صدى النهضة السورية القومية الاجتماعية                      www.ssnps.jeeran.com
 

رداً على بحث الدكتور جرجس:
نظام الفكر والنهج هو نظامٌ واحدٌ، نعني به نظام حركة حياة الحزب

 
الرفيق حنا الياس الشيتي
   

دراسة الدكتور قيس جرجس التي نشرها موقع صدى النهضة مؤخرا تحت عنوان " الحزب السوري القومي الاجتماعي، بين ما أراده سعادة وبين ما حصل"، هي لا شك دراسة جادة لا بد وأن أخذ إعدادها من كاتبها جهداً ليس بيسير من الدرس والتفكير، يُشكر عليه. ورغم أني أخالف رأي الكاتب في مفاهيم عقائدية أساسية يطرحها، إلا أنه لا بد من القول أن الدراسة تبقى ملتزمة فكر سعادة كل الالتزام، فلا تقوله كلاماً لم يقله، أو تأول كلامه تأويلات متفذلكة وغريبة.

أما المواضيع التي تتطرق إليها الدراسة، فهي لاشك بالغة الأهمية، ساخنة، لاتنفك تكون عنوايناً لنقاشات وجدالات حادة، وتؤدي أحياناً للتراشق الكلامي وما شاكل. لذلك فلا أعتقد أن مجرد تعليق عام على الدراسة، أو حتى تقديم رأياً موجزاً في كل من مواضيعها، سيكون مفيداً كثيراً. في حالة من هذه النوع سيبقى كل ذي رأي مخالف على رأيه، لأن المادة المقدمة لن تكون عندها وافية لتبديل القناعات. لهذا فقد ارتأيت أن أقصر تعليقي على موضوع واحد من مواضيع الدراسة، أعني نظام الفكر والنهج، واسعى كي أستوفيه حقه من النقد والتحليل. فإن حققنا تقدماً في تقريب وجهات النظر في هذا، انتقلنا ربما في محاولة أخرى، إلى موضوع آخر من الدراسة.

صحيح أن نظام الفكر والنهج ليس هو موضوع الدراسة الرئيس، ولا هو غايته الأخيرة، إلا أنه بأية حال موضوع محوري فيها، أسس الكاتب عليه بحثه، وجعله سبب أزمة الحزب كما في قوله، " يتبين لنا أن أزمة الحزب هي أزمة اتجاه لأنها أزمة نهج أي أزمة عقل و أخلاق ..". أضف إلى ذلك أن مفهوم نظام الفكر والنهج هذا، يبقى من الإلغاز التي بد لنا من العمل على توضيحها.

نظام واحد لا نظامان
ويبدو لي هنا أن الدكتور جرجس لم يوفق بانطلاقته الأولى، إذ بنى بحثه على نظرية خاطئة تقسِّم نظام الفكر والنهج إلى نظامين: نظامٌ للفكر، ونظامٌ آخرٌ للنهج. ولعله استند في هذا على بحث للأمين هنري حماتي والمنشور على هذا الموقع، والذي يقول فيه " نحن مدعوون ... الى إعتبار تعريفنا للنظام، كمفهوم شامل: إنه نظام فكر ونظام نهج.. ثم هو نظام أشكال تحقق الفكر والنهج" . وبهذا التصنيف يصبح لدينا ثلاثة أنظمة واحد للفكر، وواحد للنهج، وثالث للشكل، وهم ما يسميهم د. جرجس بالثالوث، كما في قوله "الحزب ثالوث موحد في الجوهر ،أو أقانيم ثلاثة بجوهر واحد ، هي نظام الفكر ونظام النهج ونظام الأشكال".

أما الصحيح فهو أن نظام الفكر والنهج نظام واحد لا اثنان! ومراجعة سريعة للجملة التي ورد فيها ذكر هذا النظام (المحاضرة الثانية ص 40)، نجد سعادة مشيراً إليه بقوله "هو نظام الفكر والنهج"، أي أنه قد استخدم صيغة المفرد، ... لا المثنى ولا الجمع! هو لم يقل مثلاً "هو نظاما الفكر والنهج"، أو "هو أنظمة الفكر والنهج".

أما في مقالة "النظام" (ج 2، ص 241)، فهناك تأكيد أوضح بأن النظام هذا هو واحد، وأن هناك نوعان، لا ثالوث، من الأنظمة. في تلك المقالة يشير سعادة إلى نظامين. واحدهما نظام الشكل، ويدعوه بالتنظيم، ثم إلى نظام آخر يسميه "النظام"،

مقالات أخرى للكاتب
رداً على بحث الدكتور جرجس:
نظام الفكر والنهج هو نظامٌ واحدٌ، نعني به نظام حركة حياة الحزب

19 - 05 - 2006
المنظمات إنسان أعلى من الفرد، ذات شخصية مستقلة
08 - 05 - 2006
الجمعيات والتنظيمات والمؤسسات،
مظاهر حياة حقيقية، لها مصالح حقيقية

07 - 04 - 2006
دعه وشأنه، فرأي المستبد يفنى معه!
29 - 03 - 2006
الأمانة والثقة قطبان في الزوبعة
27 - 03 - 2006
الأمانة والثقة قطبان
24 - 03 - 2006
شرف الأمناء والقيادة هو دائماً واحد
20 - 03 - 2006
على طريق أبجدية فلسفة سعادة
1. نظرتنا إلى الحياة والكون والفن

18 - 03 - 2006
حق الأمانة أشرف الحقوق وأرقاها
16 - 03 - 2006
الأمانة والثقة قطبان
13 - 03 - 2006
وحدها المدرحية تنقذ علم التنظيم من تخبطه
08 - 03 - 2006
إلى الرفيق شوقي باز المحترم:وإن ثبتَّها الرفيق بشار لك فإني أحجبها عنك!
04 - 03 - 2006
الحرية الفردية
28 - 02 - 2006

ويعطي الترجمة الإنكليزية له (Discipline)، والتي تفيد الانضباط والتقيُّد الذاتي بقيم العمل والتعامل. والغاية من هذا النظام، كما يقول سعادة هو لإيجاد وحدة عملية قوية سريعة. رغم أن سعادة لا يشير، في هذه المقالة، إلى هذا النظام بنظام الفكر والنهج، إلا أنه لاشك يتحدث عن النظام نفسه، لأنه في الحالتين يشير إليه كأحد رموز الزوبعة.

فلو فرضنا أن هذا الأخير هو جوهر لنظامين اثنين: نظام فكر ونظام نهح، فالسؤال يبقى عن سبب إعطاء سعادة تعريفاً واحداً لهما دون أن يحدد دور كل منهما في هذا الجوهر. كذلك نسأل مَن مِن هذين النظامين يحقق الانضباط والوحدة العملية القوية والسريعة.

أما محاولة الدكتور جرجس لتعريف نظام النهج فلا تزيدنا إلا قناعةً بعدم قابلية نظام الفكر والنهج للقسمة! فكيف يمكننا تصور نظاماً للنهج لا فكر فيه! ولعل هذا ما يدفع الكاتب إلى إدخال "التفكير العملي" كجزء من تعريفه لنظام النهج. لكن "التفكير العملي" هو أيضاً جزء من "نظام الفكر"، بحسب تعريفه. فنظام الفكر على حد تعريف الكاتب معني أيضا "بتشخيص الأمراض الاجتماعية ووضع العلاج الصحيح لها...."، وهذه بالضرورة من مزايا التفكير العملي". والحقيقة أنه حتى تعيين المصالح، والتي يعتبرها الكاتب جزءاً أساسياً من نظام الفكر هو أيضاً من مزايا التفكير العملي! هكذا تختلط الأمور بعضها ببعض، فلا نعود ندري فيما إذا كنا نعني بنظام الفكر، نظام التفكير النظري فقط، أم النظري والعملي. بل إننا نسأل أوليس التفكير العملي يشمل أيضاً التفكير النظري، لأن الأول هو أيضاً نظرة شاملة إلى الحياة والكون والفن، ولا يستغنى مطلقاً عن التفكير الوضعي والعلمي؟ أوليس المفروض من التفكير العملي فَهم الوضع أولاً، حتى يمكن بعدها فهم ماذا يراد من الوضع؟ فإذا كان الأمر كذلك فما حاجاتنا إلى نظامين مختلفين واحد للتفكير العملي وآخر للنظري؟

مبادئنا هي نظام فكرنا
والحقيقة أنه لا حاجة لنا بالمرة، لنحت مصطلح آخر لنظام الفكر عندنا، ونتعب في تعريفه وتعيين قواعده، كما يفعل الكاتب في الفصل الثاني من بحثه. فنظام فكرنا هو عقيدتنا، التي تشمل كل مبادئنا. والمبادئ، كما يقول سعادة، هي قواعد انطلاق الفكر باتجاه واضح، الذي هو غاية الحزب. وهذا يعني أن المبادئ هي نظام حركة الفكر وهي ما يعين اتجاهه. وهذه المبادئ واضحة، حددها الدستور، وتم التعاقد على أساسها، مع كل فردٍ من أعضائها.

لا نظام في النهج
أما النهج، فالحق أقول انه لا يوجد نظاماً للنهج يمكننا من تعيين مسبق لخط سير الحركة من الآن حتى تحقيق غايتها. فالغاية واضحة، لكن خط السير هو حاصل التفاعل مع المحيط – مع المجتمع والقوى المحلية، والإقليمية، والعالمية الفاعلة فيه، وهذه لا يمكن تحديد ماهيتها، أو كيفية وزمان نشوئها. فأحيانا تتجه الحركة مباشرة نحو غايتها الأخيرة، ومرات تناور وتداور، ومرات تضطر حتى للتراجع، هذا وإن كانت دائماً تضغط نحو هدفها الأخير، كما البوصلة نحو الشمال. ولهذا لا يوجد نهج قياسي عام. ومن هذا المنطلق نفهم قول سعادة:
" لذلك عندما كان يسألني بعض الأشخاص كيف يكون نهج الحزب السوري القومي الاجتماعي عند استلامه الحكم كنت أقول "إنكم لا تفهمون الحزب السوري القومي الاجتماعي" وكان ذلك صحيحاً لأنهم لم يكونوا دارسين اتجاهات الحزب".

سعادة لم يأتِ بشرائع جامدة، ولكن بمبادئ حية يتمكن السوريون على أساسها ووفاقاً لمقتضيات الحالة التي يجدون أنفسهم فيها من إحداث الشرائع وتطويرها. لهذا وبصرف النظر عن التقصير أو عدمه في مسألة أنشاء فروع للحزب في الكيانات السورية، والتي يثيرها الكاتب كنقطة أساسية من نظام نهج الحزب، لا بد لنا من الإقرار، أن سعادة لم يترك، وهو حتماً لم يشأ أن يترك، ورقة عمل تحدد للأجيال القادمة، الخطوات التي يجب أن يخطوها خطوة بخطوة. فأي تقييم لمنهاج الإدارة الحزبية – مطلق إدارة، لا بد وأن يبنى على المقارنة بين ما تحقق وبين ما كان يمكن أن يتحقق على ضوء المعطيات الراهنة، لا على المقارنة بين حققته هي وما حققه أو انتهجه سعادة.

صحيح أنه لا بد وأن يكون لإدارات الحزب العليا تصورٌ واضح عن النهج الذي تريد انتهاجه في المستقبل المنظور، ولأبعد مدى يمكنها استشرافه، وهي تضع لذلك الخطط الاستراتيجية والتكتيكية التي تمكنها من تحقيقه أو التقدم فيه. لكن هذا النهج، والخطط الناشئة عنها، تبقى دائماً عرضة للتعديل والتبديل، بل والتغيير وفاقا لتطورات ومتغيرات المحيط والحوادث الجارية فيه. لهذا لا يمكننا القول أنه هناك نهج قياسي واحد لمسار الحزب نحو غايته، أو حتى مقياس نقيس به الأشكال التي يمكن أن يتخذها هذا النهج. إن غاية الحزب هي مهمته الأساسية، وهي التي تعين اتجاهه الصحيح والمباشر، لكن اتجاه الحزب أو نهجه التطبيقي هو حاصل تفاعل مقتضيات ومطالب غايته مع الإمكانات التي يقدمها المحيط.

نظام حركة حياة الحزب
ولا نريد الغوص أكثر في تبيان الخطأ، فالغاية تبيان الصحيح! ولهذا أقول أن نحت التعبير "نظام الفكر والنهج" لم يُقصَد منه النظام الذي يسير عليه الفكر، أو يعين النهج، ولكنه يشير إلى النظام الناتج عن تفاعل الفكر والنهج! فالنظام هذا هو نظام حركة – حركة الحزب، الذاتية والمعبرة عن حياته، وهي حتماً حاصل هذا التفاعل! فتحقيق النهج، أي تحقيق الأهداف والخطط التي يحددها النهج، هو الدافع أو المولد لحركة الحزب، أما الفكر فهو العامل الفاصل في تقرير النهج، وهو الذي يقرر العمل المؤدي لتحقيقه. هو يفهم الوضع ويفهم ماذا يريد من الوضع!

رغم أننا نتحدث هنا عن حركة الحزب الخارجية، أي علاقة تفاعله بمحيطه، إلا أن هذه الحركة ليست معزولة مطلقاً عن داخلية الحزب، بل تشمل كل حركة فيه، وتركب كل علاقة من علاقاته، حتى ليمكننا القول أن هذا النظام هو روح أو نفس (روح وفكر) الحزب. وتفسير ذلك هو أن تحقيق الأهداف يقتضي الوحدة العملية السريعة، وهذه تقتضي بدورها انضباط الأعضاء أي تقيدهم بالنظام حيث يكون تقديم الطاعة، في مقدمة وأساس هذا التقيُّد. لكن تقيُّد الأعضاء بالنظام ليس مطلقاً حتى يسمح لقيادة الحزب اختيار أو إهمال النهج الذي تريد، بل هو تقيُّدٌ مشروطٌ بالتزام الحزب النهج والفكر الذي يحقق الغاية. ولذا فالتقدم على النهج الصحيح يعزز ثقة الأعضاء بسلامة معتقدهم وزعيمهم، وثقتهم بحزبهم، وبقيادتهم، وببعضهم بعض، وبأنفسهم. أما حدوث العكس، فهو ما يضعف الثقة، ويولد الشقاق، ويحدث التمرد والعصيان وما شاكل، وهي من خصائص الفشل! ولهذا نجد في الحالة الأولى، أنه حين يتفكك الحزب بعوامل خارجية، سرعان ما يعاد بناء النظام والتقيد به، أما في الحالة الثانية، فإنَّا نرى عوامل التفكك وضعف الحركة، قد أخذت تفعل فعلها ذاتياً من الداخل.

كنت في مقالة "الأمانة والثقة قطبان" بجزأيها، قد أسهبت في شرح الترابط الوثيق بين التزام القيادة الأمانة للقضية، وبين تقديم الأعضاء للطاعة، وأن النظام الداخلي، أو الديمقراطية التعبيرية، هو المسؤول عن تأمين هذا الترابط، ثم وفي مقالة "الأمانة والثقة قطبان في الزوبعة"، ذكرت أن النظام الداخلي هذا يندمج بنظام الفكر والنهج لتحقيق التفاعل الخارجي. فعسى أن يكون الشرح هنا قد تمم الصورة التي كنا قد بدأناها هناك.

هنا نجد قيادة الحزب قد أنيطت بمهمتين أساسيتين الأولى هي الاستجابة لمطالب الصف الحزبي بأن تكون أمينة على القضية فتعمل على تحقيق غاية الحزب، بتعيين المصالح الواجب تحقيقها. وهي بهذا إنما تعمل على تقرير النهج الذي ينتهجه الحزب، والذي يكون من مهماتها التشريعية. أما المهمة الثانية، فهي الاستجابة لمطالب المحيط كي تتمكن بالمداورة تحقيق النهج المقرر، وهذه تكوِّن أساس مهماتها التنفيذية. وبدهي أنه لا بد من أن ينفذ الجسم مقررات السلطة التنفيذية كي يتم تحقيق النهج فعلياً. لذا فدورة حياة الحزب تتم وفق هذه العلاقات الثلاث:
• القيادة - الصف الحزبي
• القيادة – المحيط
• الصف الحزبي – المحيط
أي أنها حاصل تفاعل العلاقة التفاعلية البيولوجية المثلثة الأضلاع: الجسم – النفس – المحيط.

ولا بد لنا من التنبه إلى أن نظام الفكر والنهج هو حركة ذاتية تنبع من الداخل. هي ليست شكلاً نراه أو نلمسه، بل حركة تولدها وتعين اتجاهها القناعات الداخلية، سواءً كانت تلك على مستوى الدوائر والمؤسسات الحزبية، أم على مستوى الصف الحزبي أو الأفراد. وهذه القناعات هي ما يدفع الحزب لتطوير تقاليد خصوصية، تميزه عن سواه، وتساعد أفراده ومؤسساته من تعيين اتجاه عملهم وحركتهم، وتدفع الأفراد للتعفف عن نزعاته الفردية.

آمل أن أكون قد أوضحت أكثر مما أثرت من التساؤلات وبأية حال، فأنا على استعداد للإجابة على أية منها، ومناقشة أي من الأفكار التي أوردت. وحبذا لو تكون هذه المقالة حلقة من حلقات الحوار الذي بدأه الدكتور جرجس.
ولتحيا سورية، وليحيا سعادة.

 1 . هنري حماتي، النظام القومي الاجتماعي وحقائقه العلمية.
 

www.ssnps.jeeran.com

إن جميع المقالات التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع