|
المشرقي وتم التأكد من أثرها
في صياغة السد آة العقلية للمثقف والتي تعتبر الشبكة الأساسية التي بموجبها
وبموجب تكوينها تلتقط المحيط... والموحى... والصورة... والمطلق ... والنسبي...
والقيم... لتشكل منها فيما بعد وبعد أن تدمغها بالبعد الذاتي /الإبداع / الخاص
بالشخصية الفردية فعلا أو مقولة أو موقف .
هذه المرحلة من التعليم والتي تسبق بدء إطلاق الشخصية الثقافية للكونات
الإبداعية الخاصة .
تعاني خلالها المؤسسات التعليمية وفي أوسع قطاعاتها من إشكالية التعامل بطريقة
الأسلوب في إيصال المعلومة . حيث تعتمد على طريقة القوالب الجاهزة الثابتة غير
القابلة للتعامل مع عقل المتلقي . هذا يؤدي إلى زرع المعلومة كما هي صورة
إيجابية في عقل يفترض به أن يكون سلبيا حيال مقوماتها لكونه منع من مناقشة
كيفية حدوثها أو طريقة تركيبها وبالتالي مدى تأثيرها فيما يحيط به من تساؤلات
تبتدىء من السؤال . لماذا إلى الوصول إلى كيف وأين ومتى ... أن ايصال المعلومات
الى عقل المتعلم بهذه الطريقة دون وضعها على مشرحة البحث والتمحيص مهما كانت في
درجة البداهة . تعود عقل المثقف الشرقي المفترض خلقه من المتعلم على التلقي
البحت اكثر من التعامل في البحث والتحليل وإعادة التركيب فتوصله بالنهاية إلى
عقدة الاعتماد إلى الآخر في تشكيل الاقتناع .
هذه العقدة تحكم اغلب المثقفين حيث يقومون بربط أي فكرة او فعل أو إبداع ذاتي
جديد بمقولة ثقافية غربية . خاصة الحالات الثقافية التي تحمل في بعدها أي جديد
أو طارئ بعيد عن القياس بالعقل الموروثي المألوف .
النمطية :
تميز الكاتبة الأمريكية مارغريت ميد في كتابها ( الثقافة والالتزام أو الهوة
بين الأجيال)بين ثلاثة من الأنماط الثقافية تتميز بها المجتمعات وتكون أما
منفصلة بحدة أو متداخلة أو مفقودة بإحدى صورها وهي : آ)) الثقافة لاحقة الصورة
. ب )) الثقافة ملازمةالصورة
ج )) الثقافة سابقة الصورة . هذه الأنماط الثلاثة ميزت المثقف السوري منذ
نهايات القرن التاسع عشر وحتى الزمن المعاصر بوجود أحدها مع إلغاء النمط الأخر
وبشكل حاد .
- تميز المثقف المشرقي منذ اواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين بأنه
من مثقفي النمط لاحق الصورة بشكل عنيف . حيث خرج من مجتمعه حاملا الماضي
/الموروث/ بكل ما فيه من تراكم معرفي وقام بقياس ذلك مع الغرب الأوربي المتفاعل
مع عصر القوميات فتشكل ضمنه شخصية ثقافية مشتركة . لها إطار خارجي منفتح على
عصر القوميات الذي صدم الشرق بمفردات جديدة عن الإنسان والوطن والقومية والدين
. أما الإطار الداخلي فكان منغلق على موروث هائل هذه الازدواجية أدت في صراعها
مع ذاتها على تشكيل مخزون ثقافي هام برز منها مجموعة من المثقفين الذين أسسوا
الجمعيات و الأحزاب والمنتديات ووصلوا في النهاية إلى دفع مجتمعاتهم إلى التخلص
من الاستعمار و بدء تشكيل الشخصية المستقلة .
لكن هذه الشخصية في عمقها كانت قديمة باهتة ونسخة عن الماضي مع تغير في نمطية
اللون اللغوي فقط دون أي مس لجوهر المطروح المفترض تغييره والذي يفرض تحولا في
القياس العقلي .فبقيت أسيرة المقدس وصدمت الذات الثقافية بسقوط مقولاتها
وشعاراتها في عامي 1948-1967 مع اغتصاب فلسطين ونكسة الخامس من حزيران حيث شعر
المثقف المشرقي بان الأساس الثقافي له في تعامله مع تحديات عصره كان منحدرا ً
نحو الماضي /اتكاء / دون الدخول بوعي حقيقي في الآتي /حلم يقظة / ففقد الثقة
بالمخزون الموروث وحمل جرح انكساره بعد نكسة حزيران وطار يبحث في الثقافة
الملازمة الصورة وعمل في إهمال مقصود للموروث /إلغاء/ وتأجيل قصري للحلم فتميزت
هذه المرحلة بالغوص بالثقافة الثورية / النسف / حيث ارتبط لديه تحقيق ذاته
بعملية إلغاء للماضي المكسور ودخل صراعا عنيفا مع الموروث أسس نمط ثقافي شكل
قاعدة عريضة لتشكيل واقع سوري حقيقي غير متكئ على التاريخ بل اخرج ذاته منه
فسمى مرحلته بالحداثة .
- ومع الإرهاصات الجديدة التي بدأت تلفح وجه نهاية القرن العشرين في الثقافة
والسياسة والتاريخ ونظريات انتهاء عصر القوميات والعالم الجديد ونهاية التاريخ
والإنسان الأخير /فرنسيس فوكو ياما / ونظام العولمة وسقوط الأيديولوجيات صدم
العقل المتذبذب أصلا بين سلفيته وحداثته الهشة فدخل في فضاء الرعب المطروح .
هذا المطروح الخارج عن قياسات وتراكمات الثقافة السورية .مما أدى بالمثقف إلى
البحث عن نقاط ارتكازية جديدة أو صور نمطية أخرى كي يؤسس عليها مفردات ومصطلح
ليس لها في تركيبه الثقافي العام وحتى في /ألهو/أو ألانا وحتى ألانا الأعلى .
مما دفعه إلى خلق لغة إنشائية وأخلاقية عملاتية جديدة كي يدخل التاريخ الجديد
ذو نمطية الثقافة السابقة للصورة.
- هذه الثقافة السريعة الصادة المربوطة بسرعة تطور التكنولوجية وتعقيدات
العولمة ورأس المال الطائر . هذا الجديد يلاحظ اتجاهان واضحان في الخطاب
الثقافي في التعامل معه أحدهما الالتجاء إلى الانكفاء نحو الذات الخاصة /المثقف
الفرد /والثاني ظهور واسع بالعودة للسلفية المغلقة وكل اتجاه يقوم باستخدام
أسلحة دونكو شوطية إن كان في دخول معركة التغريب / حداثة / أو التقهقر /سلفية /
وهناك أصوات متفرقة تبحث لها عن صياغة خطاب جديد تتعامل فيه مع الطارئ دون إن
تفقد نقاط ارتكاز أصالتها وهذه هي الأصوات المتبرعمة عن الأحزاب القومية
الساكنة حاليا وهي نقاط الضوء الحقيقي الجديد
السلطة:
يعرف صاحب مختار الصحاح في باب السين وفصل اللام كلمة/ سلط /
و/السلاطة / بالقهر .والسلطان (( الوالي )) /والحجة والبرهان / من هذا التعريف
اللغوي يتبين لنا بان السلطة ممارسة قهرية للأفعال على الذات والمحيط للوصول
إلى غاية متوخاة في الذات أو لصالح المجموع أو لتثبيت قاعدة أو شرع أو قيمة أو
حكم .... الخ
وتعامل المثقف المشرقي مع السلطة له تاريخ طويل من التصادم فقد تشكل حاجز مسدود
في الإرث والحاضر ما بين المثقف والسلطة بمختلف صورها من اولغارشية أو اتو
قراطية أو إقطاعية وتوتالتارية وحتى ثورية ذات أيديو لوجية حديثة هذا الحاجز
الذي لا يزال يعلو فرض على الخطاب الثقافي في التعامل بمبدأ المواربة والتخاتل
والتخفي مما دفعه إلى استخدام الطلاسم والتعمية والباس الفكرة ثوبا معقولا لا
يسمح لها بالخروج لكي تصل إلى المجتمع .
هذا كله أدى إلى خروج الفكرة
تجاه التناقض الموجود مشوهة أو بأحسن الأحوال مجزوؤة . وأدت مطرقة السلطة إلى
صناعة حيز مغلق في عقل المثقف غير قابل للانفتاح إنما إلى التفاعل السلبي مع
ذاته /التآكل / . فظهر المثقف الواعي لحلول المشاكل التي تواجه خطابه إلا انه
يكبح هذا الوعي ويبرزه في خطابه إضاءات /فلاشات / فبقي يقع قريبا من
الديمقراطية دون الدخول في طيفها فلا يزال اقتراحا ديمقراطيا مؤجلا بسبب عقدة
التعامل وهو مثقف الداخل /غير المهاجر/ المعقول وغير المصادر . أما النوع
الثاني آلمتماه مع السلطة والواقع في طيفها مابين المعقول واللامعقول أما النوع
الثالث المواجه والمصطدم بالقهر والتفتيت فقد حمله نقده إلى الخارج /المهاجر/
وبقي خطابه حقيقيا متحررا إنما غير واقعي . ويبقى نوع رابع يغلف خطابه برمزية
مقيتة بعيدة عن مفهوم الشارع الذي يعتبر صاحب الفكر الترفي .
في المجمل تختصر معاناة المثقف الذي كسر الحاجز ما بينه وبين التابو من فعل
الإلغاء الذي يمارس بحقه من قبل مثقفي السلطة . والسلطة خاصة الشمولية منها
والأمثلة واضحة على مساحة العالم العربي .
يميز الكاتب روبير موزيل في روايته (الإنسان الذي لا صفات له ) بين نوعين من
المثقفين النوع الأول المثقفين الذين يوقعون العرائض ولهم حضور سياسي مميز ولهم
أيضا دور نافع جزئي ولكنهم لا يتخطون أبدا عتباتهم المعينة مهما كانت صفاتهم
عالية في المواجهة والاستقامة أما النوع الأخر هو النوع الذي يطرح تساؤله قارعا
, فاقعا , ويرفض رفضا جازما اتخاذ أي موقف وهذا هو الوعي التعيس /انتهى كلام
موزيل / إن التعامل الطويل مابين المثقفين والسلطة لم يكسر أطره إلا نادرا لان
المثقف ما يزال بعيدا في العالم العربي عن خلق أطره الخاصة بعيدا عن عقدة
التابعية .
الإيصال :
تعاني مدارسنا الثقافية من مشكلة الإيصال والاتصال مع الوسط / المجتمع / المحيط
ومن بؤرية إيصال الفكرة حيث غلب على المثقفين طرح أفكارهم بالاعتماد على البعد
الفردي الذاتي مما بدفع بالمطروح بعيدا عن الواقع فيبقى بعد نقطيا غير معمم لا
يعني إلا عمق الطارح ورؤيته للمشكلة من نظرة فردية بحتة.
أما من حيث التعامل مع وسائط الإعلام والاتصال المرئية والمكتوبة والمسموعة فقد
فرضت على المثقف قوننتها بالتابعية للسلطة أو المال السياسي مما قيد طريقة
العرض والشكل للمطروح وتم إيصاله بالشكل المفروض لا المطلوب .
إن عملية التحكم بالاتصال بالأخر المفروضة في الأنظمة الشمولية والاوتوقراطية
وحتى الثورية تمنع الحقيقة من الوصول تماما ما لم تكن موافقة للتوجه
الخاتمة :
نتيجة لما تقدم يصاب المثقف الواقعي المتجاوز عتباته الذاتية والقيمية
والاجتماعية المغلقة بإغلاق جديد /انكفاء / نحو ذاتية جديدة تفرض عليه التقوقع
جازما بأنه يبعد عن ذاته الآثار السلبية التي قد يتلقاها ولكنه في المطلق
والمحصلة يزداد شرخه الذاتي من حيث لا يدري فتضخم ألأنا جاعلة منه بالونا ضخما
سابحا في فضائه الخاص . هذه الخصوصية الزائدة تجعل من هذ ا المثقف نقطة لا تعني
شيئا سوى ذاتها واقعة على بعد سامق دون محيط جاذب وبالتالي يعاني من إشكالية
السقوط بالاتجاه الأعلى وهذ اصعب انواع السقوط .
وفي النهاية يبقى المثقف العملي هو المتتبع للنبض المجتمعي العام يطرح تساؤلاته
من المشكلات الواقعية وينظر بحدود واسعة إلى المنطقة المقصودة .وعليه أن يجتاز
كل أنواع التابو المقيد لهويته والمحصلة الانتماء للمجتمع وتناقضاته بواقعية
ودون حدية يبني المثقف المعقول الذي يتعامل مع النجاح بنفس السوية الذي يتعامل
فيها مع الفشل وهذا يبقى رأيا قابلا للحوار.
|