|
بالتالي إذا كان نظام الفكر و المبادئ هو نظام تعيين المصالح المادية والروحية
للأمة السورية فنظام النهج هو إحقاق هذه المصالح في المجتمع من خلال أدوات
صالحة لذلك .
إذا كان نظام الفكر يتضمن الغاية فنظام النهج يتضمن الطريق إلى الغاية .
إذا كان نظام الفكر قصده تحيا سوريا فنظام النهج قصده شق الطريق لتحيا سوريا .
واضح أنه من مستلزمات و مقومات نظام النهج لكي يحقق النجاح والانتصار :
أولاً:العقل النافذ والمبدع الفاهم لطبيعة الفكر و المبادىء و واقع الأمة
والمجتمع و طبيعة المرحلة و تحدياتها لكي يكون قادر على وضع الخطة و السياسة
والبرنامج الذي يترجم المبادىء إلى أفعال و انتصارات في حياة الناس و المجتمع.
"المبادىء هي مكتنزات القوى و الفكر......... إذا لم نفهمها صعب علينا أخيراً
أن نفهم ماذا تعني لنا كيف نؤسس بها حياة جديدة أفضل من الحياة التي لا تزال
قائمة خارج نطاق نهضتنا" (ج15 – ص15)
ثانياً:الإرادة الصلبة و الإيمان الشديد أي الأخلاق و المناقب القومية
الاجتماعية التي عيّنها سعادة وحددها بشكل واضح و اعتبرها حاجة مهمة يتوقف
عليها تحقيق كل خطة و نجاح كل نظام .
"كل خطة سياسية و كل خطة حربية مهما كانت بديعة و مهما كانت كاملة لا يمكن
تحقيقها إلاّ بأخلاق قادرة على حمل تلك الخطة ، بأخلاق متينة ، فيها صلابة
العزيمة و شدة الإيمان و قوة الإرادة و اعتبار المبادىء أهم من الحياة
نفسها..كل نظام يحتاج إلى الأخلاق . بل إن الأخلاق هي في صميم كل نظام
يمكن أن يكتب له أن يبقى" (ج15 – ص144)
بهذه الأخلاق تكون السياسة كنهج و أسلوب فن بلوغ الأغراض القومية و الخدمة
العامة و السعي لرفاهية الشعب و العمل لتحقيق المثل العليا . بهذه الأخلاق
تتحقق مصلحة الأمة و تكون فوق المصالح الشخصية و النفعية ، بهذه الأخلاق بنا
سعادة الحزب و أطلق مشروع النهضة و لقد مارسها قولاً و فعلاً فكان له ذلك
الحضور المؤثر و الطاغي و المُشع حتى الآن لأنه منذ دخوله الصراع كان مشروع
سجين و شهيد و قد أنجز ذلك بإرادة حرّة واعية مدركاً أن الغاية التي يسعى لها و
هي خدمة و تحقيق أماني الشعب تتطلب تضحيات كبيرة .
"السياسة أيها القوميون الاجتماعيون ، تختلف في عرفنا عنها في عرف الآخرين ،
نحن لا نتاجر بالمبادئ ، و لا بالصداقات ،و لا نخلف الوعد ، و لا نستهزئ بأماني
الشعب ، و لا نحتقر حاجاته و رغباته . نحن نؤمن بحقيقة الشعب ، و نعمل لحقيقة
الشعب ، نحن نقدس آلام الشعب و نبذل نفوسنا فداء للشعب . نحن لا نستهزئ ، و لا
ندوس أماني الشعب بأقدامنا ، بل نرفعها على هامنا و نبذل دمائنا و نفوسنا في
سبيل تحقيق أماني الشعب . هذا هو المفهوم السياسي في الحزب القومي الاجتماعي و
إذا كان هنالك من يقول أن السياسة غير هذا فله سياسته و لنا سياستنا" (ج14 –
ص153)
لقد افتتح عهد البطولة المؤيدة بصحة العقيدة ليكون قدوة في حزبه و شعبه و قوة
لنهضته .
" إن حالة أمتنا و وطننا الحاضرة لا تزال الحالة عينها التي تستدعي التوجه
بالكلية إلى مزية أولية أساسية من مزايا حزبكم و نهضتكم العظيمة أعني مزية
البطولة المؤمنة ...... إن حزبكم قد افتتح عهد البطولة الشعبية الواعية المؤمنة
المنظمة في أمتكم ، فإن عهدكم هو عهد البطولة فلا تتخلوا عن طريق البطولة و لا
تركنوا إلى طريق المساومة الغرّارة .... وإني أقول لكم إن قوتكم الحقيقة في
بطولتكم المثبتة في حوادث تاريخ حزبكم و في عناصر رئيسية هي : صحة العقيدة ،
شدة الإيمان ، صلابة الإرادة ، و مضاء العزيمة ، فإذا فقدتم عنصراً واحداً من
هذه العناصر الأساسية انصرف عنكم المناصرون و تفرق المتقربون" (المحاضرة الأولى
– ص23)
لقد كان الاتجاه والطريق الذي شقه سعادة لتحيا سوريا يتطلب أخلاق التضحية و
العطاء و البطولة و التي يجب أن تتجسد أولاً في القيادة في الإدارة العليا في
السياسيين في الحزب السوري القومي الاجتماعي.
لقد كانت بداية العمل وطريق الإنقاذ القومي عند سعادة هي بعث نهضة سورية قومية
اجتماعية تكون حامل اجتماعي للمشروع القومي الاجتماعي ( إعادة حيوية الأمة و
توحيدها و إقامة النظام الجديد ) هذا الحامل هو الإنسان الذي رأى في نظام الفكر
و المبادىء تعيين لمصالحه المادية و الروحية في البقاء و الارتقاء ، يجب أن يرى
في نهج الحزب و سياسته و خططه وبرنامجه و خطابه حماية ً ودفاعا ًعن مصالحه في
الحياة الحرة الكريمة ، دفاعاً عن حقوقه وواجباته ، دفاعاً عن كرامته . يجب أن
يرى ثقافة و رؤية واضحة و تضحيات ملموسة في مواجهة من سلبه حريته و كرامته و
لقمة عيشه ، في مواجهة من عطّل حيويته و وحدته ، في مواجهة من سبب له التخلف و
الجهل و عطّل قوته . يجب أن يرى كل ذلك لينتمي إلى النهضة ، الحركة ، الحزب .
"الحركة السورية القومية الاجتماعية ليست اعتباطية و لا مستعجلة مبتسرة ، إنها
لا تخشى أن تسبقها التكتلات النيورجعية والتشكيلات الاعتباطية ، لأنها القضية
التي لا يمكن أن يقوم بناء قومي متين ، جميل إلاّ على أساسها ، هي قضيتها ، هي
القضية السورية القومية الاجتماعية . إن هذه الحركة هي حركة الشعب لأنها حركة
العمال و الفلاحين و الكادحين الذين حررتهم القومية الاجتماعية من الخمول و
الذل و الاستسلام لينتجوا بأيديهم و معاولهم خير شعبهم و لينالوا بفضل جهادهم
القومي الاجتماعي حقوق حياتهم الجيدة .... إنها حركة أصحاب المهن الحرة و
المثقفين الذين يعملون ليل نهار ..... إنها حركة المواهب القومية الاجتماعية في
خدمة الأمة ، و حركة موارد الأمة في النظام الجديد الذي يجعل هذه الموارد خير و
صحة و فلاح و نعيم للمجموع" (ج16 – ص102)
هذا الاتجاه الذي حدّده سعادة بوضوح يتطلب مواجهة شاقة مع كل النظم الإقطاعية و
الرأسمالية و الطائفية و العشائرية والاستبدادية . بهذا الاتجاه و بهذه
التضحيات ينمو الحزب و يكبر و يؤسس تيار نهضوي شعبي مؤيد له و متسلح بالوعي
القومي ، منه يستمد الحزب قوته و حضوره و به يربح معاركه و يقرر سياسته
المستقلة و يحقق إرادته الحرة في انتصار الحق و زهق الباطل .
"إن النهضة التي تنظر في مصالح الفلاحين و العمال و أرباب الحرف و الصناعات و
التجارات و تتخذ منها أساساً لكل أعمالها ، خليقة أن تنتصر على جميع الحركات
السياسية التي تشتري المنفعة و النفوذ الخاصين بدماء الغوغاء ، وما يؤيد الشعب
تأييداً مطلقاً إلاّ الذين يخدمون مصلحته خدمة مخلصة" (ج2 – ص230)
إن نمو النهضة و امتدادها الشعبي يُترجم في تطبيق قوانين و برامج الحزب في
الدولة لمصلحة الشعب و لا يخدم قضية خاصة و منفعة شخصية و طمع و شهوة أشخاص في
الوصول إلى نفوذ خاص .
" إننا حزب لا يطلب النمو من أجل النمو لأننا لا نبتغي النمو لمصالح خصوصية .
نحن حزب مصلح و الإصلاح عملية شاقة دائما ، و الإصلاح حرب عنيفة مستمرة إلى أن
ينتصر الحق و يزهق الباطل" (ج15 – ص221)
أولى مهام هذه النهضة توحيد الشعب (المفتت طائفيا و عشائريا بأنظمة كرّست ذلك
لتبقى) في العمل القومي .
لذا أرسى سعادة هذا الاتجاه على فهم علمي و عصري
متطور للهوية ، يؤسس للوحدة الاجتماعية انطلاقا من أصغر متحد إلى المتحد الأتم
، و الذي يشكّل خروجا من الماضي إلى المستقبل ، خروجا من فوضى الانحطاط إلى
نظام النهوض ، خروجا من الانتحار الطائفي و الإتني و العشائري إلى الإخاء
القومي المتجسد بالانتماء إلى وحدة الحياة و المصير في الأرض الواحدة المتحققة
بالاشتراك في دورة إنتاج الحياة و مقوماتها المادية و الروحية "الدورة
الاقتصادية الاجتماعية" وصولا لوحدة المصالح و بالتالي وحدة الإرادة . هذا
الفهم الواضح للهوية أسس لوحدة العمل القومي الذي يجب أن يبدأ في كل متحد و كل
كيان حربا على الطائفية و العشائرية و التخلف و الجهل و المؤسسات التي تحميها ،
لإقامة مؤسسات دولة الحداثة المتجلية قوانينها في المبادئ الإصلاحية للحزب .
"إن القومية السورية لا تصرف الناس إلى الأوهام و السعي وراء السراب إنها تدعو
السوريين عامة في لبنان و فلسطين و شرقي الأردن و الشام و مابين النهرين إلى
الاتحاد القومي و النهوض الاجتماعي ، إلى العمل على سحق الرجعية و النيورجعية و
أوهامها ، إلى فصل الدين عن الدولة و اعتبار الأمة مجتمعا واحدا ، إلى إقامة
نظام نفسي – ثقافي-علمي يزيل الشقاق و يمحو التفسخ و يبعث اليقين و الإيمان و
الثقة" (ج16 – ص25)
هذا ما ميّز جذرية و صدقيه العمل القومي ببعديه الاجتماعي و الإنساني عند سعادة
خلافا لكل الدعوات القومية الأخرى التي نحت بالعمل القومي نحو الأحلاف والوحدات
السياسية و الشعارات الرومانسية و الطوباوية التي أضاعت زمنا طويلا من حياة
شعوبها و لم تحقق لها إلاّ التجزئة و الانكسار و الهزائم و الفقر و التخلف وقد
تأثر اتجاه الحزب بعد سعادة بهذا الخط القومي الوهمي بعكس اتجاه العمل القومي
الإنقاذي المتجذر و المتجلي في تحديد ساحة الصراع و تحديد الطريق العملي لجهاد
الحزب من قبل سعادة .
"الحركة السورية القومية هي حركة بعث قومي قبل أن تكون سياسية ، تعمل في الحقل
القومي على أساس مبادئ و برامج موضوعة ، لا تحيد عن اتجاهها قيد شعرة . غرضها
الوحدة القومية بين أفراد الشعب السوري كله و من بعدها الوحدة السياسية على
أساس سورية الجغرافية و هدفها إيقاظ الوجدان القومي في الأمة السورية وإحلال
المصلحة القومية لا المصلحة الخاصة و إماتة العصبية الدينية و المذهبية وإحياء
العصبية القومية وحدها" (ج3 – ص261)
"إن الجهاد القومي يجب أن يكون داخليا أولا و أن الانتصار على عناصر الرجعة و
النفعيين و تجار المبادئ و الأعمال الذين لا معنى للحياة عندهم غير ابتزاز
الناس و المتاجرة بحقوق الشعب و مطالبه ، هو شرط أساسي للانتصار على أعداء
الأمة الخارجيين ،إن شعار الزعيم من هذه الوجهة هو حارب الرزيلة أينما وجدت و
لا تنفك عنها حتى تجهز عليها" (ج7 – ص21)
من هنا نعرف لماذا كان سعادة ضد مشروع نور السعيد لتوحيد الهلال الخصيب في مقال
له "نحن سوريون و لسنا هللخصبيون" ؟
لأنه كان ضد الوحدة السياسية التي تخدم زعيم سياسي معين . ولماذا انتقد حرب
الإنقاذ بقيادة فوزي القاوقجي و استشرف الفشل ؟ لأنه كان ضد أن نذهب إلى الحرب
و نحن مجزأين من الوجهة المادية و الروحية . من هنا نعرف أيضا بعد خمسين سنة
على غياب سعادة لماذا بعد كل هذا الزمن من العمل القومي القائم على الدعوات و
الشعارات القومية الرومانسية و وجود الدول القومية (الشام و العراق) و الدول
الديمقراطية (لبنان) حسب التسميات المتعارف عليها .... ما تزال الوحدة
الاجتماعية (الوطنية) و التنمية ضالتان منشودتان عند الشعب لا بل أكثر من ذلك
رأينا تفتت المجتمع و تخلفه أكثر و دخوله في حروب طائفية مدمرة ..... وشهدنا
سقوط إحدى الدولتين القوميتين و احتلال أرضها وبرزت هشاشة مرعبة للمجتمع المحتل
المشبع بالشعارات القومية ..... وحصدنا هزائم أكثر و تراجع أمام العدو اليهودي
الذي قام باحتلال بيروت في ظل صمت عربي مطبق و تفتت اجتماعي مُرعب ، حتى انجاز
التحرير في لبنان مُهدد بالتفريط به من قبل دولة وجدت لتحمي الطوائف لا لتحمي
الأرض و الشعب ، وبسبب انجاز التحرير من قبل طائفة .... دولة : التحرير و
السلام فيها بحاجة لتوافق طائفي وهذا لن يحصل لأن لكل طائفة سياسة خارجية تنطلق
من مصلحتها تتناقض أو تتوافق مع سياسة و مصلحة الدولة الضعيفة التي هي بحاجة
دائما لحماية و وصاية خارجية ، بينما التحرير و السلام عند سعادة بحاجة لوحدة
روحية و مادية عند الشعب و لدولة الحق و العدالة و الحداثة كي يُنجز و يستمر في
المستقبل ، إذاً لا الدول القومية كما دُعيت و التي بُنيت على قراءة للهوية
مغلوطة تاريخيا و فاقدة للأساس الاجتماعي و الإنساني و مهجوسة فقط بالتصدي
للعدو الخارجي حتى أصبح الخارجي داخلي لأنها لم تؤّمن حقوق الناس في الحرية و
الحياة الكريمة و لم تؤّمن مناعة الداخل وقوته في مواجهة الخارج الطامع و الذي
لن يتوقف في صراع الأمم ، واختزلت العمل القومي بموقف سياسي لزعيم أو قائد ،أو
خطاب و شعار لحزب......ولا الدولة الديمقراطية (لبنان) كما يدّعون أربابها و
التي بُنيت على حرية و حقوق الطوائف ، و هروب لاهث نحو الخارج للتملّص من تبعات
هوية التاريخ و الجغرافية و التعويض عن مستحقاتها ... كلاهما فشل في مواجهة
الخارج و الإرادات الأجنبية و كلاهما نجح في إفقار وتهجير الشعب حتى كفر هذا
بالقومية والديمقراطية .
بينما العمل القومي الإنقاذي يقتضي خلق تيار شعبي نهضوي متسلح بالوعي والمعرفة
موحد روحيا و ماديا ، يسعى لإقامة دولة مدنية ، ديمقراطية ، عادلة تقيم العدل
الاجتماعي الحقوقي- الروحي و العدل الاجتماعي الحقوقي- الاقتصادي و تؤّمن حقوق
الشعب في الحرية و الحياة الكريمة ....
"الحركة السورية القومية هي لتأمين كل فرد من أفراد الأمة السورية على حقوقه
أولاً ولتأمين الأمة السورية على حقوقها ثانيا" (ج8 – ص20)
"الحزب السوري القومي دعوة عامة إلى جميع السوريين من لبنانيين و شاميين و
فلسطينيين و أردنيين للاعتراف بحقوق واحدة مدنية لجميع السوريين والعمل على
صيانة هذه الحقوق و المصالح ضد غزوات المصالح الأجنبية...." (ج8 – ص21)
بسبب هذا الطريق الذي شقّه سعادة للإنقاذ القومي تنقل من سجن إلى سجن إلى
اغتراب قسري ومن ثم إلى الشهادة ، لقد كان شهيد هذا الطريق و الاتجاه (نظام
النهج) الذي افتقدناه بعده في الحزب ، شهيد الصراع مع الأنظمة المستبدة
،الطائفية ، النفعية ،المتحالفة مع الإرادات الأجنبية ، لقد كان شهيد الحرية و
الدفاع عنها كحاجة و حق لشعبه .
"الحرية مثل الثروة لا يجوز لأحد أن يفتخر بها إلا إذا جناها بعرق جبينه" (ج7 –
ص21)
لقد كان من أوليات نضاله الإصلاح السياسي ، و تأمين حرية التعبير ، و حرية
تأسيس الأحزاب ، و ممارسة الحقوق السياسية و المدنية.
"الأمة المعترف باستقلالها و بأهليتها لهذا الاستقلال ، و تمنع فيها الحرية
التامة في إبداء الآراء السياسية و العقائد القومية- الأمة التي تخلو من منبر
عام و من حرية تشكيل الأحزاب السياسية هي أمة تحيا و لاشك في ظروف غير اعتيادية
و الظروف غير الاعتيادية تقضي نهجا غير اعتيادي وتأسيس الحزب السوري القومي
لتمكين أبناء الأمة من ممارسة حقوقهم المدنية و السياسية المحرومين منها بحرية
وليس لمنعهم من ممارسة هذه الحقوق" (ج2 –ص195)
هذا لا يعني أن سعادة أسقط خيار المواجهة المباشر مع الاستيطان و الاحتلال فهو
أول من استشرف خطر المشروع الصهيوني على فلسطين و الأمة ،و أعدّ العدّة
لمواجهته ، بتأسيس فرع للحركة و تأسيس مجموعات و فرق منظمة مقاتلة في فلسطين،
كما أنه سعى إلى تأمين السلاح للقوميين الاجتماعيين في حرب الإنقاذ ، و لقد كان
بصدد إقامة دورات عسكرية لتخريج الضباط لمواجهة دولة العدو .
وهو أيضا أول من عمل على تنظيم المغتربين ليكونوا خط مواجهة آخر للصهيونية في
العالم . لكنه لم يقع كما وقع غيره في الطوباوية و الرومانسية في الصراع القومي
مع الإرادات الخارجية الأجنبية فهو لم يلجأ إلى سياسة تأجيل المعارك الداخلية
(الإصلاح السياسي و الاجتماعي و الاقتصادي) في الكيانات غير المحتلة تحت حجة
التهديد الخارجي
"يظن البعض أن البحث عن الحقيقة في هذه الظروف التي تواجه الأمة هو شيء عقيم
غير مجدي . لأن هناك أخطارا مداهمة فيجب مواجهتها كيفما اتفق . إن هذا النوع من
التفكير هو مسؤول عن جر الأمة من تخبط إلى تخبط آخر . وسط الأخطار و تساقط
القنابل و الرصاص و القذائف ، وسط جميع الأشياء المداهمة الملحة ، يجب علينا أن
نفكر بالاتجاه الذي يجب أن نسلكه قبل المسير ، لأنه لا يستفيد الإنسان كثيرا من
الهرب من الدب للوقوع في الجب . النتيجة الحسنة تكون بتوخي الطريق الصحيحة
للإنقاذ . أما السير على غير هدى فيهرب الإنسان من رصاص ليسقط بقذيفة ، هذا
السير عقيم جدا و بدون جدوى و لا يجدر بالعقل المفكر و بعقل الطلاب أن يتجهوا
إليه، بل الأجدر أن يتجهوا نحو الطريق الصحيحة للإنقاذ القومي..." (ج8 – ص418)
لذلك لم يلجأ إلى سياسة الهروب إلى الأمام ....عن طريق إقامة الأحلاف السياسية
و التدخلات العسكرية و الحروب الوهمية دون التأسيس لمجتمع قوي موحد .
"إن الأمة تحتاج الآن إلى السياسة القومية التي ترى قوة الدولة في قوة الأمة و
متانة وحدتها ، لا بالسيطرة على التفسخ الداخلي بالعلاقات الخارجية و الاتفاقات
السياسية" (ج4 – ص141)
لذا نرى أن سعادة لم يكن مجرد مشروع خريطة سياسية على مستوى الهلال الخصيب كما
زرعنا في ذهن الناس انطلاقا من فهم خاطئ له من خلال حواراتنا و مقالاتنا و
خطاباتنا فعندما يُطرح اسم الحزب يتبادر إلى ذهن القارئ أو المستمع أو المشاهد
أنه يريد وحدة سوريا الطبيعية مقابل سعي القوميين العرب إلى وحدة الأمة العربية
.... إنه أكبر و أجذر و أعمق و أبعد من مشروع خريطة سياسية إنه مشروع نهضوي
يسعى لوحدة اجتماعية و اقتصادية ، و عدالة بين الناس ، و تأمين حقوقها الروحية
و المادية ، من خلال إقامة قانون مدني ، و ازدهار اقتصادي ، و إعادة حيوية
الأمة لصنع الحضارة . إنه مشروع انتصار القيم و المثل العليا لصنع الحياة
المثلى . إنه مشروع جعل الوجود الإنساني حرا ، صريحا، نيّرا .
لقد كان سعادة عمليا لأنه كان صادقا و علميا و هو الذي أدرك قيمة التفكير
العملي في خدمة القضية .
" تجاه هذه القضية الخطيرة التي بها تقاس نفسيتنا و عقليتنا نشعر بالحاجة
الشديدة إلى التفكير العملي و قد سمعتم أنه قيل أن "الأعمال بالنيات " أما أنا
فأقول أن "النيات بالأعمال" (ج2 - ص 19)
في العمل القومي الإنقاذي انطلق من الواقع السياسي المفروض بالقوة نحو التغيير
و العمل للوصول إلى الهدف المنشود انطلاقا من الواقع السياسي المشوّه للأمة ،
شرع بتأسيس فرع للحركة في كل كيان ، و بوضع خطة عملية لكل فرع ليحدد برنامج و
جبهة النضال في كل منها (مقاومة مسلحة و مواجهة مباشر كما في فلسطين و العراق
الآن ، و إصلاح الدولة و توحيد الشعب في باقي الكيانات) برؤية موحدة للقضية و
خطة تسانديه في العمل السياسي ، مبديا مرونة سياسية رائعة عكس ما أشيع عنه ،
ليس بهدف مهادنة الأنظمة و مساكنتها و وضع الحزب تحت تصرفها و خدمة معاركها
الخاصة و النفعية مقابل توظيف حفنة من الأشخاص كما يحدث اليوم... وكما حدث فيما
يسمى الواقع اللبناني ، بل من أجل تأمين الحركة و حرية العمل السياسي ، من أجل
تحديد الخطط و الأدوار بدقة و عدم التهرب من دفع مستحقات النضال و المواجهة كما
يحدث اليوم بذريعة دعم الخيار القومي الذي يعني لدى قيادة الحزب تدبيج البيانات
المشيدة و تأجيل معارك الإصلاح الداخلي ، و بذريعة الحفاظ على المركزية التي
استُخدمت كقناع يخفي حلم و غاية القيادة في الوصول إلى وظائف الدولة و
إغراءاتها على غرار سياسة الواقع اللبناني التي مورست بنفس الغاية لكن تحت
عنوان اللبننة و إهمال القضية القومية شكلا و تثقيفا و نضالا و سياسة..... أما
الآن تمارس القضية القومية و المركزية شكلا و قولا ، و عمليا تمارس الكيانية لا
لإصلاح الدولة بل للوصول إلى نعيمها.....وتحت هذا القناع استعاضت القيادة عن
النقص الواضح في إدارة التنظيم الحزبي البعيد عن المركز )الشام) بالوكالات
الحصريّة لقيادات تنسجم مع نهجها و أدائها و غاياتها و سياستها ، تدير التنظيم
بالوكالة عن المركز ضمن التوظيف السياسي المرسوم له ، و تطلق هذه القيادة
الوعود أحيانا لمواجهة هذه المشكلة بنقل المركز إلى الشام أي على طريقة الإهمال
بالدور و الاهتمام بالدور ، هذا ما مهّد للانحراف و الانفصال و التمرد أكثر ، و
بالتالي ظهرت المركزية إداريا واهية جدا ، و نضاليا فقدنا الحضور في الصفوف
الأمامية و المتقدمة للدفاع عن مصالح و حقوق الشعب ناهيك عن الغياب الكامل في
بعض الكيانات ، و ذلك بسب إسقاطنا الطريق العملي للإنقاذ القومي الذي رسمه
سعادة....و ما نراه اليوم على ساحة التنظيم الحزبي في الشام من سباق و تنافس
بين أقطاب الصراع على السلطة (الوكالة الحصرية) والمكاسب السياسية ، هو خير
شاهد على ذلك ، فهم يتحاربون بتهم غريبة و مسيئة لمفهوم القضية القومية و
الطريق العملي للإنقاذ القومي ، يتحاربون بتهمة السعي لإنشاء قيادة قطرية حسب
موقع كل منهم في السلطة ، دون أن يفهموا ماذا تعني المركزية ، و ماذا يعني
الطريق العملي للإنقاذ القومي ، أو كأن المشكلة في فشل و تعثر حزب البعث تكمن
في وجود قيادة قومية و قيادة قطرية إنهم يستعيروا مشاكل الآخرين و ثقافتهم
ليجندوها من أجل الوصول إلى غاياتهم التي لم تعد خافية على أحد .....بظنّي
عندما يكون العمل السياسي الحزبي في الكيان اللبناني لخدمة الشعب و لبلوغ
الغايات القومية ، و يكون العمل السياسي الحزبي في الكيان الشامي و بقية
الكيانات كذلك ، و يكون لكل فرع مؤسسات إدارية و سياسية ضرورية و لازمة لتحقيق
تلك الغايات بشكل فعال و عملي ، مرتبطة كلها بوحدة الإشراف و وحدة القضية ...
نكون بذلك سلكنا الطريق العملي للإنقاذ القومي ، الذي يخدم وحدة القضية و
انتصارها .... أما عندما يكون العمل السياسي الحزبي في لبنان يخدم بلوغ الأغراض
الشخصية ، و كذلك في الشام و بقية الكيانات ، بإدارة كالتي هي قائمة الآن
(مركز+وكالات حصرية) أو أي شكل إداري مركزي أو لا مركزي آخر نكون سلكنا طريق
آخر غير الطريق الذي رسمه سعادة لانتصار القضية القومية الاجتماعية ... العلة
ليست في الشكل بقدر ما هي في الأساس و المضمون .
في حين نرى سعادة منذ عام 1936 يدعو إلى الطريق العملي للإنقاذ القومي ، بدراسة
ظروف كل كيان و طبيعة كل نظام و معاناة كل شعب و تحديات و معطلات الوحدة
الاجتماعية فيه ، ليصار إلى وضع برنامج عمل و خطة للفرع الحزبي و مؤسسات سياسية
و إدارية لتنفيذ البرنامج و الخطة) فهو يدعو لمؤتمر لأركان الحزب في كل كيان ،
هذا الكلام إن قيل دون أن تشير أنه لسعادة ستقع رقبتك تحت سيف التخوين و
الانحراف).
"إن الخطة التي انتهجناها للسير نحو هدفنا الأخير هي الخطة التي لن نحيد عنها و
هي الخطة التي تقول بعدم تجاهل الأمر الواقع حين معالجة القضايا السياسية و عدم
الخروج على هدفنا و مبادئنا . إن الأمر الواقع يقسم سوريا إلى عدة مناطق أقرها
الاعتراف الانترنسيوني و أوجد منها معضلة في الحقوق القومية و الانترنسيونية
تحتاج إلى كل ما في نهضتنا من مرونة سياسية و شكلية لحلها .و ما نشعر بوجوب
القيام به و هو ما تجب علينا معالجته على غير الأساليب العتيقة التي أضرت بحياة
الشعب و لم تحقق شيئا في مصلحته . إن مطاليب العمل السياسي لفروع الحركة
السورية القومية المنتشرة في لبنان و الشام و فلسطين و شرق الأردن و العراق و
ضرورة الاهتمام بالعمل السياسي العلني توجب علينا الاهتمام بالبرامج السياسية
الخاصة التي يجب أن تقرر لكل فرع من فروع الحركة بطريقة يمكن معها العمل للغاية
الكبرى بدون تعريض سلامة الحركة للخطر . إن سلامة الحركة القومية الاجتماعية و
تأمين مطالب العمل السياسي في لبنان تجعلان الاهتمام بوضع برنامج لفرع الحركة
السورية القومية في هذه البقعة أمرا ضروريا يوجب عقد مؤتمر لأركان الحزب في
لبنان لدرس الموقف و تعيين خطة العمل و هو ما سنباشر به حالما نرتاح من عناء
السجن و من درس النقاط الهامة مع المعاونين . و بعد أن نفرغ من إعداد برنامجنا
السياسي في لبنان نبدأ بإعداد برنامجنا للشام ثم لفلسطين ثم لشرق الأردن ثم
للعراق. وإنّا واثقون من أن هذه الطريقة ستفسح لنا مجالا واسعا للعمل القومي و
تفتح لفروع الحركة السورية القومية طريق التقدم و معالجة القضية القومية بصورة
عملية لا تهمل معها الاستفادة من القضايا المحلية و ما تقدمه الظروف المحلية من
الممكنات . إن خطة إيجاد برنامج خاص بكل فرع من فروع الحركة السورية القومية
تسهل له العمل ضمن أوضاع الحال الراهنة و تنقذه من سوء فهم قضيته هي الخطة التي
يجب علينا أن نهتم بها لأنها الخطة العملية التي مشينا عليها . إن خصوم الحركة
القومية لا يعدمون أن يجدوا في كل خطة سياسية فنية من خطط الحركة موضعا للتأويل
فمنعا لأي التباس ، نصرح بأن مبادئنا ستظل هي هي ، و بأن كل برنامج سياسي فرعي
سيكون مؤسسا على هذه المبادئ و مستمدا منها" (ج2 ص233)
" لا بأس أن تسير القضية على سياسة المراحل شرط أن تظل محتفظة بصيغة القضية
الواحدة ، و أن لا تكبل هذه السياسة بعقود إلى مدى غير معقول" (ج2 - ص218)
بعد سبعين سنة من هذا الكلام نرى كم زادت الهوة بين أبناء الشعب السوري في
الكيانات و كم زادت معاناته بفعل الأنظمة و الإرادات الداخلية النفعية
المتحالفة مع الإرادات الأجنبية و بفعل غياب دور الحزب الذي أمله سعادة ، و لم
يستطع الحزب حتى الآن إلا أن يظهر كحزب لبناني....
"إن الحزب يجب ألا يظهر بأنه يقتصر على تمثيل لبنان و تمثيل إرادة لبنانية بل
يجب أن يمثل آمال الأمة السورية جمعاء " (ج4 – ص44)
التمثيل لا يكون بخطاب من القيادة المركزية الموجودة في لبنان يذكر معاناة
الشعب في الكيانات بل بتأسيس فرع للحزب في كل كيان يشق الطريق لتحيا سوريا
بدفاعه عن حقوق و مصالح الناس في الكيان و بسعيه لتوحيدها ، حتى أنها لم تؤسس
فرع للحركة في فلسطين المحتلة التي هي بأمس الحاجة لعقيدة الحزب و بطولته ،
وظهر أنه إذا أراد القوميون أن يعبّروا عن إرادتهم في قتال العدو الصهيوني
فعليهم أن يذهبوا إلى لبنان إذا أعاد احتلالها و إلا لا حول و لا قوة لهم .
لماذا هذا الغياب شبه الكامل للحزب في فلسطين مع أنه كان هناك فرع للحركة و فرق
و منظمات مقاتلة قبل عام 1949 و قبل وضع الحجج لهذه الحال و إلقاء التبعات على
الآخرين )شراسة العدو ، النهج الاستسلامي للسلطة الفلسطينية ، الحفاظ على
المركزية)، نرى الآن وجود تنظيمات شعبية مسلحة تمارس الكفاح المسلح ، وقد ربحت
الانتخابات في الفترة الأخيرة ، وهذه لها امتدادات فكرية و مادية و تنظيمية
خارج فلسطين
|