صدى النهضة السورية القومية الاجتماعية www.ssnps.jeeran.com
 
غـوار طائشاً
 
د. كمال خلف الطويل

 واشنطن: ( كلنا شركاء ) 19/5/200


من نكد الدهر أن تخرج علينا بين الفينة والأخرى شخوص هوت من القمة إلى القاع, فما عاد في وسعها إلا افتعال الضوضاء عساها تلفت إليها الأنظار, بعدما صح فيها أنها ان هي إلا شهب انطفأت ونيازك تلاشت .. وبأمل أن تعود إلى ذاكرة الناس, وهي التي تسللت منها بفعل سقطاتها الفنية المتكررة وإملال أعمالها ونمطيتها.

آخر هذه الشخوص هو دريد لحام , والذي فقعنا مؤخرا تصريحا أفهمنا بمقتضاه أن الوحدة السورية – المصرية/58 كانت من الكبائر, وأنه لا يكن لعبد الناصر ودا, ثم – وهنا بيت القصيد – أن كامب ديفيد سبيل مبرر بل ومثير للاعتزاز, سيما والحرب مستحيلة الفوز.

نبدأ بالوحدة .. لا ضير في انتقاد التجربة وتبيان أوجه قصورها, وما اعتورها من مثالب, وما أودى بها إلى انفصال .. بل ذلك كله ضروري وحيوي. أما أنها كانت غير منطقية... فليسمح لنا سيادته.

ولعل جذر المقاربة تلك هو عقيدته القومية السورية التي نظرت لمصر وبنيها على أنهم غربان أفريقيا – حسب قول مأثور لشهيرهم علي أحمد سعيد أسبر – بدلا من أن تغتبط باندخال مصر في العروبة على يد عبد الناصر وبعض من صحبه.

وليس المقام هنا مقام ملف رفاق دريد حينها, فلا الوقت وقت معارك جانبية, ولا هم في وارد الدفاع عن فترة يعتبرونها – باستثناء دريد على ما يبدو – من السقطات.

مسألة الوحدة تلك تدلف بنا إلى نفور دريد من عبد الناصر:

لقد ظهر دريد في عصر عبد الناصر, بل وعبر ما أسسه من تلفزيون في إقليم الوحدة الشمالي سوريا.

ومن جدب الإبداع في ذلك الوقت, ولشدة محلية وواقعية الشخصية المتقمصة, ولإبهار التلفزيون وجدته, نال دريد وشريكه نهاد قسطا من الشهرة متناسب مع تلك المعطيات, بل وشكل لهما مهمازا لتواصل تلك الشهرة ورسوخها. عندما أتى دريد من كلية العلوم إلى التلفزيون عام 60 حمل معه عقيدته القومية السورية مدثرا إياها بالتقية. ورغم احتدام الخصومة السياسية بين عبد الناصر والحزب القومي السوري حينها إلا أن ذلك لم يحرم دريد من فرصته الفنية, وهو الذي لم تكن سيرته خافية على أمن السراج.

لم كره دريد عبد الناصر كما أظهر للعالمين في هذا التصريح الهمام؟

لأنه عاش, منذ عام1955 ولتاريخ اللحظة, أسير "سوريته" (بالمعنى الحزبي) وعقدته "المالكية".

لنراجع معا سيرة الرجل الفنية وما تخللها من مواقف سياسية:

أتتذكرون سلسلة أفلامه اللامتناهية, والتي حفلت بكل ما هو غث, وخلت من أية قيمة فنية أو إبداعية, وعنيت باستسخاف عقول الناس وتتفيهها, دعك عن النمطية والتكرار.. وذلك طيلة الستينات وأوائل السبعينات من القرن المنصرم؟

في 69 قدم "حمام الهنا", ولحقتها "صح النوم" عام 73, بماهما استمرار دؤوب لتمثيلياته التلفزيونية مطلع ومنتصف الستينات: غوار الهبلون والماكر.

في69 قدم مسرح الشوك وفيه ما فيه من غمز ولمز وترميز وهو – على ما حفل به من هنات – يحسب لرصيده.

في 74 و 76 قدم "ضيعة تشرين" و "غربة" ليركب بهما قطار حرب 73 بطريقة مثقلة بالدعاية قدر تنائيها عن الإبداع.

في 80 قدم – مع شريكه في العقيدة محمد الماغوط – "كاسك ياوطن": لوحة سخروية بدت في هجير القمع الجاثم واحة حرية ... ولو بخداع البصر.

أيذكر أحد مسلسل "وادي المسك" 83 المتهالك؟

هناك بدأت مسيرة التراجع والنكوص.. بدى جليا أن معين دريد ينضب.. حاول في "شقائق النعمان" فتشققت عن فشل مدوٍ.

تماسك في "الحدود" ثم "التقرير" ... وفيهما قدم أفضل وآخر ما عنده .. لكنه عاد القهقري في "صانع المطر"/92, والأدهى في "أحلام أبو الهنا"/96, والأمر في "عودة غوار"/98.

خارت قواه فأخذ يعتاش من رأس المال وهو – في التحليل الأخير – متواضع بل زهيد.

أصبح حاله كحال الحسن الثاني عندما كان يردد: إن مستقبلي .. ورائي.

والطريف أن نفوره من عبد الناصر لم يمنعه من السعي الحثيث لنشر أعماله في مصر, كما فعل منذ آذار 67, ولا من توجيه الإطراء إثر الإطراء للقائد الكبير – حسب وصفه.

ذات الشيء فعله في سوريا... وبحاسة شمه المرهفة عرف اتجاه الريح منذ خريف 68, فألقى بمجاديفه مع حافظ أسد وهو يخوض صراع السلطة ضد معارضيه في الحزب والحكم, وليكون أول المهنئين وأكثرهم صخبا مذ حدث إنقلاب التصحيح.

طيب.. إذا كنت مواليا لنهج أسد, وإذا كنت قابضا على الجمر كما كررت في جولاتك في الجنوب اللبناني عبر النصف الثاني من الثمانينات مسبحا بحمد المقاومة ومساندا لأعمالها, فكيف بالله تجد في كامب ديفيد مرتعا وفي نهجه ملاذا؟ أعنّا أعانك الله ...!!

أم أن مراجعة لمقولاتك جرت بعد أن توكلت على الله واعتزلت التمثيل, لتعمل مقدم برنامج في واحدة من فضائيات آل سعود مطلع هذه العشرية, فحاقت بك حمة راشحة من أثرهم ؟؟

أم أن التقية لم تعد لازمة, والخروج من الدولاب هو التقليعة السائدة؟

كان لي لقاء يتيم مع الرجل في نوفمبر 2000 في لاس فيغاس أثناء رحلة له لاستلام جائزة النادي السوري بكاليفورنيا.

جرى الحوار كالتالي تقريبا: أستاذ دريد .. وقد مر عليك عدد من السنين سفيرا للنوايا الحسنة للأمم المتحدة لشؤون الطفل أليس مناسبا ولازما أن تقوم بدور ملموس لكسر حصار العقوبات الشاملة على العراق, خصوصا ونصف مليون طفل عراقي قد هلكوا بسببها؟

أليس منطقيا – بالتالي – أن تأخذ رجليك في سفرة لبغداد لتتفقد بنفسك أهوال ونتائج هذا الحصار المجرم على الأطفال, ولتتزود بزوادة من المعطيات على الطبيعة؟

يادكتور كمال .. أمر كهذا فائق الحساسية ويتطلب أذنا من أعلى المستويات في دمشق, فأنت تعرف طبيعة العلاقات بين البلدين!

أستاذ دريد .. رغم عدم اقتناعي لكنني أعرف وأنت تعرف أن هذه العلاقات تسير من حسن الى أحسن منذ عام 97, ولا أظن الرئيس سيمانع في هكذا جهد بل أرجح أنه سيحثك عليه ..

الجواب: سنرى....و لم نرى

إلتقيته مرتين إثر ذلك في مناسبتين اجتماعيتين خلتا من أي حديث مباشر.

يا أستاذ دريد ... من تهاجمه اليوم هو هدف مركزي ثابت تنهال عليه معاول أعداء الأمة لثلث قرن ونيف, بينما هو راقد في قبره يخيفهم كشبح, خطورته في رمزية دوره اشارة للمستقبل قاطعة.

لا يليق بك أن تنضم لجوقتهم. إنتقد قدر ما شئت, ولكن بحساب النبيه.

ياغوار بك .. أ إذا نفرت من عبد الناصر تذهب إلى كامب ديفيد ؟

أمعقول هذا ؟ أتريد أن ينطبق عليك المثل الشامي المعبر: نكاية بالطهارة فعلها بملابسه؟

الآن وقد حزت على الوسام, ما أحراك أن تسكن إلى نفسك, وأن تعد للعشرة قبل أن تهاجم ذاكرة الأمة ووجدانها بما ينزع عنك أي وسام.
 

 

 

إن جميع المقالات التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع