صدى النهضة السورية القومية الاجتماعية                      www.ssnps.jeeran.com
 

بانوراما عن عملاق آرامي
لوقيانوس السمسياطي فيلسوف آرامي سوري
جلد عصره بسوطٍ من سخرية

 
المهندس : كبرئيل قبلو
 

مقدمة:

إبداع الأمم لا يأخذ من الحياة منحاً واحداً ! تراكمات الشعوب الخالدة لا تسلك سبيلاً فرداً بل تُغني كل جوانب الحياة لتخلق تكاملاً فريداً تصبغها لتتميّز عن غيرها من الأمم .

الأراميّون هذا الشعب الفريد بعطاءاته الفذّة في إغناء التراث المسيحي بعباقرة أصبحوا كالشموس التي لا تغيب من تاريخ المسيحيّة كمار أفرام السرياني ومار يعقوب النصيبيني ومار يعقوب السروجي وغيرهم من الملافنة العظام ،أَلَم يُبدع أفذاذاً في العلوم الإنسانيّة أم تمّ إسدال ستار من تجاهل على هؤلاء العظماء بقصد أم بغير قصد ....

اليوم سنزيح الستار عن عظيم في الفلسفة من هؤلاء النائمين في سراديب التناسي ، عظيم مدني علماني لم يأخذ المسيحيّة ديناً له لكنّه كان آراميّاً حتّى النخاع ،كان ابن البيئة التي أنتجت أروع العلوم وأغنت البشريّة ويكفيها فخراً بأنّها أهدت العالم الحرف .

سنلقي اليوم الضوء على الفيلسوف لوقيانوس السميساطي ذلك الرائع والذي قيل عنه \أنّ كلّ أساطير عصره أنزلت الآلهة من عليائها لتتصارع على الأرض أما هو فقد نقل الإنسان إلى العالم الآخر ليتصارع مع الآلهة بما يحمله من معرفة وسموّ ورُقيّ فكان الأوّل .\

مدخل:

في الربع الأوّل من القرن الثاني الميلادي القرن الحار الذي لفح بلهيبه سورية الطبيعيّة حيث مرّت الأوطان به في مخاض ها هي الشعوب والأقوام تَرِدها منجذبةًً إلى رحيق الحضارة التي ملأ أريجها أصقاع العالم القديم . قبائل يحملها الجوع وقلّة الكلأ تنظر بعين الصقر إلى الشمال الغربي . فارس الإمبراطوريّة الجامحة تشرع سيفها من جديد سنابك خيل كثيرة ترسلها نحو تركيز الحلم الدائم على أن تكون وريثة آشور في قلب العالم القديم شعوب كثيرة رائحة غادية تلسع التراب في هذا الوطن( الحلم ) . ( الجنّة ) و لكن سوريا تبقى شامخة تحتضن الكل , تدمع ,تصهر ,تنقي ,تبزغ وفي النهاية تدفن المأفون ! الجزيرة السورية العليا ( بلاد الرافدين ) تنام مدنها على تاريخ زاخر مدن تتناثر كشذرات الذهب على سفوح جبال طور عابدين , أطعمت هذه البقعة البشرية بالفكر فكان الفكر الأثيني واليوناني من النتاج , نصيبين وإحدى أقدم جامعات العالم رأس العين حلم الباحث عن الحقيقة . الرها (أورفا ) . (أديسا ) مركز الشعاع الذي أغنى العالم بالفكر المسيحي .

ولادة لوقيانوس ونشأته :

بالقرب من الرها وعلى مرتفع تقع سميساط . بلدة تنام في حضن الجبل هذه البقعة المتفاعلة بقوة مع مركزالقرار الروماني ولد لوقيانوس السميساطي وكان يتربع حينها على عرش روما الإمبراطور أدريان وذلك نحو عام 125 ميلادي كان أيوه عاملا بسيطا وأمه أبنة عائلة تعمل في النحت دفعه أبوه ليتعلّم مهنة النحت على يد أخواله . لكنه إنطلق هارباً من مهنة النحت لأنّ ذاته المتمرّدة الطامحة إلى الإرتقاء حطّمت الرخام الأصم وهرعت إلى الفلسفة فها هو يقول على لسانها \الفلسفة\ “هاك ديموسطين الشهير أترى أي رجل عظيم جعلت منه وهاك “ أسكين “ إبن ضاربة الطبل أرأيت كيف كرّمه فيليب من أجلي حتّى سقراط ترك المثالة وهرع إليّ فجعلته ذائع الصيت في العالم أجمع(1)

ولم يُقطع الشكّ بعد أين تلقّى العلوم ، لكنّ المعطيات ترجح على أنه إستقرّ في مقاطعة / أيونيا / المنعمة بالسلام والرخاء والعلم في عهد الأنطونيّبن ،

حيث كانت مآل طالبي المجد والمعرفة ، وكانت الّلغة السائدة في موطنه هي السريانيّة .

مرّت حياة لوقيانوس بمرافئ كثيرة ، فبعد الخطابة والسفسطة ، مارس المحاماة ردحاً من الزمن في أنطاكيا عاصمة سوريا الأولى ، وأخذه اليمّ باتّجاه أثينا بهرته الفلسفة بشخصيّة الفيلسوف نيكرينيوس / وحين قرأ التاريخ لكتّاب عصره مقتهم فكتب كتابه / طريقة كتابة التاريخ / وعاد به الإبحار إلى شاطئ الفلسفة الهادئ ، بعد أن سئم السفسطائيّين وتزلّفهم وحذلقتهم ، ومال في تعامله مع قيم عصره إلى ما عُرِفَ بالأخلاقيّة العمليّة .

كتب لوقيانوس في حياته التي قُدّرت ب 70 عاماً أكثر من ثمانين مخطوطاً تطرّق في أغلبها إلى مشاكل عصره الاجتماعيّة ، والدينيّة ، والفكريّة ، ويُلاحظ منعطفٌ هامٌ في حياته : حيث هاجم المسيحيّة بعنفٍ في حياته وكتاباته .

ـ سنسلّط الضوء على كتابه / مسامرات الأموات واستفتاء ميّت وما ورد فيه مع تعليق على الاسلوب وطريق المعالجة ، معتمدين على كتابين وحيدين صدرا بالعربيّة الأوّل ـ

مقالات أخرى للكاتب
بانوراما عن عملاق آرامي
لوقيانوس السمسياطي فيلسوف آرامي سوري
جلد عصره بسوطٍ من سخرية

01 - 08 - 2007
رحلة أوليس الثانية
31 - 07 - 2007
رد على بيان ما يسمى بالحركة السورية القومية
المتعلق بالاستفتاء على منصب رئيس الجمهورية في الشام
الموقع باسم وسام فياض

29 - 05 - 2007
 الضوء قاعدة الاختلاق
الوضوح أساس الحقيقة
الشفافية عنوان الصدق

19 - 05 - 2007
 وقفة على الأطلال أم بيان انتخابي لحزب عريق
24 - 04 -2007
 قراءة مغامرة في الزمن الممنوع
23 - 04 - 2007
..عذراً أيها القادة .. انتهى منذ زمن عصر الملوك أنصاف الآلـهــة
16 - 04 - 2007
بيروت...... يا مجدلية
31 - 07 - 2006
 الأحزاب العقائدية وإشكاليات السلطة
09 - 07 - 2006
أخر الرجال
08 - 07 - 2006
انطون سعادة
الفينيق المنبعث من رماده ... في كل تموز

07 - 07 - 2006
من .... وأين هم السوريون القوميون الاجتماعيون اليوم
26 - 06 - 2006
حضرة رئيس الحزب السوري القومي الاجتماعي الأمين علي قانصوه الجزيل الاحترام
هل تملك قرارك وتمثل أعلى سلطة تنفيذية علنا ندري ..؟!

01- 06 - 2006
الحزب السوري القومي الاجتماعي من التأسيس
إلى الترسيخ 3/ 3

25 - 05 - 2006
كلمة للتاريخ.... من سوري قومي اجتماعي إلى مواطني الأمة السورية حيثما كانوا
24 - 05 - 2006
الحزب السوري القومي الاجتماعي من التأسيس إلى الترسيخ 3/ 2
21 - 04 - 2006
الحزب السوري القومي الاجتماعي من التأسيس إلى الترسيخ
3/1

19 - 04 - 2006
قمة الخراب.. برسم من يهمهم الأمر في قيادات هذا الوطن..سوريا ..إذا كان هناك من يهمه أمر..!! ؟
20 - 03 - 2006
الديمقراطية .. مفهوم عالمي وقراءة قومية

مسامرات الأموات واستفتاء ميّت ترجمة : الياس سعد غالي . من مجموعة الروائع الإنسانيّةـ اليونسكو ـ بيروت عام 1967.
الثاني : أعمال لوقيانوس السميساطي المفكّر السوري الساخر ـ في القرن الثاني الميلادي ترجمة سعد صائب ــــ مفيد عرنوق عن دار المعرفة ـ دمشق الطبعة الأولى 1978 .

ـ مسامرات الأموات واستفتاء ميت : هذا المخطوط للمفكّر السوري السرياني عبارة عن فصول مستقّلة تعتمد في شكلها الصياغي على مبدأ المحاورة ، الذي اعتمده لوقيانوس أسلوباً لإيصال ما يريد ، معتمداً على طريقة أفلاطون في محاوراته لكنّه جعل الأسلوب محبّباً حين أزال منه الشوك وجعله طريّاً ليّناً ، ابتعد فيه عن جديّة العبارة مركّزاً على عمق المعنى بالعبارة السلسة .

اعتمد لوقيانوس على التهكّم والسخرية غير الهدّامة / الواقعيّة / وأخضع في هذه المحاورات كلّ أخلاقيّات الحياة اليوميّة إلى ملء الحقيقة طارحاً جديّة الموقف بسخرية العبارة معرّياً المجتمع ودجله دون زيف غير مهادن أحداً حتّى أنصاف الآلهة والآلهة في عصره ، فأتى الكتاب عبارةً عن ستّ وعشرين محاورة ، تناولت كلّ ما كان يميّز قيم ذلك العصر الأخلاقيّة من تداعيات خطيرة تؤدي إلى شرخ هذه القيم ففي المسامرة الأولى ركز لوقيانوس على اندثار المجد الأرضي وانتصار وديمومة العقل والفلسفة على لسان بطلها مينيب الفيلسوف الفينيقي الكلبي الذي يسخر من مال قارون وثروات ميداس وملذات سردنبال , ويقرعهم قائلا ً / إعرف نفسك / التي رددها سقراط جاعلاً من الإنسان موضوع الفلسفة الوحيد .

ــ أمّا في مسامرته الثانية فيضع الآلهة في مصاف البشر في انحدار القيم الأخلاقية لدى مجتمعهم ،حيث يتفق خارون نوتي العالم السفلي وهرميس على تقاسم مغائم نقل الأموات إلى العالم السفلي .

ـــ في المسامرة الثالثة يصوّر لنا بكثير من الهزل الأسود ، وعلى لسان الآلهة هرميس وبلوتون صورة المداهنين الذين يُضمرون غير ما يُظهرون والذين انتشروا في ذلك العهد للحصول على ثروات الشيوخ الطاعنين في السنّ ، وهكذا يقوم
لوقيانوس بتشريح حالة الأخلاق السائدة في العالم العلوي على لسان الفلاسفة والقُادة والأغنياء والمداهنين وغيرهم ، ليصل في النهاية إلى ان الزاد الحقيقي للعالمين العلوي والسفلي هو الحكمة ، والاعتدال والجرأة ، والحريّة ، هذا ما يعكسه في مسامرة كراتيس وديوجين ( الفيلسوف صاحب البرميل )

ويستمر لوقيانوس في مسامراته طارحاً على لسان أبطالها حكمة أو نصيحة أو تحذيراً فالجمال يندثر حيث تتساوى كلّ الجماجم فلا شعر يزيّن رأس ، ولا حاجب يغازل عيناً ولا أنف يشمخ ، فها هي هيلانة وليدا وآخيل وغيرهم كلّهم جماجم ، وبسخرية مرعبة يقول مينيب عن جمجمة هيلانة : “ من أجل هذه الجمجمة هلك العديد من اليونانيّين والبربر ودُمِّرَت مدنٌ
كثيرة وها هي جمجمة كغيرها مجموع عظام لا غير” أمّا الفلسفة الأخلاقيّة العالية التي يعكسها في صورة مينيب وعلى لسانه ، فيؤكّد على قوّة ثباتها وعدم فنائها حتّى في العالم الآخر حيث تكون مجال تقدير الآلهة أيضاً ها هو هرميس يقول لخارون:” أتجهل يا خارون أي رجل نقلت في قاربك . إنه رجل حرّ بكل معنى الكلمة لا يبالي بأحد هذا هو مينيب الفيلسوف “.

ويعرّج لوقيانوس على القادة فهذا الإسكندر المقدوني يبكي مجده ويتفاخر وذاك هنيبعل يتشامخ ولكن الكلّ كانوا غذاء لدود الأرض.

حتّى الألهة تسأم التكرار وتحن إلى التغيير ، ها هو خارون يشكو سأمه إلى مينيب زاعماً أن الجمود مملّ والأجمل هو الصراع على الأرض وحتّى هناك في الأعلى أيضاً.

ـــ ويصل في نهاية مخطوطه ، ليستفتي الميت العائد مينيب بمحاورة بينه وبين فيلو تيدس ، ناقلاً صورة محتملة للعالم السفلي يهاجم من خلالها كلّ العظماء مصوّراً بأن الظلال الشخصيّة هي التي تقوم شاهداً ضدّ الإنسان في العالم الآخر ، وليس هناك أي رائع بل يعود بنصيحته تقول:” عيشة الجهلاء هي الأفضل والأحكم ، فأقصِ عنك الرغبة الجنونيّة في تعليل الظواهر السماويّة والتدقيق في الغايات والمبادئ ، إحتقر هذه القياسات المعقّدة ، واعتبر ذلك ثرثرة باطلة ولا تبحث في كلّ الأمور إلاّ عن شيئ واحد ألا وهو استخدام الحاضر استخداماً حسناً والتمتّع به ودع أكثر الحوادث تعبر وأنت تضحك .

ولا تنظر إليها نظرة جديّة” وفي النهاية ، إذا كان فولتير متهتكاً مؤلماً والمعري ناقداً خائفاً ، ودانتي رساماً بالكلمة دون إسقاط للحكمة على فعل إبطاله ، فإن لوقيانوس كان ساخراً بعقل دون حشو فاعلاً مباشراً ، متهكماً مرحاً ، أخلاقياً رفيقاً تعامل لوقيانوس مع أبطاله دون مقدمات حيث دخل الحدث مباشرةً . وطرق الواقع دون موارية ،وتنقل بين مشاهد مختلفة تماماً دون كابح للعقل عن المتابعة ، ربط الأحداث المختلفة بخيط دقيق من أخلاقية راقية تفرض ذاتها ، منتقداًبتعقل دون تحيز ، واضعاً الكل في الميزان نفسه .

آلهة ـ قادة ـ ملوك ـ أباطرة ، فلاسفة ـ جميلات ـ متطفلون ـ مداهنون ،وكانت هناك طرق تجمع ما بينهم ، وطرق تبعدهم ، محركاً أبطاله في ظلمات العالم السفلي كنقاط ضوء حيناً ، أو كبقع أكثر قتامة من سواد الليل حيناً آخر ، طارحاً محاكماته الأخلاقية دون فرض بل بسلاسة ومعقولية.

هذه لمحة سريعة عن مفكر سرياني سوري منسي ألقينا من خلالها ومضة على فكره ، آملين دائماً أن ينبش التراث لنعرف أكثر عن عمالقة بلدنا وخاصةً هؤلاء الغافين في متاحف التاريخ ولنؤكد مع غوستاف لوبون قوله “ ما روح الأحياء إلا مؤلفة من أفكار الأموات “

* كاتب و باحث من سوريا

www.ssnps.jeeran.com

إن جميع المقالات التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع