صدى النهضة السورية القومية الاجتماعية                      www.ssnps.jeeran.com
 

قراءة في فكر سعاده

 
غالب نور الدين   
 

 وبعد مئة عام من 1904 والبلاد ، التي احتضنت ولادته وفي ترابها زرع دمه ، مشلّعة سجينة في متاهات الحاضر المؤلم ، تقبض على عنقها ظلاميات التخلف ، وتفتت أوصالها عقائد التجزئة ، التي يرتهنها الماضي في سراديب الخصوصيات الطائفية والأحقاد العفنة ، وتتحرك جماعات تنسحب إلى الأمس فتشحذ منه قيودها السوداء ، لتلتف على عنق المستقبل ، وتخنق كل فجر يحاول أن ينبلج .

        بعد مئة عام من 1904 وبلادنا تستباح من حكّام ، أزعجوا آذان الكون بشعارات التحرير والوحدة . لم يحرروا ، ولم يوحدوا – بل قتلوا روح التغيير والنهضة ، وشيّدوا عروشهم على جماجم شعوبهم ، وعند الأخطار ، استكانوا وركعوا ، فدخل الاحتلال الجديد ، عبر فجوات واسعة من الإهتراء ، الذي سببته حالة التسوس من فسادهم وطغيانهم .

        وبعد مئة عام من 1904 يبقى سعاده مدرسة فكر ، وطريق نهضة ، ومستقبل أمة حرة، ونظام جديد يرفع الظلم ويقيم العدل والحرية .

 *الدولة القومية الديمقراطية *

        الدولة القومية هي دولة الشعب الواحد . إنها الدولة الديمقراطية المنبثقة من إجماع إرادي فاعل ، لا يخضع لأي شكل من أشكال الضغط ، وأعضاء هذه الدولة هم كل المواطنين المتساوين في الحقوق السياسية والمدنية .

        فالدولة القومية هي أداة الأمة ، والمحققة لإرادتها ، تستمد شرعيتها من إرادة الأمة ، عبر الآليات التي تكفل الانبثاق التعبيري عن هذه الإرادة .

        والدولة القومية لا تستمدّ وجودها وفعلها من إرادات خصوصية ، أو خارجية ، بل من إرادة المتحد وحده ، ولذلك فإن نشوء القومية في العصور الحديثة هو وجود مترابط مع الديمقراطية .

        فالنظام الاستبدادي ليس نظاماً قومياً كونه خاضع لإرادة خصوصية ، ويفرض نفسه على المجموع ، مستعملاً أساليب خارجة عن مسألة الحرية في صياغة قرار المجتمع ، ويؤسس أحياناً على أساس القبول المطاوع ، وليس عن فعل إرادي للأمة . إنه نظام يستلب حق الشعب لمصلحة امتيازات بعض الأفراد .

        وإذ تعتبر بعض الأنظمة الاستبدادية الحديثة أفراد الشعب متساوين في المواطنية ، فإن هذه المساواة في ظل هكذا نظام تصبح مساواة في المعاناة من استلاب الإرادة . أي أنهم متساوين في الخضوع لإرادة لم يشاركوا في صناعتها . إنه واقع شعب مقموع مستلب الحق في تقرير مصيره وصناعة سياسة دولته . فالدولة الاستبدادية هي دولة طاغية وليست دولة الشعب مهما حاول البعض تزيينها بأنها معبّرة عن آماله .

        القومية عند سعاده هي وعي الأمة لشخصيتها ومصالحها والإمساك بزمام مصيرها . إنها تجليات الإرادة العامة الحرة ، أو بالأحرى القرار الديمقراطي . والأمة عنده لا ترتكز على أساس ديني أو عنصري ، بل على وحدة الحياة والمصالح ، فهي الشعب الذي تولّد من تفاعل حضاري في بيئة جغرافية واحدة ، أكسبه هذا التفاعل شخصية مميزة مترابطة المصالح والمصير . وفي تحديد سعاده لقواعد الأمة كوحدة حياة ، تسقط كافة الاعتبارات الطائفية والاثنية لمصلحة الوحدة القومية ، عبر الوعي المدرك لمصالح المجموع القومي ومستقبله .

        إن الدولة القومية عند سعاده تقوم على "إرادة عامة ناتجة عن الشعور بالاشتراك في حياة اجتماعية اقتصادية واحدة.. فالدولة القومية تتميز بأنها لم تعد تجبل الأقوام جبلاً في مساحة من الأرض ، التي تبسط ظلها عليها... وهي لا تقوم على معتقدات خارجية أو إرادة وهمية ، بل على إرادة عامة... الدولة الديمقراطية هي دولة قومية حتماً.. إنها لم تمثل التاريخ الماضي ، ولا التقاليد العتيقة ولا مشيئة الله ، ولا المجلد الغابر ، بل مصلحة الشعب ذي الحياة الواحدة" (نشوء الأمم) .

        وفي مكان آخر من "نشوء الأمم" يوضّح سعاده فعل القومية في تحرير الشعوب من استبداد الدولة: "تحت عامل القومية الظاهر في تولد روح الجماعة تغير معنى الدولة من القوة الحاكمة المستبدة إلى سيادة المتحد وحكمه نفسه ، والوسيلة التي مكّنت المتحد من تحقيق هذا المبدأ الجديد هي التمثيل السياسي" . (نشوء الأمم) .

       الأمة هيئة اجتماعية واحدة

        ليست الأمة في مفهوم سعاده فسيفساء من جماعات متنافرة المصالح النفسية – المادية ، ومحكومة بقوالب الماضي وعقد التقاليد ، بل مجتمع واحد يدرك مصالحه وغاياته ، وترابط مصيره في وحدة الحياة الاقتصادية الاجتماعية ، وهنا كان المبدأ الأساسي "الأمة السورية مجتمع واحد" والمجتمع الواحد لا يستقيم في وجود طغيان فئة على فئة ، أو تسويات جماعات ، أو في ظل ظلم اجتماعي – اقتصادي .

        ولغاية إزالة عوامل التجزئة في الأمة ، وتحقيق المجتمع الواحد ، وضع سعاده المبادئ الإصلاحية : فصل الدين عن الدولة ، ومنع رجال الدين من التدخل في شؤون السياسة والقضاء القوميين ، وإزالة الحواجز بين مختلف الطوائف والمذاهب .

        والمجتمع ، برأي سعاده ، لا يكون موحّداً في ظل نظام اجتماعي سيء ، وفي وجود استغلال اقتصادي يستلب عرق المنتجين ، لمصالح بضعة رأسماليين أو إقطاعيين . وقد وضع المبدأ الإصلاحي الرابع والذي يمثل العقيدة الاجتماعية للحزب السوري القومي الاجتماعي ، ويستهدف إقامة العدل الاجتماعي – الاقتصادي – الحقوقي ، وسنأتي على ذكره لاحقاً .

        يقول سعاده: إن الحزب السوري القومي الاجتماعي يريد وحدة قومية ، تثبت فيها الأمة السورية في معترك الحياة والتفوق ، وهذه الوحدة القومية القوية لا يمكن أن تحصل ضمن نظام اقتصادي سيئ ، كما أنه لا يمكن أن تحصل ضمن نظام اجتماعي سيئ . فإقامة العدل الاجتماعي – الحقوقي ، والعدل الاقتصادي – الحقوقي ، أمر ضروري لتلاقي النهضة السورية القومية الاجتماعية (من شرح التعاليم في المحاضرات العشر ، ص 119 ، الجزء الخامس عشر من الآثار الكاملة) .

        إن مبدأ الأمة السورية مجتمع واحد لا يعتمد كوصف استاتيكي للأمة ، بل مبدأ نضالي يطلب إسقاط التجزئة بمفاعيلها المادية – الروحية ، لهدف وحدة المجتمع ، على قاعدة المساواة والعدالة ، وعلى هذا يقول "الحركة القومية الاجتماعية تقيم بهذا المبدأ – الأمة السورية مجتمع واحد – وما يتعلق به ، حرباً عنيفة حتمية على عوامل تجزئة الأمة إلى مجتمعات ، والأمة إلى أمم ، هذه العوامل التي تجعل من كل طائفة دينية ، ومن كل عشيرة ، أو طبقة ، مجتمعاً قائماً بنفسه... وأمة منفصلة من الطوائف والعشائر والطبقات الأخرى" (المحاضرات العشر – الجزء الخامس عشر – ص 80-81) .

        في المجتمع الواحد يكون القرار الديمقراطي ثمرة حوار أفكار وبرامج وخطط للمستقبل، وتصير الأحزاب العقائدية والشعبية المحرك للعملية الديمقراطية ، التي تنتج ، عبر صيرورة الحرية ، قرار الإرادة العامة .

        أما في وجود التجزئة الطائفية السياسية ، فإن الطوائف تصبح المحركات الأساسية ، التي لا ينتج عن حوارها سوى تسويات ومحاصصات ، وعند الأزمات ، فتنة وتقسيم . فالطوائف ليست تنوعات فكرية وثقافية في الأمة الواحدة ، بل سلسلة من مجتمعات مغلقة متنابذة ضمن الوطن الواحد الممزق .

     *   نقد الديمقراطية الرأسمالية

        يقول سعاده في مقالة بعنوان "النظام الجديد" : إنّ الآلة الحديثة بطبيعتها وعملها ليست مستعبدة للإنسان وقواه ، بل محررة للإنسان من قيود الإنتاج المحدود ، ولكن النظام الذي اتّبعه الإنسان بعد نشوء الآلة ، هو الذي استعبد الإنسان بدلاً من أن يزيد حريته ونشاطه وفاعليته" .

        إن نظام الطبقات الرأسمالية لم تكن له نتيجة اجتماعية غير الحفز على نظام حرب الطبقات ، فإن الرأسمال الفردي الحر كوّن طبقة رأسمالية مرهقة ، ساحقة ، وطبقتين مضغوطتين مسحوقتين ، طبقة مسحوقة نفسياً هي الطبقة الوسطى ، وطبقة مسحوقة مادياً هي الطبقة السفلى .

        ويضيف سعاده: "وكما تكوّنت ضمن المجتمع الواحد الطبقات والنظام الطبقي بعامل الثورة الصناعية ، كذلك تكوّنت بذلك العامل عينه الطبقات الأممية والنظام الطبقي الأنترنسيوني، الذي يضع طبقة من الأمم الاستعمارية ، ذات الإمبراطوريات والمناطق الواسعة، وطبقة من الأمم المتوسطة ، وطبقة من الأمم المضغوطة المحرومة" .

        اعتبر سعاده أن الديمقراطية الرأسمالية الغربية قد أصبحت كابوس العامل والفلاح ، مما تسببه من بطالة واسعة وظلم اجتماعي ، في مقابل تراكم الثروات في أيدي الإقطاعيين والرأسماليين . وقد لحظ بداية تغير في التوجهات الغربية ، في سياق الحرب العالمية الثانية ، لجهة أصوات تنادي بإقامة نظام أكثر عدالة ، وذلك بوصول أحزاب ذات برامج اجتماعية إلى الحكم ، كحزب العمال في بريطانيا ، ومطالبة بعض السياسيين للعمل باتجاه ديمقراطية اقتصادية ، وهذا الأمر يكشف عمق الأزمة التي تعانيها الأمم الرأسمالية من تفاقم الظلم الاجتماعي .

        يقول سعاده في "النظام الجديد" : "تولد بعامل التطور الاجتماعي على أساس الحرية الفردية نظام جديد هو نظام الرأسماليين ومزاولي المهن والعمال ، أو نظام الطبقات الرأسمالي ، الذي حلّ محل النظام القديم.. بيد أن نظام الطبقات الرأسمالي.. لم يكن نظاماً صالحاً للبقاء ، لأن المشاكل الاقتصادية الاجتماعية التي نتجت عنه ، أحدثت وتحدث ، حيثما بقي هذا النظام فاعلاً ، تشنجات واضطرابات شديدة تحفّز العقول إلى ابتغاء نظام جديد للمجتمع الإنساني ، يزيل التشنجات والاضطرابات ، ويفسح المجال لتفاعل ينمّي الحياة ويقويّها ، ويجعلها للإنسان ومصالحه النفسية والمادية".

"إن الحركة القومية الاجتماعية تدخل في معالجة هذه المعضلة الاجتماعية - المادية –الروحية ، إنها تنشئ بمبادئها وتعاليمها نظاماً جديداً ومجتمعاً جديداً".

لقد أطلقت الديمقراطية الليبرالية الفردية العنان لحرية الاستغلال والاستثمار الاقتصادي، وأوصلت العالم إلى وضع تجمعت فيه الثروات بأيدي أقلية من الناس والشركات ، مما جعل قرارات الدول مرتهنة لإرادة أصحاب الثروات ، فصاروا يوجّهون سياساتها نحو مزيد من حرية الاستغلال للشعوب ، ونهب موارد الكوكب .

في حين يقف مئات الملايين من العمال والمزارعين كالأرقام في سوق العرض والطلب، بين كوابيس البطالة والجوع ، والحلم في سدّ الرمق .

إن فرضية "آدم سميث" التي بنيت عليها الليبرالية الاقتصادية قد ثبت زيفها . تقول هذه الفرضية: "إذا تابع كل أمرء مصلحته الفردية ، يتحقق الرخاء العام" . لكن هذه النظرية قد دحضت بقرنين من استقطاب الثروة في أيدي قلة من البشر ، ليس فقط في الدول المستعمرة سابقاً ، بل أيضاً لدى المستعمرين قديمهم وحديثهم .

يقدّر حالياً أن ثلث عمال العالم البالغين 2800 مليون عامل ، عاطلين عن العمل ، وقد نقص إنتاج العالم الثالث بين 1990 و1993 بنسبة 10% ، وقد بلغ معدل البطالة في البلدان دون الصحراوية 51% ، وهو ضعف عدد سنوات 1950 ، وارتفع معدل البطالة في أميركا اللاتينية من 13.4% إلى 18.6 % ، بينما يوجد 350 شخصاً في العالم يمتلكون دخلاً يعادل دخل ملياري ونصف عامل . ( روجيه غارودي - أميركا طليعة الانحطاط - ص 105 ) .

لقد أتاح النظام الرأسمالي الفردي لقلة من الأفراد الرأسماليين الاستفادة من الآلة والاكتشافات العلمية والتقدم التكنولوجي لزيادة ثروتهم ، مقابل إفقار الملايين من البشر ، الذين تجمعوا كالأرقاء يستجدون قوتهم ويرتهنون لشروط أصحاب الثروات .

كان الأرّقاء في العصور القديمة يباعون قسرياً للأسياد ، أما اليوم فإن الجوع والفقر يجبر الشعوب والأفراد أن يبيعوا أنفسهم ، ويخضعوا لسيطرة الرأسمالية وحيتانها . ويتمادى الأخطبوط الرأسمالي العالمي ليفرض قيمه الفاسدة عبر اقتصاد السوق الذي يسميه ديمقراطية على قاعدة "You fit, you survive" . وهذا يعني: إما أن يتأقلم الإنسان ويخضع لقواعد الاستغلال الرأسمالي أو يموت ، إنه أكبر استلاب لإرادة البشر ، وكرامتهم ، وحريتهم ، وتأسيس لاسترقاق جديد .

فاقتصاد السوق يعني حرية الاستثمار التي بغلوائها تسحق حرية البشر ، وتسلب مواردهم ، فترتهن كل الفنون والإبداعات والقيم والمبادىء ، وتحولها إلى سلع على مائدة أرباح المتسلطين على العالم .

* استلاب إرادة الشعب باسم الشعب

وهذه طبقة الأنظمة الاستبدادية الحديثة التي مارست الحكم والطغيان بتجريد الناس عن حق إبداء الرأي والمشاركة في صناعة السياسة الوطنية فزوّرت الديمقراطية لتحكم هيمنتها .

فالأحزاب الاشتراكية في الاتحاد السوفياتي وأوروبا الشرقية والتي تمكنت من القضاء على الرأسمالية ، وأقامت مستويات مهمة من العدالة الاقتصادية ، كحق العمل والرعاية الاجتماعية ، فإنها بالمقابل جردّت الشعب والبروليتاريا ، التي حكمت باسمها ، من الإرادة وتحول حكم الحزب إلى بيروقراطية مرعبة ، كرّست هيمنتها على رأسمالية الدولة ، فاحتكرت قرار الشعب ، فأضحت جهازاً فاسداً من طبقة لا تقل سوءاً عن سائر الطغاة في النظام الرجعي التي كانت تحاربه .

إن الحل ليس أن تعطي الإنسان الرغيف ، وتستلب حقه الروحي في الحرية ، وليس الحل أن تعطيه حقه في الحرية ، وتضع رغيفه تحت رحمة حرية الاستثمار والاحتكار .

* العقيدة الاجتماعية

يقول سعاده في مقالة عام 1942: "كلا لم يكتف زعيم الحركة السورية القومية الاجتماعية بطلب الحرية والاستقلال ، ففضلاً عن تعيين الأمة ، وتحديد القومية ، وإيجاد عقيدة وحدة الأمة ، فقد نظر الزعيم في مستقبل الأمة ، وما يجب أن تصل إليه من الارتقاء والبحبوحة والعدل الاجتماعي – الاقتصادي ، فوضع لهذه الغاية المبدأ الإصلاحي الرابع من مبادىء الحزب السوري القومي الاجتماعي الذي يتضمن العقيدة الاجتماعية للسوريين القوميين الاجتماعيين وهو: إلغاء الإقطاع وتنظيم الاقتصاد القومي على أساس الإنتاج وإنصاف العمل وصيانة مصالح الأمة والدولة . وفي شرح هذا المبدأ يقول: "أما تنظيم الاقتصاد القومي على أساس الإنتاج ، فهو الطريقة الوحيدة لإيجاد التوازن بين توزيع العمل وتوزيع الثروة . كل عضو في الدولة يجب أن يكون منتجاً بطريقة من الطرق , وفي حالة من هذا النوع يجب تصنيف الإنتاج والمنتجين ، بحيث يمكن ضبط التعاون والإشراك في العمل على أوسع قياس ممكن ، وضبط نوال النصيب العادل من الإنتاج ، وتأمين الحق في العمل ، والحق في نصيبه" .

وقد اعتبر سعاده أن هذا المبدأ يوجد مجتمعاً جديداً في نظرته إلى القيم الاجتماعية ، وفي حركته ونشاطه وعاداته وتقاليده . وهو أيضاً يوجد أمة حيّة متآلفة قلوب أبنائها ، وحاصلاً لها المستوى الراقي في الحياة المادية والروحية . إنه يحقق العدل الاقتصادي الاجتماعي الحقوقي ، الذي يخرج الشعب من حالات الاستغلال الفردي الرأسمالي إلى الاقتصاد التعاوني ، الذي تنمو فيه العملية الإنتاجية متلازمة مع عدالة توزيع الثروة وثمرة الإنتاج .

يقول سعاده: "لا بد من النظر إلى الإنتاج كشيء قومي ، المصلحة فيه للشعب - للمجتمع – للأمّة ، وليس للأفراد كأفراد " .

"إن الإنتاج المشترك هو حق عام لا حق خاص ، والرأسمال الذي هو ضمان استمرار الإنتاج وزيادته هو ، بالتالي ، وبما أنه حاصل الإنتاج ، ملك قومي عام مبدئياً ، وإن كان الأفراد يقومون على تصريف شؤونه بصفة مؤتمنين عليه وعلى تسخيره للإنتاج" . (الآثار الكاملة - جزء 15 - صفحة 120) .

إن المبدأ الإصلاحي الرابع الذي اعتبره سعاده العقيدة الاجتماعية ، يكفل إقامة اقتصاد قومي تعاوني ، يؤمن زيادة الإنتاج ، وحق العمل ، والعدل الاجتماعي .

فعقيدة سعاده هي ديمقراطية سياسية اجتماعية تجعل كل أعضاء المجتمع مشاركين فاعلين في صناعة السياسة ، وبنفس الوقت ، مشاركين في العملية الاقتصادية على قاعدة الإنتاج التعاوني .

عام 1947 رداً على سؤال الوكالة الفرنسية للأنباء: في أي شكل تتصورون من الوجهة التأسيسية للأمة السورية ؟ أجاب سعاده: "جمهورية برلمانية ديمقراطية مع ميل لليسار وعلمانية قبل كل شيء" . ( الآثار الكاملة - جزء 14 - صفحة 64).

*  الغاية هي المجتمع

لقد كان واضحاً عند سعاده أن هذه الأمة المشلَّعة الأوصال والمقيّدة بالتخلف ، لا يمكن أن تنهض إلاّ بالمعرفة ، التي تولد عقلية جديدة ، وتنشىء نظاماً جديداً ، يؤسس الوحدة العضوية في الأمة ، ويحقق الديمقراطية والعدالة الاجتماعية . عندئذٍ تزول الأسباب التي ولّدت عقد الاضطهادات والتناحرات ، عبر الاطمئنان الاجتماعي ضمن نظام يحقق المستقبل المشرق للجميع .

الغاية عند سعاده هي المجتمع ، أي الإنسان ، بما يتعلق بحريته وحياته وتطوره . وما المبادىء والأفكار والأنظمة ، سوى وسائل لخدمة المجتمع ، وفي هذا يقول سعاده: "المبادىء للشعوب وليست الشعوب للمبادىء" فغاية الحزب المجتمع الإنساني ، والأمة هي المجتمع الإنساني الأكمل ، طالما بقيت الحواجز الطبيعية والاقتصادية - الاجتماعية بين المجتمعات ، حتى يأتي الزمن الذي تتجاوز فيه الأمم هذه الفوارق . "ومن يدري" ، يقول سعاده ، "ربما يصبح العالم أمّة واحدة" .

إن عقيدة سعاده ليست مجرد مسألة سياسية لإزالة احتلال أو نيل استقلال ، بل تستهدف أيضاً إقامة نظام جديد يؤمّن العدل والرفاه . فالوعي القومي منطلق الصراع ، والنظام الجديد للأمة المتحررة من الاستعباد الداخلي والخارجي هو مضمون الصراع . يقول سعاده في "ندائه للطلبة القوميين الاجتماعيين": "نسير إلى الحرب ليس فقط جماعة واحدة من الوجهة الروحية ، بل من الوجهة الاجتماعية . ليس لننصر إقطاعياً على إقطاعي ، أو رأسمالي ، بل لنكسب أرضاً لا يمكن أن نقيم قيها مستعبدين من أنفسنا على أمتنا . نسير محققين انتصاراً لشعب حر يجتمع تحت علم أمته ودولته في نظام واحد للجميع " .

"هذه هي القومية الاجتماعية ، الروحية – المادية - الاجتماعية – الاقتصادية ، وبالتالي فالوعي قومي اجتماعي ، مادي – روحي ، والوعي الروحي الموحد للجماعات الصاهر لها في قلب الأمة ، والمولد للوعي القومي الموحدّ ، هو نفسه المتضمن العدل الاجتماعي الاقتصادي" .  (إنعام رعد - المدرحية - صفحة 48) .

سعاده بعد مئة عام من 1904

حيال حالة أمتنا وتقاطع الأخطار الداخلية والخارجية بوجود احتلال واغتصاب وتقسيم . وحيال التفسخ الاجتماعي والقومي ، وضياع الهوية إلى هويات ، دينية ومذهبية وعرقية ، بالإضافة إلى التخلف الاقتصادي – الاجتماعي ، يبقى فكر سعاده طريق التغيير ، الذي يحول جذر الأمة المتألمة إلى حالة مدّ نهضوي يرسم معالم بلاد حرة ومجتمع ديمقراطي عادل ، تنصهر فيه الاختلافات في بوتقة قومية اجتماعية لا يشعر فيها أحد بالظلم أو الخوف ، بل بالأمل والاطمئنان ، لأن مصيرها في يد أبنائها وإنتاجها لخيرهم جميعاً .

العقيدة القومية الاجتماعية هي الخطة المعاكسة في وجه الخطة الصهيونية العنصرية الاستيطانية والمطامع الاستعمارية .

www.ssnps.jeeran.com

إن جميع المقالات التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع