|
وعلى أساس الحاجة هذه، تجد المؤسسات الكبرى اليوم، تستثمر عاليا في الدعاية
والإعلان، وتسجيل الماركات، وسواها من التقنيات لكسب ثقة السوق. لكنها في الوقت
عينه تعمل أيضاً على أن تكون أمينة على المواصفات التي تعلنها لمنتجاتها
وخدماتها، حفاظاً على هذه الثقة، فلا يضيع كل تعبها واستثماراتها هباءً، بل وقد
تقع كارثة الكوارث إن فقدت ثقة السوق، فتنهار المؤسسة كلها. لذا فالمؤسسات هذه
تضع النظم الداخلية والمعايير التقنية الدقيقة على سياق العمل والوارد من
المواد الخام، والصادر من منتجاتها، كي تكفل النوعية التي حددتها لنفسها.
وهكذا نجد كيف أن مبدأ تفاعل الثقة والأمانة، قد فرض نفسه حتى في التفاعل
الاقتصادي. لكن سعادة يبقى سباقاً في ناحيتين، على الأقل. الأولى زمنية، إذ أن
دخول هذه الفلسفة إلى عالم الإدارة والتسويق قد أتت متأخرة جداً بعد سعادة. أما
الثانية وهي الأهم، وهو يبقى فيها منفرداً، فهي أن سعادة قد طبق المبدأ هذا على
الإنسان لا على الإنتاج، أي على القوة الفاصلة في تقرير العمل لا على شكل معين
من الإنتاج. وهو بهذا يكون قد طبقه على مطلق أنواع الأعمال وأشكال الإنتاج
والخدمات التي يمكن أن تقوم بها الدولة القومية أو القيادة الحزبية.
نظام الأمانة
لعلي أول من يستعمل هذا التعبير: نظام الأمانة! ولا أدري إن كان الزعيم قد أشار
إليه تحت هذا الإسم أو بإسم آخر، لكن بصرف النظر عن الإسم الذي نطلقه عليه، فهو
نظام موجود في نظام الحزب شكلا ونهجاً، وأعني به نظام إعداد المسؤولين وترتيبهم
للتنكب بالمسؤوليات العظام التي سينتدبون بها للقيام بنهضة تريد أن تغير وجه
التاريخ. إن كل ما أفعله هنا هو نفض الغبار عنه الذي تراكم عليه، بل التراب
الذي طُمر به، على مدى سبعة وخمسين عاماً.
والأمانة، الأمانة للقضية، هي الواجب الأول على كل مسؤول وكل من أدى عملاً ما
في الحزب. وهي دائماً، أول ما يقسم المسؤول على التقيد به. الزعيم أقسم أولاً
على أن يكون أميناً للقضية التي وضعها، ثم على تولي الزعامة. كذلك، كل من عيّن
في وظيفة او رتبة، وبموجب المادة 14 من الدستور، يقسم أولاً أن يكون أمينا
لمقتضيات مسؤوليته الدستورية، ثم يقسم على طاعة الأوامر. حتى في قسم العضوية
يقسم الرفيق المنتمي على أن ينفذ مهامه بأمانة! هكذا، فإذا كانت الطاعة
الدستورية هي واجب المرؤوس الأول، فالأمانة للقضية هي الواجب الأول على المسؤول.
والأمانة للقضية قبل الطاعة الدستورية. فإذا تضاربت هذه بتلك، تنتصر الأمانة!
هنا على المسؤول الذي تضاربت عنده هاتان القيماتان، ألا يطيع الأوامر! ولهذا
فالمسؤول، يقسم على تحمُّل مسؤوليته أمام الزعيم مباشرة! وهذا شأن خطير جداً في
النظام، فهو يتفكك بسرعة عند الإخلال بواجب الأمانة. إنه لا يحتمل الجبن
والخيانة! على المسؤول في هذا النظام أن يبقى دائماً فوق الشبهات! وعلى
المسؤولين الأعلى التصدي بسرعة لمشاكل من هذا النوع، فيستبدلوا الشك باليقين،
ويقتصوا من الجبناء والخونة، وإلا تكون العاقبة وخيمة!
أضف إلى ذلك، أنه لو دققنا في قَسم المسؤولية، الذي هو واحد لكل المسؤوليات
والرتب، نجد أن نطاق القَسم يتغير وفاقاً لنطاق دائرة مسؤولية المسؤول. فإذا ما
تغيرت مسؤوليته، وجب عليه القَسم مرة أخرى، نظراً لتغيّر الدائرة ونطاقها. كذلك
كلما ارتفعت مسؤوليته في سلم السلطة، عظم نطاق الدائرة. وهكذا نجد أن واجب
الأمانة يبدأ صغيراً، عند انتماء الرفيق، حيث يكون محصوراً بالمهمات التي
ينفذها، ثم يبدا بالتعاظم وفاقاً لارتقائه في سلَّم هرم السلطة، حتى إذا ما وصل
إلى أعلى درجات السلطة أصبح شاملاً نطاق الحزب كله. عند هذه الدرجة يصبح قسم
المسؤولية يعني الأمانة المطلقة للحزب! وهنا يتساوى قسم المسؤولية بقسم رتبة
الأمانة، وإن كان الأول يكون فاعلاً فقط خلال تحمل المسؤولية، بينما الثاني
يبقى فاعلاً أبداً.
فإذا كان النظام يعلق كل هذه الأهمية على الأمانة، ويضع على عاتق مسؤولييه عبىء
التقيد بها، في كل الظروف، وتحت كل أنواع الضغط والترهيب والتعذيب، فهل يُعقل
أن يكون قد أهمل مسألة إعداد المسؤولين حتى يتمكنوا من حمل هذا العبئ، والوفاء
بالتزاماتهم؟ أو أن يهمل العمل على التوفيق بين المسؤوليات المناطة بهم، ودرجة
الإعداد التي بلغها الواحد منهم، حتى لا يكلف نفساً منهم فوق طاقتها، فلا تكون
وبالاً على الرفيق، وعلى الحزب؟ طبعاً لا!
لكن رتبة الأمانة ليست هي نظام الأمانة الذي نعينه، بل هي حتى ليست كل نظام
الشكل فيه. فرغم أنها تمثل رتبة التفوق بامتياز في هذا النظام، فهي تبقى مجرد
رتبة في سلًّم من الرتب. لقد جاء في الدستور أنها رتبة عليا في الحزب، فإذا
استثنينا رتبة الزعامة المقتصرة على الزعيم نفسه، تصبح هذه الرتبة عملياً أعلى
رتبة في الحزب. كذلك قد جاء في المادة الخامسة من الدستور أن نظام الحزب مركزي
تسلسلي حسب الرتب والوظائف التي تنشأ عن الزعيم. وهذا يعني أن الرتب في الحزب
متسلسلة، وليست مقتصرة على رتبة الأمانة. كذلك هناك مواد أخرى في الدستور،
كقَسم المسؤولية، التي تفيد أن مشرِّع الدستور يتجه نحو إيجاد أكثر من رتبة في
الحزب.
والرتبة غير الوظيفة. فبينما تعنى هذه بتقسيم العمل، وتحديد مهمات ومسؤوليات
وصلاحيات المسؤول عن تنفيذها، كوظيفة العميد، أو المنفذ أو الناظر، مثلاً، نجد
أن الرتبة تعنى بالمؤهلات النفسية من فكرية عقائدية وروحية، ومن تمرس حزبي،
التي يشترط على المسؤول أن يمتلكها، كي يتمكن من تأدية مهامه. وهكذا فالعلاقة
بين الرتبة والوظيفة، هي كما العلاقة بين القوة والفعل، أو الاستعداد والإرادة.
فالرتبة تعين درجة الاستعداد النفسي للرفيق، والوظيفة تعين نوع العمل (الإرادة)
المطلوب. فحاملي الرتب إذا، يمثلون قوة كوادر الحزب الجاهزة والمستعدة للعمل
وتحمُّل المهام والمسؤوليات. هم إذاً قد ترتبوا صفوفاً صفوفاً وفاقاً لرتبهم،
استعداداً للعمل. أما المسؤولون فهم من فصلوا من الصف ليلتحقوا بدوائر عملهم.
هم القوة الفاعلة حقاًً، فإذا فرغت من عملها، أعيدت إلى الصف، لتقف استعداداً
للمهمة التالية. وهكذا فحاملي الرتب والغير معيَّنيين على دوائر عمل ما، يمثلون
الاحتياطي الباقي في الصف، الجاهز لكن الغير فاعل. وهكذا فالوظيفة نجدها في
الدائرة، والرتبة في الصف! وإنا لنجد سعادة قد استخدم نظام شكل الصفوف والدوائر
هذا، في النظام الاقتصادي أيضاً، حيث يرتب المنتجين كلهم على هذه الطريقة!
وبدهي أن الكفاءة تقتضي ألاّ يكون لدينا عدداً كبيراً من حاملي الرتب، واقفين
في الصف، دون تفعيلهم عبر تعيينهم على وظائف محددة. كذلك الكفاءة تقتضي توافق
الرتبة بالوظيفة. فليس من الحكمة مثلاً أن تُهدر كفاءة حامل رتبة عليا بتكليفه
مسؤولية بسيطة. وهذان العاملان، مضافاً إليهما ما ورد في الدستور بأن الرتب كما
الوظائف هي مركزية متسلسلة، يدفعنا إلى الاستنتاج، بأن عدد حاملي رتبة من الرتب
يقل وفاقاً لعلوها في التسلسل. فكما عدد نوع ما من الوظائف تكون كثيرة في أسفل
هرم السلطة، وتقل تدريجياً كلما ارتفعت، حتى تصبح واحدة في مؤسسة الزعامة، أو
رئاسة الحزب، كذلك هي حال الرتب، تقل تدريجياً حتى تصبح واحدة عند رتبة
الزعامة.
وهكذا نجد أن النظام، من الوجهة الشكلية على الأقل، قد لحظ ضرورة إعداد
المسؤولين والموظفين، وترتيبهم على درجات وتعيينهم على وظائف في السلم الهرمي،
وفاقاً لرتبهم. لكننا نسأل هنا لماذا لم يتم استيفاء كل الرتب، فاقتصرت على
رتبة الأمانة؟
قد يظن البعض أن سبب هذا يرجع إلى عدم استيفاء الزعيم الدرس والتقرير في هذه
الناحية من التنظيم، أو إلى عدم تسني الوقت الكافي له لكتابتها. أما الحقيقة
فهي غير ذلك. فرتبة ألأمانة، هي عملياً أعلى الرتب كما ذكرنا، لذا، فهي نظرياً،
قد شملت كل الخصائص والمزايا المطلوبة في كل الرتب، لأن الأعلى يشمل الأدنى ولا
يعكس. كذلك فقد أتم سعادة بناء الجهاز الإداري، وحدد درجات سلَّمه الهرمي،
وقسّم المصالح، ووصّف الوظائف، الخ، لذا، لم تكن بمشكلة ذات بال تحديد عدد
الرتب التي نحتاجها لكل السلّم الهرمي، والخصائص التي يجب تحملها كل رتبة. أما
عامل الوقت فلا يمكن أن يكون سبباً لمن كتب نشوء الأمم في ثلاثة أشهر، وكتب شرح
المبادئ في يوم واحد! في أسوء حال كان بالإمكان توجيه أحد الحقوقيين وتكليفه
بكتابتها.
أما السبب الحقيقي، فهو أن الشرع يوجد للإنسان، لا الإنسان للشرع! والأمناء
الذين وجدوا، لم يوجدوا بقرار أصدره الزعيم! بل بما حققه فيهم من بناء نفسي.
بعد أن تحقق وجود الأمناء، صار بالإمكان إصدار مرسوم يشرع لوجودهم! ولا ننسى أن
من يعنيهم الشرع هنا، هم رجال تاريخيين عظام، بناة نهضة جبارة! و هولاء لا
تخترعهم بقرار، ولا تضع مواصفاتهم، كما نحدد مواصفات الآلة! إنك تستنبتهم،
فينبتون، وتعتني بهم حتى يشتد عودهم فيثبتون وجودهم ويعلنون عن حقيقتهم. عندها
وعندها فقط يمكن للشارع أن يشرع لهم. قبل ذلك يكون كله تنظير بتنظير!
هنا يسأل سائل، أولم يكن من الممكن اصطفاء الكفاءات من جسم الحزب؟ والجواب هو
ليس تماما! صحيح أن الحزب، كما يقول سعادة في محاضرته العاشرة، نجح في الخمس
عشر سنة الأولى من حياته، في تكوين تقاليد جديدة، تنم عن أخلاقية راقية ونظرة
جديدة إلى الحياة والكون والفن، رغم هذا، إلا أن سعادة لا يقبل بما يقدمه جسم
الحزب هذا بإيجابية تامة. هو ينتخب منها أفضلها، لكنه يعود ويأخذ موقفاً سلبياً
منها، فيعمل على استصلاحها وتكييفها حتى تناسب مطالب المهام التي سينتدب
المسؤول لها. فالدولة في الحزب، تطلب خصائصاً في المسؤول، لم يرتق جسم الحزب
بعد إلى درجة تمكنه من إيجادها في مواهبه، بشكل منظم ومستمر!
وهنا نصل إلى بيت القصيد، أعني نظام بناء النفوس وإعدادها في دولة الحزب. وهذا
النظام ليس فقط لا يخلقه الشرع كما قلنا، ولكن أيضاً لا يوجده تأليف الكتب.
فالعلوم التي تحويها هذه لا بد من تحولها إلى معرفة في النفوس حتى تفعل فعلها!
أما الروحية الحقة فلا بد لها من أن تولد من روحية حقة! فالنظام هذا إذاً هو
نظام الحياة نفسه! لقد اصطفى سعادة أفضل ما أمكنه أن يجد في جسم الحزب البخيل،
من مواهب وعمل على أعدادهم إعداداً يتمكن به من رفعهم كي يكونوا رجال الصف
الأول في صفوف النهضة. لقد اختارهم فرداً فرداً، وعلّمهم ودربهم فرداً فرداً،
كل على حسب مواهبه ومؤهلاته. شد من أزرهم، ودفعهم للتمرس بالبطولة، ثم أطلقهم
للعمل كل في اختصاصه مشجعاً إياهم على إظهار وإطلاق مواهبهم. فعل كل هذا دون أن
ينسى أن يشذب كل شواذ ويقتص من هنا ويقطع من هناك، حتى إذا ما بلغ هؤلاء الرتبة
التي يمكن التأسيس عليها، عمد إلى إيجاد رتبة الأمانة، معيناً عليها كل من بلغ
منهم درجة يستحق فيها الرتبة، وحاجباً إياها عمن فقد منهم من مزاياها!
لكن ماذا عن الصف الثاني والثالث والرابع، الخ، من هذه صفوف؟ هل كان يُفترض
بسعادة أيضاً أن يولدهم أيضاً؟ الجواب لا طبعاً، خصوصاً أن الزعيم قد بقي
مشغولاً في بناء الصف الأول طيلة مدة حياته! نظام تكاثر الحياة كان يقتضي أن
يفعل أولئك الأمناء، الأمر نفسه، مع رجال الصف الثاني. كان على كل واحد من
هؤلاء، أن يصطفي المواهب من جسم الحزب بدقة، ويعمل وفق القيم والمقاييس التي
حملها من سعادة وأقسم على بقائه أميناً عليها، على صقل وتدريب كل واحدٍ ممن
اختارهم، وفرداً فردأ، وكل على حسب مؤهلاته، حتى يرتقي إلى مصافي صف الرتبة
الثانية. عندها كان سيسهل اختيار المتفوقين منهم، لإعدادهم للإرتقاء إلى مصافي
الصف الأول. الأمر نفسه كان يفترض أن يحدث مع الرتبة الثانية، ثم الثالثة,
وهكذا دواليك، حتى يشع النور الذي بدء بفرد في جسم الحزب كله، ومنه إلى جسم
الأمة.
لكن حضرات الأمناء لم يفعلوا ذلك! كانوا عقماء! فتوقف التناسل في ترتيب الرتب
عندهم. صحيح أن بعضاً منهم أنجب، لكن إنجابهم أتي بخصائص وراثية مختلفة. لذا لم
يمكن للشرع أن يشرع لهم، فبقيوا أبناءً غير شرعيين لأمناء زنوا!
أعتقد أن هذا الحد من الشرح كافٍ لتوضيح أن ما نراه اليوم في تنظيم الحزب ليس ما
أراده وخطط له سعادة. صف وحيد طويل لا نهاية له من حاملي الرتبة، لا عمل لهم في
الحزب سوى التصويت. ثم بالمقابل، دوائر ووظائف فالته، يتم القفز عليها والتنقل
بينها دون نظام واضح. بل الأخطر هو ظهور فئة المفرغين في مراكز الحزب، دون
إيجاد نظام يحميهم، فأصبحوا، حتى الأحرار منهم، مهددين يأن يكونوا عبيداً للذي
يوقع على شيكات مرتباتهم! ولا يزايدن أحدٌ هنا في هذا الأمر، بأن للقوميين
مناقب وأخلاق، الخ، لأن زعيمنا يقول في نشوء الأمم، بأن "العوامل المادية فاعلة
تحت كل مظهر من مظاهر الإجتماع". إن اشتداد الحاجة المادية المزمن، قد يفسد
الأخلاق، ولا بد من النظر في حالة هؤلاء وتنظيم شروط عملهم، وإعفائهم.
كذلك أعتقد أن الشرح كان كافٍ لتوضيح المفاهيم الخاطئة التالية:
• رتبة الأمانة ليست رتبة في السلطة التشريعية فقط.
• رتبة الأمانة تصدر عن قيادة الحزب، الزعيم أو تضامن السلطتين التنفيذية، لا
عن جموع القوميين الاجتماعيين.
• لا بد لرئيس الحزب وأعضاء المجلس الأعلى أن يكونوا من حملة رتبة الأمانة.
وللحديث بقية باقية!
|