|
تحت العنوان – السؤال أي حضور للكواكبي في أفكار من أتوا بعده ؟ نشر الباحث
سلام الكواكبي جواباً مستفيضاً استغرق صفحة كاملة في ملحق جريدة المستقبل
"نوافذ" الصادر في 5 أيار 2002 .
وبقدر ما أعجبت بمعظم الإجابة لما اتسمت به من منهج تحليلي علمي ، تعجبت من
مقطع ورد في العمود الأخير قال فيه: "من جهتها حاولت جميع الأحزاب الفاعلة في
المسرح السياسي العربي أن تجد في فكر الكواكبي مرجعية لها ولإيديولوجيتها . ففي
مؤتمرات الأحزاب الشيوعية تتصدر صورة الكواكبي قاعة المؤتمر إلى جانب لينين
وماركس معتبرين في أدبياتهم إشاراته الاشتراكية ، ويعتبر السوريون القوميون
الاجتماعيون بأنه (السوري الأول) ، والقوميون العرب بأنه صاحب الريادة في
الفكرة القومية . وقام بدورهم أصحاب الاتجاهات الدينية المعتدلة وذوو الخطاب
الديني التنويري بجذبه إليهم معتمدين خطابه في إعادة صياغة بعض مواقفهم . إنها
محاولات نجحت في أحيان ، وفي أحيان أخرى انجرفت نحو مجرد الاستئثار الفكري".
لذلك ، اغتنمت فرصة وجودي في حلب واشتراكي في ندوة الكواكبي التي أقامها اتحاد
الكتاب ، وطرحت السؤال التالي على الباحث الرصين والمسؤول في المركز الثقافي
الفرنسي : هل لك أن تدلني على المرجع الذي استقيت منه عبارة "السوري الأول" ؟
ولمّا لم يتذكر المرجع المطلوب ، أبديت له شكي بورود هذه العبارة في أدبيات
سعاده أو غيره من معتنقي عقيدته أمثال الدكاترة جورج عطية وعلاء الدين حريب
وحيدر الحاج إسماعيل والحائز على شهادة البكالوريا جان داية ثم أشرت إلى
المراجع الخمسة التي أتى فيها سعاده على ذكر الكواكبي حيث لم يتضمن أي منها
عبارة (السوري الأول) أو أي عبارة أخرى تنطوي على المعنى نفسه ، ناهيك بهدف
سعاده من ذكر الكواكبي الذي يبعد آلاف الكيلومترات عن هدف إيجاد مرجعين لحزبه
وعقيدته .
أما المرجع الأول والأهم ، فيجده الباحث في شرح المبدأ الأساسي السابع من عقيدة
سعاده الذي ينص على التالي: "تستمد النهضة السورية القومية الاجتماعية روحها من
مواهب الأمة السورية وتاريخها الثقافي السياسي القومي" . وفي سياق وشرح هذا
المبدأ يقول سعاده: "قصد واضع تعاليم الحزب السوري القومي الاجتماعي تأسيس
الاستقلال الروحي ، الذي يمثل الشخصية القومية ومزاياها ومثلها العليا وأهدافها
. فالحزب يعتقد أنه لا يمكن توليد نهضة سورية إلا بعامل نفسية سورية أصلية
مستقلة . والحقيقة أن من أهم عوامل فقدان الوجدان السوري القومي ، أو من عوامل
ضعفه ، إهمال نفسية الأمة السورية الحقيقية ، الظاهرة في إنتاج رجالها الفكري
والعملي ، وفي مآثرها الثقافية كاختراع الأحرف الهجائية التي هي أعظم ثورة
فكرية ثقافية حدثت في العالم ، وإنشاء الشرائع التمدنية الأولى ، ناهيك بآثار
الاستعمار والثقافة السورية المادية – الروحية والطابع العمراني ، الذي نشرته
سورية في البحر السوري المعروف في الجغرافية بالمتوسط .
بما خلده سوريون عظام كزينون وبار صليبي ويوحنا فم الذهب والمصري وديك الجن
الحمصي والكواكبي وجبران وطائفة كبيرة من مشاهير الإعلام قديماً وحديثاً .
الكواكبي وتراثه النهضوي
ويتضح من هذا الشرح الذي كتبه سعاده في السجن عام 1936 ، أن القصد من ذكر اسم
الكواكبي توظيف تراثه النهضوي في ورشة نهضة الأمة لا إيجاد مرجعية للحزب
وعقيدته ، أما الهدف من توظيف أدبيات الكواكبي وغيره ناهيك بمواقفهم ، فيتمحور
على تأسيس الاستقلال الروحي المتسلسل منذ التاريخ الجلي ، والذي يميز شخصية
الأمة السورية عن غيرها من الأمم، ويساهم في بعث نهضتها .
وبالرغم من اقتصار ذكر الكواكبي على اسم عائلته فقط ، فإن هذا التنويه كان له
اثر فعّال في صفوف القوميين الحزبيين ، المحازبين وقد لمست هذا الأثر ، حين قمت
بسلسلة زيارات لعشرات العائلات القومية برفقة حفيد الكواكبي الدكتور والوزير
الراحل عبد الرحمن الذي أبدى دهشته من ذلك الحضور القوي لجده لدى المؤمنين
بسعاده وعقيدته ، وقال بين المزح والجد : لو لم أكن في حزب جدي لكنت حتماً في
حزب جدكم !
وذكر سعاده الكواكبي للمرة الثانية في سياق رده على رشيد سليم الخوري المعروف
بـ "الشاعر القروي" ، فقد قال في سياق الحلقة المنشورة في جريدة "الزوبعة
الأرجنتينية" بتاريخ 28 أيلول 1941 .
"أصحيح أن الدين الإسلامي لا يتم إلا بإعلائه على الأديان الأخرى وبيع المسلمين
أنفسهم حتى يتم انتصار الأنصار ويعم العالم ؟ وأن هذا هو غرضه الأساسي ؟ هذا ما
يظهر أن الذين فهموا الدين فهماً أولياً في حالات نشأته يعتقدون أنه الصحيح
الذي لا جدال فيه . وهذا أيضاً ما ذهب إليه إمامان كبيران كالسيد الأفغاني
والشيخ محمد عبده ، مع العلم أنهما كانا يحسبان من طلاب الإصلاح في الدين ،
وأنه كان لهما مناوئون في مقصدهما الإصلاحي الذي لم يبلغ ما بلغه كاتب آخر هو
الكواكبي الذي كان من المؤسف أن صيته لم يذهب ذهاب صيتهما" .
المشروع الإصلاحي
في هذا النص ، يعتبر سعاده أن مشروع الكواكبي الإصلاحي أهم من مشروعي عبده
والأفغاني ، من غير أن يحدد طبيعة الإصلاح المقصود. وهو يدفع بقارئه للاستنتاج
بأن الكواكبي لا يقول بأن الدين الإسلامي لا يتحقق إلا بقتال الأديان الأخرى
ومعتنقيها .
وعاد سعاده في حلقة أخرى من السلسلة، التي جمعت فيما بعد، وطبعت في كتاب
"الإسلام في رسالتيه"، إلى الكواكبي والأفغاني وعبده ، حيث قال: "لا يظنن أحد
أن جميع مفكري المحمديين هم من نوع الشيخ محمد عبده والسيد جمال الدين الأفغاني
. فهذان المفكران الرجعيان لا يمكنهما إدعاء احتكار التفكير المحمدي العصري .
وقد قلنا أنه من المؤسف أن مفكراً سورياً محمدياً هو السيد الفراتي عبد الرحمن
الكواكبي لم يذهب صيته ذهاب صيت إمامي الرجعة المذكورين مع انه أحق بهداية
النفوس منهما ، إذ نظر إلى الحياة الاجتماعية والسياسية من جهة التفكير السوري
الراقي. وإليك فقرة مما قاله في كتابه (طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد): يا
قوم وأعني بكم الناطقين بالضاد من غير المسلمين ، أدعوكم إلى تناسي الإساءات
والأحقاد وما جناه الأباء والأجداد . فقد كفى ما فعل ذلك على أيدي المثيرين ،
وأجلكم من أن لا تهتدوا لوسائل الاتحاد وأنتم المتنورون السابقون . فهذه أمم
أوسترية وأميركية قد هداها العلم لطرائق شتى وأصول راسخة للاتحاد الوطني دون
الديني ، والوفاق الجنسي دون المذهبي ، والارتباط السياسي دون الإداري . فما
بالنا نحن لا نفكر في أن نتبع إحدى تلك الطرائق أو شبهها . فيقول عقلاؤنا
لمثيري الشحناء من الأعجام والأجانب : دعونا يا هؤلاء ، نحن ندبر شأننا ،
نتفاهم بالفحصاء ونتراحم بالأخاء ونتواسى في الضراء ونتساوى في السراء . دعونا
ندبر حياتنا الدنيا ونجعل الأديان تحكم في الأخرى فقط . دعونا نجتمع على كلمة
سواء ألا وهي : فلتحي الأمة ، فليحي الوطن ، فلنحي طلقاء أعزاء .
وعلق سعاده على النص بقوله: "هذا كلام رجل من المحمديين عرف معنى الإسلام
الصحيح، وقال قولاً جعله في طلائع العهد القومي ، وإن كان الناس اتبعوا من
الكواكبي أحق بالتقدم عليه . ولكن النهضة السورية القومية جاءت تنفض غبار
الأوهام عن أذهان الناس ليميزوا بين قول الحق وقول الباطل . فرحم الله السيد
الفراتي بما قال وفيه زبدة تفكير راسخ وتأمل ناضج . (دعونا ندبر حياتنا الدنيا
ونجعل الأديان تحكم في الأخرة فقط) . فهذا قول تتبناه الحركة السورية القومية
بحرفيته ، وتخلّد به ذكرى الإمام الكواكبي الذي نظر في مقتضيات الدين والدنيا
فقال فيها هذا القول الفصل" . (الزوبعة – العدد 42 – 15 نيسان 1943)
قبل الانتقال إلى المرجع الرابع الذي نجد فيه تنويهاً "لسعاده بالكواكبي ،
لابأس من تسجيل الملاحظة التالية .
حدد سعاده هنا أحد أهم الأسباب التي دعته إلى التنويه بالكواكبي في شرح المبدأ
الأساسي السابع ، أي فصل السلطة الدينية عن السلطة الزمنية على حد تعبير
الكواكبي في مقاله الشهيرة في (المقطم) التي نشرتها في كتابي الإمام الكواكبي –
فصل الدين عن الدولة" . ولو كان الكواكبي مسيحياً لما كرسه سعاده نهضوياً من
الدرجة الأولى . ذلك أن العديد من رواد النهضة المسيحيين نادوا بفصل الدين عن
الدولة بصورة أكثر جذرية ووضوحاً بدءاً بالمعلم بطرس البستاني . ولكن أهمية
الكواكبي أنه مسلم وإمام وأول من جاهر في العصر الحديث ، بهذا المبدأ بين
المسلمين والأئمة . وعلى ذكر مقاله (المقطم) ، فقد شن الإمام محمد رشيد رضا
بسببها حملة تخوينية ضد الكواكبي في جريدته "المنار" . وبعد حفلة تصالحه مع
الكواكبي ونشره كتاب (أم القرى) على حلقات في مجلته ، رثى تلميذ محمد عبده ،
الكواكبي ، أقر استشهاده مكرراً استمرار خلافه معه حول مبدأ فصل الدين عن
الدولة رغم توافقهما في أمور إصلاحية عديدة . وبالمناسبة ، فإن أحد مشايخ حلب
خوّن الكواكبي بسبب رفضه الخلط بين الدين والدولة ، ولم يتورع عن اتهامه
بالانتماء للماسونية ، وهي كذبة جرباء على حد تعبير سعيد تقي الدين ، ولقد جرى
التخوين منذ أشهر قليلة في خطبة الجمعة . ولا عجب،.. فالتخوين طاول أيضاً
الأفغاني ومحمد عبده رغم تأكيدهما على إسلامية الدولة ، وبسبب دعوتهما إلى
الإصلاح الديني والسياسي في الدولة الإسلامية .
انتحال صفة النيابة عن الله
ولننتقل من الأرجنتين إلى حلب لمعرفة ماهية المرجع الرابع ، في العام 1948 ،
زار سعاده حلب وألقى خطبة مرتجلة دونها الفنان فاتح المدرس ، وقد نشرت من غير
أن يتسنى لسعاده تنقيحها ، في مجلة (فكر) العدد 33 الصادر في كانون الأول 1979
. ركز سعاده كلمته على مرض الطائفية واستهلها بضوء خاطف على المصلح الحلبي ،
فقال: "أحسب أن الثورة الفكرية السورية ابتدأت بابتداء حملة عبد الرحمن
الكواكبي ، وإن كل من اطلع على طبائع الاستبداد قرأ ولا شك عبارة بهذا المعنى:
دعونا ندبر شؤوننا الدنيوية ونترك الأديان تحكم في الآخرة فقط . وأحسبه قال
أيضاً ما معناه يجب أن نقر الواقع الاجتماعي ، ومن العار أنت ننتحل صفة النيابة
عن الله على الأرض . وكان يصرّ ، رحمة الله على أن نترك عمل الله لله ، ولا
نتداخل فيه، إذ أن لنا كياناً أرضياً يجب أن ننشئه" . ويستنتج من النص الآنف
المرتبك أن سعاده أراد التنويه بما أكد عليه الإمام الكواكبي في طبائع
الاستبداد حول ضرورة الفصل بين الدين والسياسية . والجدير أن سعاده طلب
الاجتماع بأحفاد الكواكبي خلال زيارته لحلب وإقامته في أوتيل بارون الشهير .
ولم يلبّ طلبه نظراً لوجود الدكتور عبد الرحمن والقاضي سعد زغلول خارج حلب .
أما المرجع الخامس والأخير، فيتوزع على معلومة ورسالة. ولنبدأ بالمعلومة. يقول
الدكتور هشام شرابي في كتابه الجمر والرماد، الطبعة المنقّحة في الصفحتين 221
و222: استدعاني سعاده يوما إلى مكتبه في البيت، فوجدته جالساً يقرأ (الجيل
الجديد). ولما رآني وضع الجريدة على المكتب وقال، وهو يشير إلى مقال في الصفحة
الثالثة من الجريدة: هل قرأت هذا المقال؟ (وكان مقالاً بقلم جورج عطيه يتناول
عبد الرحمن الكواكبي).
ـ نعم قرأته.
*هل لديك أية ملاحظة حوله؟
ـ لا!
كان واضحاً أن شيئاً في المقال يشغل باله. ما هو؟ في تلك اللحظة قرع الباب ودخل
لبيب زويا، وسأله سعاده إذا كان قرأ المقال.
ـ مقال جيد يا حضرة الزعيم
وبان على وجه سعاده بعض التأفف. وأخذ يقرأ المقال بصوت عال ووصل إلى قول جورج
بأنه (أي الكاتب) اكتشف عبد الرحمن الكواكبي. وتوقف: "إذن جورج عطية هو الذي
اكتشف هذا الفيلسوف السوري، وهو أول من يكتب عنه"؟
وفجأة أدركت ما كان يرمي إليه. ليس جورج عطية بل هو الذي كشف عن أهمية الكواكبي
وأول من كتب عنه. وللحقيقة، فقد ذكره سعاده في عدد من مقالاته، وكان على جورج
أن يشير إلى ذلك".
قال سعاده في رسالته المؤرخة في 12 شباط 1949، أي قبل حوالي خمسة أشهر من
استشهاده: "نشرت (كل شيء) مقالا بقلمكم عن عبد الرحمن الكوكبي. ومن تصفّح هذا
المقال اتضح أنكم عالجتم الموضوع بصفة فردية بحتة، فلم يظهر فيه اثر للحركة
القومية الاجتماعية، ولا أي فضل لها في إحياء هذا التراث، ولا اثر لوجودكم فيها
وتعبيركم عن موقفها. وقد ذكرتم تجاهل الأدباء والمفكرين هذا المفكر الكبير، ولم
تذكروا، لا قيمة عمل الزعيم بالاهتمام به وإعطائه محله بين أقطاب الفكر السوري،
ولا فضل النهضة السورية القومية الاجتماعية في إحياء هذه القيم وإحياء شخصياتها
القومية. إن مثل هذه الكتابة يخدم المعارف القومية، ولكنه لا يخدم الحركة
القومية الاجتماعية التي تنهض بالتاريخ القومي وتوجهه نحو إحياء القيم الفكرية
القومية، بل يغمط حقها وفضلها".
وبالمناسبة، فإذا لم يكن جورج عطية، الذي أصبح فيما بعد رئيسا لقسم الشرق
الأدنى في مكتبة الكونغرس، أول من نوّه بنهضوية الكواكبي، فهو تابع درسه له
ونبشه لتراثه، لعل أطروحته المعنونة " نشوء سورية الكبرى وتطورها" خير دليل.
وبعد،.. لو أن الكواكبي، الذي استشهد في السابعة والأربعين، عاش حتى الثمانين،
لرد تحية سعاده، الذي استشهد وهو في الخامسة والأربعين، بأحلى منها، كأن يثني
على الكثير من آرائه الإصلاحية ومنها قوله "إن الحياة وقفة عز فقط". وقوله:
"كلنا مسلمون لرب العالمين. فمنا من أسلم لله بالإنجيل ومنا من أسلم لله
بالقرآن. ومنا من أسلم لله بالحكمة. وليس لنا من عدو يقاتلنا في ديننا ووطننا
إلا اليهود".
|