|
قرأت مرة في كتاب قيم سمّاه
مؤلفه "سعادة طبعاً" ووقعه باسم هيثم، قوله "أنه يكتب المعلم عن النظرة الجديدة
إلى الحياة والكون والفن ونتكلم نحن عن هذه النظرة، لكننا قليلاً ما ننظر فيها
ونظل نردد الألف ولا تعرف منا الياء أي وصول" . وقد صدق الرفيق القول. أولم تمر
أمامك هذه الكلمات الثلاث، مراراً وتكرارأً، مصفوفة واحدة تلو الأخرى، كتنميق
أدبي ليس إلا، تاركة إياك محتاراً فيما تنطوي عليه من معاني؟ ولعلك قد سألت
نفسك أيضاً، لماذا هذا الفصل بين الحياة والكون؟ فإذا كنا نصنف النظرة المدرحية
على أنها نظرة وجودية، فلماذا لا نقول مثلاً، بأنها نظرة شاملة إلى الوجود
ونكتفي، دون أن ندخل في تفاصيل ماهو من الحياة وما من الجماد؟ ثم، ما العبرة من
حشر كلمة "الفن" هنا؟ أوليس الفن أيضاً، إلا بعضاً من هذا الوجود؟ ولماذا هي
شاملة؟! فهات يدك يا رفيقي نسير معاً هذه الخطوة على طريق هذه الأبجدية.
صحيحٌ، نحن نقول بنظرة وجودية، ونحن بهذا نشترك مع بعض الفلسفات في منحى من
مناحي اتجاه التفكير ونختلف عنها في أخرى. إلا أنه ما يميز فلسفتنا عن أية
فلسفة أخرى هو أننا نرى "الوجود حركة" ، وان الحياة والكون (المادة) مصدران
مستقلان للحركة فيه. فالحياة تفعل ذاتياً من الداخل بينما تكون حركة المادة
دائماً بفعل العوامل الخارجية ، وهذا يعني عندنا، أن قواعد الجماد هي غير قواعد
الحياة ونواميس هذه غير تلك. محصلة هذا القول أن، نظرتنا، ترى الحياة مصدراَ
مستقلاَ للحركة في هذا الوجود وله نواميسه الخاصة، ولا يخضع دائماً لنواميس
الطبيعة. لذا فقد وجب عندنا الفصل بينهما.
رغم هذا، فحركتي الكون والحياة ليستا حركتين منعزلتين واحدة عن الأخرى، بل على
العكس تماما، فهما في تفاعل مستمر نسميه الفن! فما الفن إلا هذه الحركة
التفاعلية بين الحياة والكون والمنتجة "لهذا الصرح الفخم من الحياة المدنية،
التي تحرز بعد كل فترة نصراً جديداً للإنسان على أسرار الطبيعة، المزين بكل فن
جميل من رسم ونحت ونقش وبناء ودهن وموسيقى الخ" . فلولا الحياة لما كان هذا
"الصرح الفخم"، ولكانت الأرض مجرد كوكب جماد كباقي الكواكب. ومع هذا، فليس الفن
جزءٌ من الحياة وحدها ولا هو ناتجٌ بالكلية عنها، إذ لا بد للحياة من مسرح
تمارس فيه إبداعها، وهو دائماً وفاقٌ لما يقدمه هذا المسرح – مسرح الطبيعة، من
ممكنات. فنحن لا نعرف تقدم الحياة "إلا بتقدم الأرض في الصلاح للحياة" . الفن
إذا ليس جزءاً من الحياة وحدها ولا هو جزءٌ من الكون وحده، بل هو وليد "التفاعل
الموحد الجامع" بينهما. وهو ليس وليداً ميتاً، بل فاعلاً له أثره في هذه
العلاقة المستمرة بين الحياة والكون. لذا فقد وجب عندنا الفصل هنا أيضاً.
والحقيقة، أن الفن ليس إلا حاصل تفاعل الإنسان بالأرض. أي أننا يمكننا اختزال
القول بأن الفن هو حاصل علاقة الحياة بالكون إلى كونه حاصل العلاقة التفاعلية
بين الإنسان والأرض. فنحن "لانعرف الحياة إلا على الأرض" ، وهذا يختزل العلاقة
بين الحياة والكون إلى علاقة بين الحياة والأرض. كذلك، فإن "الإنسان هو الوحيد
من بين جميع الكائنات الحية الذي أمكنه إيجاد علاقة تفاعلية مع الطبيعة" ، وهذا
يختزل العلاقة ما بين الحياة والأرض، إلى علاقة بين الإنسان والأرض. ولذا نقرأ
لسعادة في محاضرته الخامسة قوله أننا "نحن الفنان الذي يستخدم ما تقدمه الطبيعة
من إمكانيات ليبدع وينتج ويبني" .
أما أن نقول أننا نفهم الحياة مصدراً مستقلاً للحركة على ما فيها من جموح
وطموح، هو أن نقول أن لنا نظرتنا في الغايات الإنسانية النهائية. كذلك، أن نقول
أننا نفهم الوجود حركة وتفاعل، بل أننا نقول أن فلسفتنا هي فلسفة التفاعل، يعني
فيما يعني، هو أنه لنا نظرتنا في التاريخ.
أحل نظرتنا شاملة إلى الوجود، كل ما هو موجود، الموجود بالفعل والموجود بالقوة،
إنها نظرة تنطلق من الحقائق الأساسية، لتحاكي المثل الإنسانية العليا. هي إذا
نظرة لا ترتبك كلما اكتشفت حقائقٌ علميةٌ جديدة أو تنوعت أو تبدلت المرامي
الإنسانية.
-
هيثم، سعادة
طبعاً، طبعة أولى، 1988، مؤسسة بيسان، صفحة 13.
-
سعادة، الآثار الكاملة،
الجزء 14، الحق والحرية، صفحة 193.
-
سعادة، المحاضرات العشر،
المحاضرة الأولى، صفحة 41.
-
سعادة، نشوء الأمم، الفصل
الخامس، صفحة 85.
-
سعادة، نشوء الأمم، الفصل
الثالث، صفحة 43.
-
سعادة، نشوء الأمم، الفصل
الثالث، صفحة 43.
-
سعادة، نشوء الأمم، الفصل
الخامس، صفحة 65.
-
سعادة، المحاضرات العشر،
المحاضرة الخامسة، صفحة 94.
|
|