صدى النهضة السورية القومية الاجتماعية                      www.ssnps.jeeran.com
 

8 تموز:مؤامرة شاملة وتضحيات جمّة ووقفات عزّ

 

جان داية

 

لو وافق جلادو الثامن من تموز على طلب أنطون سعاده الأخير لكان زعيم الحركة القومية الاجتماعية أول شهيد في التاريخ يواجه الموت وهو مفتّح العينين. مع ذلك، فإن الساعات والدقائق واللحظات التي سبقت إطلاق رصاص الإعدام، قد حفلت بعدّة مواقف بطولية لعل أكثر ما يلفت فيها، على ما رواه لي الدكتور عبد اللّه سعاده أن دقات قلب سعاده كانت طبيعية قُبيل تنفيذ الإعدام، بحسب ما سجلته آلة الطبيب الذي تولّى فحص قلبه.

كان موقف أنطون سعاده الشجاع في ليل 8 تموز حلقة في سلسلة مواقفه المماثلة في الشجاعة، بدءاً من موقفه في المحاكمة الأولى التي جرت إثر انكشاف سرية الحزب، في كانون الثاني 1936، وقد ردّ خلالها كرة الاتهام إلى ملعب الحكومة الفرنسية عبر رئيس المحكمة والمدعي العام الفرنسيين، وهو موقف لم يجرؤ أي ثائر أو قائد سوري على اتخاذه خلال فترة الانتداب (1918-1943) باستثناء القائد العسكري يوسف العظمة.

ثم إن مسجّل تلك المواقف البطولية أو وقفات العزّ على حد تعبيره، كان مجموعة عبقريات حسب تحديد وتأكيد الأمين عبد اللّه قبرصي الذي أمضى ليلة عرسه في سجن الرمل لأن حفلة العرس كانت مقررة في 16 تشرين الثاني 1935 إحدى عبقرياته تمثلت في كتابه المبتكر "نشوء الأمم"، والثانية في "الصراع الفكري في الأدب السوري"، والثالثة في "الإسلام في رسالتيه" والرابعة في تأسيسه حزباً لم يكتف بنقد الطائفية كما هو حال سائر الأحزاب، بل حقق أعجوبة على حدّ تأكيد نقيب الصحافة اسكندر الرياشي وهي نجاحه في ممارسة المواطنية عبر آلاف الأعضاء المنتمين إلى سائر الأديان والطوائف والمذاهب. ومن مميزات القائد سعاده أنه رحل ولم يكن في جيبه أكثر من أربعمائة ليرة لبنانية، مما يؤكد على أن مناقبيته، ونظافة الكف أحد عناصرها، كانت المبدأ الأساسي التاسع إذا صح التعبير.

انطلاقاً من كل ما ورد من مآثر سعاده، وهي بعض مآثره الكبيرة والكثيرة، صار الثامن من تموز من كل عام مناسبة يحتفل بها القوميون الاجتماعيون والأصدقاء ببطولة سعاده وعبقريته. ومن المؤكد أن ما قيل وكتب حتى الآن في هذه المناسبة، وبخاصة حول أهداف الجريمة والمخطّطين لهاومنفذيها، يبقى دون المطلوب، خصوصاً وأن بعض حلقاتها ما زالت مجهولة. فسعاده ليس مجرّد قائد أو مفكر حتى يُكتفى بما قيل عنه. وفي ظني أن ذكرى الثامن من تموز في السنوات المقبلة، سوف تبقى حيّة وحافلة بالجديد، شرط أن يتبع المعنيون به وبخاصة الكتّاب المنهج العلمي، مع تجنب التكرار والإصرار على إيجاد المعلومة الجديدة.

ولكن الثامن من تموز ليس وقفة عزّ لرجل واحد، أو مؤامرة استهدفت قائداً فرداً. فالذين تآمروا، استهدفوا سعاده وحزبه وعقيدته والمؤمنين بها. وفي الأيام والأسابيع التي سبقت الليل الرهيب وتبعته، سجّل أكثر من قومي اجتماعي وقفة عزّ. فلماذا الإضاءة الخافتة على الشهداء الستة الذين أعدموا رمياً بالرصاص بعد إعدام سعاده بأيام، وبعضهم كان في ذروة الشجاعة، كما هو حال أديب الجدع؟ ولماذا التعتيم الكامل على الشهداء الأحياء، ومنهم ستة آخرين كان يمكن أن يعدموا أيضاً، وفي الوقت نفسه، لولا عدة اعتبارات، لعل أغربها، مادة الـ 6 و6 مكرر الطائفية. وإذا كان لكل قانون خاطئ بعض الحسنات، فإن للطائفية ومادتها السادسة المكررة حسنة واحدة، تجلّت في إنقاذ ستة شبان أبرياء من رصاص الظلم. فقد أصدرت المحكمة العسكرية قراراً بإعدام يوسف قائدبيه، مصطفى ملاعب، أديب الجدع، معروف موفق، خليل الطويل، عبد الحفيظ علامة، محمد شلبي، محمد زعبي، فايز زين، نصير ريا، سعيد حماد، عباس حماد. ولكنها لم تطلق الرصاص إلا على ستة منهم وهم: جدع، موفق، علامة، حماد (عباس) الشلبي، والزعبي. ولكن الستة الباقين يستحقون بامتياز، عبارة "الشهداء الأحياء" لأنهم كانوا على قاب قوسين أو أدنى من خشبة الإعدام فضلاً عن أن الحكومة كانت تملك أن لا تأخذ وبعين الاعتبار مادة الـ 6 و6 مكرر، وتمارس علمانيتها خلال لحظات إطلاق رصاص الإعدام. وإذا كان سعاده والفرسان الستة قد اغتيلوا بصورة رسمية، فإن اغتيال سعيد حماد ومحمد ملاعب وغيرهما قد تمّ خارج الشكليات الرسمية. وبالطبع، يحتل عساف كرم رأس لائحة شهداء الثامن من تموز بعد سعاده، وهو الذي قاوم حتى الرصاصة الأخيرة، مما حدا بالضابط الذي قاد الفرقة التي قتلته، أن يؤدي لجثمانه التحية الرسمية.

هناك أيضاً عشرات المسؤولين والمقاتلين من القوميين، الذي اعتقلوا أو الذين أفلتوا من الاعتقال، يقتضي التوقف عندهم، وتهجئة أسمائهم، وكتابة بعض العبارات عن مواقفهم الشجاعة، وبعضهم تولى مسؤوليات قيادية بعد الثامن من تموز. ولنتذكر على سبيل المثال من الموقوفين: أمين الحلبي، حسين الحلبي، أنطوان ناكوزي، فايز سري الدين، منير الشعار، عساف أبو مراد، سليم سعدو سالم، موفق زهرة، إياد موصللي، أدمون كركور، أديب قدورة، الدكتور عبد اللّه سعاده حسن الطويل، فؤاد أبي عجرم، كميل الجدع، إبراهيم يموت، جبران جريج، كامل حسان، خليل حلاوي، الدكتور رؤوف أبو الحسن، عجاج المهتار، رامز حنيف، يوسف المسالمي، ديب الشمعة، حسن التقي، جورج حمصي، جورج الحداد، أحمد حرب، عبد الكريم الخشن، محمد بلوط، فؤاد متى، أسعد جواد، حسن حمشو، شحادة كنير، حمادة أحمد.

كما نتذكر من الذين حكموا غيابياً، عبد اللّه محسن، عبد اللطيف كنفاني، عادل عجيمي، إبراهيم حنا الخوري، بشير فاخوري، الياس جرجي قنيزح، فارس معلولي، مصطفى عبد الساتر، أحمد حمود، شفيق ناصيف، فؤاد خليفة، عبد اللّه قبرصي وأنيس فاخوري.

تجدر الإشارة هنا إلى أن جميع الذين حكموا وجاهياً أو غيابياً، كانوا لبنانيين وفلسطينيين وشاميين، ومن كل الأديان والطوائف والمذاهب، وأن معظمهم لم يتجاوز الثلاثين من عمره… ناهيك بأن قسماً منهم، كان من حملة الشهادات الجامعية.

لم يكتف بشارة الخوري ورياض الصلح وبعض أهل الحكم آنذاك بإلحاق الظلم بمن تمّ اعتقالهم وإجراء محاكمة صورية بحقهم وإعدام حوالي العشرة منهم، وسجن الباقين، وبعضهم أمثال قائدبيه والمهتار، استمر في السجن بضع سنوات في عهد كميل شمعون الذي ساهم القوميون في صنعه، بل إن حملة التنكيل قد شملت آلاف العائلات القومية الاجتماعية عبر تسريح بعض الضباط والرتباء والجنود والموظفين الذين آمنوا بعقيدة سعاده. والموظفون الذين لم يسرّحوا، ومنهم العديد من المدرّسين، قد نقلوا إلى مراكز عمل بعيدة عن منازلهم وعائلاتهم. ولم ينحنِ معظم هؤلاء أمام الظالم ومنهم المدرّس الكوراني إبراهيم سليمان الذي نُقل من شمالي لبنان إلى صور، قد ساعده في عدم الرضوخ رفيقه في صور حسن مرتضى.

وبعد… كانت الأمم والحكومات في القارات المتقدمة تكرّم قادتها فقط. ولكن الحرب العالمي الثانية شهدت عملية تكريم جديدة شملت القائد المعلوم والجندي المجهول. والأخير لم يعد مجهولاً، فقد احتضنت اللوحات التذكارية اسمه وروت الكتب والصحف والمجلات والأفلام الوثائقية سيرته وبطولاته، فهل يجوز أن يقتصر تاريخ حدث 8 تموز على سعاده فقط، في الوقت الذي استهدفت مؤامرة الحكومة اللبنانية والحكومات الأخرى الداعمة لها، سعاده وحزبه، ناهيك بأن العديد من أعضاء الحزب قد سجلوا وقفات عزّ قلّ نظيرها؟!

www.ssnps.jeeran.com

إن جميع المقالات التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع