صدى النهضة السورية القومية الاجتماعية                      www.ssnps.jeeran.com
 

الديمقراطية .. مفهوم عالمي وقراءة قومية

 
المهندس : كبرئيل قبلو
 

تعاني المفاهيم السياسية الاجتماعية ذات البعد الفاعل في الشخصية الإنسانية وحقوقيتها وذات التأثير المباشر في مسيرتها الحياتية المدنية من القياسات الحادة الواقعة ما بين المفهوم في قاعدته النظرية والإسقاط الواقعي له على واقع معين له شروطه الذاتية الخاصة (جغرافيا - تراكم ثقافي - إرث - مناقبيات). هذه الإشكالية ما بين نظرية المفهوم وواقعية التطبيق تدخل المفهوم والنتائج المترتبة عليه في إشكالية قد تصل في بعض حدودها إلى العكس المطلوب من المفهوم نتيجة سوء التفسير له أو سوء الإسقاط.

تعتبر الديمقراطية مفهوماً غربياً حديثاً، رغم ما حملت بان لها قاعدة في الإرث السياسي وتم الدمج ما بينها وبين الشورى كتطبيق على مستوى رأس الهرم في الدولة "الأمة" في العالم الغربي. ولقد درجنا طيلة قرون عدة على الجمع بين الديمقراطية وبين التحرر من قيود الجهل والتبعية والتقاليد، و"الحق الإلهي"، وذلك بفضل العقل والتعاظم الاقتصادي والسيادة الشعبية. أردنا تحرير المجتمع من المُطْلقات بحيث لا يعود خاضعاً إلا لسلطان العقل ومقتضيات المعرفة. ولكن الآمال الثورية العريضة تحولت بفعل بعض الأيديولوجيات المغلقة إلى كوابيس توتاليتارية وتبين أن الثورة والديمقراطية تتناصبان العداء، بدلا من آن تمهد إحداهما الطريق أمام الأخرى وصارت الحرية مختصرة على مجرد اتقاء لشر السلطة والتعسف وإلغاء الآخر.

هناك تعريفات هائلة للديمقراطية. فالديمقراطية هي سياسة الاعتراف بالآخر كما قال شارل تيلور. يقول الآن تورين في كتابه "ما هي الديمقراطية؟": "إن الديمقراطية هي فكرة مستجدة وإنها تفرض نفسها اليوم باعتبارها الشكل الطبيعي للتنظيم السياسي وان لا وجود للديمقراطية بدون حرية اختيار الحاكمين من المحكومين، وبدون تعدديه سياسية، وان تدني المشاركة السياسية وتدني الوعي بالمواطنة يشعر الأكثرية بأنها مستهلكة ومهمشة ومبعدة عن المجتمع وتصبح غير فاعلة فيه".

كما ألبست الديمقراطية أثواباً كثيرة مثل الديمقراطية الشعبية التي سقط مفهومها في سيطرة الدكتاتوريات وحكم الحزب الواحد والديمقراطية التشاركيه والديمقراطية التشاورية. وأفضل ما قيل في الديمقراطية كان الديمقراطية التحرريه المتصفة بالتعددية والعلمانية بالمعنى العريض للكلمة، ويحق لكل شخص أن يعبر عن آرائه ورغباته في ظلها، والصراع في مجتمعها هو صراع فكري بنائي وحرية الرأي والاجتماع والتنظيم هي حرية أساسية بالنسبة للديمقراطية.

وفي النهاية فإن النظام الديمقراطي هو صبغة الحياة السياسية التي تزود العدد الأكبر بأكبر قسط من الحرية، وهو الصيغة التي تحمي أوسع تنوع ممكن وتعترف به ولا تعترف لا بالمشاركة ولا بالتراضي العام بل باحترام الحريات والتنوع. وهي تستعيض إنسان المراتب بإنسان المساواة، وهي لا تختزل الكائن البشري إلى مجرد رقم لكنها تعترف به كفرد مجتمعي ينتمي إلى تجمعات اقتصادية أو ثقافية.

فالديمقراطية لا تقوم إلا على خدمة الإنسان المجتمعي بما هو ذات فاعلة، ولقد ارتبطت الديمقراطية في الغرب بنشأة الدول القومية التي نحن لا نزال نطمح ونعمل لبنائها. وإن المواطَنة التي تنادي بها وحقوقها تصنع لنا الإنسان المجتمعي الذي يمارس فعله الديمقراطي في بناء المجتمع (المتحد الأتم) وبالتالي الدولة بشكلها المقنن ويحصل بالتالي على حقوقه الطبيعية وما فوقها بشكل حر مفيد بمناقبيات واخلاق المجتمع المتطورة بحكم الزمان وتطور العقل الذي هو "الشرع الأعلى" في الإنسان. وإن بناء الإنسان المجتمع والديمقراطية يسيران جنباً إلى جنب للوصول إلى النظام السياسي الأمثل في بناء الدولة - الأمة التي ننشد.

أما بالنسبة للديمقراطية عند أنطون سعادة فقد تنوع الكلام فيها حسب موقعها الفعلي والفاعل في المرحلة البنائية للدولة القومية:

1 - يجد سعادة أن الدولة الديمقراطية هي دولة قومية حتماً، فهي لا تقوم على معتقدات خارجية أو إرادة وهمية بل هي إرادة عامة ناتجة عن الشعور بالاشتراك في حياة اجتماعية اقتصادية واحدة. إن الدولة الديمقراطية لم تمثل التاريخ الماضي ولا التقاليد العنيفة ولا مشيئة الله ولا المجد العابر بل تمثل مصلحة الشعب ذي الحياة الواحدة الممثلة في الإرادة العامة في الاجتماع الفاعل لا في الاجتماع المطاوع (نشوء الأمم، ص 138 - 139).

في الدولة القومية تزول كل الفوارق الاجتماعية ويصير لكل الأعضاء نفس الحقوق وتزول كل إمكانيات الاستغلال أو القهر أو التسلط وتضيع دولة الشعب الواحد التي عليه نفس الواجبات وله نفس الحقوق بعيداً عن صفة الفردانية أو القبلية أو الطائفية.

أما الديمقراطية في التنظيم الحزبي فهي فهم الحرية وممارستها بشكل إيجابي وتنظيمها تنظيماً فعالاً لا يجوز معه أن تُمارَس إلا ضمن الوحدات والمؤسسات الحزبية وهياتها مع مراعاة دقيقة لمبدأ التسلسل داخل التنظيم. إن ديمقراطية التنظيم هي نقيض الفوضى والتحكم الفردي في آن واحد، وهي ضد الفهم البدائي للحرية (الانفلاش) ونقيض المبوعة وعدم الالتزام وهي رفض للفردية كأسلوب في القيادة والعمل (سعادة والفلسفة القومية الاجتماعية، الأمين عدنان أبو عمشة ص 472 - 471).

في الرسالة الموجهة إلى رئيس وأعضاء مجلس إدارة سورية الجديدة بتاريخ 10 تشرين الثاني 1939 (ص 259 - 267، الجزء السادس) يؤكد 6 مسلمات، المسلمة الرابعة تقول إن سياسة الحزب السوري القومي (ديمقراطية).

2 - في الجزء الثامن وفي رسالة موجهه إلى الأمين وليم بحليس يقول (إن امتياز الحكم الفردي في الحزب هو فقط لصاحب الرسالة ومؤسس القضية وليس نظاماً أساسياً دائماً، والاتجاه الديمكراتي في نظامه صريح ولا يرفضه عقل صحيح) ص192.

نلاحظ أن "الزعيم" ربط الديمقراطية في الحزب بزوال آثار المجتمع القديم وأمراضه في عملية البناء الحزبي، فلا يمكن أن يتعايش الاثنان إلا بالفوضى، ومن هنا فإن البناء الحزبي النظامي المؤسساتي المناقبي هو الإطار السليم للاتجاه الديمقراطي وليس الاتجاه الديمقراطي هو الذي سيؤدي إلى البناء الحزبي النظامي المؤسساتي.

ومن مراجعة النصوص الكثيرة يتبين أن الديمقراطية القومية الاجتماعية ليست الديمقراطية الليبرالية لأنها ديمقراطية التمثيل بل هي ديمقراطية التمثيل المرسى على التعبير، على البناء الاجتماعي الجديد. ويعتبر الزعيم أن الديمقراطية الليبرالية هي ديمقراطية الفرد والأفراد أما الديمقراطية النهضوية فهي التي تقترن فيها حقوق الجماعة بواجباتها بالحقوق الديمقراطية المؤسسة على بناء الإنسان الجديد وموت إنسان عصر الانحطاط والفردية والفوضى.

3 - مر الحزب بمراحل (أو مفارق) بعد "استشهاد الزعيم" في المرحلة العبد المسيحية كما أطلق عليها وليد زيتوني وتلتها مرحلة المخاض الفكري والذي رافقت فترة ما بعد 1962 - 1987، إذ لوحظ فيها شكل ديمقراطي رائع حيث عقد مؤتمر ملكارت عام 1969 ولأول مرة في تاريخ الحزب تنتخب القواعد قياداته.

وقد خرج المؤتمر بتوصية أساسية نصت على التالي: (بديهي لدى جميع القوميين الاجتماعيين انهم ينتمون إلى عقيدة أوضح قواعدها ومنطلقاتها ومبادئها المؤسس وهي عقيدة نهضوية ثورية كلية ذات نظرة شاملة للحياة والكون والفن وفي نطاق الوجود الإنساني القومي والاجتماعي، ولكنها لا تتعداه إلى شئون ما وراء الطبيعة غير أن العقيدة الشاملة لا يمكن وضعها بالوهم أو بالمطلقات النهائية إذا إنها تتعلق برفض أي قيمة أو سلطان إلا للعقل في نموه وتكامله المتصاعدين حتى أن المبادئ ذاتها وصفها (المؤسس) بأنها ليست قوالب نهائية للعقل والفعل البشري، بل قواعد انطلاق كما أوضح بأن المبادئ ليست أصناماً جامدة تقف عند الحياة، بل هي للحياة، وذلك في قوله: إن المبادئ للحياة وليست الحياة للمبادئ والمبادئ للشعوب وليست الشعوب للمبادئ).

وقد خرج المؤتمر بإقرار 7 شئون أساسية هامة ونلاحظ بأن البادرة الديمقراطية حين شاركت القواعد قياداتها أدت إلى حدث جديد ومتطور في الحزب وتم التوصل إلى نتائج كانت رائعة وإيجابية.

أما من يحاول أن يبقى الحزب في إطار الهيكليات الكهنوتية التي لا زال يرزح تحت بعض أشكالها ويبعد القواعد عن المشاركة في القرار وإحداث التغيير في الواقع الفعلي فإنه يعاكس تيار العقل والواقع، ولا بد من أن يرضخ لحكم العقل والتاريخ الذي يقود إلى الأمام دائماً لمن يقرأه بشكل صحيح. واليوم حين نناقش موضوع الديمقراطية نقرأ فصلاً من تاريخ حزبنا بشكل صحيح، فهل أجدنا قراءة الماضي وبالتالي كيف ستكون قراءتنا للمستقبل؟

 

مقالات أخرى للكاتب
قمة الخراب.. برسم من يهمهم الأمر في قيادات هذا الوطن..سوريا ..إذا كان هناك من يهمه أمر..!! ؟
20 - 03 - 2006
الديمقراطية .. مفهوم عالمي وقراءة قومية

www.ssnps.jeeran.com

إن جميع المقالات التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع