صدى النهضة السورية القومية الاجتماعية                      www.ssnps.jeeran.com
 

كيف نقرأ سعادة

 

هنري حاماتي

 

                                                                                   

حقائق أولى، لمقاربة موضوعنا:

أولاً: سعاده هو المدرسة العلمية، فهو يعتبر الحقائق العلمية، وحدها دائماً.. ولا يعتبر سواها.

والعقل- الذي قرر سعاده في فلسفته أنه هو الشرع الأعلى – هو مجمل مكتنزات الثقافة الإنسانية من المعارف والحقائق: هو العقل الإنساني المسكوني، منظوراً إليه في كل مآتي الحضارة الأنانية، في كل مكان... وهو، بعد هذا، العقليات الخاصة للمجتمعات الإنسانية المتمثلة في قدراتها الخاصة، ومواهبها الخاصة، وخططها النفسية الخاصة.

سعاده هو، إذاً، صاحب اتجاه تأسيس عقليتنا المجتمعية على المعارف الحقائق.

ثانياً: التطور هو الناموس العام للحياة الإنسانية. هو قانون عام لا يحده حّد هو منهج فكر سعاده العقلاني الذي يوجب مشاهدة التطور في عوامله وظواهره جميعاً.

والتطور، من حيث هو حركة إنسانية إلى الأمام، يفترض قوى روحية، معرفية وقيمية، وقوى مادية، طبيعية ومنتجة.. تحققه.

ثالثاً: الأوهام والخرافات والعقائد الباطلة، والاقتناعات المترسبة في الوجدان العام، والمنافية للحقائق العلمية.. لا يجوز حسبانها في عداد القوى الدافعة إلى الأمام، فلا يجوز اعتبارها في جملة القوى التي تحدث التطور.

تشكل الحقائق العلمية، إذاً، المرتبة الأولى من مراتب فكر سعاده.. فنحن ملزمون، دائماً، الحقائق: كل ما نشارك في رؤيته حقيقة.. وملزمون من الحقائق كل ما انكشف منها للعقل البشري، وكل ما سينكشف.

هذه هي المرتبة الأولى من مراتب الفكر القومي الاجتماعي..

المرتبة الثانية هي مرتبة منهج التفكير القومي الاجتماعي، الذي أدعوه أسلوب التعامل مع الحقائق.

هو منهج إنساني يرى الثقافة شأناً إنسانيا عاماً، أسهمت الأمم الحضارية في صنعه..

وهو منهج أسلوبي يستخدم قانون العوامل والحالات في عمليات تحليلية وعمليات تركيبه: أعني في توجهه إلى فهم أحوال الاجتماع البشري، وفي تخطيطه لإحداث تغيير فيها.

وهو منهج شمولي، لا يحدّ نظره في عامل، أو ناموس.. بل يلزمنا استقراء كل العوامل والنواميس الممكن استطلاعها أو استعمالها.. فيقدم لنا أرحب مدى لإطلاق العقل في موضوعنا وعملنا..

وليس أضّل للعقل من منهج يقوم على تأويل فلسفي اكتفى ببعض من نواميس الحياة الإنسانية وأهمل النواميس الأخرى..

وهو منهج واقعي يعتبر الواقع والوقائع، في تصديه، ولا يسمح لمداخلات غريبة أن تحرّفه عن مساره: كالمنافع، والنزعات، والعصبيات، والماورائيات..

وهو أخيراً منهج تفاعلي يرى التطور حاصل تفاعل القوى المادية والروحية.

في المرتبة الثالثة نلتقي المذهب الاجتماعي السياسي المتولد من تعامل هذا المنهج الفلسفي مع الحقائق العلمية.

القومية الاجتماعية في هذا المذهب: مذهب للمجتمع لا للأفراد، يتحقق في نطاق المتحد القومي، في مصالحه كافة، مؤسسات المجتمع القومية، وفي النطاق العالمي، في علاقات المجتمع المعني بالعالم.

مؤسسات المجتمع القومية، أو ما يدعى النظام السياسي، والنظام الاقتصادي، والنظام الاجتماعي.. هي المرتبة الرابعة للفكر القومي الاجتماعي، وفيها نشاهد الأشكال التي تحققه.

وعلاقات مجتمعنا بالعالم، هذه التي يتعين فيها موقعه، وتتحدد فيها استراتيجيته، وتتحقق بها كل فلسفة القيم الروحية الحضارية، هي المرتبة الخامسة العليا للفكر القومي الاجتماعي الذي يترسم لأمتنا دوراً حضارياً راقياَ هادياً، شأنها سابقاً في تاريخ الحضارة الإنسانية..

في ضوء ما تقدّم، سعاده هو صاحب مذهب.

وأول ما يطالع قارئه تكامل مذهبه، في وحدة المنهج الفكري، ووحدة الاتجاه الفكري، في كل إنتاجه.

لم يكن سعاده فيلسوفاً بالمعنى الكلاسيكي للعبارة، كما لم يكن أديباً،أو اقتصادياً، أو حقوقياً، أو لاهوتياً، أو فقيهاً.. ولم ينحُ في حياته نحو الباحث المتخصص، إلا حين كان يحتاج عمله إلى تخصيص بعض من مناحي الفكر بعضاً من وقته وجهده.

فعمله كان عمل صاحب قضية لا عمل مفكر متخصص.

هو صاحب قضية معينة، هي القضية السورية: قضية المجتمع السوري، الهلال السوري الخصيب، وقضية الجبهة العربية، وقد جعلها غاية الحزب، والمادة الأولى من دستور الحزب.

نحن، اذاً، مدعوون إلى قراءته كصاحب مذهب، وصاحب قضية، في وقت واحد.

كل نتاج سعاده الفكري وكل وقائع حياته الشخصية، منذ ولادته وحتى استشهاده، تقرئنا إياه صاحب مذهب وقضية.

وقلب موضوعنا هو هذا بالظبط: القضية والمذهب وجدليتهما: القضية السورية القومية الاجتماعية!

أنها قضية نهضة المجتمع السوري، وبعث حيويته، وإقامة نظام جديد فيه.. وإنشاء الجبهة العربية.. وهذه القضية هي ضخمة وصعبة ومعقدة، وذات مشكلات رهيبة ما زالت- بعد انقضاء 67 عاماً على تأسيس الحركة السورية القومية الاجتماعية – تبدو شبه مستحيلة التحقيق.

ما من مجتمع، في تاريخ العالم كله، احتضن مشكلات كالمشكلات التي يرسف تحتها مجتمع الهلال السوري الخصيب اليوم:

احتلالات استيطانية ثلاثة، لليهود والترك والفرس، يدّعي كل منها أن له حقوقاً تاريخية في أرضنا.

- تجزئة سياسية قررها الإنكليز والفرنسيون في معاهدة سايكس-بيكو، ما زالت كياناتها قائمة، بعد انقضاء ما ينوف على ثمانين عاماً على افتعالها.

تمزق اجتماعي نفسي بتراثيات عرقية مذهبية ضاعت بها هويتنا القومية.

تخلف ثقافي اقتصادي لا يسمح بتجاوز حالة التجزئة السياسية وحالة التمزق الاجتماعي.

تشتت في فواعل المحيطين العربي والدولي.

 هذه القضية هي قضية وجودنا، ونحن نحسّ مآسيها وأوجاعها كل يوم، بل كل ساعة، على كل جبهة، وفي كل شأن من شؤون حياتنا العادية.

سعاده هو صاحب هذه القضية. وقضية من هذا العيار لا يتصدى لاكتناهها، وتأسيسها، والدعوة إليها، وتنظيم حركتها، ثم قيادتها والعمل لها: شرحها، وتوضيحها، وتكوين عصبيتها، وتحليل مشاكلها، ووضع الحلول العملية لمتاعبها، وتعيين خطط العمل لها، وطرق التصدي لأعدائها في الداخل والخارج، وتأسيس حركة خلاصها، وبناء نفوس رجالها ونسائها، وتذويب العقائد التراثية المدمرة في عقيدة واحدة جامعة فيها.. نقول قضية من هذا العيار لا يستطيع الاضطلاع بمهامها ومقتضياتها الفكرية والعلمية إلا رجل مؤهل، تقتضي منه قضية مجتمعه هذه أن يكون قادراً على فهم أحوال مجتمعه، ودراسة عوامل تخلفه وتقهقره وتمزقه، وتعيين طرق تحقيق نهوضه وتوليد قواه، ومعرفة أساليب توحيد شعبه في عقيدة واحدة نحو غاية واحدة..

كان سعاده صاحب قضية، قبل أن يكون صاحب مذهب. كان صاحب قضية منذ كان في العاشرة من عمره، تلميذاً صغيراً في الابتدائية، حين رفض حمل العلم العثماني، لأنه علم احتلال، فرماه أرضاً، وداسه، وخرج من صفوف أقرانه الأطفال، تهاجمه وجوه المدعوين والأساتذة، مدهوشة، مصعوقة..

ثم كان عليه أن يدرس قضيته، وأن يدرس العالم الذي ترتبط به قضية أمته: عالم الأمم التي تتنازع المصالح والبقاء، وعالم الأنظمة الفكرية التي اصطنعت منها أمم العالم أنظمتها السياسية وايديولوجيتها..

وأن يعبّ من علوم عصره كل ما يحتاجه لتنكب قضية مجتمعه، فمثل هذه القضية المعقدة تحتاج إلى علوم وافرة، ومعارف غزيرة، والى أسلوب في التفكير يساعد على فهم الحاضر والتخطيط للمستقبل، في وقت واحد..

وأن يحقق ويدقق في عقائد عصره: هذه الليبرالية المتوحشة في أنظمة الغرب الديموقراطية التمثيلية، وتلك الأنظمة الديكتاتورية، الماركسية، والنازية، والفاشستية، ذات المذاهب الكلية..

وأن يختار موقعاً له بين هذه الأنظمة وتياراتها، أو أن يختار نظاماً يبدعه هو ويقدمه لشعبه، فيدخل وشعبه في امتحان التجارب الفكرية السياسية التي تخوض فيها الأمم الحياة، وتعبر بها عن حيويتها، وجدارتها..

وهل من سبيل لك أن تتصدى لقضية مجتمع يتوسط قارات ثلاث بمتاعب رهيبة، كمتاعب المجتمع السوري الراهنة، دون أن تمتلك المعارف والحقائق التي تضيء لك منظر مجتمعك ومنظر العالم المحيط به، ودون أن تمتلك منهجاً ومذهباً تقدمهما لشعبك، فتستقطب قواه العاقلة إلى قضيته، مسدداً نظره، معززاً ثقته بنفسه، موجهاً فكره وعقله الوجهة التي تساعده على وعي مشاكله والنهوض لمعالجتها، ومواجهة أخطارها؟

كان على سعاده أن يعالج كل المشكلات والقضايا بعواملها وظواهرها، بمنهجه الذي أوضحنا بعضاً من قواعده في هذه العجالة. وهكذا كان عليه أن يعالج الأمراض الاجتماعية الفاتكة في جسم مجتمعه، والأمراض النفسية الحاصلة منها، وكان عليه أن يتوغل في المعالجة في الأصول والجذور، فمن نقد الطائفية السياسية إلى شرح مفاهيم الاقتصاد السياسي الصحيحة، ومن نقد أشكال الوعي الموروثة الغثة، إلى شرح شروط الإبداع الأدبي والفني والفلسفي، ومن نقد الأنظمة الاجتماعية القديمة ومؤسساتها الرجعية إلى شرح قواعد نظام حياة جديدة، ومن نقد رؤية عاطفية سقيمة للعالم إلى شرح نظرة استراتيجية جديدة للعالم...

هل تزعم أنك صاحب قضية نهضة مجتمعك، وسط هذا العالم الماثل لنا بكل ما فيه من تضارب مصالح وأنظمة وايديولوجيات؟

هات لنا، اذاً، خبرنا، كيف نفكر، وكيف ننهج، وكيف نعمل، وكيف نواجه...

وبكلمات قليلة، كيف نكون وسط هذا العالم. وسط مصالحه وأنظمته وايديولوجياته، ما يصعد منها وما يهبط، ما يثبت منها وما يسقط...

كيف نكون نحن أصحاب مصلحة ونظام وايديولوجية، كيف ننقذ مجتمعنا من الاحتلال ونبني السيادة القومية، وكيف ننقذه من التجزئة ونبني الدولة المركزية، وكيف ننقذه من تعدد هوياته العرقية المذهبية بهوية واحدة جامعة، وكيف ندفع به إلى الأمام ثقافياً واقتصادياً، وأخيراً، كيف نمركزه في عالمه العربي والعالم، مجتمعاً حياً جديراً بالحياة، مستحقاً الفضاء الذي يشغله في هذا الوجود؟!

هات لنا طريقك! وجهتك! منحاك!...

هات مذهبك! علّمنا!

أجل، صاحب القضية كان صاحب مذهب، وصاحب المذهب كان معلماً..

فلقد احتاج المجتمع السوري من سعاده، أكثر مما احتاجت فرنسا من ديغول، وروسيا من لينين، والصين من ماو، ومصر من عبد الناصر..

احتاج نظرة في الدين، تستوعب قيم الأديان السماوية جميعها، ولا نعد فيها هذه اليهودية القذرة.

نظرة تشكل جزءاً لا يتجزأ من قوميتنا الاجتماعية والقيم الروحية السامية التي تعلمها.

نظرة تثبت قيم الدين وأغراضه، وتنقض الأوهام والعقائد الباطلة العالقة به في وقت واحد، وهو يقول: " هل تطلبون من سعاده أن يؤمن أن يشوع بن نون قد أوقف الشمس!!".

وأخيراً نظرة تؤكد وحدانية الرسالات الدينية في ثلاثة: هي الإيمان بالله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والثواب والعقاب..

فالدين جامع موحد، لا مفرق ممزق!

هو يقول:" فقد جمعنا الإسلام وأيدّ كوننا أمة واحدة.."

وكما قرأناه في الدين، في مناح ٍ ثلاثة: منحى تثبيت فلسفة أغراض الدين السامية، ومنحى نقض ما علق بالدين من أباطيل منافية للعقل، ومنحى تأكيد قضية مجتمعه.. كذلك نقرأه في كل شأن من شؤون الفكر والحياة، يعيد تقويم ما بين أيدينا من أعمال وأفكار وعقائد وقيم، لنثبت منها ما نرى فيه حقاً وخيراً وجمالاً، ولننقض منها ما نرى فيه باطلاً وشراً وقبحاً، ولنوظف منطقنا في خدمة مجتمعنا..

ولأنها قضية تشمل كل شأن من شؤون الفكر والحياة.. فقد احتاجت نظرات تشمل شؤون الفكر والحياة جميعاً.

هكذا نقرأ سعاده في نظرته إلى الأنظمة الاقتصادية، والى آرائه في الاقتصاد والسياسة.

ونظرته إلى مسألة التجديد في الأدب، والى شروط حصول أدب جديد.. ونظرته إلى الدولة والنظام الأقدر على تكييف أحوال الاجتماع، ونظرته إلى قيم الحق والحرية والعدالة والحقيقة، والى تعريفاتها الأوفى تعبيراً عن واقعيتها..

ونظرته إلى العالم، والى منطق ظواهره الثقافية والسياسية..

وهكذا، فان شمولية الفكر القومي الاجتماعي لا تعني، ولا يجوز أن تعني لنا، أنها معرفة شاملة تامة لقضايا الفكر والحياة جميعاً.. فمثل هذا الاعتقاد يعاكس الفكر القومي الاجتماعي معاكسة تامة.. بل هي تعني شمولية التطلع، وشمولية الاهتمام: الانفتاح الواسع لزاوية النظر، في الوجود، حتى تبلغ 360 درجة، فلا نهمل مصلحة من مصالح الحياة، لأن الحياة وحدة مصالح مترابطة متداخلة متفاعلة، ولأن كل إنتاج في المجتمع هو حصيل عمل عام أسهم المجتمع كله في تحقيقه.

كل إنتاج، نقول، فالذين لا ينتجون بضاعة تباع في الأسواق، كالقاضي وكانس البلدية، والمدّرس، والجندي..يسهمون هم أيضاً في انتاج كل بضاعة أنتجها صانعوها..

وبعد، نقرأ سعاده المعلم، كأرقى ما يكون التعليم، في ما يمكن تصنيفه من أدبه تعبيراً عن روح النهضة والأمة، وهو ما يحمل في معانيه التقويم الأخير لقيمة الوجود الإنساني:

سعاده يعلم أن الانتصار الأخير هو للروح، وأن القيم العليا هي مطالب للنفوس، تسعى إليها النفوس لتظفر بها وتسعد، وأن هذه القيم هي المعنى الأخير للحياة..

هو يقول: إذا اضمحل الحب فماذا يبقى من الحقيقة؟

وهو يقول: نحن جماعة لم تفضل يوماً، لا أنا شخصياً ولا أي واحد من هذه الأمة الناهضة، أن تترك عقيدتها وإيمانها وأخلاقها لتنقذ جسداً بالياً لا قيمة له.

وهو يقول: إن الحياة كلها وقفة عزّ فقط.

نعم، صاحب القضية صاحب مذهب، وصاحب المذهب صاحب تعليم، ومعلمنا كان صادقاً: علّم الحب والعقيدة والإيمان والأخلاق والعزّ..ومارس تعليمه كله، ما قرأناه من تعليمه وما لم نقرأه.. وان من سمات العظمة في المعلمين الكبار أن قدرتهم على الايحاء تتخطى من بعيد مآتي أيامهم المعدودة المحدودة.

وبهذه القدرة هم صانعو التاريخ!

 * مداخلة في ندوة سعاده وتحديات الألفية الثالثة في ضهور الشوير، صيف 1999، ونشرت في كتاب أفكار ، الجزء الخامس، مباحث فلسفية.

 

www.ssnps.jeeran.com

إن جميع المقالات التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع