صدى النهضة السورية القومية الاجتماعية                      www.ssnps.jeeran.com
 

وحدها المدرحية تنقذ علم التنظيم من تخبطه

 
الرفيق حنا الياس الشيتي
   

منذ بداية القرن الماضي والعالم الغربي يولي اهتماماً كبيراً في علم التنظيم لسبر أغواره واستخراج نواميسه وقواعده، كان من جرائه إنتاجاً ضخما من الكتب والدراسات والأبحاث والتجارب، وعدداً لا يحصى من الأسماء لمشاهير من المؤسسات والأفراد العاملين في هذا العلم. رغم هذا كله فقد وصل هذا العلم الآن إلى طريق مسدود، حيث من هذه النقطة، تتابع الفلسفة المادية-الروحية عملها منفردة للتصدي للمعضلات التي يواجهها علم التنظيم في معركته الإنسانية.

وفيما يلي عرضٌ للحالة التي يقف عندها هذا العلم والطريق المسدود التي وصل إليها، مع تبيان الخطوط الأساسية التي تطرحها النظرة المدرحية كمخرج لهذا العلم من مأزقه. وقد شكل هذا موضوع أطروحتي للماجستير، والتي تقدمت بها العام الماضي، إلى جامعة مانشستر، في بريطانيا، تحت عنوان "النظرة المادية-الروحية إلى التنظيم"
(A Materialistic Spiritual Approach to Organization Theory )، ونلت عليها درجة الإمتياز، وهي الآن منشورة في مكتبة الجامعة.


رغم التقدم الهائل الذي شهده هذا العلم خلال القرن الماضي، يبقى من الصعوبة بمكان أن يتعرف المرء على مجموعة من المبادىء التنظيمية التي تحظى بقبول كلِّي، حتى أن شافريتز و أوط (Shafritz & Ott) يعتبران أنه "لا يوجد هناك علم للتنظيم" وأنه من غير المتوقع أن تحظى المبادىء التنظيمية بالقبول الكلي في المستقبل القريب" . مايوجد حقيقة هو كم من النظريات المتنافسة والمتناقضة، حيث، كما يقول شافريتز و أوط، أن المنظرين في مدرسة ما يتجاهلون وجود منظري المدارس الأخرى، ولا يلحظونهم إلا عندما يريدون انتقادهم . وإزاء هذا التناقض الحاد والمربك، ينصح شافريتز وأوط طلاب هذا العلم باعتماد مدرسة ما من المدارس وتجاهل الأخرى !

بيرو (Perrow) يتخذ أيضاً موقفاً مشابهاً، إذ يصنف مدارس هذا العلم الفكرية إلى قطبين متناقضين، داعياً أحدهما بقوى الظلام ويعني به المدرسة الميكانيكية (Mechanical School) في علم التنظيم، وهي المدرسة والتي تشدد في نظرتها على نظام الشكل أو المكتبية، مثل التسلسل الإداري، وصفوف السلطة الواضحة وتقسيم العمل والتخصص وما شاكل. أما الثانية فيدعوها بقوى النور، ويعني بها مدرسة العلاقات الإنسانية (Human Relations School)، والتي تركز على العامل الإنساني في المنظمات، كاستقلالية عمل الأعضاء والثقة المتبادلة، والانفتاح، وسواها من العلاقات الإنسانية. ولما كان "لا مكان لابن النور في الظلمة"، فبديهي أن ما يرمي إليه بيرو من هذا التصنيف، هو أنه لا مجال للتوفيق بين هاتين المدرستين حيث يبقى الصراع – برأيه، بينهما محتدماً دون أن يقهر أحدهما الآخر .

إلا أن بيرو يغفل عن ذكر عصابة أخرى من القوى، والتي تدخل مشاركةً في هذا الصراع الدائر إلى جانب قوى الظلام، ضد قوى النور. هذه العصابة هي مجموعة المدارس الفكرية المسماة بالحتمية (Deterministic schools) وهي المدارس الفكرية التي تعتبر أن المحيط (ُenvironment) هو ما يكيّف المنظمات ويقرر مصيرها، مثل نظرية المصادفة (contingency theory)، وتبعية الموارد (resource dependence theory)، ونظرية المؤسساتية (institutional theory)، وسواها من النظريات . وبإضافة هذه القوى إلى قوى الظلام عند بيرو، نجد أن الصراع الدائر هو عملياً بين نظرتين أساسيتين إحداهما مادية والأخرى روحية!

وقد ولّد احتدام هذا الصراع الجدلي العقيم المزمن، في أدبيات علم التنظيم عصراً مليئاً بالريبة وانعدام الثقة ليس فقط في كل اكتشافات وحقائق هذا العلم، بل أيضاً في مقدرة الإنسان على التعلم في هذا الميدان! كراينر (Kreiner) يعتبر أن هذا العلم لن يتمكن مطلقاً من معرفة الحقيقة، ولن يمكنه أن يعد المنظمات بمستقبل أفضل، وأن حلم العلماء بأن يساهم هذا العلم في تقليل جهلهم، يبقى حلماً ! ويُطلَق على هذا العصر، وهو عصرنا الحالي، اسم "المدرسة الحديثة المتأخرة" (postmodernism school). والحقيقة أن أدبيات هذه المرحلة هي أبعد ما تكون عن المدرسة أو الخط الفكري الواضح. إنها مجموعة متنابذة من الأفكار الملطوشة من هنا وهناك والتي تناقض بعضها بعض وكل ما كتب ويكتب! ماري جو هاتش، وهي إحدى محابذي هذه "المدرسة"، تعتبر أنه من الصعب جداً تعيين نظرية أساسية لهذه المدرسة، وتصفها بأنها النظرة التي تقبل بكل شيء ! أما رأي أنا، فما هذا العصر إلا حالة من الفوضى، سببها تمرد يائس في زمن الإفلاس الثقافي!

لكن الفلسفة المدرحية لا تأبه بكل هذا الجدل العقيم القائم، بل تتقدم بثقة لتعلن، كما أظهرت وأثبت في أطروحتي، متتبعاً تعاليم زعيمي ومعلمي خطوة خطوة وقاعدة بقاعدة، أنه لما كانت المنظمات ليست إلا مظهراً من مظاهر الاجتماع الإنساني، فإن تطورها ومصيرها هو حاصل تفاعل العوامل المادية والروحية لا وقفاً على أحدهما.

فالمحيط، ونظام الشكل، وسواها من العوامل المادية هي شرط أساسي وضروري لوجود وتقدم المنظمات، بل إن هذه فاعلة تحت كل مظهر من مظاهر نشاطها، وهي التي تعين مدى نموها، ورخائها. لكن العامل الفاصل في تاريخ المنظمات هي العوامل الفردية والنفسية، أي إداراتها وأعضائها، التي إما أن تستفيد من الممكنات والقواعد التي تقدمها العوامل المادية، أو تهملها على حسب استعدادها وإرادتها.


وهكذا نجد أن الفلسفة المدرحية تمكننا من نظرة أقوى إلى الوضع، حيث الرؤية أشمل والمدى أبعد! وهذا بدوره يدعونا إلى إعادة النظر فيما نظر إليه علماء الغرب عند تأسيسهم وبنائهم لعلم التنظيم، لكي نعيد التأسيس والبناء على ضوء نظرتنا الوضعية نحن!

واعتقادي أن أي مدخل لدرس وتأسيس هذا العلم لا بد وأن يطرق الأبواب التالية:
• توضيح تعريف سعادة للجمعيات وكذلك تعريفه للمنظمات، واستخراج تعريف المؤسسة من نحت الكلمة، وإظهار الخصائص التي تميّز كل منها، وأن المؤسسات هي منظمات ولا يعكس، والمنظمات هي جمعيات ولا يعكس، والجمعيات هي هيئات ولا يعكس.
• إثبات أن الجمعيات والمنظمات والمؤسسات هي كلها مظاهر حياة حقيقية لها مصالح حقيقية. وأن الخاصة الأساسية التي تميّز هذه عن الألة أو الأجهزة المادية، والتي حارت البرية في الغرب لتحديدها دون أن تتمكن حتى الآن، هي في قدرة المنظمات على "الفعل الداخلي" أو الذاتي، أي وجود الروح فيها!
• إظهار أنه لما كانت هذه مركب مادي- روحي فإنا لا بد أن نجد في كل منها نظامان أحدهما مادي ويعنى بتركيب العناصر المادية ويسميه سعادة نظام الشكل، أو المكتبية. والثاني روحي (أو نفسي) وهو نظام الحركة الذاتية في هذه الهيئات. ويسمي سعادة هذا النظام "نظام الفكر والنهج"، حيث نحت التسمية مشتق من أن هذا النظام هو حاصل تفاعل الفكر والروح.
• بحث أدوار كل من هذين النظامين.
• إظهار أن أفعال الجمعيات هذه تصدر عن تفاعل العلاقة التي وضعها سعادة، أي العلاقة التفاعلية البيولوحية المثلثة الأضلاع الجسم – الإدارة – المحيط، لا كما ما يزال الغرب يعتقد بأنها علاقة "جسم – محيط".
• إظهار أنه لما كانت الجمعيات هذه مظهراً من مظاهر الحياة الإنسانية، فإن علاقة الجمعيات بمحيطها هي علاقة تفاعلية لا مفردة، وهي بالتالي قادرة على تكييف المحيط وليس فقط التكيّف به كما يعتقد الغرب.
• مقارنة القواعد التي نستخرجها على ضوء نظرتنا، بالنظريات الرئيسية، لإظهار مواضع صحة هذه الأخيرة أو فسادها.

وبدهي أن درساً كهذا هو عملاً علمياً بحتاً، أو حتى أكاديميا بحتاً يهم المختصين في العلوم التنظيمية بالدرجة الأولى. لكن اعتقادي أن أي بحث في مشكلة الحزب وفي تعيين موضع أو مواضع الخلل وفي اجتراح الحلول لها، لا بد وأن يمر عبر درس هذا العلم تحديداً. كل ماهو دون ذلك هو حدس وتخمين. ومن يظن أن سعادة لم يدرس ويكشف ويبدع كل هذه، قبل أن يهندس حزبه على أسس وقواعد علمية واضحة المعالم وبديعة التركيب، فهو واهم! علينا أن نعيد تركيب هذه القواعد أولاً ثم ننظر في الحل... لأنه بعد الإطلاع يمكن تكوين رأي! بعد الإطلاع! بعد الإطلاع!

 

[1] Shafritz, Jay M. & Ott, J. Steven, Classics of Organization Theory, Fifth Edition, 2001, Wadthworth, 3& 4.

[1] Shafritz, Jay M. & Ott, J. Steven, Classics of Organization Theory, Fifth Edition, 2001, Wadthworth, 4.

[1] Shafritz, Jay M. & Ott, J. Steven, Classics of Organization Theory, Fifth Edition, 2001, Wadthworth, 4.

[1] Perrow, C., “The Short and Glorious History of Organizational Theory”, cited by: Buchanan, D. & Huczynski, A., Organizational Behaviour an introductory text - Integrated readings, First Edition, 1997, PP 5.

[1] William P. Barnett and Glenn R. Carroll, "Modeling Internal Organizational Change," Annual Review of Sociology , Questia, 19 Feb. 2005 <http://www.questia.com/>.

[1] Kreiner, Kristian. "The Postmodern Epoch of Organization Theory." International Studies of Management & Organization 22.2 (1992): 37+.

[1] Hatch, Mary J., Organization Theory, Modern, Symbolic and Postmodern Perspectives, First Edition, 1997, Oxford University, PP 43.





 

مقالات أخرى للكاتب
وحدها المدرحية تنقذ علم التنظيم من تخبطه
08 - 03 - 2006
إلى الرفيق شوقي باز المحترم:وإن ثبتَّها الرفيق بشار لك فإني أحجبها عنك!
04 - 03 - 2006
الحرية الفردية
28 - 02 - 2006

www.ssnps.jeeran.com

إن جميع المقالات التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع