|
مقدمة:
إبداع الأمم لا يأخذ من الحياة منحاً واحداً ! تراكمات الشعوب الخالدة لا تسلك
سبيلاً فرداً بل تُغني كل جوانب
الحياة لتخلق تكاملاً فريداً تصبغها لتتميّز عن غيرها من الأمم .
الأراميّون هذا الشعب الفريد بعطاءاته الفذّة في إغناء التراث المسيحي بعباقرة
أصبحوا كالشموس
التي لا تغيب من تاريخ المسيحيّة كمار أفرام
السرياني ومار يعقوب النصيبيني ومار يعقوب السروجي وغيرهم من الملافنة العظام
،أَلَم يُبدع
أفذاذاً في العلوم الإنسانيّة أم تمّ إسدال ستار من تجاهل
على هؤلاء العظماء بقصد أم بغير قصد ....
اليوم سنزيح الستار عن عظيم في الفلسفة من هؤلاء النائمين في سراديب التناسي ،
عظيم مدني
علماني لم يأخذ المسيحيّة ديناً له لكنّه كان آراميّاً حتّى
النخاع ،كان ابن البيئة التي أنتجت أروع العلوم وأغنت البشريّة ويكفيها فخراً
بأنّها أهدت العالم الحرف .
سنلقي اليوم الضوء على الفيلسوف لوقيانوس السميساطي ذلك الرائع والذي قيل عنه
\أنّ كلّ أساطير
عصره أنزلت الآلهة من عليائها لتتصارع على الأرض
أما هو فقد نقل الإنسان إلى العالم الآخر ليتصارع مع الآلهة بما يحمله من
معرفة وسموّ ورُقيّ فكان الأوّل .\
مدخل:
في الربع الأوّل من القرن الثاني الميلادي القرن الحار الذي لفح بلهيبه سورية
الطبيعيّة حيث مرّت
الأوطان به في مخاض ها هي الشعوب والأقوام تَرِدها
منجذبةًً إلى رحيق الحضارة التي ملأ أريجها أصقاع العالم القديم . قبائل يحملها
الجوع وقلّة الكلأ تنظر
بعين الصقر إلى الشمال الغربي . فارس الإمبراطوريّة
الجامحة تشرع سيفها من جديد سنابك خيل كثيرة ترسلها نحو تركيز الحلم الدائم على
أن تكون
وريثة آشور في قلب العالم القديم شعوب كثيرة رائحة غادية
تلسع التراب في هذا الوطن( الحلم ) . ( الجنّة ) و لكن سوريا تبقى شامخة تحتضن
الكل , تدمع ,تصهر ,تنقي ,تبزغ وفي النهاية تدفن المأفون ! الجزيرة السورية
العليا ( بلاد الرافدين ) تنام مدنها على تاريخ زاخر مدن تتناثر كشذرات الذهب
على سفوح جبال
طور عابدين , أطعمت هذه البقعة البشرية بالفكر فكان الفكر الأثيني
واليوناني من النتاج , نصيبين وإحدى أقدم جامعات العالم رأس العين حلم الباحث
عن الحقيقة . الرها (أورفا ) . (أديسا ) مركز الشعاع الذي أغنى
العالم بالفكر المسيحي .
ولادة لوقيانوس ونشأته :
بالقرب من الرها وعلى مرتفع تقع سميساط . بلدة تنام في حضن الجبل هذه البقعة
المتفاعلة بقوة
مع مركزالقرار الروماني ولد لوقيانوس السميساطي
وكان يتربع حينها على عرش روما الإمبراطور أدريان وذلك نحو عام 125 ميلادي كان أيوه عاملا
بسيطا وأمه أبنة عائلة تعمل في النحت دفعه أبوه
ليتعلّم مهنة النحت على يد أخواله . لكنه إنطلق هارباً من مهنة النحت لأنّ ذاته
المتمرّدة الطامحة إلى
الإرتقاء حطّمت الرخام الأصم وهرعت إلى الفلسفة
فها هو يقول على لسانها \الفلسفة\
“هاك ديموسطين الشهير أترى أي رجل عظيم جعلت منه
وهاك “ أسكين “ إبن ضاربة الطبل أرأيت كيف كرّمه فيليب من أجلي حتّى سقراط ترك
المثالة وهرع
إليّ فجعلته ذائع الصيت في العالم أجمع(1)
ولم يُقطع الشكّ بعد أين تلقّى العلوم ، لكنّ المعطيات ترجح على أنه إستقرّ في
مقاطعة / أيونيا / المنعمة
بالسلام والرخاء والعلم في عهد الأنطونيّبن ،
حيث كانت مآل طالبي المجد والمعرفة ، وكانت الّلغة السائدة في موطنه هي
السريانيّة .
مرّت حياة لوقيانوس بمرافئ كثيرة ، فبعد الخطابة والسفسطة ، مارس المحاماة
ردحاً من الزمن في
أنطاكيا عاصمة سوريا الأولى ، وأخذه اليمّ باتّجاه أثينا
بهرته الفلسفة بشخصيّة الفيلسوف نيكرينيوس / وحين قرأ التاريخ لكتّاب عصره
مقتهم فكتب
كتابه / طريقة كتابة التاريخ / وعاد به الإبحار إلى شاطئ
الفلسفة الهادئ ، بعد أن سئم السفسطائيّين وتزلّفهم وحذلقتهم ، ومال في تعامله
مع قيم عصره إلى ما عُرِفَ بالأخلاقيّة العمليّة .
كتب لوقيانوس في حياته التي قُدّرت ب 70 عاماً أكثر من ثمانين مخطوطاً تطرّق في
أغلبها
إلى مشاكل عصره الاجتماعيّة ، والدينيّة ، والفكريّة ،
ويُلاحظ منعطفٌ هامٌ في حياته : حيث هاجم المسيحيّة بعنفٍ في حياته وكتاباته .
ـ سنسلّط الضوء على كتابه / مسامرات الأموات واستفتاء ميّت وما ورد فيه مع
تعليق على
الاسلوب وطريق المعالجة ، معتمدين على كتابين وحيدين صدرا بالعربيّة الأوّل ـ |
|