صدى النهضة السورية القومية الاجتماعية                      www.ssnps.jeeran.com
 
الحرية الفردية
 
الرفيق حنا الياس الشيتي
 
 

من بين الردود على الكتاب التي وردت، هناك مداخلة قيمة للرفيق صفوان عرنوق، تستحق الدرس بل لا بد لأي عمل جاد ومخلص من الأخذ بها. مداخلة الرفيق عرنوق مفادها أنه "لا يمكن للأفراد أن يكون عملهم مجدياً ما لم يكن هناك نظام لحركتهم يحدد أداء مهامهم وينسق بينها ، أما غير ذلك فهو الفوضى ولا شيء غيرها". والكلام هذا يبقى سليماً، حتى وإن اعترضنا جدلاً على دعوة الرفيق عرنوق للبقاء داخل المؤسسة الحزبية وتصحيح الإخطاء من ضمن نظامها. بل إن سعادة يذهب أبعد من هذا إذ يقول أن "الشعب الذي يفقد مبدأ السلطة والطاعة يفقد مبدأ استقلاله الفعلي، ويكون أمره فوضى فلا تقوم له قائمة" (الأثار الكاملة، ج 8، "في بفرقمينو"، ص 52).

والغريب أنني لم أقع هنا على رد للرفيق فادار عليها، علماً أن النقاش البناء كان يقتضي ذلك. وبأية حال، فما أتوقعه هو أن يقول قائل أن الكلام هذا للزعيم، هو كلام حق أريد به باطل. لكن حتى لو افترضنا هذه الحالة، فلا يجوز منا أن نهمل هذا الكلام على أنه باطل، بل علينا أن نحمي الحق في هذا الكلام من الباطل.

لا مفر لنا، كأفراد، إذن، من طاعة النظام! إقرأوا معي هذا المقطع من "حدثني الكاهن الذي عرفه" والمنشور على صفحات هذا الموقع:
"وقفز من بينهم ، مكبلاً ، إلى عمود الموت المنتظر ، فاقتربوا منه ليعصبوا عينيه، فسألهم أن يبقوه طليق النظر ، فقيل له : القانون.
أجاب: إنني أحترم القانون" .

في تلك الليلة البهماء، حين بدد هذا القانون البغل، أثمن عطايا الأمة على الإطلاق، يعلن سعادة نفسه، أنه يحترمه! فهل لنا من هذه عبرة؟ بل ماذا نريد من عبرة أجمل من تلك التي يعطينا إياها سعادة ساعة استشهاده؟

لكن هذا لا يعني أننا غير قادرون على تغيير النظام، أو تحسينه أو الارتقاء به. بل لابد لنا من أن نفعل ذلك، لأنه كلما ارتقى الفكر كلما تمكنا من إبداع نظام أفضل. نفعل هذا ليس كمجموع فحسب، بل كأفراد أيضاً. فالحق قد يبدأ بجماعة قليلة وقد يبدأ بفرد. لكن في الحالتين، أي كأفراد أو كمجموع، نفعل ذلك من الداخل، من ضمن النظام. فالحياة تفعل من الداخل. لقد كفل لكم الدستور حق إبداء الرأي فمارسوه. ويمكن للقيادة أن تهمل رأي فرد، أو بضعة منهم، لكنها، لم ولن تتمكن من إهمال صوت الحق، لأن الحق صراع وشرطه الغلبة.

والمشكلة هذه التي أمامنا الآن، ليست مستحدثة، بل نشأت بعيد الساعة التي استشهد فيها سعادة. واستمرارها إلى الآن لم تكن مطلقاً بعامل أن القوميين الاجتماعيين تقاعسوا عن التصدي لها. بل على العكس تماماً. لقد فعلوا ذلك بكل الوسائل، النظامية منها وغير النظامية، وبالوسائل السلمية والصدامية. فعلوها كأفراد، وكزمر، ومجاميع هامة من الصف الحزبي. وتضمنت رفقاء وأمناء، ومثقفين، وعامة. لكن المشكلة استمرت!

أكثر من ذلك. أن محصلة هذه الحركات والأعمال الإصلاحية، إن صح التعبير، لم تكن تمنى دائماً بالفشل. بل على العكس تماماً، إذ أنها كثيراً ما كانت تنجح في فرض إرادتها (صواباً أو خطأً)، على القيادة الحزبية، وسواءً كان ذلك في تعديل مواقف الحزب السياسية وتوجهاته العقائدية، أو في تعديل الدستور. كم من مرة عدلنا الدستور؟ ألغينا رتبة الأمانة وأعدناها وعدلنا بشروط منحها وأنشأنا المجلس القومي، و و و. وكل هذه، كانت في الغالب تأتي ليس رغبة أو مبادأة من القيادة الحزبية، بل نتيجة ضغط مطالب الصف الحزبي من رفقاء وأمناء لا فرق! مع هذا استمرت المشكلة! نطلب تعديدلاً، ننجح في إحقاقه، ثم ينجح المنافقون والانتهازيون والنفعيون باختارقه، فنثور مجدداً نطلب تعديلاً على التعديل!

المشكلة إذا كانت في أن الدواء لم يكن فيما كنا نطالب به. لم نعرف ماذا نطلب، لم نكن نعرف ماذا نريد!

الديمقراطية التعبيرية

نتحدث كثيراً عن ديمقراطيتنا التعبيرية، وعن كم أنها رائعة هذه الفكرة التي يأتي بها حزبنا، إلا أننا بقينا دون أن نفقه معناها. فقد بقينا مخضرمين نطلب الجيل الجديد بعقلية الجاهلية. مازلنا حتى الساعة، نفكر بالطريقة القديمة إياها، أي بالديمقراطية التمثيلية إياها، لكنّا البسناها ثوباً آخراً، ليس حتى بجديد، أسميناه الديمقراطية التعبيرية. وهذا ينطبق على كل الطروحات التي كنا ومازلنا نطرحها!


لقد حصرنا تفكيرنا في مسألة مصدر السلطات، وفي من يرث السلطة بعد سعادة، ولم نعد نعرف كيف نخرج. تارة قلنا الأمناء، وتارة أخرى قلنا القوميين الاجتماعيين، وثالثة قلنا هي مزيج من الاثنين. ثم، أعملنا عبقرياتنا لابتداع الطرق الأمثل لتمثيلها. نعم، أقول لتمثيلها وليس للتعبير عنها. لأن مصدر السلطة وأنى يكون، هو شيء جامد، ومسألة كيفية انبثاق السلطة مسألة شكلية بحت. أما الديقراطية التعبيرية فهي حركة وفعل. هي حركة القيادة لتحقيق مصلحة الحزب، أو حركة الدولة لتحقيق مصلحة الأمة، وهي أيضاً حركة كل مسؤول، أو كل من كلف بمهمة، وكل عضو. إنها حركة الحزب كله لتحقيق مصالحه وغاياته المنشودة. فالمسألة إذن ليست كيف تنبثق السلطة ومن يكون مصدرها. ما نحتاجه هنا، ليس نظاماً لضبط حركة القيادة والمسؤولين، والذي هو وظيفة نظام الشكل. ما نحتاجه هنا، ليس نظاماً يقيم القسطاس كل ثلاث أو أربع سنوات مرة، يقرر فيها كلٌ أو مجموعة منا على هواه من يقود الحزب. لكننا نحتاج إلى النظام الذي يولد الحركة، ويدفع المسؤول، كما العضو تلقائياً للعمل، كلما دعت مصلحة الحزب إلى ذلك، وبالقدر الذي تقتضيه، ولا تولده إلا في سبيلها. فإذا كان الحزب حياة حقيقية له مصالح حقيقية، فنحن نريد من القيادة أن تكون الإرادة المعبرة عن مصالحه هذه، تعبيراً مباشراً لا مركباً، تضع فيه مصالحه التي هي مصلحة الأمة، فوق مصالحها هي نفسها.

وبدهي أن هذا شأن لا يحيط به الدستور، ولا تخترعه القوانين، لكن تحمله النفوس القوية المعطاءة القادرة على تحمل المشقات وبذل التضحيات. وهذه ليست طوباوية، بل مسألة علمية بحت، وإن كانت تقتضي ارتقاء نفسياً. نحن نعرف أن الأفراد لن يأتوا عملاً إلا وفاقاً لمصالحهم. فلا إرادة حيث لا مصلحة والإرادة على قدر المصلحة. لكننا نعرف أيضاً أن المصالح نوعان، ينبهنا سعادة ألا نخلط بينهما مطلقاً، هما المصلحة العامة المشتركة، والمصلحة الفردية.

وبدهي أن حاجتنا هي أكبر إلى الأفراد الذين، ارتفعوا بدوافعهم عن دوافع مصالحهم الذاتية، ونزعاتهم الفردية، ليضعوا فوقها مصالح أمتهم ومجتمعهم. حاجاتنا أكبر إلى الذين يختارون مصلحة الأمة كلما تضاربت هذه مع مصلحتهم الشخصية. وكلما ارتفعت المسؤولية في سلّم القيادة، كلما ازدادت حاجاتنا إلى أصحاب النفوس القوية وضعفت حاجاتنا إلى النفوس الضعيفة. قد نحتمل أصحاب النفوس الضعيفة في المراكز الدنيا والمسؤوليات الخفيفة، لكن إذا ما وصلنا إلى المراكز العليا، والمهمات الصعبة، تصبح حاجاتنا إلى هذه ليس فقط معدومة بالمرة، بل خطراً علينا ولا بد لنا من منعها.

قلنا أن هذه النفوس لاتخترع بقوانيين ولا تفرز في يوم الانتخابات بين أبطال وحرامية، بل هي حياة تنمو وترتقي. "والشوك ينمو بالإهمال أما النبت الصالح فينمو بالعناية". لذا لتأسيس هذا النظام القيمي الروحي، لم يسن سعادة القوانين، ولكنه عكف على تشيد هذا البناء النفسي في الحزب لجعله منبتاً للإنسان الجديد. وقد أشاد هذا البناء في كلا الوضعين، أي في جسم الحزب، وفي رأسه أي قيادته. بل قد كانت عنايته في الرأس أشد.

في جسم الحزب، كان لا بد من الغربلة والتأني في اختيار الوافدين إلى الحزب. صحيح أن الأمة غنية بخصائصها النفسية، من روحية وفكرية، إلا أن قرون الانحطاط قد جعلتها مليئة بالنفوس البالية والضعيفة وغذت فينا النزعة الفردية. لذا سرعان ما اكتشفنا أن عملية الغربلة هذه، ليست لمرة واحدة أو مرات محددة، بل هي عملية مستمرة. فبعض المنافقين نكشفهم قبل انتمائهم، وبعضهم بعيد ذلك، وبعضهم بعد ذلك، وهناك نوع، عادة ما يكون الأذكى، لا نكشفهم إلا متأخرين. ثم عكف ينمي القيم، والأخلاق والمناقب وأن القومية الاجتماعية أن تُمارَس. فظهرت الأقوال كتلك التي تقول "نساؤنا رجال ورجالنا رجال فوق العادة"، والهتافات بأبناء الحياة، والأناشيد والأشعار والموسيقى تزرع الفضيلة وتنمي العزائم. ثم أخذ القوميون الاجتماعيون هذه القيم، وجعلوها شعارهم في بيوتهم، عملاً بما أقسموأ، فبدأ الجيل الجديد ينمو.

ولم تكن هذه الفضائل مبنية على الأوهام، بل على الحقائق التي سيحققها النظام الجديد، وقد بدأ القوميون الاجتماعيون يتحسسونها فعلاً. أما معرفياً، فقد أجابهم سعادة على كل تساؤلاتهم. والحقيقة أن سعادة كان سابقهم بسنين (ومازال)، فلم يجادلوه في الشؤون الفلسفية مثلاً إلا في سنواته الأخيرة، ليكتشفوا أن حزبهم ومنذ تأسيه، مؤسس على أسس فلسفية فريدة ولا أبدع. أما في الشأن الاقتصادي، فلم يفقهوا شيئاً مما حدثهم عنه.

أما عمله على صعيد الدولة، فلا مفر لنا من أن يكون جسم الحزب الذي هو الأمة مصغرة، جسما سلطوياً مركباً. فقد زالت المساواة من المجتمع بزوال الشيوعية. لذا فإن كان لا بد من رفع أفراد على أفراد فحري بنا أن نجعل مصلحة الحزب والأمة هي المقياس الذي نقدم الناس صفوفاً صفوفاً على أساسه. لا قوة المال، ولا قوة الوجاهة السياسية والعائلية، ولا قوة العضلات، بل ليس حتى القوة الفكرية وحدها. أجل المصلحة القومية هي المقياس، لأنه إذا كانت الإرادة التي نريدها من الدولة أو القيادة هي إرادة التعبير عن مصلحة الأمة فلا بد أن تحمل هذه الإرادة كل خلية من خلاياها، أي كل فرد من أفرادها، خصوصاً تلك التي تقبع في مركز الرئاسة، والمجلس الأعلى ومجلس العمد، ونزولاً إلى المراكز الأدنى.

وبدهي أن ما نعنية بالإرادة هو الروح، أو الروح والفكر عينه. لأنه ما الإرادة إلا التعبير عن الحياة. لذا فعندما نقول أننا نريد من عناصر الدولة أن يكونوا الإرادات التي تعبر عن المصلحة القومية، فهذا لا يعني إلا أن تكون روحيتهم، أو نفسيتهم كذلك. وصحيح أنه لا يمكننا أن نقيس الروح بالأوزان والأواقي، لكن الروح حركة، ونحن يمكننا أن نميّز بين روح وأخرى، من نهج حركتها، أي من الأعمال ألتي تنتجها. "فالنيات بالأعمال".
فإذا كانت الإرادة هي دائماً على قدر المصلحة ولا إرادة حيث لا مصلحة، ولما كانت المصلحة القومية هي مصلحة أساسية دائمة، فالأفراد الذين حملوا هَم المصلحة القومية، هم دائمو التعبير عن مصلحة الأمة، ولا مجال أن تكون روحيتهم أو نفسيتهم قومية في ناحية وأنانية في ناحية أخرى.

من هنا كانت الفكرة في ايجاد رتبة الأمانة، بل إن الفكرة كانت أن تكون رتبة الأمانة أعلى الرتب على أن يتبعها رتب أدنى. فأمناؤنا إذاً ليسوا عملاءً للدولة، ولا هم طبقة مترفة في جسمنا، بل هم صفوة الصفوة فينا. فإن لم يكونوا كذلك، فلا يوجد مبرر بالمطلق لبقائهم. قبل أن نسلم الرفيق زمام السلطة، ونعهد إليه أمانة إرث سعادة، لا يكفينا أنه قد أقسم اليمين. فيمين الخائن عديم القيمة. لكننا نريده أن يكون قد اثبت ومازال يثبت بالعمل، ملكته الفكرية القوية، وأنه بروحيته الصادقة المتينة يمارس القومية الإجتماعية في كل شأن من شؤون حياته، خصوصاً في بيته ومتحده ومركز عمله، وأنه قادر على الصمود في الملمات. لا يمكنه أن يكون أميناً صادقاً في الحزب، وتاجراً جشعاً في العمل، أو أباً مهملاً، أو قدوة غير صالحة في متحده.

ولعل سائل يسأل لما لا نجعل القوميين ينتخبون الأمناء. وأقول أن الإختيار عمل عقلي، ولا بد أن يتم بوعي مسؤول، لا عشوائياً عن طريق الجمهور. عندما يختار المسؤول الأمناء، فهو يفعل ذلك وفقاً لقيم واضحة وعلى مسؤوليته. لكن ما هو المقياس الذي يستخدمه الجمهور في اختياره، ومن يتحمل مسؤوليته. وقصة جبران خليل جبران عن الحواس الخمس ورأي الأكثرية، جديرة بتأملنا هنا.

إلا أن عامل القوة في هذا النظام قد يكون أيضاً نقطة الضعف أحياناً، فهو نظام بيولوجي، العنزة فيه تخلّف عنزة! فإذا ما قبعت بضعة منها في ركن من أركان مركز حزبنا، أخذت تولد لنا التيوس تباعاً، تيساً بعد آخر! مع هذا نقول، أن الجسم السليم قادر دائماً على لفظ الأجسام الغريبة، وإفراز عقلا سليماً. وسلامة الجسم هي في القيم والمناقب التي يمتلكها. إن تاريخ الحزب سجل مليء بِأسماء من جعلوا من سعادة مثلهم الأعلى، وبالبطولات ومواقف العز التي سطروها. لكنك إن جلست في الصقيع طويلاً، ينتابك البرد، وتغزوك الفيروسات والبكتيريا، ويصيبك المرض، مهما كان جسمك قوياً أو منيعاً. وفيروسة واحدة كافية لأن تشلك وتقعدك الفراش، فما بالك بالحشرات التي دخلت الحزب، في ذلك الليل البارد الطويل الذي عصف بحزبنا، فأهملنا دعسها أو إخراجها.

أسباب الويل

عند استشهاد سعادة، تنادى الأمناء فيما بينهم، وقاموا تماما وبسرعة بما تطلبته الساعة منهم. كانوا كباراً، على قدر المصيبة الجلل. فاحتمل الحزب الصدمة المروعة واستمر. وهذا عمل عظيم، لا بد للتاريخ أن يسجله للأمناء الذين تنكبوا هذه المهمة، وخصوصاً حضرة الأمينة الأولى، خلدت سورية ذكراها وكفاحها العظيم وصبرها واحتمالها. لكن المصيبة بدأت تتفاعل وتنمو بعد ذلك. فما الذي حدث؟

في الأساس كان هناك، ومازال، نقص هام وخطير في المعرفة. فالميعان العقدي والنظامي الذي وجده الزعيم بعد عودته من المهجر، والذي يذكره في محاضرته الأولى، لم يكن قد تحسن إلا قليلاً عشية استشهاده. فانتاج الحزب الفكري كان ما يزال يستند إلى حد بعيد على عمل الزعيم نفسه، أو في أفضل الأحوال على إشرافه المباشر عليه. صحيح أن هناك نواح في العقيدة فهمها القوميون جيداً وكتبوا وبحثوا فيها، إلا أنه بقيت بالمقابل أمورا أساسية كثيرة غير واضحة لهم تماماً. خصوصاً في الدراسات العليا، كالميادين الفلسفية والإجتماعية والإقتصادية والنظامية. بل قل أنه مازلنا إلى الآن نعاني من هذه المشكلة. يقول سعادة في المحاضرة الأولى "علينا أن نفهم فلسفة الحركة لندرك كيف يمكن أن نعالج الأمور". وبكل بساطة لم يفهم القوميون الإجتماعيون فلسفة حزبهم، ففشلوا في معالجة الأمور التي استجدت على حزبهم. وهناك أكثر من إثبات على ذلك، لا أود أن أدخل هنا في بحثها. وإلى هذا النقص يمكننا رد كل مظهر من مظاهر النكبات والمصائب التي حلت بالحزب، حتى ليمكننا القول بأنه إذا كان فقدان السيادة القومية، او ضعف الوجدان القومي هو ما جلب على أمتنا هذا الويل، فإن الميعان الفكري هو ما جلب الويل على حزبنا!


وبانحطاط الفكر انحطت الروح! فالنفس البشرية حاصل تفاعل الروح والفكر، والوهن في واحدة منها يوهن الأخرى. لأننا لم نعرف مدى حاجة حركتنا إلى الأخلاق، وبأنها ضرورة أساسية من ضرورات نظامنا، أهملنا تنميتها، واحتملنا التفلت منها. اعتبرناه شأناً كمالياً يمكننا الاستغناء عنه. صحيح، أن الحزب حافظ على كثير من سمعته الجيدة، واستمر في إمداد النهضة بالنفوس الخيرة المعطاءة، إلا أن ذلك كان بفعل إرث ما بناه سعادة، بفعل الأرض الخصبة التي استصلحها سعادة. لكن مع إهمال العمل في هذا الميدان بدأت الروحية رويداً رويداً تبرد، وبدأ الشوك ينمو ويتكاثر. يقول سعادة أن المجتمع الذي يحتمل الخيانة لا يثبت، لكننا احتملنا الخيانة حتى في مراكز القيادة! والخيانة التي اعنيها ليست تلك الاتهامات التي كانت تطلق هنا وهناك، بل تلك التي صدرت عن محاكم دستورية. لقد حدثت حركات انشقاقية، وبصرف النظر عن أين الصح وأين الخطأ، فهذه طبعاً "كلها في النار إلا واحدة" (أيضاً بصرف النظر عمن تكون هذه الواحدة). لكن ما كان قدر لهذا الخطأ أن يستشري، لو كان الجسم يقوم بدوره كما يجب، في لفظ الأجسام الغريبة. لو أدى الجسم دوره، لكان الشواذ في المراكز العليا، عندما يُكشف أمره، يكون حالة معزولة. لكن هذا لا يحدث الآن. في كل مرة نجد للشواذ جذوراً متأصلة في القاعدة. في الديمقراطية التمثيلية نوكّل أمر المراقبة والضبط إلى السلطة التشريعية ونستريح، أما في الديمقراطية التعبيرية "فكل مواطن خفير"، ليس فقط وفقاً للقوانين والتشريعات، بل وفقاً للمناقب والقيم وفي كل شأن من شؤون حياتنا وفي حياة كل فرد منا وليس فقط الأمناء والمسؤولين، وإن كانت عنايتنا بهؤلاء أشد.

إذا كان السببان اللذان أعطيتهما فوق نفسيين، فالثالث الذي أعطيه، هو مادي يعنى بنظام الشكل. و"المادة تعين الشكل". وهذا يعني أن نظام الشكل لا بد وأن يتوافق مع حالة الحزب – حالة الجسم وحالة المحيط والأحداث الجارية. وهنا ينشأ السؤال فيما إذا كان نظام القيادة الجماعية، وفصل السلطات كان متناسباً وحالة الحزب. عند استشهاده، كان سعادة في خضم حرب داخلية ضرب فيها رؤوساً كبيرة في الحزب، وبعضهم الآخر كان على شفير الطرد. وقد تمكن سعادة من فعل ذلك بعامل صلاحياته المطلقة، كما يذكر هو في أكثر من مقال. أحداث الثورة الأولى أظهرت بقوة عوامل خيانة أو جبن أو إهمال خطير في مراكز القيادة، لكن تم التغاضي عن هذه كلها، لماذا؟ ترى ماذا لو كانت أعطيت جولييت الميير-سعادة زمام قيادة الحزب، وبصلاحيات مطلقة، لتتابع الضرب بيد من حديد، كل من سولت له نفسه التلاعب بمقدرات الحزب؟ نعم، لقد كانت مؤهلة لهذا الدور وهم عرفوا ذلك، وإلا كيف نفسر ذلك الحقد والتآمر عليها، ثم رميها في السجن مهملة سنين طويلة طويلة!
 

www.ssnps.jeeran.com

إن جميع المقالات التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع