|
عندما بدأت بقراءة كتاب أزمة حزب شعرت أن ضميري يتكلم وليس الرفيق بشار
فادار الذي عرفته محاوراً صعباً وعنيداً ولم أكن قد تعرفت على الكاتب
المحلل الذي رأيت وهالني هذا الإحساس حيث بدأ يضغط علي ليضعني أمام مسؤولياتي
التي اعتزلتها منذ زمن بسبب السجال القائم بين مؤيد للمؤسسات وكاره لها ومعتكف
ومناصر و إلخ.. حتى أمسى حديثنا الحزبي أقرب ما يكون إلى الصفحات الصفراء وأبعد
ما يكون عن الحوار الهادف الذي يضع الجميع أمام مسؤولياتهم.
نعم يا رفيق بشار لقد طرقت على وتر بل أوتار خطيرة وهامة وتكاد تلامس كل
الإشكاليات الفكرية التي تراودنا في السر والعلن فكان طرحك الجديد أشبه
بالتسونامي التي كشفت عرينا وأظهرت كم ابتعدنا عن منهج سعادة وكم غرقنا في
وحل السياسة، الوضيع منها، حتى صرنا ننتظر مواقف الآخرين لنعلن مواقفنا بدل أن
نستشرف المستقبل للأجيال القادمة.
ولا أخفيكم القول إنني ترددت كثيراً قبل أن أكتب، ذلك ليس شكاً بما جاء في كتاب
أزمة حزب من تحليل دقيق لجوهر العقيدة وبشواهد لا جدال فيها بل لأنني كدت أصاب
باليأس من التجارب السابقة التي خاضها رفقاء أنقياء مثل الرفيق بشار حاولو
التطرق إلى مفهوم الديموقراطية أو انبثاق السلطة فشنت عليهم حروباً ضروس أشد من
داحس والغبراء من قبل جميع المؤسسات القائمة أو همشت أفكارهم واعتبرت خروجاً عن
الدستور..
لكن ما عزز ثقتي هو أن
جميع الأفكار السابقة انطلقت من عباءة الحرص على الحزب فقط بينما دراسة الرفيق
بشار فقد انطلقت من مبدأ الحرص على الوطن أي إنسان هذا الوطن وهنا وجدت أن
اللغة بدأت تقترب من مفردات سعادة وأن المنطلق عاد إلى محوره الحقيقي ولم ينزلق
في معظم تحليلاته واقتراحاته في منزلق الحرص على البيت الداخلي ورص الصفوف ..
الحقيقة إن رصنا لتلك الصفوف على منهج تفكيري مقولب يشبه حزب سعادة في الشكل
ويبتعد كثيراً في المضمون هو أحد أسباب انهيار العمود الفقري للحزب وهو رجاله
الأحرار المفكرين القادرين على التعامل مع آخر ما توصلت إليه المعطيات العلمية
بذات الحماس العلمي الذي انطلق منه سعادة ليقدموا حلولاً اجتماعية تقوم على
أساس الحاجات الواقعية لمجتمعنا يضاف إلى ذلك احتكار السلطة من قبل مجموعة من
المناضلين والمحاربين القدماء الذين قدموا وضحوا بالكثير في سبيل إعلاء الحزب
على طريقتهم فنجحوا حيناً وفشلوا أحياناً ويريدون المقابل اليوم فيعتبرون
أنفسهم الأوصياء على الحزب ولا يمكن لأحد أن يعرف مصلحة الحزب أفضل منهم على
الرغم من وصولنا إلى حالة حزبية لا تمت لما نادى به سعادة بصلة لا من قريب ولا
من بعيد.
لست أتجنى ولا أحب التجنّي لكنني أكره الكذب ولا أرغب أن اكتب بكياسة الكتّاب
المحترفين بعد هذا الانقطاع الطويل عن الكتابة في الشأن الحزبي.
لقد استشرت أزمة التنظيم
(كما يحب أن يسميها الرفيق بشار) إلى حد لم يعد من الممكن أن نلعب دور الشيطان
الأخرس الذي مارسته شخصياً على مدى سنوات.
حان الوقت لنقرأ سعادة قراءة جديدة وعميقة توصلنا إلى الأهداف
التي انطلق منها لتأسيس حزبه وهي النهوض بأمته من الجهل والتخلف وجعلها في مصاف
الأمم المتقدمة، فأين الجهد الذي بذلناه في هذا الاتجاه وكم ساهمنا في بناء
مجتمع راق يعي حقوقه وواجباته وكم كان حجم مشاركتنا في النشاط الاقتصادي –
الاجتماعي وماذا تركنا لأبناء شعبنا من قدوة في السلوك الراقي الحضاري وفي
معالجة آفات الفقر والجهل والأنانية والفردية والظلم واستبداد الحكام وتغييب
القانون وتحوير الديموقراطية واحتكارها وسجن المفكرين وتهجير العقول ووووو ...
الواقع التاريخي يقول أننا ساهمنا بامتياز في جميع الأدوار الوطنية التي أعطيت
لنا وقد كنا (ناطوراً) نجيباً مدافعاً عن الوطن في كل مناسبة وكل حين وقدمنا
التضحيات الكبرى التي نقف جميعاً أمامها صاغرين لكن هل يمكننا اختصار الوطن
بالجنوب اللبناني؟ وهل كان الهدف من إنشاء الحزب السوري القومي الاجتماعي هو
تحرير أرضنا من العدو وتطهير أرضنا من أعوانه فقط أم أن علينا أن نمارس دوراً
أكبر وأشمل وأكثر أهمية وضرورة وهو صلاح حياة شعبنا وضمان عيشه في كرامة وعز
وافتخار بنفسه وبوطنه وبحريته وصيانة انتمائه للوطن على أساس وضوح المصلحة
الفردية – المجتمعية وإدراكه لأهمية مساهمته في بناء الوطن ..
الوطن ليس تراباً وماءً وهواء فحسب... إنه إنسان هذا الوطن الذي يحتاج الكثير
من الرعاية منا بعد سنوات من النسيان والحرمان ... علينا أن نلتفت اليوم لهمومه
وتطلعاته ومشاكله فهي المفتاح لصون حدود الوطن قبل أن نصل إلى يوم نقف فيه على
الأطلال ننادي خراب الأندرين .
يا رفاقي إن أزمة حزبنا وتنظيمنا هي أزمة وطننا فأنطون سعادة قد جاء بفكر علمي
جلي واضح فيه الحل لأزمة الوطن اليوم وغداً إذا استطعنا أن نتجرد من سلفيتنا
الفكرية وانتهجنا أسلوب سعادة في التعاطي مع القضايا فالوسائل تدور حول غايتها
والغاية واضحة وضوح الشمس وعلاجنا لأزمتنا الحزبية أصبح ضرورة وطنية ضاغطة
لإخراج وطننا من أزمته الراهنة.
لذا فأنا أطالب كل سوري شريف أن يقرأ بدقة ما جاء في (أزمة حزب أم أزمة
تنظيم) وأن يتعامل معها كبرنامج سياسي لإخراج الحزب من أزمته وليس كدراسة فكرية
ترفية فهي ليست كذلك.
وأعدكم أن أحاول تسليط الضوء
على بعض النقاط الحاسمة التي وردت في الدراسة ومقارنتها مع واقعنا الراهن في
رسائل أخرى.
ولتحيا سوريا ناهضة صحيحة
معافاة ...
|