صدى النهضة السورية القومية الاجتماعية                      www.ssnps.jeeran.com
 

حوار مع الدكتور حسني حداد

 
د. بشار خليف

 

الدكتور حسني حداد ، باحث سوري مغترب في أميركا الشمالية منذ الخمسينيات من القرن الماضي ، قبل عدة سنوات رحل دون أن يأتي على ذكره أحد ، وهو حاصل على الدكتوراه في لغات الشرق القديم وحضارته من جامعة شيكاغو عام 1960 ومارس التدريس في جامعة شيكاغو ،له عدة مؤلفات منه :
المعتقدات الشعبية في سورية ، البعل هداد ، الموسيقى السورية .
وهذا الحوار هو واحد من حوارات عديدة سوف نصدرها في كتاب تحت عنوان : حوارات في الحضارة السورية .
دكتور حداد ، حضرتك تدرس مادة التاريخ في جامعة شيكاغو في الولايات المتحدة .. هل يمكنك أن تحدد لنا طبيعة المنهاج الذي تطرحه هناك …
الحقيقة أنني أُدرّس التاريخ العام وتاريخ الشرق الأوسط . في أميركا مشكلة ، هو أنه لا يوجد جامعة بالمرة فيها قسم لدراسة التاريخ العربي ، كل ذلك يدرس ضمن دراسة تاريخ الشرق الأوسط .
لأنه حين تقول تاريخ العرب فهذا يعني أنك تستثني إسرائيل وتستثني تركيا ، وخ! صوصاً إسرائيل .
وأنا وضعت كتاب دراسي مع زميل لي، اسم الكتاب " العالم العربي " ، وهو كتاب دراسي Text book/ /.
وأول طبعتين منه ، كانا بإصدار خاص ، رجعنا الآن بعد عشر سنين حاولنا أن نعيد طباعته ونضيف عليه ..الخ .. وأعطيناه للناشرين الذين ينشرون للمدارس حيث يصبح له توزيع أحسن، ولكن جميعهم رفضوا أن ينشروا كتاباً اسمه " العالم العربي " .
ما السبب في ذلك ؟
السبب هو أنه لا يوجد ولا جامعة تدرّس مادة اسمها العرب أو العالم العربي ، كل الجامعات تدّرس مواد على أساس الشرق الأوسط حيث تضم إلى العالم العربي ،إسرائيل وتركيا وإيران .
وقال الناشرون لنا ، غيّروا في الكتاب وأضيفوا عليه ولكن الغرض من الكتاب كان تعريف الناس هناك على أن هناك شيء اسمه العالم العربي .
دكتور حداد ، في مقررات الجامعات الأمريكية لا توجد أي كتب خاصة بالعالم العربي ..
يوجد كتب ولكن لا تكون بشكل Text book .. يعني ممكن الأستاذ أن يقول لطلابه ارجعوا إلى الكتاب الفلاني أو الفلاني ولكنه لا يستطيع أن يقرره عليهم .
م! ن خلال مؤلفاتك العديدة ، يلاحظ المتابع أنك تهتم بعلاقة المعتقدات الشعب ية في سورية الحاضرة وبالأعم بلاد الشام مع التراث الذهني الأسطوري السوري أو الشامي ، هذا ما يلاحظ في كتابك " المعتقدات الشعبية في سورية " .
هذه المسألة تشغل تفكيري منذ زمن وأظن أنها مهمة كثيراً كونها تتكلم عن الاستمرارية الحضارية في سورية . والدليل الأكبر على استمرارية الحضارة السورية هو المعتقدات الدينية وخاصة الشعبية منها .
لأن هذه المعتقدات والأساطير والاحتفالات والطقوس لا تتأثر ولا تخضع للسياسة أو للفكر الفلسفي، لذلك لا تزال هي الدليل الأكبر على الاستمرارية .
برأيك هل البيئة الجغرافية لعبت دوراً في ذلك ؟ بمعنى أن المناطق التي لم تتعرض للتأثيرات والاجتياحات بقيت معّبرة عن روح الحضارة السورية ؟
طبعاً ، ولاسيما أهل الجبال ، لذلك الساحل السوري ولأنه جبل فهو يحتفظ بهذه التقاليد والشعائر .
وكما تلاحظ أن الأمر لا يتعلق بدين الإنسان ، بمعنى أن العلويين والسنة والمسيحيين والدروز والإسماعيليين والموارنة والكاثوليك ، تقريباً كلهم عندهم نفس الاحتفالات .
فعيد الغطاس يحتفل فيه المسيحيون والعلويون ، وعيد مار جرجس يحتفل ف! يه المسيحيون والمسلمون رغم أن أسماء هذه الأعياد مسيحية الطابع ، وأعتقد أن المسيحية أقرب للدين الشعبي من أي دين أخر .
تقصد بالدين الشعبي ، هو الدين الذي ساد قبل المسيحية ؟
ما قبل المسيحية وما بعدها، لأن المسيحية أول ما انتشرت عند العامة ،والإسلام انتشر في الصحراء وفي المدن وصار فوراً قوة عسكرية ، المسيحية لم تصبح قوة عسكرية أو سياسية إلا بعد 400 إلى 500 سنة .
في هذا الوقت انتشرت الطقوس عند الفلاحين والفلاحين أثرّوا على المسيحية بقدر ما أثرت المسيحية عليهم .
يعني الكنيسة أخذت من التقاليد الشعبية وجعلت منها تقاليد رسمية .
فمثلاً عيد الميلاد يعود إلى تاريخ ما قبل تاريخ المسيح ، يعني طقوسه / الولادة ، العذراء ، ظهور النور وغيره /….هذا موجود ولكن كان في نطاق الميثولوجي، وكذلك موت المسيح وقيامته، والذي أعتقد أنه الشيء الأساسي في المسيحية .
كل هذا يرجع لتموز وأدونيس وبعل أوغاريت ، فهذا التتابع موجود في المسيحية أكثر من الإسلام وأكثر من اليهودية .
لهذا فإن أكثر الفلاحين في سورية إن كانوا إسلام أو علويين أو دروز تجمّعوا حول! هذه التقاليد ولو حملت أسماء مسيحية .
هذا مشروع مستمر والكتاب الذ ي صدر سابقاً ، ليس سوى جزء بسيط من كتاب أشمل سوف يصدر تحت اسم طقوس البعل هدد الذي اكتشفت أساطيره في رأس شمرة أوغاريت .
الحقيقة أن ثمة سؤالاً طرحته على عدد من الباحثين العرب السوريين ، وكنت أشعر بحرج لديهم حين الإجابة عليه ، ماذا قدمت ثقافة الفتح الإسلامي لبلاد الشام وماذا قدمت هذه البلاد لثقافة الفتح الإسلامي ؟
لا أظن أن الفتح الإسلامي قدم لبلاد الشام أية تقاليد زراعية ، فهو الذي اقتبس من هذه المنطقة .
هناك كتاب لابن وحشية اسمه / الفلاحة النبطية / يشير إلى وجود طقوس تموز في الشمال السوري ويطلق الناس على العيد اسم عيد البوقاد ، وهو نقل هذا الكتاب عن مؤلف سرياني، ويدل في كتابه على وجود طقوس تموز في الشمال السوري لغاية القرن الثالث عشر والرابع عشر ميلادي ، ويسمونها تموز ، وتموز هو بعينه جرجس .
سأعود لأحدد سؤالي ..
حين تأتي ثقافة رعوية / صحراوية ، وتفتح ثقافة زراعية – مدينية تجارية ، إما أن تتفاعل معها وإما أن تخربها ..
.. الآن ماذا يمكنك بناء على درا! ساتك من إيضاح هذه المسألة ؟
أنا لم أتعمق في هذا الموضوع ، الفتح الإسلامي بحسب بدايته ، كان أولاً يعتمد على الفتح الدولي ، الفلاحون السوريون بقوا غير مسلمين لمدة طويلة ، حوالي 400 إلى 500 سنة ويمكن أكثر .
والمدن !؟
حتى في المدن .. أقصد سكان سورية وسكان مصر وحتى شمال أفريقيا ، كانت الأكثرية الغالبة فيهم خلال العصر الأموي من أوله إلى أخره ، من المسيحيين .
ثم كان يتهرب البعض من مسألة الجزية فيشهر إسلامه ، بالإضافة إلى مسألة النفوذ والظهور الشخصي في المجتمع آنذاك .
فحركة الإسلام بدأت بفارس أكثر من سورية وهذا كان عائد لشيئين ، الأول : أن المجوسية / الزارادشتية / غير مذكورة في القرآن ، يذكر القرآن الصابئة ولكن لا أحد يعرف من الصابئة وليس لها تفسير واضح .
لذلك أظن أن الأمويين لم يشجعوا انتقال المسيحيين إلى الإسلام ، لأن الدولة الإسلامية قامت على أكتاف العرب القادمين من الجزيرة الذين احترفوا الحرب ، وسكنوا في المدن ، وأظن أن التفاعل الذي تتحدث عنه حصل مع أهل المدن أولاً في حين بقي الريف السوري لمدة طويلة لا يتفاعل مع ا! لإسلام وخاصة أهل الجبال الذين لا يزال أكثرهم من المسيحيين أو الدروز أو العلويين .
العلويون يقولون أنهم فرقة من الشيعة ولكن أظن أن لديهم بعض التقاليد الموغلة بالقدم جداً ، لذلك هناك نوع من التقية الشديدة جداً ، السرية في إعلان الدين .. حرصاً على حياتهم .
اسمح لي أن انتقل إلى مجال الأسطورة السورية ، لدينا باحثين يشتغلون على هذه الأساطير ولا أعلم إذا كان لديك إطلاع على مؤلفاتهم ،سؤالي : إلى أي حد استطاع باحثونا أن يدرسوا الأسطورة السورية بروحيتها ، البعيدة عن الأسس التي وضعها الفكر الغربي ؟.
أظن أن الفكر الغربي هو الذي نبهنا ، يعني يجب علينا أن نعترف بالواقع ، ونعترف بالتفسير وبالأفضلية ولكن يجب أن نتجنب التقليد ، وقد كُتب منذ خمسين سنة إلى الآن الكثير من المؤلفات في الأسطورة والتاريخ المشرقيين، وتأثير المستشرقين واضح فيها.
ولكن الشيء الذي يميّز الكتاب الحديثين في مجال الأسطورة هو أنهم يحاولون أن يبحثوا في هذا المجالات من منظور سوري ومنظور محلي .
وأعتقد أن أحداً لا يتمكن من أن يبحث في الأسطورة السورية دون الاعتماد على ما تمّ اكتشافه ، هذا شيء واقعي .
والتعصب الشديد تجاه كل ما هو غربي وضد ال! مستشرقين غير أمر غير محبذ ، والإنسان يجب أن يكون رزيناً ، بمعنى أن يرفض تأثير المستشرقين على دراسة تاريخنا ودراسة الأسطورة بالأخص، ولكن مش لازم يرفضها رفضاً تاماً ، يعني مش لازم يكون عقوق بالفائدة التي أعطونا إياها ، فلولا الغرب لكان بحثنا في تاريخنا وفي أساطيرنا لا يزال يجعلنا نقسم تاريخنا إلى قسمين ، الجاهلية والإسلامية . والجاهلية معناها أن تقع الأسطورة في الجاهلية على أساس أنها خرافة وفقط .
فإذا لم يكن للغرب غير هذا الفضل يجب أن نعترف به .
مصطلح السامية ، هل أن استخدامه في نطاق الأدبيات التاريخية يسهم برأيك في خلق بلبلة معرفية ، أم أنه صالح علمياً للتداول ، رغم ما شابه من تداعيات عنصرية ، سياسية وبعدَّ عن الموضوعية …
هل ثمة مصطلح بديل ؟
لا أظن أن هناك ولحد الآن مصطلح بديل ، ولكن يلزمنا مصطلح بديل لأن فكرة السامية هي فكرة لغوية صرف ،
بُنيت على أساس لغوي صرف ، مع أن اللغة العبرانية واللغة الكنعانية والعربية هي لغات سامية .
وبما أن اليهود هم الذين كانوا يمثلون هذه الفئة السامية في أوروبا ظهر ! ما دعي ب Anti Semitic / لا سامي / .
وهذا لا علاقة له بالعرب أو بالسوريين في ذلك الوقت ، لذلك ظهرت هذه الفوضى من هذه التسمية ،بحيث أن السامية صار لها مدلول يخص اليهود واليهود الأوروبيين فقط .
كما أن السامية تدل على عنصر يرجع إلى التوراة ، حيث أن سام ابن نوح وهكذا …، مع أنه تم رفض الكنعانيين ليكونوا أولاد سام، فهذه النظرة التوراتية تختلف عن النظرة اللغوية للسامية ، وهذه النظرة اللغوية جاءت في القرن التاسع عشر عبر (( غريم الألماني )) الذي بدأ بدراسة اللغات وتقسيمها إلى عائلات . فالفوضى نشأت من الخلط بين ثلاثة مفاهيم للسامية ، المفهوم اليهودي - الأوروبي الصرف ، الذي يظهر عادة " باللا سامية "، والمفهوم العنصري الذي جاء من التوراة وهو مفهوم فوضوي خالص لأن لا دلالة تاريخية له ، ثم المفهوم اللغوي. والناس تخلط بين المفاهيم الثلاثة ، لذلك وقعنا في هذا المطب ،أما كيف الخروج منه ؟ فهنا المشكلة . والحقيقة أنني فكرت بهذا مدة طويلة .
هذا السؤال دكتور حداد ، هو جزء من ملف أو استبيان سبق أن طرحته على عديد من الباحثين وسأواصل هذا العمل لحين محاولة الشروع في إقامة مائدة مستديرة للباحثين العرب حول هذا الأمر ، وقد استوقفني في ! الإجابات ، إجابة الدكتور محمد محفل الذي طرح بديلاً لمصطلح السامية بمصطلح " الشامية " حيث أن برأيه يجوز إقلاب السين إلى الشين وكذلك العكس .. ما رأيك بهذا المصطلح ؟
هنا في المنطقة ، الكثير أخذ بمصطلح العرب والعروبة ، فصار الكلدان عرباً ، حتى المصريين أصبحوا عرباً وفق ذلك .
وكل هذا على أساس لغوي غربي ، بمعنى أن هؤلاء كلهم تكلموا لغات سامية وبالتالي فهم عرب ، ولكن هنا نقع بمشكلة حيث بذلك يصبح اليهود عرباً ! وبهذا نرجع إلى الفوضى .
آسف على المقاطعة دكتور .. ولكن هل هناك لغة عبرية ؟
يوجد لغة عبرية ولكن أصلها كنعاني ، وأظن أن اليهود هم من الكنعانيين ، ممكن يكونوا كذلك .. ما بعرف .
أو هم دخيلين على كنعان ، لذلك كل حضارتهم وكل لغتهم كنعانية، ولكن حاولوا أن ينفصلوا عن الكنعانيين ،لذلك ظهرت قصة التوراة التي تقول أن حام وجد والده عرياناً فغضب عليه الأب ولم يشتمه ، بل شتم حفيده أي ابن حام ،وهو كنعان ، فهذا شيء غريب .
من يقرأ تاريخ العبرانيين يلاحظ وجود مملكتين لهم ، الأولى مملكة إسرائيل في الشمال، والثاني! ة جنوبية وهي مملكة يهوذا ، اتصفت المملكة الجنوبية بثقافتها الرعوية، في حين أن الشمالية زراعية إلى حد ما بدليل أن بعض مشايخ هذه المملكة كانوا يتزوجون من بنات ملوك المدن السورية / ابنة ملك صور، إيزابيل تزوجها آخاب / .
أنا لا أظن أن هناك أي تفرقة حتى بين اليهود أو في إسرائيل القديمة ، حتى في مملكة داوود وسليمان ، ففي ذلك الوقت لم يكونوا سوى دويلات سورية مثل غيرها ولم يكن لديهم التوراة وكانت دويلات متفاعلة .كما أنه لم يكن هناك يهود بالمرة ، اليهودية لم تقم وتتبلور إلا حين صارت الدولة اليهودية / أورشليم / في خطر من الغزو الكلداني . وبعد أن تم سبي اليهود ظهرت العنصرية والاستعلاء نتيجة السبي والمعاناة.
وترى تأثير النعرة العنصرية على كل الكتب التي يدعون أنها أقدم ، مثلاً كتب التوراة الخمس ، كتب التاريخ ، المزامير إلا كتب الأنبياء والتي جاءت متأخرة .
معنى هذا أن التوراة كُتبت / يجوز أنها لم تكتب حرفياً بل جرى تحويرها / بعد السبي وأعتقد أن الدين اليهودي الموجود حالياً مرّ بفترتين ، الأولى جاءت بعد تخريب الرومان للدولة اليهودية خصوصاً بعد سنة 123م حين هدموا القدس وتم تدمير الهيكل .
فالدين اليهودي القديم قائم ومرتكز على العبادة في! الهيكل ، فلا يمكن ذبح الذبائح إلا بأورشليم في الهيكل ،ولا يمكن أن تتعبد الله إلا بالهيكل ، وكان الدين مرتكز أيضا على الكهنة الذين سيطروا على الهيكل .
الدين اليهودي الجديد انتهى لأنه لم يعد هناك هيكل بعد سنة 123م، لذلك الحاخامين اليهود ،العلماء اليهود، شكلوا ديناً ثانياً يعتمد على التلمود البابلي بالأخص ، ويعتمد على ما يسمى بدين " السيناتوغ " حيث يجتمع الناس حتى يدرسوا التوراة وتاريخ اليهود دون أن يجتمعوا من أجل عبادة الرب لأن عبادته لا تكون إلا في الهيكل وهذا هو التطور الثاني الذي حصل على الدين اليهودي .
وهناك تطور ثالث حصل على الدين اليهودي في القرون الوسطى في أوروبا وخاصة في بولونيا تجلّى في تأثير " الكابالا " على الدين اليهودي ولا يزال هذا التأثير موجوداً حتى الآن عند الأرثوذكس .
في عصر النهضة صار هناك نوع من التقسيم بين اليهود ، لهذا خرجت مجموعة من اليهود الإصلاحيين الذين رفضوا الربط بين الدين والدولة ثم نشأت مجموعة بين الأرثوذكس وهؤلاء هي مجموعة المحافظين وهذه هي اليهودية الحديثة .
الآن ، إيجاد إسرائيل في القرن العشرين سيطر على كل هذه الأقسام والمج! موعات ، حتى الإصلاحيين أصبحوا يغيرون أفكارهم ويعيدوا اعتبار إسرائيل هي بؤرة أرض الميعاد .
هل الحقائق العلمية التاريخية / اللغوية – الاجتماعية – الحضارية / تمكننا من أن نسبغ على مجتمعات الهلال الخصيب ، هوية عربية بمعنى أن نقول: العرب الأكاديون أو العرب الآشوريون …الخ …
كيف يمكننا تحقيق التوازن المعرفي في هذا الأمر بعيداً عن الأيدولوجيا مسبقة الصنع التي تحمّل الحقائق التاريخية ما لا تحتمله ؟
أعتقد أن البحث في هذا الأمر يحتاج إلى تفهم تاريخ المنطقة ، فإذا قلت أن هذه المنطقة عربية فهذا على أساس أن اللغات المستخدمة هي العربية للأغلبية الغالبة وليس على أساس عربي عرقي بمعنى أنك تشمل كل اللغات ..
هذا معناه أن المدلول هنا لغوي ؟.
وعلمياً هذا الأمر لا يشمل الكلّ لأن منطقة الهلال الخصيب ، تدّخلت فيها لغات وشعوب.
الحوريون مثلاً ليسوا ساميين والكثير ممن دخلوا العراق ليسوا ساميين ، أقصد ساميين على أساس لغوي ، لذلك هذه المنطقة ما هي إلا مزيج ، مزيج مميز للبيئة الجغرافية التي يقطنها .
يعني يأتي أناس من خارج المنطقة إليها وسرعان ما ينصهروا فيها حضاري! اً ولغوياً واقتصادياً .
يجب أن يكون هناك هوية ، وانتماء ، وأنا أبحث عن تسمية بديلة عن التسمية العربية ولكن إلى الآن لم أجدها ، هناك أناس يسمون الهوية " الهللخصبيون " / نسبة للهلال الخصيب / وهذه غير مجدية قليلاً .
كما أن تسمية المنطقة بالهلال الخصيب تسمية جاءت من الغرب ، وجيمس بريستد هو من أطلق عليها هذه التسمية على أساس شكلها الجغرافي .
على كل ، التسمية البديلة يجب أن نتركها حتى يصير هناك شعور من أحداث التاريخ ومن الثقافة ، حتى يصير هذا الشعور بالهوية ومتى وجد الشعور بالهوية يصبح اسم الهوية موجودا".
ومهما كان الاسم، فلا بأس به ، المهم هو الشعور كما قلت، وأعتقد أننا نسير في هذا الطريق ولكن هناك شوط بعيد حتى نصل
فإيجاد تسمية الآن أعتقد أنه أمر مبكر رغم أن هناك تسميات موجودة ولكن هل تُقبل شعبياً ؟ هل تُقبل علمياً ؟.
استناداً على ما سبق ، هل تؤمن وفق نظرتك ودراساتك التاريخية –الاجتماعية على أن العالم العربي يُشكّل وحدة حضارية واحدة
أظن أن العالم العربي هو واقع أربع وحدات حضارية ، وادي النيل / مصر والسودان / المغرب ال! عربي ، الهلال الخصيب ، الجزيرة العربية ، هذا جغرافياً أمر بديهي وحضاري اً أيضاً واقتصادياً / لا تنسى ذلك / .
والتفاعل بين هذه المتحدات هل تراه ضرورة وجودية ؟ !
طبعاً ، كلما تفاعلوا كان هذا أفضل ..
لأن هناك بعض الدعوات تأخذ طابع الانعزال وعدم التفاعل بما يعاكس روحية حركة المجتمع في الهلال الخصيب تاريخياً .
كما أن حكاية الوحدة العربية والأمة العربية تُخّرب علينا التقدم ، على أساس أن لا نسعى إلى وحدة هذه المتحدات كلاً على حدة ومع بعضها البعض ، بل ننطلق إلى وحدة مع ليبيا أو مع موريتانيا أو غيرها ، وأعتقد أنه إذا لم تتحقق وحدة طبيعية داخل كل متحد فكيف يمكنك أن توّحد العالم العربي ؟.
وإذا مع الزمن صدف أن تقارب العالم العربي اقتصادياً وغير ذلك وهذا ممكن، وأنا أتكلم بالتاريخ ، يمكن أن يتوحد العالم العربي ولكن هذا بالمستقبل وليس بالوقت الحاضر ، فالآن ينبغي أن نسعى لتحقيق الوحدة بين كل متحد إقليمي وهذا سينتج نتاجاً حسناً
ولكن ما أخشاه هو أن الهوية العربية والهوية الإسلامية ، وكثير من الناس يخلطون بينهما ، وكذلك الهوية المسيحية والهوية الطائفية ، تخرب علينا السعي في سبيل الو! حدة المتحدية .
وأظن أن أكبر المشاكل في البلد ولا سيما في سورية ولبنان والأردن هي موجودة في ما أسميه (( الملّة )) ،
وأنا اخترعت كلمة إنكليزية بهذا الخصوص وهي “ mellatism” .
الملّة هي العصبية الطائفية وكثير من الناس ينتمون لهذه العصبية ،مثل : " أنا ماروني مش سوري أو عربي ، أنا درزي ، أنا سني ، أنا علوي .. أنا أرثوذكسي " ….الخ .
فالملة لا تزال موجودة ، والملّة التي قويت شوكتها بالعصر العثماني الذي أمتد لحوالي 400-500 سنة ليس سهلاً أن تُنزعها بسرعة ، فهذا الأمر صار شيئاً قانونياً ، وشيئاً معترفاً فيه وأفرز نتائجه ،فصارت الملّة هوية لا تجمع أو تضم بل تجزئ ولا تزال فاعلة فينا وفي مجتمعنا .
وهذا الشعور بالعصبية الملّية لا يزول إلا بالبحث التاريخي الذي يعتبر من أهم البحوث التي لها نتائج مفيدة لهذا الأمر .
ولا سيما في تطوير الهوية القومية .
وأعتقد أن البحث في الأساطير هو أهم أنواع البحوث لأنه يدل ويؤكد على الاستمرارية وهذا ناقشناه سابقاً .
سأنتقل معك إلى جانب آخر ، فقد رصد المؤرخون بشكل عام وخاص جملة المبادلات الاقتصادية وال! تجارية عبر طريق الحرير ، وأقصد هنا علاقة المشرق العربي مع بلاد الشرق ا لأقصى .
ولكن لو أردنا أن نخوض قليلاً في معالم التأثير والتأثر في مساق الفكر والفلسفات وتحديداً في التأثيرات الفلسفية والاعتقادية لحضارات الشرق الأقصى على المشرق العربي .. هل يمكننا مقاربة ذلك ؟
الحقيقة أنا مهتم كثيراً بالنظريات والأفكار الصينية والهندية القديمة . الشرق الآسيوي يختلف عنا اختلافا تاماً لأن الدين ليس هوية كما هو عندنا ، لذلك الهندوس مثلاً ليسوا تبشيريين فلم يبشروا ولا افتتحوا باسم الدين ، الآن في الوقت الحاضر يحصل لديهم نوع من العصبية لأنهم أخذوا يقلدون الغرب ولكن تاريخياً لم تكن لديهم الهوية الدينية ، يعني من هو الهندوسي ؟ لا أحد يعرف من هو الهندوسي ، بمعنى آخر ليس عندهم دوغما أو عقيدة مكتوبة ..
الآن التفاعل الاقتصادي عبر طريق الحرير لم يأخذ معه شيئاً دينياً ولكن صار هناك دين بوذي ، ( أشوكا) في الهند اعتنق الديانة البوذية وحاول أن ينشرها في أنحاء الهند ، وهناك إثبات تاريخي أنه وصل مرسلون بوذيون إلى المشرق العربي قبل المسيح في أيام العصر الهلنستي ولم يكن هناك تأثير قوي ، ولكن التأثير القوي كان على المعتقدات المسيحي! ة لأنها تتفق كثيراً مع المعتقدات الهندية ، فولادة البوذا تشبه ولادة المسيح ، حيث ولد من عذراء …الخ ، كذلك إصرار البوذية على ترك الدنيا الفانية ، والفقر أحسن من الغنى ، كل هذا هو تبشير المسيح وليس الدين المسيحي ، فتبشير يسوع الناصري شيء والدين المسيحي شيء آخر .
إذن ممكن يكون هناك تأثير من البوذية علينا ، ولكن من مظاهر التأثير التي لا يمكن إنكارها هو المسبحة سواء كانت المسبحة الإسلامية أو المسيحية، فهذه أتت من البوذية وهذا هو الشيء الوحيد الذي يمكن للواحد حالياً أن يلتقطه بيده .
البوذيون ولا سيما الصينيين منهم أكثر من الهنود، كان عليهم أن ييكرروا صلاة معينة دائماً لذلك كانوا يضعون مئة أو مئتي حبة .
في الإسلام أصبحت المسبحة تتألف من 99 حبة لأن على المسلم أن يذكر أسماء الله الحسنى ، المسيحيين يجب أن يقولوا الصلاة " أبانا في السماوات" ثلاث مرات ومباركة أنتِ " لمريم العذراء عشر مرات / مريم أهم بكثير من الآب / والابن / ! ( ضاحكاً ) .
في أوائل الخمسينيات أصدرتم كتابكم " الموسيقى السورية " هل من اتجاه لديكم لإعادة إصداره مع نتائج الكشوفات الأث! رية الجديدة في الهلال الخصيب ..؟ خصوصاً أنه لا توجد كتب مماثلة في المك تبة السورية والعربية ؟
هناك ضغوطات كبيرة عليّ كي أُعيد إصداره ، وطُلب مني أن ينشركما هو ، وأنا أعارض هذه الفكرة معارضة شديدة , يجب أن يكون هناك شيء جديد . وهذا الكتاب كتبته حين كنت في عنفوان الشباب ، وهناك تعابير لازم نهدّيها شوي ونزيد العلمية أكثر ولكن هذا يحتاج لشغل كثير وليس لدي الآن وقت للتفرغ له .
حين تؤلف كتاباً مثلاً حول المعتقدات الدينية الشعبية في سورية ، هل يكون تفكيرك منصباً على أن من يقرأ هذا المؤلف المواطن الأميركي أم العربي ؟! وهل يؤثر هذا على منهج ومنحى التأليف والأفكار المطروحة ؟
حين أكتب أولاً ، أنا أحاول أن أقنع نفسي ،وبما أنني كذلك فلابد أن الناس الذين يتجاوبون معي والذي يكونون من نوعيتي يحبونه ،كما الناس الذين لا يكونون كذلك،حيث يتساءلون والتساؤل هو أهم شيء هنا .
مع ملاحظة أن موضوع المعتقدات الشعبية والأساطير القديمة هو جذاب لبعض الناس وليس فيه جذب لعامة الناس .
وهنا أنا أتساءل كما كنت أتساءل سابقاً ، لماذا لا نرجع إلى تموز ، إلى أدونيس ، إلى البعل وخصوصاً البعل ، فبعد اكتشافات رأس شمرا / أوغاريت، ! أظن أن أساطير البعل أهم ما اكتشف حديثاً خصوصاً أن التوراة شوهت صورة البعل تشويهاً غريباً كما شوهت كل الأساطير غير اليهودية ولكن بالأخص البعل ، على أساس أن هو الرب .
لأنه إله زراعي ؟
لا ،يهوه في بعض نواحيه كان إلهاً زراعياً ، فالآلهة تتبع حاجات الناس واهتماماتهم ..
لأنها اختراع الناس ؟!
طبعاً ، ولكن هناك فرق ، البعل هو أسطورة، ويهوه في التوراة صار حقيقة تاريخية أو هكذا يقال ، لذلك منفعته ليست كما منفعة الأسطورة، الأسطورة تستطيع أن تفسرها، أن تتفاعل معها في حين أن / يهوه / يجب أن يبقى حرفياً ولا داع للتفاعل معه .
لذلك العقل يبقى مفتوحاً على الأسطورة ومنغلق على الدوغما .
وأظن أن الشيء الذي أعطته التوراة للعالم كله هو هذه الدوغما ، فهذه الدوغما ليست موجودة عند الهند مثلاً ولا في الصين ولا عند اليونان القدماء ولا عند الرومان القدماء ولا عند السوريين القدماء ، هذه مثلما تقول " دق جديد " وبالصدفة اعتبرت المسيحية كتابات اليهود جزء من كتاباتها المقدسة ، والإسرائيليات تدخلت في الإسلام تدخل غريب الشكل .

*( كلنا شركاء ) 14/5/2006
 

www.ssnps.jeeran.com

إن جميع المقالات التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع