|
عزيزي ورفيقي منير حيدر
المحترم
تحية سورية قومية اجتماعية
لست أدري من يدهش من، يا رفيقي! ولست أدري من هو المتسرع والمستعجل. تبادئ بكتب
مقالٍ توجه فيه إلى مجموعة لا تسميها، الكثير من السخط و الازدراء، لأشخاصها
ولكتاباتهم، معلناً أيضاً عن عدم استعدادك "لبذل أي جهد لتفنيدها ومناقشتها".
ويكون في مقالك، الكثير الكثير من المؤشرات التي تدل على أني واحدٌ ممن تعنيهم
فيه. ثم تذكرني بالاسم، منتقداً إحدى أفكاري دون إبداء الأسباب. فأجد بذا أني
أتعرض للإهانة دون ذنب، ودون أن أرى واجباً يحملني على قبولها، وبأنه لا بد لي
من دفعها عني.
أكتب لك بكل احترام، معرباً عن تبلغي رأيك بي! وأتطرق إلى أمرين لاغير.
أحدهما أعلن فيه عن اعتقادي بأنك قد أسأت فهم فكرتي، ثم وبكل موضوعية أعيد
شرحها. وهذه طبعاً لا عيب فيها، فسوء الفهم قابل للحدوث دائماً.
أما الآخر فهو بأني أيضاً وجدت مقالتك تحوي الكثير من الأخطاء، وأشرت إلى اثنين
منها، وبأني كنت أود مناقشتك فيها، لولا إعلانك عن عدم استعدادك للمناقشة،
وبأنك فضلت فرض رأيك استبدادا. أي بما أنك تعتبرني واحداً من تلك المجموعة،
فالأغلب أنك غير مستعد لمناقشتي، لكني أختم رسالتي مؤكداً مجدداً عن استعدادي
لمناقشتك في أي من الأمور، إن أنت شئت! فقامت الدنيا ولم تقعد!
ترسل رسالتك التي فيها كل التطاول والتجريح، والإزدراء والمهزأة. ساعة أنا
الباحث والدارس والناجح، ولحظة أخرى الساذج والطوباوي وغيرها من الأقوال. من
المؤسف حقاً أن ينحط النقاش بيننا إلى هذا الدرك! وإني أدعوك لرفعه معي، إلى
حيث يضع كل واحد منا الآخر.
أما قولي عن استبداد رأيك فما هو إلا ترجيع لما كنت أنت قد أعلنته. قاموس محيط
المحيط (ص 30) يفسر أن من استبد برأيه، هو من تفرَّد به واستقل! أي أنه الشخص
الذي رفض مناقشة رأيه. فما العيب في استخدامي هذا التعبير؟ ثم أنه مستخدم في
أدبنا الحزبي، ونحن نميز بين الاستبداد والطغيان، ونقول بالاستبداد العادل،
وللزعيم مثل عن المعلم الذي يستبد بالتلميذ لكي يعلمه. فأي إهانة عرَّضك لها
كلامي؟
أما عن واجبي للتصدي لاستبدادية رأيك، فاعذرني إن لم أرَ داعٍ لذلك. يقول سعادة
"لا يكون الفرد أساس تقرير الحق وذا السلطان لفرضه"، شرط الحق أن "لا يموت مع
الفرد"! (آثار كاملة، ج14، ص 186).
في التصارح الفكري، نبقي الفصل واضحاً بين الفكرة موضوع النقاش والشخص. نقول
للفكرة الخطأ خطأ، وللصح صح. خطأ قليل، خطأ كثير، لا هم. على القائل تحمل
مسؤولية كلامه، وإثبات صوابه. والنقاش يظهر من أخطأ ومن أصاب، قليلاً أو
كثيراً، دون التعرض والإساءة لشخص القائل أو السامع. ثم إننا نبحث في أمور
متقدمة جداً من أمور عقيدتنا، وقد بقيت غامضة منذ استشهاد سعادة، لذا فالخطأ
محتمل في اجتهاد كل واحد منا. "وإن أخطأ فرد يصححه فرد آخر". فأين الأهانة في
قولي إنك أخطأت، خصوصاً، أن الخطأين الذين أشرت إليهما، هما من أشد أمور
عقيدتنا غموضاً وتعقيداً.
ولماذا تعتبر أنك إذا عجزت أنت عن أمر، لا بد وأن أعجز أنا، أو العكس؟ ولماذا
تكون المعرفة الجديدة التي تأتي بها، هي دليل عجزي، ودليل انتصارك علي، أو
العكس؟ نحن هنا لا نتصارع فكرياً، كما تصارع أنت، وأصارع أنا ضد الصهيونية، أو
الرأسمالية، أو الشيوعية. نحن هنا نتعاون فكرياً، نتعاون حتى تثبت عقيدتك أنت،
وعقيدتي أنا، التي هي واحدة، في معترك الحياة، في الصراع! نحن هنا ننطلق من أسس
واحدة ونريد غاية واحدة، ولهذا، فحوارنا تعاوني، مصلحتنا فيه واحدة. ولهذا
نسميه نقاش. عندما تصبح الغايات فردية، ينحط النقاش إلى جدل، أو يكون صراع.
نتعاون، لأنه بالتفاعل الفكري، تصحح أخطائي، ثم أصحح أخطائك، ونوجد العقل
المركب.
الديمقراطية التعبيرية
تطلب مني تبيان مواضع الغلط والصواب في ادعائك أنه "لم يتسن للزعيم بلورة آلية
تطبيق هذه الديمقراطية وإيجاد الأسس الدستورية والعملية (الإجرائية التي تسمح
بتطبيق سليم لها". أعتقد أنك تقلب الأمور رأساً على عقب هنا. أعتقد أن الحجة هي
على المدعي، وأنت من يدّعي على الزعيم. لذا فبدل أن تطلب مني تبيان الغلط
والصواب في هذا الشأن، الأولى، هو أن تقوم أنت بإثبات ما تدعيه على الزعيم. إلى
أن تفعل ذلك، سأبقى على قناعتي بأن ما نعانيه من نقص في المعرفة عن هذه
الديمقراطية مردها إلى جهل التلاميذ في استيعابها، لا إلى عدم بلورته وتطبيقه
لها. ومستندي في هذا ما كتب الزعيم في مقالة "نسر الزعامة السورية القومية ووحل
تكمان وذبابها" (الآثار 12، ص 168)، حيث ألقى محاضرة في نظرية الديمكراتية
التعبيرية، لم يتمكن جبران مسوح من التقاط ولا أي فكرة منها، فضاعت المحاضرة،
إلا قليلاً منها أعاد الزعيم كتابتها. وهذا ما كان يحدث عادة مع كل تلاميذه وفي
كل الأمور.
هل نقول أيضاً أنه لم يكن له فلسفة متكاملة، وقد قالوا أنه لم يتمم درس نظامه
الإقتصادي. وقد تبين لي الآن أنهم هم (التلاميذ) من ضلوا ضلالاً بعيداً. حتى في
الدستور، وبكل اخلاص أقول لك أنه بإمكاننا تبيان عدد من الأمور الدستورية
الدقيقة التي لم يفهومها أو تجاهلوها بعد استشهاده. مثل مسألة انتخاب الرئيس
وانتقاء المجلس الأعلى. هناك فرق بين انتخاب وانتقاء. قاموس محيط محيط، يميز
بينهما، والتلاميذ كانوا يعرفون جيداً أن الزعيم اعتمد هذا القاموس لاختيار
مفرداته، ومدى دقته في اختيارها. فلماذا يستعمل الزعيم كلمتين مختلفتين لكل
منهما، ولماذا تجاهل التلاميذ هذا الفرق؟ كذلك، المادة التي تقول أن الزعيم
سيعمل لاحقاً على تحديد مدة ولاية الرئيس المنتخب، لكن لا توجد أية مادة تشير
إلى أن الزعيم سيعمل لاحقاً على تحديد مدة ولاية المجلس الأعلى. فلماذا حددوا
لولاية المجلس الأعلى مدة؟ ثم إن هذه المادة تثبت أن الزعيم لم يغفل مسألة وجوب
تحديد المدة. وأعتقد أن الطوباوية هنا هو أن نقول أن الزعيم كان مستعجل لإصدار
الدستور ثم نسي أو انشغل عن العودة إليه.
هل دققنا ماذا تنطوي عليه المواد المختصة بقَسَم الزعيم، وقَسَم المسؤولية،
وقسم الانتماء. أوليس القسم يشير إلى الروح التي يريدها الشارع من الدولة
(القيادة) في قَسَم المسؤولية، ومن المجتمع (جسم الحزب) في قَسَم الإنتماء. هل
درس أحد من الحقوقيين في الحزب بعد سعادة، المواد المعنية بهذه، من هذه الوجهة
وعين الفارق بينهم؟ هل تنبهنا إلى أن قسم الإنتماء يحتم على الرفيق طاعة كل
الأوامر بالضبط، ولكن هذه الطاعة العسكرية ليس ما يقسم علية المسؤول! المسؤول
يقسم أنه عليه أن يكون أولاً أمينا على الدائرة المسؤول عنها، ثم عليه أن يقيم
فيما إذا كانت الأوامر الواردة إليه دستورية ثم يقوم يقرر على كمسؤوليته فيما
إذا سينفذ، أم لا! هذا على ما اعتقد شيء خطير أطرحه هنا، لأنه غير الثقافة
المطبقة في الحزب! ما يريده الدستور هو أن تكون علاقة المسؤول بالمسؤول اي
علاقة السلطة داخل القيادة أضعف وأبطىء، منها في علاقة السلطة بين القيادة
والجسم. هل فكرنا لماذا يوجِد سعادة هذا الفرق. الأولى سهلة، يريدها أبطىء في
القيادة لأنه يريد منها رويَّة في التفكير، ويريدها أقوى في الجسم، لأنه يريد
منه سرعة في التنفيذ. هل فكرنا لماذا يريدها (السلطة) أضعف؟ هل فكرنا لماذا في
القَسَم يقسم المسؤول أنه مسؤول أمام الزعيم مباشرة؟ وهل فكرنا ما انعكاسات ذلك
على تركيب القيادة؟ عندما طرحت أنا فكرة حق الأمانة، لعلك سألت من أين اخترع
حنا الشيتي هذا الحق! ولكنه في قَسَم الزعيم! في الدستور! في قَسَم كل مسؤول!
في قَسَم كل من ينفذ مهمة أو يعطى سر! أليس هذا ما تتصدى له أنت بالذات في
كتاباتك عن أسباب فشل الدساتير. أوليس اعتناء الزعيم برجاله هو للتصدي أيضاً
للنقطة التي تثيرها أنت؟
أنا لا أطلب منك أن توافقني هنا أن هذه لها علاقة بالديمقراطية التعبيرية، لكن
إن وافقت معي أن هذه الأمور لم ننتبه لها من قبل، عليك أن تقر معي، بأننا لا
نستطيع أن نجزم بعد بأننا قد أحطنا بكل مواد الدستور دون أن نجد فيه ديمقراطية
تعبيرية!
لا اعتقد أنها طوباوية مني أن أطرح اسئلة من هذا النوع. نحن لا نعرف زعيمنا
بعد، وقل عني في هذه أني طوباوي ما شئت. أليس ضعفاً منا، ولا أقول أكثر، أن
نبقى حتى الآن لا نعرف إلاما ترمز الزوبعة، فنقول أنها نقطة لقاء الهلال
والصليب! وكيف تكون الحركة في النقطة!؟ إنها زوبعة مش مقدح! ثم بعد ان نكون
بمثل هذه الدرجة من جهلنا لزعيمنا، أيبقى لدينا الجرأة لنقول، أنه لم يتسنى له
أن يفعل كذا، ولم يتمم عمل كذا، وقد تأخر في إنجاز كذا؟ فعلاً قد كان تقصيره
كبيراً بدليل أنه لم يدبر أموره بسرعة ويبعث النهضة قبل استشهاده.
نظام الفكر والنهج
نعم لدي فكرة واضحة الآن عما يعنيه هذا النظام، ولكن ليس هذا بيت القصيد. وما
على أساس مفهومي أنا لهذا النظام أعلنت رأي بما قلت أنت. لو كان الأمر كذلك،
لقلت بأني أخالفك الرأي ودعوتك لنقاش يقارن بين مفهومينا لهذا النظام. لكنني
قلت بأنك أخطأت خطأً لا يمكنني قبوله! وهذه أقوى! ما قلته أنت هو التالي: "نظام
النهج والفكر، أي الأساس الفكري والمبدئي والروحي للقضية القومية
الاجتماعية...". والحقيقة يا رفيقي أن هذا النظام وأيضاً نظام الشكل هما وسيلة
للقضية القومية، لا في أساسها.
الأمناء
أعتقد أنك أنت هنا من يقوِّلني قولاً لم أقله. أنا لم أقل أن الشرف هو ميزة
كافية لتسلم القيادة. لكنها بالتأكيد ميزة أساسية. والقيادة التي فيها ميزة
الشرف تكون شريفة، وإذا العكس فغير شريفة. وهذا بالضبط ما يعنيه كلامي. وهذا لا
يطرح النسبية في الموضوع. رغم أن الشرف هو قيمة في النفس، وهذه قد تختلف من فرد
لآخر، لكن هذه النقطة لم تكن أبداً موضوع بحث. الفكرة التي أتت فيها الجملة
أساساً كانت أن رتبة الأمانة ليست لتشريف الرفقاء. ومن هنا انتقلنا إلى الحديث
عن علاقة شرف الأمناء بشرف القيادة. لم يكن الموضوع أبداً أن كل ما على القيادة
أن تكونه هو الشرف. لقد قلت أيضاً وهو الأهم أنه عندما تعلن القيادة عن منح
رفيق ما رتبة الأمانة، فهي تعلن عن طبيعتها هي. وهذا يشمل كل خصائصها. والمقال
مازال منشوراً على الموقع.
اعتقد أن هناك فكرة أخرى بخصوص الأمناء، شغلت بالك فأشرت إليها مداورة، ولعلها
كانت السبب لاستخدامك كلمات مطاطية، وطوباوية، الخ. أقول لعلها، وقد أكون
مخطئاً هنا! وهذه الفكرة هي قولي أن الأمين هو من يريد أن يكون أن أنطون سعادة،
وبأن الأمين الذي لا يملك هذه الروحية فليتنحى. والقول ما زلت أصر عليه. أنت
رددت مداورة، تذكرني بشروط منح رتبة الأمانة! وكلانا صح هنا! أنت أخذتها من
وجهة نظام الشكل، من الوجهة الخارجية، وكيف تتمكن القيادة من تقييم روحية
الرفيق وتأهله الحزبي. وأنا عالجتها من الوجهة الداخلية، من الروح! أنا لم أقل
أنه عليك أن تكون أنطون سعادة لتكون أميناً، ولا قلت أن الرفيق الذي يملك هذه
الروحية عليه أن يذهب ويطالب برتبة الأمانة! الذي قلته أن الأمين الذي لا يملك
هذه الروحية، أي الذي لا يضع أنطون سعادة مثالاً أعلى له، عليه هو من تلقاء
نفسه أن يتنحى! وهذا شأن داخلي نفسي، لا علاقة له لا بالشروط ولا القوانين ولا
الدستور! إنه يخاطب المثل العليا في الأمين. آمل أن يكون هذا كافٍ لإقناعك!
استمرارية العمل
لا ليس عندي أن استمرارية العمل هي المهمة، مهما كانت المظاهر أو النتائج. لكني
أقول، أنه ليس عندي ولم أقرأ أن أحداً آخراً عنده تصور بعد كيف سيكون العمل
خارج الحزب! هناك شبه إجماع على هذا الموقع أن سبب أو على الأقل من أسباب الويل
على حزبنا هو نقص المعرفة. فهل سدينا هذا النقص! بعد أن نسد النقص، يمكن تكوين
رأي. لكن هذا الحزب هو حزبنا، ونحن لسنا ضيوف فيه. إنه منا ونحن منه! ولن أزيد
أكثر حتى لا تتهمني مجدداً بالشاعرية والطوباوية، وأنا المحاسب الذي يحسب
القرش، ويقبض على حسبته ليرة!
لك عندي، كما كان دائماً، كل التقدير والاحترام والمحبة! وأنا أيضاً أسر وأنا
أتتبع نشاطك الظاهر وكتاباتك المخلصة والممتازة، وأستفيد منها.
سلامي القومي لك وللعائلة!
SHEETYH@YAHOO.COM
|
|