صدى النهضة السورية القومية الاجتماعية                      www.ssnps.jeeran.com
 
بلدان الهلال الخصيب والهوية المنسية
تاريخ صراع الأقطاب حول منطقة المشرق
 
 موقع العراق للجميع : www.iraq4all.dk
 
 

إن العلاقات بين الأوطان محكومة أساساً بشروط الجغرافية والبيئة; وبما أن هذين العاملين ثابتان على مر التاريخ, فان طبيعة العلاقات بين الأوطان تتمتع بديمومة وثبات »نسبي«, رغم تغير الأديان والحضارات والمعتقدات.

منذ فجر التاريخ وحتى الآن, تميزت منطقة المشرق »الهلال الخصيب« بالوحدة الحضارية والسكانية السامية - العربية, رغم انقسامها الى طرفين متمايزين جغرافياً وسياسياً : الطرف الشرقي, أي العراق بلاد الرافدين بخصوصيته النهرية التي حتمت قيام دولة موحدة لإدارة النهرين وحياة السكان التي تعتمد عليهما بشكل أساسي; ثم الطرف الغربي, أي الشام  (حالياً سوريا ولبنان وفلسطين والأردن) التي اعتمدت أساساً على البحر المتوسط والتوسع التجاري والحضاري على ضفافه, مع وجود تنوع في التضاريس الجغرافية الداخلية أعاقت قيام دولة موحدة على غرار الرافدين. ان الجوار والتداخل الجغرافي بين الرافدين والشام خلق وحدة حضارية وسكانية مستمرة منذ فجر التاريخ وحتى الآن. ثم ان موقع المشرق فعلاً في نقطة التقاء آسيا وافريقيا واوربا, جعله نقطة التقاء لحضارات هذه القارات الثلاث. رغم سيادة اللغة السامية - العربي إلا أن هذا المشرق استوعب ما لا يحصى من الجماعات الآسيوية التركستانية والايرانية ,والكردية والأرمنية, كذلك الأوروبية الاغريقية والرومانية, بالاضافة الى الجماعات الافريقية المصرية والبربرية والنوبية والزنجية. لكن هذه الجماعات كانت سرعان ما تمتزج بالأغلبية السامية - العربية وتتبنى حضارتها ولغتها السائدة.

إن هذا الموقع الجغرافي الوسطي بين القارات التاريخية الكبرى قد لعب الدور الحاسم في تاريخ المشرق وتكوينه السياسي والسكاني والعقلي. الميزة الأساسية لمنطقة المشرق أنها شكلت منذ القدم المحور الذي تدور حوله أقطاب »منطقة الشرق الأوسط« بتنوعاتها الحضارية والسكانية والجغرافية القادمة من آسيا وأوروبا وافريقيا. لقد شكل وادي الرافدين بوابة المشرق نحو الحضارات الآسيوية الايرانية الهندية الصينية, وشكلت الشام  بوابة المشرق نحو حضارات البحر المتوسط بقسمها الشرقي الحامي (المصري البربري) وقسمها الاوربي (الاغريقي الروماني). ليس صدفة ان الإسلام لم يأخذ امتداده الحضاري المعروف إلا بعد انتقال الدولة الإسلامية الى المشرق. الحضارة العربية الاسلامية قد انطلقت من العاصمة دمشق, ثم بلغت ذروتها في العاصمة بغداد. في هاتين المدينتين تمكن أهل المشرق من لعب دورهم التاريخي الحقيقي وجعلوا من منطقتهم مركزاً لحضارة عالمية كبرى تمتد على مدى القارات الثلاث.

من أجل معرفة الطبيعة السياسية والعقلية لمجتمعات المشرق ودوله, يتوجب معرفة طبيعة الأقطاب المجاورة المحيطة بهذا المشرق وماهية الثوابت التاريخية التي تتحكم بهذه الأقطاب. يمكن عد هذه الأقطاب الكبرى المحيطة بخمسة : (القطب الايراني, القطب المصري, القطب الأناضولي, القطب الجزيري الحجازي, القطب الأوروبي). هذه الأقطاب بمجموعها, مع المشرق, اصطلح على تسميتها بمنطقة »الشرق الأوسط«, عدا القطب الأوربي الذي ظل على علاقة مباشرة بالمشرق من خلال البحر المتوسط:


القطب الإيراني


إيران هي الجارة الكبرى المشرفة مباشرة على المشرق عبر سلسلة جبال زاغروس طول الحدود الشرقية لوادي الرافدين. تمتد هذه الحدود جنوباً من خليج البصرة حتى الشمال حيث جبال ارمينيا وطوروس الأناضول. إن التجاور الجغرافي الحميم بين الهضبة الايرانية والعراق, كان بالحقيقة تجاور النقيضين: ايران, رأس الكائن الآسيوي المرتكز على الهضبة الايرانية وجبالها, والممتد بين هضاب وجبال أواسط آسيا الآرية التركستانية, حتى حدود الهند والصين وروسيا. لبثت ايران دائماً ترمق بشغف وحماس ناحية الغرب حيث وادي الرافدين وشواطىء سوريا الواعدة. أما العراق, رأس الكائن المشرقي المرتكز على نهري دجلة والفرات والمنفتح على سهول سوريا الخصبة حتى شواطىء المتوسط. لبث العراق دائماً يرمق بخوف وحذر حدوده الشرقية حيث تتربص شعوب ايران وآسيا بانتظار فرصة للانحدار والهبوط واجتياح الرافدين, كما فعلت طيلة التاريخ!

ايران ظلت دائماً أشبه بالعاشقة الولهة الباحثة عن كل السبل للسيطرة على الحبيب; والعراق ظل دائماً ذلك اليافع المتمرد الهارب من سيطرة الحبيبة. جبال زاغروس ترتفع على الرافدين الى مسافة تبلغ أحياناً (4548 قدماً - جبل زارد). الهضبة الايرانية وجبالها منحت الايرانيين دائماً قوة حربية حاسمة من خلال الانحدار العسكري والاجتياح السريع. ايران ذات الأراضي الجبلية وصحراء »لوط« القاحلة ظلت دائماً ترمق بإعجاب وشهية الحضارات الكبرى الناشئة في الوادي الخصيب وما تنتجه من ثروات وخيرات وعلوم ومعتقدات. ثم إن موقع العراق ظل ضروريا للوصول الى الشام وشواطىء المتوسط.

على مدى التاريخ لبثت الشعوب الرعوية الآسيوية (الآرية - التركستانية), ما إن تحط الرحال في الهضبة الايرانية قادمة من أواسط آسيا, حتى تفتح عيونها على وادي الرافدين بنهريه وأراضيه السهلة الخصبة الغنية, فتنحدر عليه بسهولة من أعالي زاغاروس. من ابرز هذه الشعوب والجماعات التي اجتاحت العراق منذ عصر السومريين وحتى القرن الماضي: عيلام, غوت, كوش, حوريين, ميد, اخمين, بارث, ساسان, بعد الاسلام برز : البويهيون والأتراك السلاجقة, المغول, ثم الصفويون, لقد تعددت فترات الاجتياح والسيطرة الايرانية الآسيوية وتراوحت بين عشرات السنين حتى عدة قرون. أما المجموع الكلي لهذه الفترات فيبلغ عشرات القرون المتقطعة. أطول هذه الفترات كانت سيطرة البارثيين والساسانيين التي دامت من القرن الأول ق. م حتى القرن السابع والفتح العربي.

على مر التاريخ ظل الهم الأول والرئيسي للدولة العراقية حماية حدودها الشرقية لدرء خطر الاجتياحات الايرانية الآسيوية. جميع الأنظمة العراقية تجنبت مغامرة السيطرة على ايران بسبب صعوبة الصعود الحربي نحو جبال زاغاروس والهضبة الايرانية. وكان أقصى ما تفعله الدولة العراقية انها تقوم باجتياحات سريعة وعمليات تأديب للدول والقوى المشاكسة في ايران. (يبدو ان صدام لم يفطن لهذه الحقيقة التاريخية الجغرافية, فقام بمغامرته الحربية التي انتهت بكارثة). ان الدولة العربية الاسلامية هي الدولة »المشرقية« الوحيدة التي تمكنت فعلاً من عبور جبال زاغاروس وفرض السيطرة على الهضبة الايرانية وعموم آسيا الوسطى. وهذا امر استثنائي في تاريخ المشرق, ويعود ربما أساساً الى العنفوان الحربي الذي كانت تتمتع به القبائل العربية الصحراوية القادمة تواً من بوادي الجزيرة العربية.

المسألة المهمة التي يمكن ملاحظتها, أن ايران خلال جميع فترات احتلالها للعراق لم تستطع أبداً أن تفرض ثقافتها أو سكانها على الرافدين, بل كان العكس هو الذي يحصل : في كل مرة تحتل ايران الرافدين كانت تكتسب وتتبنى الحضارة العراقية : اكتسبت الكتابة المسمارية والثقافية السومرية منذ الألف الثالث ق. م, ثم الحضارة البابلية التي أثرت بصورة كبيرة على الثقافة الايرانية والديانة المجوسية. وصل الأمر في الحقبة الساسانية انهم جعلوا عاصمتهم في المدائن وسط العراق, قريباً من بابل القديمة, وصارت اللغة الآرامية (السريانية) العراقية- السورية هي السائدة ثقافياً في أنحاء الامبراطورية الفارسية, مع بقاء اللغة البهلوية محصورة في البلاط الايراني. المسيحية النسطورية العراقية انتشرت حتى بين العائلة الملكية في ايران ونافست المجوسية. علماً ان هذه المجوسية فشلت تماماً بالانتشار بين العراقيين, وبقيت محصورة بين الجاليات الايرانية المقيمة. الديانة المانوية البابلية انتشرت بزخم في ايران, حتى أنها شقت الزرادشتية لتخرج منها الطائفة المزدكية التي جمعت بين المجوسية الايرانية والمانوية العراقية.

أتت بعد ذلك الحقبة الاسلامية لتصبح ايران مسلمة بعد أن سبقها العراق. لقد انتشر الاسلام في ايران أساساً بواسطة الجيوش العراقية البصرية والكوفية التي استوطنت ايران خصوصاً في خراسان ونيسابور وقم, وشكلت أساس الجيش الخراساني الذي ساند الثورة العباسية. عندما ساد التشيع في العراق بدأت ايران السنية تدريجياً أيضاً تميل الى التشيع, حتى تمكن الصفويون أن يفرضوا التشيع في القرن السادس عشر. علماً أن الصفويين اعتمدوا على الفقهاء و »السادة« العراقيين واللبنانيين والبحرانيين لنشر المذهب الجعفري. ان فئة السادة في ايران (من بينهم الإمام الخميني), التي تتمتع بقدسية دينية وسياسية في الدولة والمجتمع, لا ينكرون من أنهم من أصول عراقية عربية (لبنانية وبحرانية وإحسائية) وينحدرون من نسل الإمام علي. لكن طبعاً هذا لا يقلل من حقيقة انتمائهم التاريخي والحضاري لإيران.

إن حاجة ايران للسيطرة على الرافدين, لم تكن مدفوعة بحقد وكبرياء قدر ما هي مدفوعة بعشق ورغبة بالذوبان والاندماج. أوضح صورة لمدى تعلق الايرانيين بالعراق, تقديسهم وحبهم للأئمة والعتبات المقدسة في العراق. كم من الحروب خاضها الايرانيون ضد العثمانيين من أجل تحرير العتبات المقدسة? وكم هناك من الأساطير عن الجهود العجيبة التي ظل يبذلها الايرانيون من أجل دفن موتاهم في مقبرة النجف في العراق.

حقبة الشاه الأخيرة كشفت عن تجربة طريفة تستحق الاشارة اليها: عام 1975 في ظل المنافسة بين نظام الشاه ونظام البعث, قام الشاه بتكوين حزب حكومي حمل الكثير من سمات حزب البعث, بل حتى اسمه هو (حزب ريستاخ) ويعني (حزب البعث أو النهضة) في الفارسية!

إذن, مشاعر إيران نحو العراق ظلت دائماً مفعمة برغبة وحب وغيرة. العشق الايراني, نموذج للعشق الامتلاكي, حيث تندفع الحبيبة, باسم الحب, للسيطرة على حبيبها. أما العراق, فيبدو أنه ظل دائماً رافضاً متهكماً من هذا »العشق«. ظلت مشاعر العراق نحو ايران مفعمة بتوجس وحيرة مع بعض التعاطف والسخرية. تجربة الحرب مثال واضح لهذه الحالة : صدام حسين عندما اجتاح ايران, كان أساساً مدفوعاً بالخوف والقلق من الثورة الايرانية وطموحاتها التوسعية. أرادها ضربة هوجاء خاطفة لإسقاط الثورة وإقامة نظام أكثر أماناً له. أما ايران فانها منذ أول الثورة راحت تعلن عن رغبتها بتغيير النظام في العراق وإقامة نظام اسلامي لانقاذ الشعب العراقي من »الكفرة«. حتى الاستمرار بالحرب, كان العراق يشن هجماته مدفوعاً بالخوف والأمل بايقاف الحرب, مع التبجح السافر باعلان الحقد العنصري على الفرس »المجوس«; أما ايران فقد ظلت على العكس, مستمرة حتى آخر رمق باسم الحب للشعب العراقي والعتبات المقدسة وتخليصه من (حكم الطغاة!!).

بالنسبة لدور الشام في هذه الإشكالية, فهو التالي : منذ فجر التاريخ استمرت ايران تكافح المستحيل لتجعل الرافدين جزءاً من كيانها الحضاري وتركيبها السكاني, لتبعده عن التأثير السامي ثم العربي القادم من سوريا وبادية الشام العربية. رغم القرون الطويلة من الاحتلال, فشلت ايران تماماً في التأثير على التكوين السكاني والحضاري للعراق, وبالتالي فشلت أيضاً في جعله جزءاً من حضارتها وسكانها. يعود هذا الفشل أساساً الى اختلاف الجغرافية والبيئة. كان من المستحيل على الشعوب الإيرانية الآسيوية ذات الطبيعة الجبلية من الحفاظ على كيانها السكاني الثقافي في أرض سهلية ومنخفضة مثل أرض الرافدين. (ان اختلاف الجغرافية والبيئة أعاق العرب أيضاً عن تعريب ايران رغم استقرار الكثير من الجماعات العراقية والعربية فيها وفرضهم الاسلام والحضارة العربية المشرقية).

لهذا استمرت السيطرة الايرانية سيطرة عسكرية سياسية ولم تصل الى سيطرة حضارية سكانية. علماً أنه على مدى التاريخ استقر في العراق الكثير الكثير من الايرانيين والأكراد والتركستانيين وامتزجوا وتزاوجوا مع العراقيين. لا يمكن أبداً نكران حقيقة أنه في دماء جميع العراقيين هناك نسبة من مختلف الدماء الآسيوية. ونفس الأمر ينطبق على شعوب ايران ووسط آسيا اذ تمتزج فيهم نسبة مهمة من الدماء العراقية. لكن حضارة ايران وثقافتها ظلت دائماً آرية آسيوية, وحضارة العراق وثقافته ظلت دائماً سامية عربية مشرقية.

إذاً كان العائق الأكبر أمام ايران من أجل »تفريس العراق«, هو الجماعات السامية ثم العربية القادمة من سوريا والجزيرة العربية: إما عن طريق بادية الشام وشمال الجزيرة العربية حيث تحط الرحال على ضفاف الفرات; وإما عن طريق شمال سوريا حيث تنحدر القبائل السورية من أعالي دجلة والفرات وتعمر شمال الرافدين أولاً ثم تنحدر حتى الجنوب.

هنا بالضبط يكمن سر العلاقة بين الشام والعراق, ودور ايران في هذه العلاقة. بمعنى أوضح أن العراق ظل دائماً متوجساً من السيطرة السياسية العسكرية المنحدرة من الشرق حيث زاغاروس وايران, وبنفس الوقت ظل مرتبطاً بسوريا حيث تمتد فيها جذوره الثقافية والسكانية والروحية. ايران حيث »العشق الامتلاكي« والخطر السياسي العسكري, والشام حيث »الارتباط الروحي والعقلي« وامتداد الجذر السكاني والحضاري.


القطب المصري


لو انتقلنا الى الجانب الشامي لوجدنا ان علاقة الشام بالعراق متأثرة بدورها بطرف آخر, أي »مصر« الجار الكبير الواقع على الجنوب حيث سيناء وساحل المتوسط ثم وادي النيل. يبدو أن هناك »بعض التشابه« بين التأثير الايراني على العراق والتأثير المصري على الشام. لكن الإقرار بهذا التشابه لا يمنعنا من التأكيد على وجود اختلاف كبير بين »علاقة ايران بالعراق« و »علاقة مصر بالشام«.

إن العراق وايران رغم تمازجهما السياسي والحضاري فان التمازج الثقافي والسكاني ظل انفعالياً ولم يصل الى حد الانصهار والتوحد بل ظل التمايز والحفاظ على الخصوصية هو السائد في العلاقة, كما أوضحنا ذلك سابقاً. أما بالنسبة للشام ومصر فان العلاقات السكانية والحضارية بين الطرفين ظلت تميل نحو التقارب والتشابه مع مرور الزمن بسبب تشابه الجغرافية والبيئة بين سوريا ومصر, بالإضافة الى الانفتاح وتمازج سكاني تاريخي بين المنطقتين بحيث يصح القول أن »سكان مصر« منذ القدم وحتى الآن ما هم إلا مزيج تاريخي أصيل بين الجماعات السامية القادمة من الشام مع الجماعات الحامية البربرية القادمة من شمال أفريقيا وبلاد النوبة »السودان«. حسب اعتقاد تيار مهم من المؤرخين أن الشعوب السامية ما هي إلا فرع من الشعوب الحامية(*) (المصرية البربرية) وقد قدمت من شمال افريقيا بعد التصحر الذي حدث في الألف العاشر قبل الميلاد. وقد امتزجت هذه الشعوب الجديدة بسكان المشرق الأصليين من سومريين وغيرهم وخلقت ثقافة جديدة هي الثقافة السامية التي ظلت قريبة من الثقافة الحامية القديمة. ثم بعد ذلك بدأت بعض هذه الجماعات السامية المشرقية تنحدر من المشرق نحو الجزيرة العربية حتى اليمن وتمتزج بالشعوب الأصلية لتكون ثقافة جديدة هي الثقافة العربية المتفرعة من الثقافة السامية المشرقية.

المهم, من دون التوسع بالتفاصيل التي لا يسمح بها موضوعنا, نقول ان العلاقة السكانية (العرقية) بين أهل سوريا وأهل مصر علاقة سكانية - ثقافية قديمة جداً.

مع نشوء الحضارة السامية (الكنعانية) ونمو النشاط التجاري للسوريين حول ضفاف المتوسط, بدأت موجات الهجرة السورية الى مصر (وشمال افريقيا). منذ ذلك الوقت وحتى الآن ظلت الجماعات السامية تأتي مصر قادمة من سوريا وشمال الجزيرة العربية. يمكن ذكر بعض الأمثلة على التأثير السوري, منها سيطرة قبائل »الهكسوس« السورية على مصر لعدة قرون, تاريخ »اليهود« الفلسطينيين في مصر, انتشار المسيحية اليعقوبية السورية »القبطية« في مصر. يبدو أن الهجرات السامية كانت تضطر الى التوسع نحو سواحل شمال افريقيا عندما كان يصعب عليها الاستقرار في مصر بسبب قوة الدولة المصرية. مثال على هذه الجماعات الفينيقية (الكنعانية اللبنانية) التي تمركزت في قرطاجة (تونس) وعمرت سواحل ليبيا والجزائر والمغرب (بين القرن الثامن ق. م حتى القرن الأول ق. م). إن هذه الهجرات السامية وصلت الى ذروتها في عصر الفتح العربي الاسلامي وتعريب أقباط مصر, وانتشار الثقافة العربية بلهجتها وخواصها الشامية. يمكن الاستشهاد كذلك بحالة قبائل بني هلال التي قدمت من الشام وشمال الجزيرة العربية عبر سيناء واستقرت في صعيد مصر زمن الدولة الفاطمية, وبعدها نزحت الى المغرب وفرضت التعريب. أما في العصر الحديث فنلاحظ هجرة الشاميين (من سوريا ولبنان خصوصاً) منذ القرن الماضي ودورهم المعروف بالاسهام في النهضة المصرية الحديثة.

بالاضافة الى هذه العلاقات السكانية والحضارية بين المنطقتين, فان سوريا ظلت تشكل أيضاً مصدر خطر على مصر بسبب قدوم الكثير من الغزاة الى مصر عبر سوريا, وبالذات خطر الدول المختلفة القادمة من هضبة الأناضول, مثل الحثيين والاغريق والبيزنط والصليبيين وأخيراً العثمانيين. كذلك هنالك خطر الهضبة الايرانية عبر العراق والشام, حيث تمكن الفرس من القضاء تماماً على آخر الدول الفرعونية في القرن السادس ق. م, مباشرة بعد سقوط آخر الدول البابلية التي كانت مهيمنة على العراق وسوريا!

لهذه الأسباب جميعاً, بالاضافة الى ضعف الدول السورية بشكل عام, فان مصر ظلت دائماً مدفوعة الى فرض سيطرتها على الشام سياسياً وعسكرياً. لم تكف مصر طيلة تاريخها عن العمل على مد نفوذها أو احتلالها للشام, منذ الفراعنة ثم البيزنط حتى العصور العربية الاسلامية مع آل طولون والفاطميين ثم المماليك, حتى محمد علي باشا, وانتهاءً بالوحدة المصرية السورية عام .1958


القطب الجزيري "السعودي"


تمتد منطقة الجزيرة العربية على حدود المشرق شرقاً من خليح البصرة ومروراً ببادية الشام حتى خليج العقبة وصحراء سيناء. لبثت هذه المنطقة دائماً ضعيفة التأثير سياسياً وحضارياً بسبب ندرة الدول والمراكز الحضارية القوية فيها وذلك لوعورتها وموقعها الجغرافي المهمش والمعزول بحرياً عن العالم من ثلاث جهات, عدا الجهة الشمالية التي تحد المشرق. لكن جنوب الجزيرة (اليمن السعيد) ظل متميزاً بجباله وخصوبته وموقعه البحري الذي سمح له بالاتصال بالمصريين والأحباش من خلال البحر الأحمر, وكذلك بالايرانيين عبر خليج عمان. أما باقي الجزيرة فكانت في وسطها صحراء قاحلة تمتد من حدود اليمن جنوباً حتى بادية العراق والشام شمالاً. القسم الغربي (الحجاز) الممتد على ضفاف البحر الأحمر من خليج العقبة حتى اليمن, ظل خلال آلاف الأعوام على علاقة وطيدة مع سوريا التي نقلت اليه الحضارة السامية مع بعض المؤثرات المصرية والحبشية. وقد تجلى هذا الأمر بوضوح في القرون الأخيرة التي سبقت الإسلام مع نشوء الخط التجاري المعروف بين الشام واليمن عبر مدن الحجاز (مكة ويثرب). ليس صدفة أن ظهور الإسلام في الحجاز كان تعبيراً عن الامتزاج الحضاري بين التأثيرات المشرقية القادمة من الشام والعراق (المسيحية واليهودية والصابئية والمانوية) والتأثيرات اليمانية التي كانت تحمل بدورها الكثير من المؤثرات السامية والمصرية. أما شرق الجزيرة أي سواحل الخليج فإنها ظلت طيلة التاريخ على علاقة وطيدة مع جنوب العراق منذ السومريين حتى العصور الحديثة, وما انتشار القرمطية والتشيع في منطقة الخليج إلا دليلاً على عمق العلاقات البشرية والحضارية مع جنوب العراق, بالإضافة الى تشابه اللهجات والتقاليد بين المنطقتين. وفي معظم فترات الخلافة العربية والعثمانية ظل شمال الخليج مرتبط إدارياً بولاية البصرة.

إن تأثير الجزيرة العربية على المشرق بدأ يتضح في فترة ما بعد الميلاد عندما بدأت هجرات القبائل العربية نحو أطراف سوريا والعراق لتمتزج مع سكان المشرق وتتبنى حضارتهم المسيحية السريانية. بعد انبثاق الإسلام والفتح العربي لمنطقة المشرق, تقاطرت القبائل والجماعات العربية على العراق وسوريا وامتزجت بالسكان الأصليين ونشرت بينهم اللغة العربية والإسلام. الملاحظ أنه رغم قدوم العرب المسلمين وجيوش الفتح من الجزيرة العربية إلا أن التأثير الثقافي والسياسي لهذه المنطقة بدأ بالضعف بعدما انتقلت مراكز الخلافة الإسلامية الى دمشق والبصرة والكوفة ثم بغداد. سرعان ما تسلم أهل المشرق (السكان الأصليين ومعهم العرب الذين توطنوا وأصبحوا مشارقة) أجهزة الخلافة العربية وتطوعوا في جيوشها وضخوا في الإسلام واللغة العربية جميع ما ورثوه من حضاراتهم السالفة. زمن الأمويين ثم العباسيين, رغم احتفاظ الحجاز (مكة والمدينة) بأهميته الدينية التاريخية لكنه فقد دوره الحضاري أو السياسي. ظل التأثير البشري للجزيرة من خلال هجرات القبائل العربية نحو المشرق ومصر وشمال افريقيا, لكن من الناحية الحضارية والسياسية ظلت هذه المنطقة مرتبطة بمراكز الخلافة والحضارة في المشرق خصوصاً. حتى علوم اللغة العربية نشأت وتمركزت في الكوفة والبصرة. إن الأغلبية الساحقة من العناصر التي لعبت دوراً مذكوراً في الحضارة العربية الإسلامية كانوا من سكان المشرق, منهم العناصر المشرقية الأصلية المستعربة من مسلمين ومسيحيين ويهود وصابئة ومانوية, ومنهم العناصر العربية التي استقرت وتزاوجت وامتزجت مع أهل المشرق وصارت جزءاً من سكانه وحضارته. طبعاً لا ننسى كذلك دور جميع الشعوب التي تكونت منها الامبراطورية مثل الفرس والتركستان, بالاضافة الى المصريين (مسلمين وأقباطاً) والبربر واسبان الأندلس, لقد ساهم جميع هؤلاء في صنع الحضارة العربية الاسلامية.

في القرن التاسع عشر حاولت منطقة »نجد والحجاز« ان تخلق لها دوراً سياسياً دينياً شبيهاً بدورها القيادي أثناء الفتح الاسلامي, من خلال الحركة الوهابية وغزوات الوهابيين لأطراف العراق وسوريا. لكن سليقة التاريخ والجغرافية أفشلت هذه المحاولة, بسبب ضربات العثمانيين والمصريين لها, فلبثت الوهابية محصورة في نجد فقط. تكررت المحاولة مرة أخرى بعد الحرب العالمية الأولى من خلال قيام شريف مكة وأبنائه بقيادة الثورة العربية, ومحاولة إعادة عملية الفتح الإسلامي للمشرق. لكن هذه الثورة انتهت بانتقال العائلة الهاشمية الى عواصم المشرق وفقدانهم السلطة في الحجاز وعموم الجزيرة لصالح العائلة السعودية. من جديد ومنذ أعوام الستينات بدأت العربية السعودية بمحاولة القيام بدور قيادي ديني وسياسي ازاء منطقة المشرق وعموم العالمين العربي والاسلامي. هذه المحاولة ظلت ضعيفة التأثير من الناحية الثقافية والعقائدية بسبب الإمكانات »التاريخية«« المحدودة في هذا المجال. لكن التأثير السياسي المهم الذي نجحت العربية السعودية بممارسته استند على الثورة النفطية الهائلة لنشر العقيدة الوهابية وبناء الجوامع ودعم الحركات الدينية والبنوك الإسلامية; كذلك عبر إنشاء امبراطورية اعلامية جبارة تعتمد على كوادر صحفية ومثقفة بمعظمها من منطقة المشرق ومصر.


القطب الأناضولي


هذا القطب يقع في شمال منطقة المشرق حيث هضبة الأناضول, (وهي تركيا الحالية التي ضمت اليها في هذا القرن مناطق أرمينيا وأعالي شمال الرافدين التي تحولت الى مناطق كردية تركية حالياً). تفصل الأناضول عن الشام والرافدين سلسلة جبال طوروس. ان العوامل الجغرافية لهضبة الأناضول شبيهة بالهضبة الإيرانية, لكن موقع الأناضول على ضفاف البحر المتوسط قلل من حدة حماستها في الاتجاه نحو الجنوب حيث منطقة المشرق. ان ارتفاع هذه المنطقة عن المشرق سمح لها كذلك بامتلاك سهولة في الانحدار والاجتياح العسكري. لقد ظلت الأناضول ذات تأثير سياسي عسكري واضح وتمكنت من فرض سيطرتها على الرافدين والشام لعدة فترات متقطعة, سواء بواسطة سكان الأناضول مباشرة (الحيثيين والبيزنط ثم العثمانيين الذين سيطروا على المشرق لأربعة قرون), أو بواسطة سكان اليونان وأوروبا الشرقية القادمين عبر الأناضول: الاغريق (الاسكندر المقدوني, والدولة السلوقية), ثم الصليبيين الذين قدموا من أوروبا عبر الأناضول.

الملاحظ أنه طيلة التاريخ ظلت هناك منافسة شديدة بين القطب الأناضولي والقطب الإيراني للسيطرة على بلاد الرافدين خصوصاً بالإضافة الى سوريا. هذه المنافسة بين القطبين تعود لعدة أسباب منها أن الهضبة الأناضولية تحد الهضبة الإيرانية وتشترك معها بالطبيعة الجبلية, وتشرفان على وادي الرافدين وتتمتعان بسهولة اجتياحه العسكري. ان العراق يمثل بالنسبة للأناضول الممر التجاري الأساسي الذي يجب اجتيازه للوصول الى الخليج ومنه الى الهند, وخصوصاً أن الطريق عبر إيران صعب ومستحيل بسبب المنافسة ومناعة ايران الجبلية. ثم ان العراق ظل منذ فجر التاريخ يشكل بالنسبة لإيران والأناضول وادي الخصب والخيرات ومركز الحضارات التي طالما أثار شهية الجيران لاجتياحه والاستحواذ على خيراته والاستفادة من نتاجاته الحضارية.

لقد عاش وادي الرافدين طيلة تاريخه في ظل المنافسة بين هذين الجارين الجبارين: منذ سقوط بابل وسيطرة الفرس الأخمينيين على الرافدين عام 589 ق. م, بدأت المنافسة مع الإغريق المستقرين في اليونان والأناضول. تحول الرافدين الى ساحة صراع بين الطرفين طيلة أربعة قرون. بعدها تمكن الايرانيون البارث من دحر الأغريق وفرض سيطرتهم على العراق عام (126 ق. م). بعدهم أتى الفرس الساسانيون عام (226 ب. م) حيث استمر العراق ساحة للمنافسة والحرب بين هؤلاء الساسانيين والبيزنطيين المستقرين في الأناضول وسوريا, حتى الفتح العربي الاسلامي في القرن السابع. منذ القرن السادس عشر تجددت هذه المنافسة واندلعت الحروب المدمرة بين الصفويين الايرانيين والعثمانيين المستقرين في الأناضول. خلال أربعة قرون تقريباً شهد العراق اجتياحه لعدة مرات من قبل الصفويين ثم انتزاعه من قبل العثمانيين, وتحول العراق الى ساحة صراع بين الأيرانيين والعثمانيين. لقد انعكست هذه المنافسة حتى على الوضع المذهبي في العراق: العثمانيون اعتنقوا المذهب السني الحنفي نسبة الى أبي حنيفة الكوفي العراقي »الإمام الأعظم«. جهد الأتراك لدفع العراقيين الى ترك التشيع واعتناق المذهب الحنفي. أما الايرانيون فقد فضلوا منافسة الأتراك واعتناق المذهب الجعفري (العراقي), على أمل التحالف مع شيعة العراق ضد العثمانيين الحنفية! بسبب الصراع الصفوي العثماني تعمق الخلاف بين المذهب الجعفري والمذهب السني الحنفي واتخذ بعداً سياسياً واجتماعياً عنيفاً لم يعرفه من قبل. بالحقيقة ان المذهب الحنفي ومؤسسة أبي حنيفة أقرب المذاهب السنية الى الجعفرية تاريخاً ومعتقداً. الغريب ان هذه الحالة ما هي إلا تكرار حرفي لتاريخ الخلاف في المسيحية المشرقية قبل الاسلام, عندما تعمق الخلاف لدى العراقيين بين أتباع المذهب النسطوري (وهم الغالبية) وأتباع المذهب اليعقوبي (الأقلية), حيث لعب الصراع الفارسي - البيزنطي, دوراً حاسماً في تعميق وتأجيج هذا الخلاف!


القطب الأوروبي


بالنسبة لهذا القطب الكامن على الضفة الغربية للمتوسط فانه تمثل عبر التاريخ بإغريق اليونان ثم الرومان ثم الصليبيين حتى الحركة الاستعمارية الأوربية في القرون الأخيرة, وصولاً الى التأثير الأوروبي الغربي الحالي. إن هذا الموضوع بالحقيقة لا يتعلق بمنطقة المشرق وحدها, بل يشمل كل الضفة الشرقية للبحر المتوسط, أي كل العالم العربي من سوريا وحتى المغرب. ويستحق هذا الموضوع أن يعالج تحت عنوان: »تاريخ العلاقات العربية - الأوروبية«. منذ الألف الأول قبل الميلاد بدأ الكنعانيون »فينيقيو لبنان وعموم شواطىء سوريا« بنشر الحضارة المشرقية السامية على ضفتي البحر المتوسط الشرقية والغربية, بل أنهم منحوا قارة اوروبا اسمها »غوربة - أوربا«, وهي التسمية التي أطلقها الشاميون على إلهة »الغروب« حيث »تغرب« الشمس على ضفاف اوربا, وقد اقتبس الاغريق هذه التسمية في أسطورتهم المعروفة التي تنسب لها تسمية آوروبا. بعد ذلك ظهر الإغريق الذين نافسوا الفينيقيين واكتسبوا منهم الأبجدية والحضارة وحلوا محلهم في السيطرة على البحر المتوسط, خصوصاً في القرن الثالث ق. م مع انتصارات الاسكندر المقدوني. بعد ذلك ظهر الرومان الذين سيطروا أيضاً على المنطقة بعدما قضوا على القرطاجيين الفينقيين في تونس وشمال افريقيا في القرن الثاني الميلادي. خلال قرون السيطرة الرومانية تمكن السوريون من لعب دور مهم في نقل الحضارة السامية المشرقية الى الرومان, بل تمكنوا من تكوين سلالات من الأباطرة الرومان المعروفين. وصل التأثير السوري على روما وأوربا الى ذروته بجعل »المسيحية الفلسطينية السورية« دين روما وأوربا الرسمي والغاء جميع الأديان الأوربية السابقة, منذ القرن الرابع الميلادي. عبر هذه المسيحية تمكن السوريون من نقل تراثهم السامي المشرقي بطقوسه وآدابه وموسيقاه وباقي فنونه التي لا زال أثرها واضحاً حتى الآن. لقد وصل السوريون الى منصب بابا الفاتيكان لعدة مرات.

في القرن السابع انبثقت الحضارة العربية الاسلامية وظهور دور الأندلس في جنوب اوربا, عاد المشارقة السوريون ليكرروا من جديد دور أسلافهم الفينقيين بغزو ضفاف البحر المتوسط, لكن هذه المرة باسم الإسلام والحضارة العربية. وعاد من جديد دور أوروبا و»الرومان« من خلال الحروب الصليبية والسيطرة على شمال الرافدين وضفاف سوريا بين القرنين الحادي عشر والثالث عشر.

في الفترة العثمانية استمر التأثير الأوروبي على الشام من خلال النفوذ الديني والثقافي والتجاري, خصوصاً منذ القرن السادس عشر بعد تمكن الفاتيكان من اقناع جزء من مسيحيي المشرق (أقسام من النساطرة واليعقوبية والمالكية والمارونية) بالتحول الى الكاثوليكية والارتباط بروما. ومنذ نهاية القرن الثامن عشر بدأ النفوذ الأوروبي على الضفة الشرقية للمتوسط يتخذ طابعه العسكري, ابتداءً من غزوة نابليون لمصر وفلسطين عام (1798). وفي هذه الفترة أيضاً بدأت الصهيونية الأوروبية بالاعداد لتنفيذ مشروعها الاستيطاني في فلسطين من خلال الاستيطان والتجارة. بعد الحرب العالمية الأولى وصل النفوذ الأوروبي الى ذروته بسقوط الدولة العثمانية وتقاسم العراق والشام بين الاستعمارين البريطاني والفرنسي, وشروع الصهيونية »الأوروبية« بالإعداد الفعلي لمشروعها بتكوين دولة اسرائيل كممثل مباشر للقطب الأوروبي والغربي.

الخلاصة

من خلال هذه المراجعة السريعة لتاريخ هذه الأقطاب الكبرى : »ايران, مصر, السعودية, تركيا, أوروبا« وعلاقتها التاريخية بمنطقة المشرق (ببلدانها الحالية : العراق وسوريا والأردن وفلسطين ولبنان), تتبين لنا الحقيقة التالية: »إن جميع هذه الأقطاب تمتلك ميراثاً تاريخياً مترسخاً في أعماق »الذاكرة الجمعية« وقائماً على مصالح وضرورات جغرافية وسياسية وحضارية. مهما اختلفت الأديان واللغات والآيديولوجيات فإن »سليقة التاريخ والذاكرة الجمعية« تظل محكومة بديمومة الموقع الجغرافي وشروط البيئة.

رغم الاختلاف بين هذه الأقطاب وشدة المنافسة بينها, فانها تجتمع في مصلحة مشتركة تتمثل في النواحي التالية :

1 - أن هذه الأقطاب لا تسمح لأي قطب منها بفرض نفوذه وحده على كل المشرق. ان نفوذ أو سيطرة قطب معين على باقي المشرق, يؤدي تلقائياً الى تهديد سلامة باقي الأقطاب, وبالتالي يمهد للسيطرة على عموم الشرق الأوسط والبحر المتوسط.

2 - ان جميع هذه الأقطاب تشترك أيضاً في الرغبة بعدم السماح لبروز دولة مشرقية قوية, ومنع أي تقارب وتحالف بين بلدان المشرق, وخصوصاً التحالف بين البلدين الكبيرين, سوريا والعراق. ان مثل هذا التحالف المشرقي, يضعف من نفوذ باقي الأقطاب, ويهدد ببروز قوة حضارية مشرقية كبرى تتمكن من الحد من طموح جميع الأقطاب الأخرى. ان مثال الحضارات المشرقية السالفة, وتاريخ الامبراطوريتين الأموية والعباسية, لا زال عميقاً في الذاكرة التاريخية.

3 - ان بقاء المنافسة بين بلدي المشرق الكبيرين : العراق وسوريا, وتأثرهما بتجاذبات الأقطاب المحيطة, كان السبب الأول والأساسي للخراب والهزائم العسكرية والحروب الأهلية والخارجية وسيطرة النظم الاستبدادية والأقليات المذهبية, على عموم المشرق. منذ اغتصاب فلسطين وحتى عملية السلام المجحفة : الانقلابات العسكرية والمجازر والحركات الانفصالية في بلدان المشرق, كانت دائماً بدعم من دولة ضد الدولة الأخرى. اندلاع حرب لبنان ودور الخصام العراقي السوري في ديمومتها. حرب العراق وإيران التي بدأت بعد انقلاب صدام على الوحدة مع سوريا, ثم دور الخصام السوري العراقي في ديمومة هذه الحرب. حرب الكويت تأثير الخصام السوري العراقي في تأزيم الحالة حتى اندلاع الحرب. على هذا المنوال يمكن أن نقرأ تاريخ المشرق الحديث منذ الحرب العالمية الأولى وحتى الآن.

4 - ان تحالف بلدان المشرق يعد ضرورة حياتية وأمنية إزاء تهديد القطبين العملاقين إيران وتركيا. ويعد هذا التحالف ضرورياً بين العراق وسوريا إزاء الخطر الذي تمثله تركيا في تحكمها بينابيع دجلة والفرات وتهديدها للمصالح الحيوية للبلدين. ان القوة المشرقية لا تبتغي إعلان العداء »القومي« للقطبين الإيراني والتركي, بل الهدف الأساسي هو إقامة علاقات متوازنة وتشجيع روابط الأخوة والتقارب في جميع النواحي السياسية والثقافية والاقتصادية.

5 - ان التقارب العراقي السوري وتكوين تحالف مشرقي يؤدي الى الحد من تنامي الخطر الإسرائيلي العسكري والاقتصادي, وبالتالي القدرة على مواجهتها حضارياً وفرض الأمر الواقع عليها: إما أن تقبل إسرائيل بمنطق التاريخ والجغرافية وتندمج حضارياً وسكانياً وسياسياً بمنطقة المشرق بميراثها اليهودي المسيحي الإسلامي, وإما أن تصر على البقاء حالة شاذة تستمد ميراثها من الدويلات الصليبية والدور التوسعي المعروف للقطب الأوروبي, وهذا الوضع شاذ لن يسمح بديمومته لا التاريخ ولا الجغرافية.

من كل هذا يمكن الجزم بأن طبيعة المشرق الجغرافية والتاريخية والسكانية لا تسمح أبداً بحل وسط ووضع حيادي عادي بين دول المشرق, بل هنالك وضعان متطرفان متناقضان لا وسط بينهما: إما أن تبقى بلدان المشرق في حالة خصام وتنافس وتمزق حسب أهواء الأقطاب المحيطة, وهذا يعني أن تظل تعيش في الخراب والانحطاط والصراعات السياسية والطائفية والسكانية والحروب الأهلية والخارجية في ظل أنظمة ضعيفة ونفوذ صهيوني وغربي متزايد; وإما أن تدرك هذه ا لبلدان منطق التاريخ وطبيعة دورها الحضاري, فتقرر التقارب والتحالف وعدم الانقياد لأهواء الأقطاب المحيطة, وهذا يؤدي تلقائياً الى خلق قوة مشرقية قادرة على حماية نفسها ودعم العلاقات الحضارية والانسانية بين عمووم بلدان الشرق الأوسط والبحر المتوسط والعالم العربي. ان الحلف الحضاري المشرقي سوف يكون خصوصاً الأساس لحلف حضاري بين جميع بلدان العالم العربي, لأن التاريخ برهن ويبرهن يومياً بأنه من دون تقارب بلدان الشرق لا يمكن أبداً الحديث عن أي تقارب أو توحد عربي. ان دور المشرق يشبه الى حد بعيد دور »أوربا الغربية« في توحيد القارة الأوروبية.

المقالة من موقع العراق للجميع : www.iraq4all.dk

www.ssnps.jeeran.com

إن جميع المقالات التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع