|
تكتسب
مئوية أنطون سعاده قيمتها العميقة من كونها إحياء لرمز نهضوي عظيم نذر حياته
لوحدة أمته السورية ونهضتها، وأكد صدقية التزامه وجديته بشهادة الدم المسفوح
جهرا بالعقيدة وبوحا بالقضية.
بذلك أكد سعادة على ممارسته مفهوم الأخلاق الشامل الذي جاء به وفحواه أن
الأخلاق هي اعتبار المبادئ أهم من الحياة ذاتها. والمبادئ في حقيقة الأمر أبعد
من سطور وحروف ومادة مكتوبة. يقول سعاده في المحاضرة الثانية: "بديهي ان قصدنا
نحن بالمبادئ ليس صوراً جميلة على الورق، بل قوة فاعلة في الحياة -حياة تعمل
وتنشئ وترتقي وتحقق وتخلق".
إن مبادئ الحزب الأساسية والإصلاحية تتمحور حول فكرة الأمة لأن حياتنا كلها
مرتبطة بها وجوداً ووحدة ونهوضا. ان المبادئ هي لب العقيدة,وإن عقيدة الحزب،
الخطيرة، كما يصفها سعاده هي "جوهر النهضة السورية القومية الاجتماعية" وهي
"الحقيقة الأساسية التي بها نوجد شعبنا وأمة ولها نعمل". وإذا كانت عقيدة الحزب
تشتمل على مبادئه وغايته ومجمل تعاليمه فإن ثمة أمراً لا ريب فيه وهو ان
التسليم بالعقيدة لا يعني الاقفال على الفكر ولا التوقف عن طلب المعارف
الجديدة,أو الإمتناع عن الطرح المستمر للأسئلة، الذي هو مزية قديمة في شعبنا.
ولعل ارنولد توينبي هو الذي قال ان السومريين أول من أطلق الاسئلة. لكنها كانت
الاسئلة الميتافيزيقية الكبرى التي تحرّت فكرة الله. في تلك اللحظة,ربما, ولد
العقل الكوني ولم تعد العصا هي التي تقود الى الأفق.
أما العقل القومي الاجتماعي الذي تقول به النهضة السورية القومية الاجتماعية
فيفيد منهج العقلنة القومية الاجتماعية اكثر مما يفيد عمل المادة الدماغية التي
يطلق عليها عادة اسم العقل. هذا المنهج العقلاني القومي الاجتماعي جعل سعاده
يذّكر فخري معلوف وأمثاله "بالحدود المعينة في عقيدتنا التي تفصل بين ما هو
ديني بحت وما هو سياسي بحت، وبعدم جواز خضوع العقيدة القومية لأية هيمنة عقائد
دينية عليها... فالقضية لا تدخل بمسائل الايمان الديني... فليؤمن من يشاء بمن
يشاء، ولكن سلامة العقيدة القومية الاجتماعية، ووحدة العقيدة القومية
الاجتماعية، وحركة النهضة، يجب أن تبقى فوق جميع النظريات والمذاهب الجدلية
المتعلقة بما وراء المادة، وبما لا دخل للعقيدة القومية الاجتماعية فيه"(1). ان
للقومية السورية، يقول سعاده، "صفة خاصة والتشديد عليها له موجبات أهمها إحلال
فكرة الأمة وشخصيتها محل فكرة الدين أو المذهب"(2).
نشير بداية الى يقيننا بضرورة تكثيف الشواهد من كتابات سعاده لأنه حين يشيع
الاجتهاد لا بد من العودة الى نصوص المؤسس، خصوصاً تلك المتعلقة بالعقيدة. ولكن
قبل ان نكثف الاقتباسات ذات الصلة بمقالتنا، دعونا نقرأ مع سعاده العظيم
التعريف القومي الاجتماعي للعقيدة:
"نعرّف العقيدة بأنها قومية اجتماعية. فهي قومية لأنها تقول بالأمة والولاء
القومي. وهي اجتماعية لأن غايتها الاجتماع الانساني- المجتمع وحقيقته ونموه
وحياته المثلى. والمجتمع الاكبر والامثل هو الأمة، وقد جاء في التعاليم: أمة
واحدة- مجتمع واحد"(3).
على ان عظمة العقيدة مرتبطة بعظمة المهام الملقاة على معتنقيها. يقول سعاده:
"كل عقيدة عظيمة تضع على اتباعها المهمة الاساسية الأولى التي هي انتصار
حقيقتها وتحقيق غايتها. كل ما هو دون ذلك باطل. وكل عقيدة يصيبها الاخفاق في
هذه المهمة تزول ويتبدد أتباعها"(4). وفي التأكيد على أهمية العقيدة في النهضة
القومية الاجتماعية يقول احد مفكري الحزب البارزين “ان المقتل الحقيقي للحزب-
الذي يقضي عليه ولا يعود حزباً سورياً قومياً اجتماعياً، هو في افراغ الحزب من
عقيدته"(5).
وفي كتاب مرسل الى غسان تويني اضاءه سعاده بأشعة التوجيه العقدي نقرأ ما يلي:
"أطلب منك أيها الرفيق العزيز ان تحاذر التساهل في ما يطلبه ايماننا القومي
الاجتماعي منا، من صلابة العقيدة وقوة النفس، وما يطلبه نظامنا من سلوكية واضحة
لا غبار عليها، ومن جعل العقيدة القومية الاجتماعية فوق الافراد في المعنى
والمنزلة وواجب الاحترام ولي قول جعلته أحد مقالات [الزوبعة] المنشورة وهو:
"العقيدة أقوى من الافراد"(6)...
ويعلق الدكتور عبود عبود على قول سعاده: "لو قضوا على المئات منا لما تمكنوا من
القضاء على الحقيقة التي تخلد بها نفوسنا ولما تمكنوا من القضاء على بقية منا
تقيم الحق وتسحق الباطل" بالقول ان الحقيقة التي تخلد بها نفوسنا هي حقيقة
العقيدة وان عدم العقيدة هو عدم الحزب. ثم يسأل: "كم يبقى من صفتنا اننا قوميون
اجتماعيون اذا لم نهتم بدرس العقيدة القومية الاجتماعية واذا لم ننقلها الى
ابناء شعبنا؟ كم يبقى من قوميتنا الاجتماعية وكم يبقى من عضويتنا في الحزب
السوري القومي الاجتماعي اذا كنا على مسافة متباعدة من عقيدتنا القومية
الاجتماعية؟ اذا لم تكن هي نحن ونحن هي؟ اذا لم تكن بيرقنا الذي نحمل وهتافنا
الذي نردد وغايتنا التي نتوجه الى تحقيقها؟"(7).
ان فعل التعاقد ذاته جرى ويجري وسيجري على أساس العقيدة التي وضعها صاحب
الدعوة. تعالوا، يقول أحد قادة الحزب التاريخيين "نسترجع اللحظة الأولى. كان
وجودنا ثالوث وحدة لا تنفصم: صاحب الدعوة مؤسس الحزب، والدعوة الى القضية
السورية القومية الاجتماعية، والمقبلين على الحزب نحن اعضاء الحزب. منذ اللحظة
الأولى كان وجودنا بالتعاقد... هذه العلاقة التعاقدية حفظت عقيدة القوميين
الاجتماعيين سليمة رغم ما عرفته أيام نضالنا من انحرافات عقائدية كانت تتفاقم
أخبارها كلما وصل المنحرفون الى مؤسات الحزب المركزية في عهد سعاده كما وبعد
استشهاده"(8).
الوحدة الروحية اذن والتصدي للانحراف يقعان في مرتبة بالغة الأهمية بالنسبة
لحزب النهضة: "نحن وحدة روحية قبل كل شيء ثم منظمة قومية". والوحدة الروحية
التي يمتاز بها أو يفترض أن يمتاز بها السوريون القوميون الاجتماعيون هي ثمره
من ثمار العقيدة لا سبب من اسبابها. في العقيدة السورية القومية الاجتماعية،
يوضح سعاده، "تتجسد شخصية الأمة الاجتماعية وبالتالي شخصيتها الحقوقية التي
تعيّن لها ليس فقط ماهيتها، بل حقوقها ومصالحها الرئيسية والحيوية التي تريد
الاحتفاظ بها والدفاع عنها واسترجاع ما سلب منها". وفي رسالته الثانية الى
القوميين الاجتماعيين من المغترب القسري، أعلن سعاده ان الحزب يمثل الكيان
الحقيقي المستقل، بل هو "الدولة المستقلة استقلالاً صحيحاً لأن استقلالها كان
وليد عقيدتها وإرادتها وعملها وليس وليد الصدف والظروف... ان الحقيقة الثابتة
الوحيدة في شؤون الأمة والوطن ومصيرهما هي حقيقة حزبكم وعقيدته وقوته... فإن
ازمنة مليئة بالصعاب والمحن تأتي على الأمم الحية فلا يكون لها انقاذ منها الا
بالبطولة المؤيدة بصحة العقيدة". وفي تلك الرسالة عينها يخاطب سعاده رفقاءه
-كعادته- بمنتهى الوضوح: "اقول لكم ان قوتكم الحقيقية ليست في المؤلفة قلوبهم
ولا في المتقربين اليكم في طور نموكم بعد زوال كابوس الاحتلال العسكري الاجنبي،
بل في بطولتكم المثبتة في حوادث تاريخ حزبكم، وفي عناصر رئيسية هي صحة العقيدة
وشدة الايمان وصلابة الارادة ومضاء العزيمة. فاذا فقدتم عنصراً واحداً من هذه
العناصر الاساسية انصرف عنكم المناصرون وتفرق المتقربون"(9).
هذا التشديد على العقيدة التي تشكل العقلية الاخلاقية الجديدة نسغا حاراً في
عروقها حريّ بدعوتنا الى دراسة العقيدة السورية القومية الاجتماعية دراسة جادة
ومعمقة لأن الحزب الذي كان عصياً فرط عقده على الانتداب والحكومات المحلية هو
حزب نفوس موّارة الايمان بالعزة والانتصار -حزب هو "عقيدة تجري في العروق مع
الدماء فلا تُحلّ بقرار".
لقد أخذ سعاده على غسان تويني قوله ان الحزب عرف في الماضي "بالتشديد المتطرف
على العقيدة حتى أنه تحول هذا التشديد الى تحجر أكاديمي". فأرسل اليه سعاده
رسالته الثالثة، معتبراً قول تويني "غلطاً في التقدير والاستنتاج ناشئاً عن عدم
العناية بدرس نشوء الحزب السوري القومي الاجتماعي والكيفية التي نشأ فيها
والظروف المحيطة بتلك النشأة... الحزب السوري القومي الاجتماعي نشأ حزب عقيدة
جديدة في سورية فكانت غايته الاولى المباشرة اعلان هذه العقيدة وشرحها وغرسها
في النفوس"(10).
هل يعني هذا القول أن قصْد الحزب الأول المباشر قد انتهى أوانه حتى ينبري اليوم
بعض الطارئين على النهضة، المارقين على القَسَم الرهيب، الواغلين على الحزب
العقدي الى السخرية من نقاء العقيدة والدعوة الى استباحة "عذريتها"؟ يجيب سعاده
في الرسالة الآنف ذكرها الى غسان تويني خلال فترة اغترابه القسري عن الوطن وعن
مركز الحزب قائلاً: "كانت الحرب على العقيدة تشتد وكان يجب ارساخ العقيدة في
الحزب وصيانته من الميعان المبادئي والاخلاقي المتفشي في شعبنا، واكسابه
الصلابة والمناعة اللتين هما، مع رسوخ العقيدة، كل رأسماله المعنوي الذي يكسبه
هذه المنزلة الممتازة في الأمة ويؤهله لبدء مرحلة جديدة -مرحلة دخول ميدان
السياسة العملية"(11).
ويتابع سعاده تصويب خطأ تويني الذي انتقد ما دعاه "الجدل العقائدي" اضافة الى
ما كان سبق أن سماه "التحجر الأكاديمي"، فيقول مؤسس الحزب: "بفضل ذلك [التحجر
الاكاديمي] وتغير الظروف السياسية يتقدم الحزب السوري القومي الاجتماعي اليوم
لاحتلال مكانه السياسي الممتاز في جميع المناطق السورية ودولها، ومكانه الثقافي
الممتاز في تفجر النشاط الثقافي في البلاد، سواء في صفوف الحزب، أم خارجها،
الذي دعت اليه، بالاكثر، عقيدة الحزب السوري القومي الاجتماعي، والتي وضعت على
بساط البحث قضايا الأمة الحقوقية والسياسية والاقتصادية والادبية والفنية
والفلسفية، وتناولت ما هو اوسع من نطاق الامة، والتي هزت الافكار وحركت العقول
وحرضت الأفهام. فلا ننسَ كم حل "الجدل العقائدي" الذي اثاره الحزب، للعقول من
عقد، وكم دعاها الى تفكير هادئ أو صاخب. فإن عقيدة الحزب السوري القومي
الاجتماعي ونظرياته قد حركت العقول ونشّطت الافكار، ليس فقط في الذين دخلوا
صفوفه بل في جميع المشتغلين بالسياسة والاقتصاد والثقافة والادب".
أما الدكتور هشام شرابي وهو أحد الوجوه التي كان لها إطلالة ثقافية موقتة في
الحزب فقد أقر في رسالة الى سعاده بعث بها من الولايات المتحدة عام 1948 أنه
بعد مراجعة التعاليم وادب العقيدة شعر بالنقص الشديد في الاهتمام بالقواعد
الضرورية شعوره بالحاجة الملحة "لمعالجة هذه الاسس العقدية ودرسها وتمحيصها
وبناء الصرح العقدي الهائل الموجود فيها ضمنا، عليها"، كما يكتب سعاده له في
رسالته الجوابية(12).
ويمضي سعاده في إماطة اللثام عن مركزية العقيدة في البناء النهضوي قولاً وفكراً
وعملاً. يقول في محاضرته الشهيرة الملقاة في مؤتمر المدرّسين القوميين
الاجتماعيين: "ان أول خطوة كان يجب على الحركة السورية القومية الاجتماعية
القيام بها لتتقدم,هي تعليم العقيدة السورية القومية الاجتماعية والغاية
الرامية اليها، لأنها هي الحقيقة الاساسية التي بها نوجد شعبنا وأمة ولها نعمل.
كل عمل آخر من سياسة وتنظيم لا فائدة منه بدونها ولا يجدي القيام به ان لم يكن
متفرعاً عنها وعائداً اليها. انها محور الحياة والفكر الاساسي، فكل عمل يجب ان
يدور عليها... ولقد ظن بعض المغرورين أن العمل العقدي الأساسي كالبحث في الأمة
وقوميتها وحقيقتها وأهدافها أمر يمكن الاستغناء عنه بالمساومات السياسية
المطوّحة بالعقيدة القومية الاجتماعية وغاية هذه الحركة العظيمة"... الى أن
يقول،وقوله هو القول الفصل: "ان القضية الاولى التي تواجه العقيدة الاجتماعية
هي قضية التربية والتثقيف، قضية الصراع المميت بين تاريخ حديث وتواريخ دخيلة
مستمرة... ان صلب المعركة ليس مع الذين انتهى تكوينهم النفسي على خطط منافية
للعقيدة القومية الاجتماعية والنفسية التي تتطلبها، بل في العمل مع الذين هم في
طور التكوين النفسي. ان صلب المعركة هو في تثقيف نفسية الأحداث ومعارفهم في
البيت وفي المدرسة الابتدائية والمدرسة الثانوية. وتستمر المعركة العقائدية ما
وراء ذلك... فإذا كان تعليم العقيدة السورية القومية الاجتماعية وغاية الحركة
السورية القومية الاجتماعية هو أول عمل اساسي من اعمال هذه الحركة العظيمة، كان
المدّرس القومي الاجتماعي أول جندي في معركة العقيدة القومية الاجتماعية"(13).
ان تخطّي حال الضياع القومي وانعدام الوزن والتردد بين شتى العقائد وتبنّي
عقيدة سليمة وأصيلة، هو ما يعطي النهضة مدلولها الحقيقي. وقد تطرق سعاده في
المحاضرة الاولى غير مرة الى مفهوم النهضة: "ان النهضة لها مدلول واضح عندنا
وهو خروجنا من التخبط والبلبلة والتفسّخ الروحي بين مختلف العقائد، الى عقيدة
جلية صحيحة واضحة نشعر أنها تعبر عن جوهر نفسيتنا وشخصيتنا القومية
الاجتماعية". في تلك المحاضرة الأولى بالذات، كشف سعاده النقاب عن أنه كان
يتوقع في غيابه "ان يكون القوميون الاجتماعيون المهتمون بالمسائل الروحية
الثقافية والأسس الفكرية قد جعلوا همهم الأول درس حقيقة مبادئ النهضة ودرس
الشروح الأولية الاساسية التي توضح الاتجاه والغاية والاهداف القومية
الاجتماعية، ارساخاً للعقيدة وتدقيقاً في العمل". لكنه فوجئ بأن توقعه لم يتحقق
لأن الحركة القومية الاجتماعية كانت "مهددة بالميعان العقدي والنظامي" لدرجة ان
نعمه ثابت حاول تعميم فكرة "الواقع اللبناني و"الأمة اللبنانية". ويستدرك
سعاده: "ولكن قبول هذا الخروج العقدي، وان يكن في الظاهر فقط، يكون مسألة من
المسائل الخطيرة. وان مجرد الاقدام على الخروج المذكور لم يكن ممكناً إلا بعامل
إهمال تاريخ الحزب واغفال درس عقيدته ونظرته الى الحياة والكون والفن".
نشأت بعد ذلك، كما هو معروف لمتتبّعي تاريخ الحزب، مشكلات فايز صايغ وغسان
تويني ويوسف الخال. فبعد الاطلاع على كتابات فايز صايغ الذي تسلم مسؤوليات
مركزية بينها مسؤولية عميد الثقافة في الحزب، رأى سعاده "أنها تتضمن خطوط عقيدة
جديدة جُلبت من خارج الحزب لتحل محل العقيدة القومية الاجتماعية". وبعدما قابل
سعاده كلاّ من تويني والخال اللذين تكلما في موضوع "حرية الفكر" أيقن سعاده من
خلال الطريقة التي تكلما فيها ومن مضمون الكلام انهما يمثلان "اعتقادات ليست من
القضية ولا من نظرة الحركة أو ايمانها، بل من افكار وتأثيرات لا علاقة لها
بالحركة القومية الاجتماعية وفلسفتها وعقيدتها وروحيتها".
جدير بالاشارة ان سعاده اتخذ موقفاً عقدياً من بيان الصايغ حول "سياسة العميد
الاساسية" وعلق فور قراءة البيان بما يلي: "في هذا الكلام صبغة شخصية فردية
قوية لم تأخذ بعين الاعتبار نشأة العمدة ووجود الفكرة الثقافية الاساسية في
العقيدة القومية وشرحها، وهذه النزعة الفردية البارزة تجعل العمدة مستندة في
الاساس الى [بيان العميد الاساسي وسياسته الاساسية]، لا الى الغاية الاساسية من
انشاء عمدة الثقافة وإكسابها صفة مؤسسة من مؤسسات المنظمة السورية القومية
الاجتماعية الأساسية... ان العميد جعل مسؤولية العمدة الاساسية [المطلقة] تجاه
[القيم العليا]، وحرصها [على مصلحة الأمة التي تخدمها] بالاستناد الى
[المسؤولية المطلقة تجاه القيم العليا]، لا تجاه العقيدة القومية الاجتماعية
ولا تجاه غاية الحزب من انشاء عمدة الثقافة باعتبار ان العقيدة القومية
الاجتماعية وغاية المنظمة القومية الاجتماعية تشتملان تصريحاً او تضمينا على
المسؤولية المطلقة تجاه القيم العليا، وباعتبار أن سياسة عمدة الثقافة وأهدافها
منبثقة من سياسة المنظمة العليا وأهدافها الاساسية وجزء من هذه السياسة وهذه
الاهداف". الى ان يعلن في درس توجيهي عقدي رفيع: "ان وعينا لقومينا ونفسيتنا
الأصلية، وتولّد نظرتنا الى الحياة والكون والفن وحصول مثلنا العليا السامية
الجميلة هي خير ضمان لقيم الحق والخير والجمال المطلقة والمقيدة والمجردة
والمصاحبة"(14).
جليّ ان سعاده اراد التصويب الفكري العقدي، كما أشرنا، وكذلك التصويب الحزبي
الدستوري بتأكيده على وحدة المسؤولية النظامية والادارية الدستورية تجاه القيم
العليا. وفي كل حال يجزم سعاده جزماً مفعماً بالمسؤولية القومية الجدية أن "كل
حق وكل خير وكل جمال، لكي يصح أن تكون قيماً عليا حقيقية مطلقة عندنا، يجب أن
تخضع لشروط رؤيتنا اياها كذلك أو لاشتراكنا في رؤيتها كذلك"(15).
بعد عودته الى الوطن عام 1947، ارسل سعاده الى فايز صايغ الذي كان قد شطّ
بعيداً في شخصانيته وتمذهبه بالمذهب الفرداني، كتاباً نبهه فيه الى عواقب عدم
اهتمامه بدرس العقيدة وجاء في الكتاب: "كان همي الأول بعد اجتياز تلك المرحلة
الاستثنائية الملأى بالحوادث الغريبة، وبعد تطهير الحزب من اخبث مؤامرة وخيانة
تعرض لها منذ نشأته الى اليوم، أن أنظر في سلامة العقيدة القومية الاجتماعية
وفلسفة نهضتنا الاجتماعية، وفي وحدة نظر الحركة القومية الاجتماعية الى الحياة
والكون والفن، وأن اضبط التوجيه الفكري في الحركة بما ينطبق على العقيدة
القومية الاجتماعية التي نشأت منها الحركة القومية الاجتماعية لتحقيق مثلها
العليا وأهدافها"(16).
بعد ذلك وقبل ذلك أعلن سعاده بما لا يترك أدنى مجال للريب ان العقيدة هي
الركيزة الامتن لبنيان القضية والتربة الأصلح لنموها:"ان أساس قضيتنا هو في
عقيدتنا المقدسة في مبادئنا التي لا قضية بدونها"(17). ويصوب سعاده للذين يردون
تقدم الحزب الى تميز نظامه بالقول ان ذلك لا يدل "على مجرد تفوق النظام بل على
تفوق الوجدان القومي والعقيدة القومية. ان في ثبات الحزب السوري القومي
الاجتماعي لدليلاً على حاجة الأمة الى عقيدته ومبادئه التي توحد مصالح الأمة
وتوحد الوجدان القومي وترفع الأمة الى مستوى ثقافي عال"(18).
العقيدة القومية والوجدان القومي والمناقب القومية كلها متداخلة ببعضهاتداخلاَ
عضويا,ليكون حقيقةً عينية ذلك الانسانُ الجديد الذي يعانق المجتمع الجديد. قال
سعاده في خطابه المدوي في اللاذقية عام 1948: "نحن جماعة لم تفضل يوماً ان تترك
عقيدتها وايمانها وأخلاقها لتنقذ جسداً بالياً لا قيمة له". وفي الخطاب نفسه
يبرز سعاده القوة الكامنة في نفوس ابناء الحياة الذين فرضوا حقيقتهم بالمبادئ
المنتصرة في نفوسهم: "لم يوجد حزب في العالم كله واجه من الصعوبات والاضاليل
والعراقيل والاشاعات ما واجهه وانتصر عليه هذا الحزب... نحن القوميين
الاجتماعيين لم نحتج الى فلسفة المكر والدهاء والخديعة بل شعرنا اننا بنفوسنا
وحقيقتنا اقوياء جداً ولسنا بحاجة الى هذه الاشياء الحقيرة التي نزدريها
ونحتقرها، بل كانت عقيدتنا ومبادئنا الاخلاقية كافية للانتصار عليها".
واعتبر سعاده أن "أول انتصار وأبرز جميع الانتصارات الهامة، ذلك الذي أحرزه
الحزب السوري القومي الاجتماعي بقوة عقيدته ودقة خطته السياسية..."(19). كما
اعتبر "أن أبسط القوميين الاجتماعيين هو أمتن عقيدةً واعرَف بنجاح القضية
القومية الاجتماعية من أمهر المتلاعبين السياسيين وأخبثهم"(20). هذا الايمان
الراسخ برفقائه وبنفسه أكد على عقلانيته القومية الاجتماعية التي ترفض الخوارق
وتؤمن بالمحسوس وبالعيني وبالحقيقي: "لم آتكم مؤمناً بالخوارق بل بالحقائق
الراهنة التي هي أنتم"(21).
أما العمل السياسي في الحركة القومية الاجتماعية فنابع من العقيدة ومستمد من
فلسفتها ورافد حكمي من روافدها: "العقيدة لسعاده هي الغاية والسياسة هي
الواسطة"(22). وذلك لعدة اسباب يعلنها سعاده منها:
1- ان السياسة من اجل السياسة لا يمكن ان تكون عملاً قومياً.
2- ان الحزب السوري القومي الاجتماعي ليس مجرد حزب سياسي بل حركة إستنهاضية
جذرية.
3- ان الحزب لم ينشأ حزباً سياسياً للاغراض السياسية فحسب، بل حزباً تعليمياً
ومدرسة عَقَدية تثقيفية ظاهرة أسُسُها وخطوطها في تعاليمها الاساسية.
ويصرح سعاده بكل وضوح انه لا يتساهل في امر الكتابة السياسية او العقائدية وانه
من غير الجائز تحميل الحزب مسؤولية نظريات سياسية شخصية(23). كما يشير الى
اهمية العمل "بقاعدة التدقيق الشديد في المسائل العقائدية والفكرية مع
الرفقاء"(24). واذ يدرك سعاده امكانية بل ارجحية التأويل الخاطئ لموقف الحزب من
قِبَل اتباع المدرسة الاخلاقية القديمة في السياسة,يوضح حقيقة الموقف القومي
الاجتماعي كما يلي: "يقول لنا البعض: [لستم سياسيين]، المسألة تحتاج الى مرونة
سياسية... نحن لسنا بهذه الصعوبة وهذه الصلابة في السياسة التي يتصورها
الواهمون الجاهلون، ولكننا لسنا بهذه السهولة في معترك العقائد، معترك الاهداف
والمبادئ والغايات والاسس الاخلاقية التي لا تنهض امة الا عليها. نحن نتساهل في
السياسة ولكنهم لا يقدرون او يحولوا عقائدنا الى سياسة، وسياستهم الى عقائد
لنا"(25).
لقد ظهر العقم السياسي الذي مثلته المدرسة الاخلاقية القديمة في الممارسة
السياسية بأجلى مظاهره، ليس فقط في الفولكلور السياسي المحلي وفي الحرتقات
السياسية الصغيرة والكيديات الفئوية والسرطانات الطائفية الخبيثة. بل ظهر هذا
العقم البنيوي ظهوراً إخفاقياً مأساوياً في التعامل مع المسألة الفلسطينية ،
وفي التعاطي مع المشروع الاخطبوطي الصهيوني بما يمثله من تهديد استراتيجي بالغ
الخطورة لمجمل وجودنا القومي، لهويتنا وحقوقنا وثرواتنا وارادتنا ونفسيتنا،
وللتنمية في سورية الطبيعية والعالم العربي برمته. هذه هي العبرة النصوح التي
تعطينا اياها قدوة سعاده في العيد المئوي لميلاد الرجل-الرسالة
والزعيم-الظاهرة. انها عبرة الحقائق الثوابت بحلوها ومرها. لكنها تبقى حقائق
كبرى لا ينكرها الا مكابر او جهول، حقائق سلّطت الضوء عليها عقيدة استشرافية
مثلى يجسدها، عملياً، الالتزام بها من قبل الملتزمين النهضويين المناضلين.
فالالتزام هو الملتزمون والنهضة هي الناهضون والنضال هو المناضلون الشرفاء، وكل
ما عدا ذلك لغوٌ وباطل.
نحن ندرك بالبداهة قبل العقل المركب ان الارتقاء غير محدود, لكننا لا نعتصم
براهنية العقيدة لننقض على ما يسمى محدوديتها وعصمتها. أليست العقيدة تجلياً
إبداعياً من تجليات الترقي؟ أليس الجهل الفلسفي ذاته قمة المعرفة؟ بعض تلامذة
سعادة ادعوا التزام العقيدة والتوحد بها لكنهم تسنحوا الفرصة التي تتيح لهم
إقحام مقولات الإنفتاح والنقد الحر ورفض النهائيات, بل الزعم أن في العقيدة ما
أمسى من التراث. على ان الإدعاء بالتوحد العقدي والالتزام العقدي "هو باطل
الاباطيل اذا لم يُبن على استمساك عنيد بالحقائق الثابتة التي تعتمدها العقيدة،
واذا لم يقترن بالايمان بثبات هذه الحقائق وثبات فعلها في الاحداث والظروف
والاطوار المتنوعة الحاضرة والمستقبلية.... النهضة في العقيدة السورية القومية
الاجتماعية مواجهة مسؤولة لا مزاوجة سياسية ولا نزعة تسوياتية تلتطي وراء
المواكبات النظرية لتتمظهر بالتطورية والتقدمية والتحرر من الصنمية والتسمر
والجمود.... ان التوحد التام بالعقيدة السورية القومية الاجتماعية لا معنى له
اذا لم يكن توحداً بالمقولات والمعايير التي حددتها النظرة القومية الاجتماعية
الاساسية الجديدة. والذين سحبوا على عقيدتنا مقولات الغير يستنطقونها بها
ووصلوا الى المزاوجات الفكرية والسياسية ليتباهوا بأنهم تقدميون وثوريون ولو
بنشر الفوضى العقائدية والبلبلة الفكرية هم الذين يتوهمون انهم في اغتصابهم
لاجابات [عقائدية] وفقاً لمقولات ومعايير منطلقة من فلسفات الغير يستكملون
العقيدة السورية القومية الاجتماعية او يطورونها"(26).
قياساً على ما سبق نقول جازمين ان الحزب السوري القومي الاجتماعي هو حزب عقيدة
بامتياز. وان امتيازه عائد, على المستوى الشكلي والمضموني والمنهجي, الى تحققِه
بالعقيدة. وهذا الحزب الذي تعمد أعضاؤه بروحية العز وتعقدنوا بالايمان المعرفي،
لا يعتمد في ثقته بانتصار قضيته على اساس الافراد ورضاهم بل على العقيدة
والنظام. قال سعاده: "ان الاشخاص يجيئون ويذهبون ويتبدلون لكن العقيدة هي
الاساس الراسخ على الايام والسنين والعقود والاجيال"(27).
المراجع:
1- أنطون سعاده، في الحزبية الدينية،
دار فكر للأبحاث والنشر، بيروت 1993، ص 139-140.
2- سعاده، الرسائل الجزء الثاني ، ص370.
3- سعاده، شروح في العقيدة، بيروت 1958، ص 170
4- المرجع نفسه، ص 136.
5- عبود عبود، قراءة ابتدائية للفلسفة المادية الروحية، كلية سعاده، سدني 1983،
ص 18.
6- سعاده، في الحزبية الدينية، ص 155.
7- عبود، المرجع السابق، ص 19.
8- عصام المحايري، بيان رئيس الحزب قائد الطوارئ في الاول من آذار، مجلة " صباح
الخير- البناء" العدد 569، 1978/3/7
9- شروح في العقيدة، ص 133، 134، 135، 136.
10- المرجع نفسه، ص 55 .
11- المرجع نفسه، ص 57-58
12- المرجع نفسه، ص 142.
13- المرجع نفسه، ص150-151.
14- المرجع نفسه، ص 69 - 71.
15-المرجع نفسه، ص 80.
16- المرجع نفسه، ص 137-138.
17- سعاده، الاثار الكاملة، الجزء الحادي عشر، ص 24
18- سعاده، نشرة النظام الجديد، عدد آب 1950، ص 33.
19- سعاده في أول آذار، بيروت 1956، ص 76
20- سعاده، الاثار الكاملة، الجزء الرابع عشر، بيروت 1987، ص 121.
21- سعاده، خطاب دير الغزال، نشرة النظام الجديد الرسمية، 1948
22- سعاده، جنون الخلود، بيروت 1978، ص 360
23- سعاده، الرسائل، الجزء الاول، ص 87
24- سعاده، الرسائل، الجزء الثالث، ص 631
25- سعاده في أول آذار، ص100.
26- عصام المحايري، بيان رئيس الحزب بمناسبة أول آذار، مجلة "البناء" العدد317،
1978/3/4.
27- سعاده في أول آذار، ص 68 |