صدى النهضة السورية القومية الاجتماعية                      www.ssnps.jeeran.com
 
عندما نقف في مهب الريح
 
فادي خضر

لا شك أن المخاطر التي تحيط ببلادنا والمنطقة خطيرة وضاغطة وتجعل مسؤولية كل فرد منا أكبر تجاه المشاركة في دعم وطنه وأهله لمواجهة تلك الأخطار.. لكن حري بنا أن نتساءل... ما هو الضاغط وما هو الممكن تأجيله؟ أية مبادرة تخرجنا من الخطر وتضعنا في دائرة الأمان وأية فكرة تعيد لحياتنا حيويتها ولمكانتنا بريقها ولمعانها..

لست ممن ينادون بالإغراق في التاريخ من باب المفاخرة والاتكال لكن لا بد لنا من نظرة تاريخية قريبة ترشدنا وتعيد إلينا رشدنا تجاه ما فقدناه من صورتنا الحقيقية...

في الأمس القريب وقبيل استقلال بلادنا من الاستعمار الغربي وتحت نير سلطات الانتداب استطاعت بلادنا أن تقف وترفض وتمانع وتقاوم وتجادل باقي الأمم في حقها ولا تفرط بشبر من مكانتها واحترامها بين الدول فكانت مواقف تاريخية حضارية عديدة وتضحيات جليلة أدت إلى تحرير بلادنا من الاستعمار وتحرير شعبنا من ظلم الغريب فما الذي حصل؟ كيف وقفوا وقاوموا وانتصروا ولا نقف؟ ولماذا تماسكوا على الرغم من عوامل الفرقة العديدة وتجربتهم الفكرية البسيطة ونحن نقف اليوم بعد سنوات من (التجارب الفكرية المتنوعة) ضعفاء تهزنا النسائم لا الرياح؟

الذي حصل أن الذخيرة التي قامت عليها كرامة أمتنا نضبت على مر سنوات القمع الفكري البطيء والاستنزاف النفسي الهادئ، فما كان يقوي ظهر وطننا ويحميه هو عموده الفقري الذي كان منتصباً يافعاً قادراً على تحمل الضربات مقابل الحفاظ على كيانه الإنساني لكنه شاخ وهدته سنون الذل والحرمان والقمع النفسي والجسدي ففر هارباً من لحمه أو تلاشى داخله فغدونا جسماً هلامياً لا شكل له ولا ظهر وتاه أمرنا بين الرأس والعجز...

ولا أبالغ إذا قلت إن جميع الحلول الإصلاحية المطروحة على الساحة هذه الأيام غير مجدية حيث أن جميعها ينبثق من مفهوم خاطئ يخرجنا عن محور الإصلاح ذاته فجميعها تطرح كعطية الراعي للرعية ومنة القائد المفدّى على جيشه المطواع... الدواء هنا هو الداء وهو السم في الدسم ... كمن يعالج مرض السرطان بالمهدئات التي قد تبدو مريحة للجسم لكنها تمنعه من مقاومة المرض فتكون النتيجة الموت المحتم...

الحل يكمن في إعادة الحق لأصحاب الحق وهنا لا أعني فلسطين أو الجولان أو مزارع شبعة على أهميتها لكنني أعني المساحة الإنسانية التي استلبت منا جميعاً والتي هي حقنا الأساسي الذي يميزنا عن باقي المخلوقات الثديية والطيور الناطقة فنحن لسنا أبواقاً تنفخ فيها السلطات على ذوقها وحسب "مراق" المعلّم.. نحن بشر لنا تطلعاتنا وآمالنا وأحلامنا ومعتقداتنا ولايحق لأحد أن يعطينا إياها فهي لنا وملكنا وليست وديعة لدى النظام يعطينا من بقايا فوائدها ويسرق رأس المال...

والحق هنا ليس قانوناً أو مرسوماً أو اجتهاداً أو إصلاحاً ... بل إنه نظرة جديدة تجاه كافة القضايا التي نواجهها فلا يحق لأحد أن يصادر جميع تطلعاتنا وآمالنا برهن مقارعة العدو والتصدي لمؤامراته ولا يحق لأحد أن يضع قوالب وتصنيفات جاهزة لكل من يفكر فتارة هو خائن وتارة هو عميل وتارة أخرى هو انتهازي وانعزالي... الحق هنا هو انتصار ذاتنا الإنسانية على استعمار السعي خلف رزق الأولاد وتحررعقلنا من نير الخوف من الآتي وانعتاق نفسنا من نار كمّ الأفواه وتهجير القلوب قبل الأجساد...

وإذا سألتموني عن آلية الوصول إلى الحق أقول لكم الآلية يجب أن تأتي من مبادرة كل مواطن حرر عقله وقلبه تدريجياً من تلك الأهوال وانتصر على خوفه وانتصرت نفسه فيه أن يطلق العنان لفكره وإبداعه ويبدأ الإصلاح من عدم قبوله بالظلم وقع عليه أم على غيره وبالتالي ألا يظلم الآخرين وأن يطالب بحقوقه وألا يحجبها عن غيره وألا يقبل بخرق القانون ويحارب من يخرقونه وأن يكون جندياً للحق أينما وجد وعدواً للباطل أينما وجد وأن ينبذ الاستزلام لأحد وأن يمارس مواطنيته بحقوقها وواجباتها دون أن يُطلب منه ذلك ولا يقبل أن يسلبه أحد هذا الحق الذي يساوي وجوده...

بالبناء الهادئ تبنى الأوطان ولبنات هذا الوطن هي رجاله ونساؤه الذين يكبر بهم ويصغر بهم فإن عزّوا عز وإن ذلوا ذل وإن استفاقوا ووقفوا وقف واشتدّ وصمد وأعطى فلا يرتفع وطن يقتات على دم رجاله ويتخذ من أرواحهم وقوداً لأنهم هم جسد الوطن وهم روحه والوقود الحقيقي الذي يرفع الوطن ويحميه هو اعتزازهم بمواطنيتهم والتزامهم بها وحصولهم على حقوقهم ودفاعهم عنها...

إن أردنا الوقوف في مهب الريح علينا أن نكون أمةً صحيحة الجسد قوية البنية شديدة العزيمة وإن كنا ننتظر هدوء الريح فهي متعاظمة لا محالة ولا سبيل أمامنا سوى تثبيت أقدام أبنائنا وأجيالنا داخل أوطانهم...
 

مقالات أخرى للكاتب
أزمة حزب … أزمة وطن
30 - 01 - 2006
عندما نقف في مهب الريح
30 - 01 - 2006

www.ssnps.jeeran.com

إن جميع المقالات التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع