاكل القائمة.
(عودة )
كيف نفهم الديمقراطية؟
منذ النشأة الأولى للمجتمعات البشرية ظهرت الحاجة إلى نشوء سلطة قادرة على
تسيير شؤون هذا التجمع، أكان ذلك في توزيع المهام والأعمال أو من حيث توزيع
الطعام والمأوى.
ومع ازدياد تعقيد وتطور هذه التجمعات و أخذها شكلاً أكثر رقياً في سلم التطور
الاجتماعي، بدأت إشكاليات نشوء السلطة وإشكاليات تطبيق هذه السلطة بالظهور.
في مرحلة الدولة- المدينة كان من السهل جمع شمل السكان في المعبد أو ساحة
المدينة للتداول بأمر ما ولاتخاذ قرار بخصوصه. ولكن مع ازدياد عدد السكان وعدم
القدرة على جمعهم في مكان واحد أصبح لزاماً اختيار من يمثلهم ويتكلم نيابة
عنهم. وهكذا نشأ موضوع الإستنابة والتمثيل مع ما يطرح ذلك من شروط حول المرشح
وكيفية اختياره، والى أي حد ومدى يمكنه التأثير على اختيار الحاكم، ودوره في
السلطة واتخاذ القرارات.
والواقع أن ذلك خلق إشكالا حول شروط المرشح أو بمعنى آخر المصافي التي وضعها
النظام في وجه جماعة أو شخص ما. إذ كثيراً ما أتى مجلس المختارين ممثلاً لطبقة
بعينها ومعبّراً عن مصالحها. لكن تلك الحالة أوضحت أن الفرد بحد ذاته لا يمكن
أن يصل إلى المجلس، وإن وصل لا يمكن أن يكون لصوته صدى إذا لم يكن ضمن مجموعة
أو اتحاد أو حزب.
وبالتالي أدى ذلك إلى ظهور الكتل والتحالفات بأشكالها المختلفة الآنية منها
والمستمرة.
تعرّض هذا الشكل عبر التاريخ لكثير من التشويه والتحريف أكان ذلك بالشكل أو
بالتطبيق. لكن هذا لا يجعلنا ننكر أن الشكل الأمثل للحكم هو عندما تكون السلطة
نابعة من كل الشعب دون استثناء شريحة أو طبقة، وعندما يبقى للشعب القدرة على
المساءلة والمراقبة.
لماذا هذه المقدمة؟
لأن الكلام كثر وانتشر حول الديمقراطية وأشكالها، وأصبح كلٌ يريد أن يدلي بدلوه
في التأويل والتفسير لذا أصبح لزاماً علينا أن نوضح بعض المفاهيم وأن نعلن أين
هو موقفنا من كل ما يحصل.
بادئ ذي بدء، هناك نقطة واضحة يجب أن نؤكد عليها وهي أن الحزب شيء والوطن شيء
آخر! لا يمكن بالنظرة الحديثة للأمور أن نطبّق القوانين عينها على الاثنين. قد
يعبّر الحزب عن تطلعات الأمة ويحاول بلورتها ولكن لا يمكنه ولا بشكل من الأشكال
أن يلغي الأطراف الأخرى ويتربع على عرش السلطة كالممثل الأوحد للأمة والوحيد
العارف لأدوائها، والقادر على علاجها. ولا يمكن لمؤسسات الحزب أن تلغي مؤسسات
الدولة وتحل محلها. وعندما نتكلم عن الديمقراطية الحزبية فإننا نتكلم عن شيء
يختلف عن الديمقراطية في الوطن. فأعضاء الحزب تجمعهم عقيدة واحدة ويوحدهم هدف
مشترك وتضم شملهم رؤية خاصة في السياسة والإدارة والاجتماع. هؤلاء الأعضاء قد
يتوزعون في تيارات أو محاور لها آراء مختلفة في التفسير والاجتهاد، لكنهم يبقون
ضمن إطار واحد ومحدد، أمامهم راية واحدة وعنوان مشترك، وعندما تحل واقعة
فجميعهم في المصاب واحد.
أما في الوطن فهناك مجموعات عرقية وطائفية وحزبية تختلف فيما بينهاً في الرأي
والاتجاه، فبالإضافة للذين يستنيرون بعقيدة واضحة مؤمنة بالأمة وعاملة على
صلاحها وعزتها مهما كانت الشعارات التي يرفعونها، هناك أفراد لا يعرفون ماذا
يريدون، وآخرون يرون أن مصلحتهم الخاصة هي مصلحة الوطن، أي أنه هناك تنوع
بالمذاهب والمشارب.
الاختلاف إذن واضح جلي، وباختلاف الموضوع يختلف أيضاً القانون. هل صحيح أن
الأمة موجودة في حزب ومختزلة فيه؟ الجواب: فقط بعض الأمة! وماذا نفعل بالبقية
الباقية إذن؟
الديمقراطية تجربة إنسانية تتضمن فلسفة وأسلوب حياة وشكل حكم في سبيل الحفاظ
على كرامة الإنسان، فيها تلبية تطلعات جميع الشعوب إلى المشاركة الكاملة في
حياة مجتمعاتها من خلال اتخاذ القرارات التي تؤثر على جوانب الحياة المختلفة
على أرض أوطانها.
أنطون سعادة يرى:"أن القومية تقوم على الديمقراطية وأن الديمقراطية لا تنمو إلا
في متحد قومي، فحيثما بلغ شعب ما مرتبة القومية والوجدان القومي تطورت حياته
السياسية نحو الديمقراطية. والدولة الديمقراطية هي حتما دولة قومية فهي لا تقوم
على معتقدات خارجية أو إرادة وهمية بل على إرادة عامة ناتجة عن الشعور
بالاشتراك في حياة اجتماعية اقتصادية واحدة".
الدولة الديمقراطية لم تمثل التاريخ الماضي ولا التقاليد العتيقة ولا مشيئة
الله ولا المجد الغابر، بل مصلحة الشعب ذي الحياة الواحدة الممثلة في الإرادة
العامة في الإجماع الفاعل، لا في الإجماع المطاوع.
وغاية القول: فالديمقراطية تعني قبول المجموع بشكل من أشكال السلطة المنبثقة
عنه المعبرة عن إرادته، الملبية لرغبته في الاستمرار، المهيأة بمختلف الأساليب
والوسائل- لإبداء الرأي وتوجيه النقد لتلك السلطة في حال تقاعسها وانحرافها أو
عجزها عن تمثل المصالح العامة لذلك المجموع وإنجازها، بل المهيئة له وسائل سحب
الثقة التي أولاها لتلك السلطة أو لبعضها وإجراء التعديل اللازم عليها، خدمة
للمصلحة العامة وتأمينا لبقاء المجموع وتقدمه..
وانتفاء صفة الديمقراطية عن أي سلطة يكون لسقوط أحد تلك البنود أو غياب
المواصفات، فكل سلطة لا يستطيع مخرجها التأثير عليها، أو حتى استبدالها تصبح
سلطة مستبدة، وهي بتسلطها هذا تسلب حقوق الذين اختاروها وتنقلب عليهم..
الديمقراطية التي عاشها ويعيشها الغرب الأوروبي الحديث الآن لم تكن امتدادا
للديمقراطية اليونانية ولم تكن نتيجة مباشرة لإطلاع الغرب على التراث اليوناني،
وإنما كانت ثمرة واقع اجتماعي مرّت به أوروبا في القرون الأخيرة، حتّم قيام
نظام جديد ومفاهيم سياسية جديدة تلائم الواقع الجديد وما يتطلبه من حلول لمشاكل
اجتماعية اقتصادية لم تعرفها أوروبة الغربية من قبل. وأن هذا الواقع الجديد هو
الذي فرض الديمقراطية فرضا.
الماضي لا يصنع الحاضر وإنما هو الحاضر الذي ينادي ما يريده من مظاهر الماضي،
ويستدعي ويتخير من نظمه وأفكاره وتجاربه ما يلائمه ويتفق مع واقعه. وبالتالي
الديمقراطية الراهنة ليست امتداداً للديمقراطية الأثينية.
الديمقراطية تجربة إنسانية وليدة عمليات تطوير طويلة الأمد كانت وما تزال تتشكل
طوال التجارب الكثيرة التي خاضتها المجتمعات الإنسانية في تاريخها. وبالتالي هي
مشروع يتحقق طوال الحياة الإنسانية ويخضع باستمرار للنقد والفحص والمراجعة
والتدقيق والتصحيح، وهذا جزء من صميم الديمقراطية نفسها.
ولم تتخذ الديمقراطية في مسارها الطويل شكلاً واحداً ثابتاً لا يتغير فالمبادئ
التي تقوم عليها كالحرية والعدالة والمساواة هي وحدها كمفاهيم تبقى ثابتة لا
تتغير، لكن مضامينها تتشكل وتتغير مع اختلاف طبيعة المجتمعات وثقافتها وتراثها.
الديمقراطية انتصرت باعتبارها الشكل الطبيعي للتنظيم السياسي، فضلا عن كونها
المظهر السياسي الذي تتجلى من خلاله حداثة قائمة على اقتصاد منفتح من حيث شكلها
الاقتصادي وعلى العلمانية من حيث تعبيرها الثقافي. بالإضافة إلى اختيار
الحاكمين من قبل المحكومين بوجود تعددية سياسية.
ومن الخطأ الاعتقاد أن الديمقراطية يمكن تحقيقها عبر ثورة شعبية كما شاع في
الكثير من الأدبيات الثوروية. لقد تحولت الثورات الشعبية إلى دكتاتوريات على
البروليتاريا وعلى الأمة، وأصبحت تتهادى أعلامها فوق الدبابات التي تسحق
الانتفاضات الشعبية أكثر من تهاديها فوق مظاهرات العمال الثائرين، واختزلت
الديمقراطية إلى مجموعة من الضمانات للحد من تعسف سلطة الدولة.
لذا من الضروري أن يكون معنى هذا المصطلح، أي الديمقراطية، واضحا جلياً دون
لبس، لأنه القاعدة الأولى التي يجب أن يرتكز عليها عملنا المستقبلي.
إن مقولة استخدام العنف واعتماد القوة العسكرية كوسيلة لتحقيق الأهداف أو
الاستئثار بالسلطة مقولة أثبتت فشلها الذريع على المدى الطويل، كما أن هذا
المبدأ لم يعد مقبولاً في عالمنا الراهن. إن الوصول إلى الحكم والمشاركة فيه،
لا يمكن أن يتم إلا عن طريق سلمي وديمقراطي. وكل توجّه آخر مرفوض جملة وتفصيلا
مهما كانت الذرائع المقدمة. إن حزباً يريد أن يفرض نفسه ورأيه على الجميع
بالقوة والعنف هو حزب فاشي تسلطي قمعي!
يجب أن نعترف أن مفهوم القرية الكونية بدأ ينتشر ويفرض نفسه أمراً واقعاً ولم
يعد ممكناً الاستقلال في التصرف في رقعة من الأرض دون أن يثير ذلك ردود أفعال
عنيفة من المجتمع الدولي.
ليست الديمقراطية، كما يظن البعض، حكم الأكثرية بقدر ما هي حماية الأقلية!
وليست كلمة جوفاء أصبحت تلصق عنوة بكل الأسماء البالية لتظهر بحلّة جديدة.
والعملية الديمقراطية إذا انحرفت في تطبيقها مرشّحة أن يهددها عدم التسامح،
دينياً كان أم أثنياً أم عرقياً. وهي لا يمكنها أن تنهض على القوانين وحدها، بل
ينبغي تأسيسها على تطور التربية السياسية التعددية. فهي نظام من التوسط الدائم
بين الدولة والعناصر النشطة اجتماعياً في المجتمع.
لقد درج الفكر الحديث على اعتبار مصلحة المجتمع بمثابة مبدأ الخير والصلاح:
فاعتبر أن ما هو مفيد للمجتمع أمراً خيراً صالحاً، وما هو مضر له أمراً سيئاً
طالحاً. أي أنه هناك تطابقاً مطلقاً بين المصالح الشخصية والمصلحة الجماعية ولم
تعد حقوق الإنسان تتميز عن واجبات المواطن.
كل الذين اعتقدوا أن الحرية الحقيقية تكمن في تماهي الفرد مع شعب من الشعوب، أو
سلطة مهما كان نوعها من السلطات، هم الذين شقوا الطريق أمام الأنظمة السلطوية.
أو الذين حاولوا إذابة الفرد والمجتمع ضمن ما سمي بالديمقراطية الشعبية التي
صار التاريخ حائلاً بعد اليوم دون مجرد التلفظ باسمها.
الديمقراطية ليست فقط عدالة توزيعية، ويجب عدم اختزال السياسة وتقليصها إلى حد
يجعلها مجرد تلبية للمصالح والطلبات.
انطلاقا من هذه المبادئ تتحدد الخطوط العامة للعلاقات بين المجموعات والقوى
المشكلة للأمة. هذه العلاقات التي لا يمكن أن تكون مبنية على مبدأ إلغاء الآخر
المختلف، إنما الاشتراك مع هذا الآخر في حوار بناء وعمل مشترك وصولاً إلى مصلحة
ومنعة هذا الوطن.
لماذا هذا الإصرار على مفهوم الديمقراطية؟ لأننا نرى أنها السبيل الوحيد حزبيا
ووطنيا لتحقيق النمو والتقدم. إن التحديث والتطوير ليسا حدثاً مستقلاً في قطاع
من المجتمع، بل أن العملية التطويرية هي كل متكامل يتناول مختلف مرافق الحياة
والعمل. والقاعدة الأساسية لهذه العملية هي وجود دستور ونظام وقانون يتساوى
الجميع أمامه، دون أي اعتبار للانتماء العرقي أو الطائفي أو السياسي أو المهني.
إن شعور المواطن بكرامته وقيمته وأن هذه الكرامة مصانة شرط أساسي لتفعيل شعور
الانتماء والالتزام. الانتماء للوطن والالتزام بمصالحه وتقدمه.
إن من اخطر المهام الملقاة على عاتق المثقفين وأهمها العمل دون كلل ولا ملل
لرفع المستوى المعرفي للمواطن. العلم والمعرفة ليسا فقط السلاح الأمضى ضد
التخلف والقهر بل هما أيضا الوسيلة الأولى لخلق مجالات عمل جديدة وفتح إمكانيات
لدعم الإبداع الاقتصادي والصناعي.
(عودة )
الحركة القومية:
نمت الحركة القومية خلال كامل القرن 19 وطبعته بطابعها. وإذا كانت الحركة
الديمقراطية قد أتت من فرنسا فإن الحركة القومية قد أتت من ألمانيا. فهي نشأت
كرد فعل على الغزو الفرنسي في بدايات القرن 19 حيث ظن الفرنسيون في حينه أنهم
ينشرون الحرية والمساواة في العالم بإدخال المؤسسات الفرنسية في كل مكان، بل
حتى بضم الأراضي إلى فرنسا الحرة.
وبعد 130 سنة تبنى البلاشفة الروس النظرية نفسها عندما خططوا لتوحيد العالم في
اتحاد للجمهوريات السوفيتية تتبع نموذجا موحدا. وعندما خبر الألمان الحرية
والمساواة الفرنسيتين اكتشفوا أنها ليست لهم. ومن هنا نشأت الفكرة القائلة إن
الشعوب تختلف عن بعضها البعض وأن كل أمة تشكل وحدة تامة لا تخضع للآخرين. ولا
يعني هذا أن ألمانيا كانت مهيأة لهذه الأفكار بل على العكس فهي في القرن 18
كانت أممية أكثر من أي مكان آخر في أوروبا. بل حتى أن الفيلسوف الشهير فيشته
J.G.Fichte ذكر عام 1805 في محاضراته حول "صفات الزمن الحاضر": إن الفكر
المتنور يسعى إلى النور والحق ولا يتوقف عند أرض الوطن بأنهاره وجباله". لكن
بعد انهيار بروسيا عام 1806 واحتلال نابليون لألمانيا، وفي خطاباته الشهيرة إلى
الأمة الألمانية عام 1807 في برلين يقول: "إن الأمة الألمانية تمتلك نفسا خاصة
بها لا يمكن أن تخضع لغيرها، وإن هذه النفس الألمانية تحتوي على المنابع
العميقة للحياة والقوة الروحية، وعليها يتعلق تقدم الثقافة والعلوم الحقيقية،
وخرابها سيكون خرابا لكل البشرية" (قارن بقول سعادة: إن في النفس السورية كل
علم وكل فلسفة وكل فن في العالم).
ومن هذه اللحظة نمت ثقافة تعظّم من شأن ألمانيا وتدعو الألمان كي يعوا أنفسهم.
وستستمر هذه الحركة خلال القرن 19 و 20 وصولا إلى العنصرية النازية.
ومن الأسماء الشهيرة في هذا المجال نذكر آدم موللر Adam Müller 1779-1829 الذي
طوّر الفكر القومي من منظور فلسفي. وفي مؤلفه "دروس في علم الدولة" 1808 يشرح
قائلا: "إن الأمة وحدة حيّة وفرد كبير، والأمة تنمو حسب قانون خاص بها. وعلى
رجل الدولة أن يلتقط العبقرية الخاصة للشعب الذي يقوده. وتشريع الشعب يجب أن
يكون ثمرة تاريخه الخاص." مخالفا بذلك رأي روسو Rousseau وآدم سميث Adam Smith
المناديَين بنظام اجتماعي على قاعدة الحرية والاتفاق المتبادل (العقد
الاجتماعي).
وامتد المفهوم القومي بالتتالي لكافة فروع المعرفة ذات العلاقة بالإنسان بدءاً
من فريدريك ليست Frederic List 1840 ومن ثم فيلهلم روشر Wilhelm Roscher
1817-1894 وكارل نيز Karl Knies 1821-1898 الذين طبقوا النظرية القومية على
الاقتصاد. وانتقدوا سميث والمدرسة الليبرالية التي تمحورت حول الإنسان الفرد
بشكل عام، بينما رأوا في تفكيرهم أن لكل أمة شروط حياة تنفرد بها تنشأ عن
تاريخها الخاص بها. وفي المرحلة ذاتها دمج بلونتشلي Johann Bluntschli
1808-1881 هذا المفهوم بالحق العام: فالدولة بالنسبة له هي كلٌ عضوي، عضوية
نفسية-أخلاقية، قادرة على تركيب أفكار وعواطف الشعب. وكل شعب يشكل كلا طبيعيا
لديه طبع قومي.
وفي عام 1860 أسس لازاروس وشتاينتال M.Lazarus 1824-1903, H.Steinthal
1823-1899 مجلة سيكولوجيا الشعوب “Zeitschrift für Völkerspsychologie” بهدف
إنشاء علم خاص يدرس الظواهر الجماعية. وبهم بدأ علم الاجتماع. وتم تسخير
التاريخ العالمي لتقديم العناصر اللازمة لتركيب نظام يبرهن على أن الشعب
الألماني يجب أن يقود شعوب العالم. أي أن الدراسات الاجتماعية في ألمانيا وجدت
نقطة انطلاقها في دولة عاطفية وحس قومي جريح، وتطورت بهدف عملي: إنقاذ الشعب
الألماني بجعله يعي حقيقة ذاته وعظمته، أن يفهم ذاته وأن يثبت مهمته القيادية
في العالم. نقطة الانطلاق كانت في الكارثة التي كادت أن تقضي عليه في 1807 ووصل
هذا الشعور القومي إلى قمته بعد كارثة ثانية أعمق من الكارثة الأولى عام 1918.
وبقي هذا الشعور يتنامى وصولا إلى العنصرية.النازية.
إن هذا التطور جعل الكثيرين يعتقدون بسقوط الفكر القومي. ولكن ما يجب أن يحصل
هو تعريف جديد للقومية بحيث تكون الرابطة بين المجموعات المكونة للأمة و ليس
طابعا عنصريا أو دينيا أو ثقافيا.
إنها الطريقة التي يعيش فيها الجميع مع احترام تنوعهم ، في وطن محدد دون أي
تفكير بطغيان أو إقصاء. لذلك يجب أن تكون الرابطة بين أبناء الوطن كأفراد و
مجموعات ديمقراطية الطابع .و العلاقة بين الأمة وباقي الأمم مبنية على المفهوم
الديمقراطي للعالم بحيث تنظم العلاقات الدولية على احترام خصوصية كل مجتمع دون
ما سيطرة اقتصادية أو عسكرية أو ثقافية .
بذلك تكون القومية الديمقراطية أسلوب حياة بين الأفراد والجماعات و الأمم .
(عودة )
الدين والعلمانية:
لقد حاولت الثورة الفرنسية جاهدة إلغاء الدين وتغيير أسماء الأشهر وإبداع ديانة
جديدة تعبد الحكمة ووضعت تقويما جديدا؛ وحاول البلاشفة إلغاء كل ما يمت إلى
الدين بصلة، وحولوا الكنائس إلى متاحف وغيره. وحاول القذافي وضع تقويم جديد. كل
هذه المحاولات باءت بالفشل بل أن ستالين حين احتاج أن يستنهض الهمم بوجه الغزو
النازي ذكر في خطابه روسيا المقدسة والقديسة كاترينا!
الإشكال القائم هو أن الدين موضوع الهي وما وراء طبيعي وبالتالي لا يمكن أن
يخضع للقوانين الوضعية الإنسانية.
لكن هل الدين هو حامي الأخلاق؟ وهل الدين فقط هو الحافظ للمنظومة الأخلاقية في
المجتمع؟
وهل العلمانية هي الوجه الذهني من الوجوه المتعددة للمجتمع الحديث؟ خاصة أن
الكثيرين لا يجدون في القول الديني جوابا للمسائل التي تطرحها ممارستهم العملية
في الزمن الراهن. فضلا عن المعارف والعلوم التي تشكلّت خارج منظومة الفكر
الديني والتي ستنتج ظواهر سياسية بشرية، فنية وعلمية.
إن النوازع العلمانية المستهدفة سعادة الإنسان في هذا العالم ستقود في حصيلتها
النهائية إلى إرجاع السياسة إلى الجماعة، والى تأكيد الثقة بالعقل والعلم، من
دون أن تنال من قيمة العوالم الرمزية للإنسان أو تبطل شرعية الإيمان، كما أن
الإيمان نفسه لا يتعارض معها.
لكن هذه النزعة العلمانية الواقعية عندما تتعدى تواضعها وتفسيرها المقبول،
وتنقلب إلى مذهب عقيدي دوغمائي، وتتحول إلى دين بديل عصبوي شبه وثني له
اكليروسه ورموزه وطقوسه مستخدمة لغة العلم في غير مكانها، ستواجه المصاعب وتقع
في مطبّات عديدة، وتفقد بالتالي دورها التحرري كما جرت الحال في الأنظمة
الشمولية عبر التاريخ.
وإذا كانت العلمانية في العصر الحديث قد تميّزت بكونها تعي مقاصدها وتعرف
متطلباتها التاريخية وشروط نجاحها، فهي تعرف أيضا شططها وتطرفها، إلا أنها كانت
مصاحبة ضمنيا للسلوك الإنساني ونشاطه عبر التاريخ. وازدادت فعاليتها طردا مع
التطور التاريخي. لكنها في المقابل عندما تتحول إلى عقيدة عصبوية، تغدو عندها
عقبة أمام النشاط العفوي للبشر وللروح النقدية لديهم ولتواصلية العقل، كما تدفع
باتجاه التحارب الاجتماعي. وكمثال على ذلك التجربتان الشيوعية والفاشية. ويقول
غارودي في كتابه الأصوليات المعاصرة: "إن العلموية عندما تستند إلى التصور
الماضي الميت للعلم إنما تصبح شكلا من أشكال الشعوذة، أو بالأحرى شكلا من
أصولية شمولية قائمة على المقولة التالية: " إن العلم يمكنه حلّ المسائل كلها،
وإن ما لا يمكن للعلم أن يقيسه أو يختبره هو شيء غير موجود". وبهذا تكون هذه
المقولة قد استبعدت أرفع وأجمل أبعاد الحياة، ألا وهي الحب والإبداع الفني
والإيمان".
(عودة )
الفعل الحر:
تجبرنا الحياة في كل لحظة على اتخاذ موقف حسب الاحتياجات والظروف والنظم
المفروضة علينا. وبالنسبة للفرد فان مجال الحرية محدود كميا بعدد المواقف بما
يتناسب وقدراته الفكرية، ونوعيا بالحقائق المتناسبة مع مداركه وقوة تفكيره. إن
طفلا صغيرا لديه بعض المبادئ الأخلاقية يمكن أن يمارس فعلا حرا كأن يأكل تفاحة
أو أن يرفض ذلك. لكن مسألة وجود الله أو الروح أو موضوع حق الملكية فكلها أمور
لا تعني له شيئا بل حتى أن هذه القضايا ليست موجودة بالنسبة له ولكنه يقبل ما
يقوله الكبار له. وحتى البالغين يكون خيارهم تابعا للأسباب الكمية أو النوعية
التي ذكرناها.
ومهمة الذكاء هي توسيع رقعة الحرية وذلك بزيادة نقاط المقارنة وبتوسيع أفق
المعارف.
الطبيعة البشرية والقوانين الاجتماعية
إن التاريخ وعلم الأجناس المقارن يظهران أن البشر يتوصلون إلى الاختراعات
والاكتشافات ذاتها عندما يوضعون في ظروف متشابهة. ولأنهم من طينة واحدة فهم
يرتكسون بالطريقة ذاتها في ظروف واحدة. فالإنسان يبحث عن ملجأ أو مأوى فإذا كان
صيادا استعمل جلود الحيوانات لصنع خيمة وثياب تقيه. أما الرعاة فمه مضطرون
للترحال أبدا بحثا عن مراعي جديدة وطلبا للكلأ لقطعانهم التي يعتاشون منها
وبالتالي يجب أن تكون مساكنهم قابلة للنقل.
طبيعة وتشكل الفعل الاجتماعي: يعيش الإنسان ضمن مجتمع فهو يأتي إلى الحياة في
مجتمع موجود قبله ويحيط به من كل جانب. لا يمكن أن نحدد بداية للحياة
الاجتماعية كما لا يمكن أن نحدد بداية للإنسانية ذاتها.
(عودة )
نظريات تكون المجتمعات:
- النظرية البيولوجية:
وتشكل النظرية العرقية الألمانية تطورها النهائي وتحاول هذه النظرية أن تفسّر
مجموع التطور الاجتماعي بظاهرة العرق. حيث يمتلك كل عرق إنساني نموذجا ثابتا
يتم تناقله بالوراثة.
- النظرية الجغرافية:
وهي على العكس تفسّر الإنسان والمجتمع بالأرض، حيث الأشكال الاجتماعية يمكن
تفسيرها بالجبال والسهول والمناخ والأنهار والبحار.
تتشابه هاتان المجموعتان النظريتان بأن الإنسان يخضع فيهما لقدر لا يد له فيه.
فالوراثة والنموذج البيولوجي أو المنطقة التي يعيش فيها الإنسان، كلها أسباب
غريبة عن تأثير الإنسان. وهذان النموذجان قادا إلى أشكال ونظريات متطرفة.
وهناك مؤلفون آخرون نسبوا الظواهر الاجتماعية للفعل الإنساني مثل العائلة التي
يتعلق بها والدين والدولة والحياة الاقتصادية. وهناك الذين بحكم تأثرهم
بالاشتراكية يضعون العمل في مركز الحياة الاجتماعية ويشرحون بواسطة العمل كل
الظواهر والتطور الاجتماعي. ونقل Bergson هذه الفكرة على الصعيد الفلسفي حيث
حسب رأيه يتميز الإنسان على الحيوان بأعماله الصناعية والتقنية.
أما بالنسبة للماركسيين فان التقنيات يجب أن تكون أساس تفسير كل الظواهر
الاجتماعية. فالعمل ظاهرة اجتماعية قبل كل شيء، وكل العلاقات الاجتماعية بين
البشر تنتج عنه بطرق تعقيد تدريجية. فالمؤسسات والأخلاق والدولة والعائلة
والدين العواطف، وكل المواقف تجاه الحياة، هي ثمرة مباشرة وغير مباشرة للعمل
الذي يغيّر بشكل دائم مراكز اهتمام الفكر وأقطاب جذبه، وبالتالي يؤثر على
الحياة العاطفية والفكرية كما على الحياة المادية. وكما قال كوفيلييه Cuvillier
: "التقنية تحتوي ضمنا كل الحياة الروحية للإنسان".
وفي الحقيقة فإن كل هذه النظريات تستجيب لرغبة بالتبسيط موجودة طبيعيا في الفكر
الإنساني. لكن كل هذه التفاسير المبسطة لا يمكن أن تكون صحيحة لأن الإنسان كائن
معقد وكل عنصر تستند عليه النظريات السابقة يتوافق مع جزء من الحقيقة.
إن السكن مثلا في بلد تتمحور كل الحياة فيه على فيضان النهر مثل النيل في مصر،
أو على الجبال مثل سويسرا، أو على سهوب دون حدود مثل روسيا، يؤثر قطعاً على
نفسية الشعب.
والشعوب البحرية لها طباع مختلفة عن شعوب الداخل. والصناعة التي تعتمد بدورها
على المصادر المعدنية والمناجم تؤثر على طرق حياة وطباع الشعب. ومن الواضح أن
لكل من الشعوب الرعوية أو الزراعية أو الصناعية طباعاً مختلفة.
لكن هذا لا يكفي لوحده لإعطاء كل التفسيرات المطلوبة، فقد مرّت قرون قبل أن
يصبح الإنكليز شعبا من البحارة، أما الايرلنديون فلم يصبحوا بحارة أبدا مع أنهم
يطلون على المحيط ذاته الذي انطلق منه الإنكليز إلى أصقاع الأرض. وعندما كان
الإنكليز مقتصرين على جزيرتهم، كان بالمقابل أهالي جنوة يجوبون البحار في كل
أنحاء العالم، بينما نجد الآن أن قيمة إيطاليا البحرية ثانوية علما أن
جغرافيتها لم تتبدل.
وللعائلة دور كبير في حياة الإنسان، ليس فقط كمؤسسة اجتماعية، لكن في عامل الحب
كظاهرة نفسية، إن العائلة والعواطف العائلية ومفاهيم التضامن الاجتماعي تلعب
دورا كبيرا في الحياة الاجتماعية، والاختلافات بين العائلة الصينية والبرازيلية
و والروسية والإيطالية عائدة للصفات القومية.
والأمر ذاته أيضا بالنسبة للدين الذي يضاف دوره ويتحد مع العوامل السابقة
الذكر.
إن النشاط الديني أو الأخلاقي وتطور الفكر أمور مستقلة جزئيا عن تطور التقنية.
فالتطور التقني لا يفسر ظهور الديانات العظمى أو المدارس الفكرية والفلسفية
والأدبية.
(عودة )
الظواهر الاجتماعية الواقعية:
إن التوجه الحالي في علم الاجتماع هو البنيوية الوظيفية Structuralisme
fonctionnaliste ، والظواهر الاجتماعية يجب وضعها حسب بنى التداخل Structures
d'interaction .
هناك واقع اجتماعي يسيطر على الفرد سببه التتالي دون انقطاع للبشر على الأرض.
لا يتم تجدد الحضارات بلحظة واحدة. كما أن الأجيال متواصلة وليست على شكل شرائح
مستقلة الواحدة عن الأخرى، ففي كل لحظة يولد بشر ويتوفى آخرون. وبالتالي فمحيط
الفرد في تغيّر دائم. ومنذ اللحظة الأولى لوجوده على الأرض يقع الإنسان تحت
تأثير عوامل وأفعال لا تعد ولا تحصى. فهناك الأفكار والعواطف التي يمليها عليه
البالغون، الأهل والمدرسة بالإضافة إلى التأثيرات الاجتماعية المختلفة عليه
خلال نموه. ولا يمكنه أن يسيطر إلا على جزء يسير من هذه التأثيرات. هذه العوامل
لم يوجدها فرد واحد، بل هي تراكم وتفاعل أفكار وأحكام عبر السنين، لأن تفاعل
البشر بين بعضهم وحالاتهم الفكرية والروحية المشتركة تنتقل لمن يأتي بعدهم.
فالبشر يرتكسون بالطريقة ذاتها تجاه العوامل الخارجية لأن طبيعتهم واحدة، وينشأ
عن ذلك تيارات رأي مشتركة عفوية تفرض ذاتها. في مرحلة ما قد يغضب الشعب من نظام
سياسي معين ويعارضه الجميع بشكل أو بآخر، وينتظر الجميع وبدرجات مختلفة شيئا
مختلفا. لذا يتم اقتراح نظام جديد ينضم إليه جزء كبير بحماس، وينشأ تيار جديد
في هذا الاتجاه معطيا الانطباع إن هذا التيار أقوى من الأفراد وأنه يدفعهم
جميعا في الوقت نفسه. وهذا طبيعي دون أن نضطر لتفسير هذه الظاهرة للعودة إلى
نفسية اجتماعية معينة تفرض ذاتها أو إلى ما يسميه البعض وجود الكائن العلوي
الاجتماعي Sur-être social, sur-personnalité sociale. فالفوضى تخلق الرغبة
بالنظام، والقمع والتعسف الرغبة بالحرية، والظلم والمعاملة التفضيلية التوق إلى
العدالة والمساواة. وبهذه الآلية توجد وتتشكل حالات روحية جماعية (Etats
d'esprit) تصبح قوى مجهولة تفرض نفسها على الأفراد ولا يمكن تفسيرها بالمنطق
الفردي. وتكون قوية لدرجة أن الذي يعارضها سيتم إلغاؤه بعنف. وكمثال على ذلك
يكفي أن يرتدي أحدهم الثياب التي كانت سائدة منذ 100 عام حتى تتعطل كل ممارسة
للوظائف الاجتماعية بالنسبة له، بل حتى يتم إلغاء الفرد من الحياة الاجتماعية
ككل.
إن بعض الأفعال الإنسانية تعطي نتائج تبقى وتدوم بعد فناء صاحبها وتبقى مؤثرة
بدورها. ويجعل هذا مفهوم الواقع الاجتماعي يكتسب قوة أكثر. أي نحن هنا أمام
أفعال اجتماعية تؤثر على البشر دون أن يكون إنساناً آنيا من ورائها، مثل
المباني والأعمال الأدبية والفنية، الأعمال الفكرية والاكتشافات العلمية.
وهنا نؤكد النظرية القائلة إنه خلال حقبة معينة هناك موقف مشترك وسمات مشتركة
للمجموعة البشرية خلال هذه المرحلة تميزها عن الأزمنة الأخرى. فنحن عندما نقرأ
شعرا جاهليا مثلا نرده مباشرة إلى حقبة معينة متمايزة عن غيرها.
الحضارات كيانات ثقافية وليست سياسية. والتركيب السياسي للحضارات يختلف من
حضارة إلى أخرى كما يختلف مع الزمن داخل الحضارة الواحدة. وكما يقول بوزمان
Bozeman في كتابه Strategic Intelligence & Statecraft "إن النظم السياسية حيل
زائلة على سطح الحضارة"، ويعتمد مصير كل مجتمع متحد لغويا ومعنويا على بقاء
مجموعة من الأفكار والقيم تشكل البنية الأساسية التي اجتمعت والتحمت حولها
أجيال متتالية، وبالتالي فهي ترمز إلى استمرارية المجتمع.
ومع تطاول التاريخ البشري تتراكم المواد الاجتماعية متضخمة باستمرار ومتجاوزة
بمراحل القدرة الإبداعية للفرد الواحد. أي أن الفعل يتجاوز الإنسان ويبقى بعده.
إذا فسرنا الواقع الاجتماعي بالتقليد كما فعل تاردي Tarde ، أو بالتيارات
الاجتماعية التي تمارس ضغوطا لا يمكن مقاومتها مثل دوركهايم، أو بالصراعات
المؤدية إلى التمازج ومن ثم الاستيعاب حسب غمبلوفيتش Ludwik Gumplowicz
(1838-1909) ،فنرى أن كلا منهم اعتقد انه يستطيع تفسير الواقع المعقد وتبسيطه
بالاستعانة بعامل واحد بسيط. لكن في الحقيقة فان الظاهرة الاجتماعية المتعلقة
بمجمل شروط الحياة الاجتماعية لا يمكن تفسيرها إلا بواسطة مجموع هذه العوامل.
كما أنه يتوجب علينا تحليل شروط الحياة الاجتماعية لنتمكن من تحديد آليات
الظاهرة.
(عودة )
عناصر الحياة الاجتماعية الأساسية
1. وضع الحالة الراهنة Situation de fait
2. مجموعة الغرائز
3. الضرورات المادية
4. الضرورات الأخلاقية
الوضع الراهن: شروط تكاثر الجنس البشري واستمرارية أفعاله ومؤسساته.
الغرائز: بما في ذلك حاجة الإنسان لنظيره، ومجموعة الميول التي تتعلق بها
الغريزة الاجتماعية. فالإنسان بحاجة للآخرين من حوله، وبحاجة لتمازج اهتماماته
مع اهتماماتهم. وهناك كم هائل من العواطف يتداخل في أفعال الإنسان مثل التقارب
أو الكره، الاتفاق أو الاختلاف، الرغبة بالتقدير والحاجة إلى الإعجاب.
الضرورات المادية: إن الإنسان بمفرده عاجز عن تلبية حاجاته الأساسية وتحقيق
أمنه وسلامته. وهو بحاجة لمساعدة الآخرين لتأمين السكن واللباس والطعام
والتعليم وغيره..
الضرورات الأخلاقية: وهي تولد شعور التضامن والوحدة. فالتأثير المتبادل بين
أعضاء الجماعة على بعضهم يحصل لا إراديا ويولد نفسية مشتركة، ويمكن أن نلاحظ
ذلك في العائلة أو القرية أو المدرسة أو الثكنة أو النادي، وإذا أردنا التعميم
أكثر كما في الوطن. إن النفسية المشتركة تخلق عفويا، ومن أمثلتها الصداقة أو
الشعور ألرفاقي بين زملاء السفر. وتفسر السيكولوجيا الإنسانية العلاقات على
المدى القصير والنفسية المشتركة في الأمة بالبساطة ذاتها، وان بدت الأخيرة
للوهلة الأولى مختلفة بسبب العوامل العديدة المتداخلة وصعوبة تحليلها.
الاجتماع هو إذا تراكم مجموعة من التأثيرات المتبادلة للبشر على بعضها. هذه
التأثيرات تتحد أو تتعاكس، تلغي بعضها أو تضاف إلى بعضها، بحيث تؤدي محصلتها
إلى نتيجة ملموسة وجلية.
وقد تبدو مجموع التأثيرات وكأنها معطيات تكونت بمعزل عن الفرد، فهي تُفرض عليه
ولا يمكنه تغييرها لأنها نتيجة ملايين ومليارات من الأفعال والحالات النفسية
الماضية والحاضرة. ولكن لا يغيب عن ذهننا لحظة أن هذه الأفعال في النهاية هي
نتيجة فعل الأفراد، أي بالمحصلة الاجتماع يتعلق أولا وآخراً بالفرد. أي أن
الشراكة في الأفكار والمشاعر والقيم هي لبنات بناء المجتمع، ويكون حينها الفعل
الاجتماعي تعبير عن حالة نفسية مشتركة، أو فعل جماعي مشترك.
وإذا راجعنا الحركات الفكرية الكبرى في التاريخ الإنساني كالرومانسية
والليبرالية والاشتراكية، نرى أنه بالإمكان شرحها بالاستناد على مجموعة من
الظروف المادية أولا، ومجموعة من الأفعال الإفرادية ثانيا، ومن ثم بانتشار
المشاعر والأفكار المتولدة عن الظروف ومن البشر.
(عودة )
الخاتمة
يعتقد الكثيرون أن الفكر القومي كمدرسة في علم الاجتماع انتهى.ومجرد طرح هذا
الفكر أصبح يخيف لأنه كما يدّعون، يؤدي دائما إلى حروب . يتبنى هذا الطرح دول
أتمت بناء قوميتها. كمجمل الدول المتقدمة حاليا والتي حققت خلال العصور الماضية
دولة- الأمة وأتمت الدورة الاجتماعية الاقتصادية القابلة للحياة ولم تعد تدرك
فضل ما هي عليه من العيش في وطن محدد وموحد.
وآخرون يتصدون للطرح القومي لأنهم مازالوا يعيشون في مجتمعات ما قبل الوطن و
الأمة وحتى في بنية اجتماعية تذكر بالمجتمعات الرعوية و إن تغيرت المظاهر
الخارجية لها ، بتغّير أسلوب الانتقال و وسائل الإنتاج دون أن تتغير البنية
الفكرية لهذه المجتمعات .
إذا سلمنا بفشل النظرية القومية فعلينا أن نقبل بأطروحات العولمة المعسكرة
والحروب الدينية والعرقية وحروب الثقافات .
هذه الحروب لن تكون إلا دموية ومدمرة لكل حضارة .
يجب أن نتمسك بالطرح القومي في الأوطان وعلى مستوى العالم . لكن لابد أن يكون
الطرح معاصرا لا أن نجتر أفكار القرون الماضية .
القومية يجب أن تكون ديمقراطية تبني علاقات سليمة بين الأفراد والجماعات
المشكلة لدولة الأمة وعلاقات ديمقراطية بين الأمم على مستوى العالم .
(عودة )
|