|
ذات فجر من صيف 1949 اغتال أهل الحكم في لبنان أنطون سعاده، ليصفوا قدرته على
تسريع الزمن، فتحول موته إلى لحظة أبدية حاضرة ، .. ومن يومها، ومع تعاقب
القضايا، بدا كما لو أن الزمن يلحّ علينا، إذ بدأنا نعاني من مأزق الدخول إلى
عهد جديد بعد أن كان سعاده قد أخرجنا من العهد القديم كأفراد وكان يهيئ أيضاً
لإخراج مجتمعنا برمّته، لكن ما حصل في ذلك الفجر كان حقاً جريمة بحجم الوطن.
إذا كان القرن العشرون هو قرن الإيديولوجيا، فأنطون سعاده هو رمزها الأوحد في
مشرق،وتبدو أهميته أكبر عندما نكتشف مدى إفلاس بعض الإيدويولوجيات، بينما
إيديولوجيّة سعاده ما زالت تمدّ الفكر السياسي والاجتماعي بجرعات كبيرة،
ويحتاجها الحوار الرصين حول القضايا والمبادئ، وتستعين بها الغايات، إذ لم
تقتصر على ظرفية المسائل.
وسرّ نضارة هذه الإيديولوجية في أنها حاذرت المفاهيم التوتاليتارية لصالح
العقلانية الشام، وسعاده هو أحد أهم المؤسسين لفكر الحداثة، إن لم نقل أنه
رائدها في العالم العربي، ورغم أنها لم تحتلّ موقعاً اصطلاحياً في أدبياته،
كانت واضحة في منهجه الفكري المؤسس على مبدأ التفاعل والوعي والصراع، وفي
تفكيكه لعناوينها حول مفهوم المواطن والهوية وشكل السلطة والديمقراطية. وفي
بلادنا، كثيراً ما يلتبس على المثقفين، وأحياناً المفكرين فيخلطون بين الحداثة
والتحديث، فالحداثة تنطلق من جدلية العلاقة بين الحرية والوعي التاريخي، وهي
جدلية تحمل خصوصية مشكلات الإنسانية في بعدها التاريخي، أما التحديث فهو تقليد
شكلاني لإنجازات الغرب، ويؤدي بأسلوبه الاقتباسي إلى تبعية تدريجية، بينما
الحداثة عند سعاده ترتكز على مفهوم الإنسان الجديد الذي هو المضمون الحقيقي
للاستقلال النفسي والفكري والاقتصادي والسياسي. وستبقى عناوين فكر سعاده حول
العقل والإنسان والتقدّم هي عناوين الصراع في هذا الشرق، ففي مجتمعنا المتنوّع،
مهما حاولت الأصوليات الدينية والفلسفية فإنها لا تستطيع أن توفر إجابات جدية
على هموم المواطن، بينما قدّم فكر سعاده إضافات فلسفية كبرى إلى مفهوم الدولة
القومية الديموقراطية. وهاتان المقولتان (القومية، الديموقراطية) أصبحتا الآن،
ليس همّاً مشرقياً فحسب، بل هما في صلب الحياة السياسية في الغرب أيضاً، ولا بد
لعناوين سعاده أن تنتصر في نهاية المطاف.
وإذ نجد خطاب الحداثة في مشرقنا متعثراً ومتراجعاً فلأن الخطاب القومي متعثر
ومتراجع وهنا تكمن عبقرية سعاده في تأليفاته الجوهرية بين خطاب الحداثة والخطاب
القومي اللذين شكلا عند سعاده قضية واحدة ممميزة في صيرورتها وسيرورتها. ولذلك،
فإن استعادة مفهوم الحداثة مرتبط مباشرة باستعادة الخطاب القومي.
أما استعانة سعاده بالعمق الحضاري والثقافي لأمتنا، لم يكن لإنتاج أصولية
منغلقة، كونه لا يؤمن بماضٍ كامل – كما يعتقد البعض – لكن تذكيره بمحطات مضيئة
في تاريخنا استهدف شرعنة مفاهيمه الجديدة التي جوهرها الإنسان، ورغم ذلك أسيء
فهمه عند بعض النخب، خاصة أولئك الذين صدمتهم حداثته فرأوا فيه ناقلاً لأفكار
تغريبية. بينما تجنب سعاده هذه النزعة حتى في مفرادته وتعابيره. ومضى إلى
استيلاد تعابير ومصطلحات جديدة أغنت علم السياسة وعلم الاجتماع وكافة العلوم
الإنسانية في أمتنا، ولعل أهم ميزات عقيدته أنها تنبثق عن منهج علمي، وهذه
العقيدة تمتلك خصائص وعناصر الحوار الفعلي مع العقل، وتميّزت عن باقي العقائد
التي عاشت نزاعاً حاداً مع العقل، فإيديولوجيته القومية الاجتماعية واضحة في
اعتبارها "العقل شرعاً أعلى"، وهي تضعه في موقع المرجعية الأساسية دون أن تقع
في تأليهه. وهي في الوقت ذاته تنقض مبدأ الوصاية عليه.
من هنا، اتسم مشروعه الفكري بتوازن غير توفيقي أو تلفيقي، كما بدا في قراءات
متسرّعة أهملت قاعدته الأساسية في تأليف بنية متكاملة. ورغم كل هذه العطاءات
الكبرى التي أمدت الفكر العربي نلمس لدى العاملين في حقول الفكر والسياسة نزعة
إلى تجاهل فكر سعاده، وغض الطرف عن تميزه النهضوي واختلافه عمّن سبقوه بهذه
الشمولية التي لم توفر ناحية من نواحي الفكر إلا واشتغلت عليها، لكن اضطهاده
كمفكر حداثي نهضوي من قبل النخب العربية كان لسببين : الأول، لارتباط مشروعه
الفكري بانتمائه إلى الأمة السورية، والثاني لعمله الدؤوب من أجل تجسيد هذه
الفكرة التي ما زالت تشكل تحدياً لكافة النخب النخب الثقافية إذ رأى بعضها
مؤخراً أنه لا سبيل للتقدم إلا باعتماد مفهوم النهضة بديلاً عن مفهوم الثورة.
إن إنهيار وسقوط معظم الأيديولوجيات الغربية التي سوقت لدينا في مستوى العقائد
الفكرية والسياسية، يملي على النخب الثقافية في العالم العربي استعادة فكر
سعاده عشية استشهاده لما لهذا الاستشهاد من رمزية ودلالة تطال مصير المعرفة في
هذا الشرق، ونحن بدورنا لا نحتفي بذكرى استشهاد سعاده لتعزيز ذاكرتنا الثأرية،
بل لأننا لا نقبل بالنسيان. فالنسيان لا يساعد على الشفاء من الأحداث. وحدها
الكلمة المحاورة والكاشفة عن حقائق الماضي تساعد على الشفاء. أما الكبت فيؤدي
إلى المزيد من الصدمات، ولا شفاء منها ألا بكشفها وإعلانها ومعالجتها، عندما
تصبح المواطنية ذات روح أقوى، وبها يتأكد تماسك الأمة.
إن استشهاد أي مفكر ظاهرة توجب على مثقفي بلادنا إيلاء مضمونها المزيد من
القراءة والتحليل، والمراجعة، فكيف إذا كان مفكراً من طراز أنطون سعاده ترك
قضية رسمت دروباً لا يستطيع أي مشتغل بمسألة حرية الإنسان والأرض إلا أن
يسلكها،.. وعلى القوميين الاجتماعيين إذا أرادوا لحزبهم ولعقيدتهم ونهضتهم أن
تكبر وتنتصر أن يستعيدوا روح سعاده مؤسس نهضتهم العظيمة التي يحار المرء في سر
تشكلها الرائع، هل هي التي صنعت العمل أم العمل هو الذي صنعها.
|