|
مازلنا في كل مرة يتعرض
الحزب فيها لهزة داخلية، نلقي باللائمة على رتبة الأمانة، معلنينها أس الخراب،
داعين لإلغائها، أو في أفضل الأحوال تعطيل فعاليتها. وهذا موقف أشبه ما يكون
بموقف القبائل المتوحشة التي ترتحل عن الأرض كلما قل زرعها، دون أن تعكف عليها
وتتفاعل معها لتستصلحها. وهو أيضاً موقف من ضعف إيمانه بفكر زعيمه، فخرج عنه
دون أن يفهمه.
أن تكون رتبة الأمانة قد خرجت عن محور عملها، فهذا مما لا شك فيه. وصحيح أيضاً
أنها كثيراً ما تحولت إلى أداةٍ للسلطة تحافظ بها على وجودها وعلى حفظ نسلها!
قرأت مرة أن عبد الحليم خدام قد تهكم على نظام حزبنا الذي تقوم فيه السلطة
بتعيين الأمناء ليعود هؤلاء فيأتون بالسلطة. ومرة أخرى، قرأت قولاً لعله للأمين
شوقي خيرلله ما معناه أنه لو أتى حقاً كل أمين بعمل واحد فقط فوق العادة، لكان
حزبنا بألف خير. لكن عدد الأمناء يزداد والحزب يتقهقر! لذلك فالدعوات لإلغاء
الرتبة ما هي إلا رد فعل غريزية لعناصر حزبية صارت تعتبر هذه الرتبة وسيلة
حقيرة منذ أن أخذ رجال السلطة يسخرونها لأغراضهم الشخصية الذاتية، أو الفئوية،
لا لأغراض الحزب والأمة.
مع هذا نقول أن العمل العقلي لا الغريزي يقتضي، أن نفهم جيداً الغرض من إيجاد
هذه الرتبة، وإعمال العقل فيها لتعيين موضع الخلل وعوامل خروجها عن محورها،
والعمل على إصلاحها.
من خصائص الديمقراطية التعبيرية هي أنها توكل إلى السلطة مهمة تفعيل جسم الحزب
كله أو أي إدارة من إداراته أو أي فرد فيه كلما اقتضت مصلحة الحزب والأمة إلى
ذلك، تماما كما يفعل الدماغ في الجسم. فما التعبير عن الإرادة العامة إلا
إظهارها، وما الإرادة، كما يقول سعادة، "إلا التعبير عن الحياة". لذا فالتعبير
عن الإرادة العامة يعني فيما يعني توليد حركة حياة الجسم، أي الحركة العاملة
على تحقيق مصالحه. فالإرادة كما يقول سعادة هي "دائما على قدر المصلحة"، و"لا
إرادة حيث لا مصلحة". وهنا يواجهنا السؤال أن كيف تتمكن السلطة من فعل ذلك وما
هي وسيلتها. هل تفعل ذلك بالإرهاب والقهر، والسوريون القوميون الاجتماعيون
أحراراً لا يهابون الموت ولن يأتوا بأمرٍ إلا إذا شاءوا؟ أما إذا كان القوميون
الاجتماعيون يطيعونها هذه الطاعة الكلية، بملء إرادتهم، فما الذي يقنعهم بذلك؟
إن جسم الحزب هو جسمٌ عالي الفعالية بطبيعته. والسر في ذلك، كما يقول سعادة، هو
في الغاية الخطيرة التي يعمل الحزب لها وفي الفكر الواعد لتحقيق الغاية. ولهذا
فالرفقاء المتعاقدون على أمر خطير يساوي وجودهم، يقبلون إلى الحزب وكلهم عزم
وإرادة للبذل والعطاء، من جهد ومال ودماء، بل إنهم يقبلون على الموت إذ يكون
الموت طريقاً لحياة أمَّتهم. لكن الإرادة القوية تقتضي ربطاً قوياً بين الأعمال
التي يكلفون بها وبين مصلحة أمتهم. فإن ضعف الربط ضعف نقل الحركة من الأفراد
إلى المجموع، أي إلى تحقيق المصلحة القومية. والمبدأ الذي نستند عليه هنا في
هذا الاستنتاج فهو المبدأ المادي-الروحي الأساسي عينه:
"الإرادة على قدر المصلحة"
فإذا لم يكن الرفيق واثقاً من أن العمل الذي يقوم به هو في سبيل مصلحة أمته،
ضعفت إرادته على تحقيقه وقد تنعدم هذه الإرادة إن انعدمت الثقة، لا لأن الرفيق
قد فقد وجدانه القومي بل لانعدام الربط. بل على العكس، فإن وجدانه القومي نفسه
قد يدفعه في حالة انعدام الثقة هذه، إلى التمرد والثورة! فإيقاظ الوجدان القومي
هو تفعيل لبركان خامد! فإما تنظيم فعاليته في نهضة تغير وجه التاريخ، وإما
الدمار الشامل بتضارب الفوضى!
والثقة هي الرابط الدائم الوحيد بين المصالح أو الأعمال الجزئية التي
تحددها السلطة وبين المصلحة العامة. هناك كثير من الأعمال تتم بسرية عالية أو
تامة، وبعضها تكتيكية مناورة ومداورة، وبعضها لا بد من تحقيقه بسرعة، وبعضها
بعيدة المرمى. لذا يصعب في هذه وغيرها الربط عن طريق التوضيح والإقناع! بل إن
سعادة دعانا أن نترك السياسة لإداراتنا العليا تفعل فيها ما تقدر عليه، فكيف
نفعل ذلك بغير الثقة؟
وهكذا نجد أن السلطة تحتاج دائماً إلى الثقة. ليس فقط ساعة انبثاقها أو يوم
الانتخابات، بل في كل عمل تقوم به وكل حركة. وكلما زادت حاجتها إلى عطاء
القاعدة ودعمها كلما زادت حاجتها إلى الثقة. ثقة كل فرد من القاعدة في كل مسؤول
في السلطة.
منح الثقة يطلب بدوره الأمانة!
لكن، هل نعطي هذه الثقة الهائلة التي تطلبها قياداتنا منا بدون
مقابل؟ هل نعطي ثقة قد تكلفنا في أية لحظة وجودنا، أو تعرضنا للسجون وتشرد
أبنائنا، ودمار مالنا وممتلكاتنا، هكذا وبكل بساطة. لا وألف لا!
لا، فنحن لسنا روحيين نؤخذ بالوهم والشعارات، بل ماديين- روحيين نطلب لكل مثال
حركة مادية فيزيائية تعمل على تحقيق المثال. الثقة في المسؤول وفي القيادة قيمة
في النفس. فهي إذا معرفة. وبالتالي حتى تكون هذه معرفة حقيقية فلا بد لها من
وجود يثبت حقيقتها. الثقة بالمسؤول تقتضي أمانة المسؤول. وإلا تحجب هذه الثقة
عندما تمتحن أمانة المسؤول ويخفق هذا في إثباتها. والامتحان قائم في كل عمل
يقوم المسؤول به. فرتبة الأمانة ليست محجة يزورها المؤمن مرة في عمره لينال لقب
"الحاج" مدى الحياة! كذلك هي مطلوبة ليس فقط من رئيس الحزب وأعضاء المجلس
الأعلى أو العمد بل بكل مسؤول في القيادة، وكل من يملك سراً من أسرار الدولة،
أو يكلف بمهمة من مهامها الخطرة. والثقة المطلقة بالمسؤول تقتضي أمانته
المطلقة!
وهكذا فالثقة والأمانة قطبا التفاعل في الديمقراطية التعبيرية. الدولة أو
الرأس تطلب الثقة من المجتمع أو الجسم وهذا الأخير يمنحها لها. والمجتمع يطلب
الأمانة من الدولة لقاء منحه إياها الثقة، والدولة تؤمنها له.
وللحديث بقية!
|