صدى النهضة السورية القومية الاجتماعية                      www.ssnps.jeeran.com
 

زارعوا الرياح

 
 منير حيدر

 

يعاني العمل القومي الإجتماعي إحباطا شديدا لم يعرفه ولم يشهده من قبل. هذا الإحباط لم يكن مفاجأة لنا؛ لقد راقبنا وشاهدنا عوامله وأسبابه وعانينا منها منذ وقت بعيد يعود الى بداية السبعينات.

كنا ندرك تماما أنه إذا لم يستطع العمل القومي الإجتماعي "ضبضبة" نفسه والعودة الى قواعده الأخلاقية والصراعية القومية الإجتماعية الأساسية، سيأتي يوم يصبح فيه هامشيا، هشا، محكوما بالعقم والفشل. لم يطل قدوم ذلك اليوم، فهو أتى منذ وقت طويل أيضا.

هذا الإحباط هو الذي يحوّل ما يفترض أن يكون عملا قوميا الى نوع من "زراعة الرياح" و يدفع بكثيرين من القوميين على مختلف إنشداداتهم، الى مواقف سلبية وتحركات لا تفيد العمل القومي ولا يمكن لها أن تفيد العمل القومي. إني أرى بقوة أن هذا النوع من العمل لا يؤدي إلا الى مزيد من التدهور والإفلاس.

 لقد دعوت القوميين سابقا في مقالة "الإنتاج مقياس العمل"، الى التركيز على العمل القومي الإجتماعي المنتج، وذكرت أن العمل القومي الإجتماعي المنتج، ليس بحاجة الى قيادات مركزية، بل أنه يستطيع أن يكون عملا قويا منتجا بإمتياز إنطلاقا من المتحد الصغير وبإمكاناته. فأي متحد صغير يستطيع أن ينتج إنتاجا قوميا رائعا إذا وجد فيه مبدعون وخلّاقون قادرون على العطاء، بسبب ما توفرعندهم من قوى نفسية وعقلية وثقافية عالية.

نحن لا نعترض على نشر ما ينشر هنا وهناك لأننا نخاف من نشر الغسيل الوسخ. أصحاب الغسيل الوسخ وحدهم يخافون من هذا الأمر. إذ أن الخطورة الأساسية لا تكمن في نشر الغسيل الوسخ، بل الخطورة، كل الخطورة، تكمن في وجود مثل هذا الغسيل الوسخ أصلا. كم يؤلمنا أن نرى أن هناك مواطنون يعرفون عن هذا الغسيل الوسخ، أكثر بكثير مما يعرفه كثيرون من القوميين أنفسهم. لكننا لا نرى كيف يمكن أن يقود مثل هذا النوع من الجهد والعمل الى عمل مفيد وكيف يمكن له أن يخدم القضية القومية الإجتماعية. ونحن حتما لا نوافق على اللغة واللهجة المستعملة في بعض الأحيان.

عندما نوجه كلامنا الى القوميين الإجتماعيين، إنما نفترض أن هناك قوميون إجتماعيون بالمعنى الصحيح، شرعهم الأعلى هو العقل، ومحركهم الأساسي للعمل القومي الإجتماعي هو القضية القومية الإجتماعية وتوقهم للنضال والجهاد من أجل تحقيق غايتها وإنتصارها. هناك كثيرون من الذين يسمون أنفسهم قوميين إجتماعيين وهم لا يملكون الكثير مما يخوّلهم إدّعاء ذلك. لذلك فنحن لا نتوجه فيما نكتب الى كل هذا المجموع الذي يقف تحت راية الزوبعة، إذ أن هذا المجموع يحوي الكثيرين من المهترئيين الفاسدين، بل نتوجه الى النخبة المخلصة، التي لا مصلحة لها سوى مصلحة العمل القومي، بدون إشراك أو إختلاطات.

هل يعتقد القوميون الإجتماعيون أن ما يقومون به الآن سيؤدي بهم الى أي تقدم أو مكاسب قومية من أي نوع؟ ما هي أهدافهم القريبة وكيف يعملون على تحقيقها؟ ما هي أهدافهم المتوسطة وكيف يعدون العدة لتحقيق تلك الأهداف؟ ما هي خطتهم وما هي عدتهم لتحقيق أهدافهم البعيدة؟

العمل القومي الإجتماعي ليس تسلية، وليس مضيعة للوقت، ليس موالاة وليس معارضة، ليس نشرا للغسيل الوسخ وليس إخفاء له، ليس إستزلاما لأشخاص ولا إنضباطا في مؤسسات عقيمة واهية. العمل الذي لا يخدم فعليا القضية القومية الإجتماعية هو عمل واه لا قيمة له.

لقد حاولت أن أنبه القوميين الإجتماعيين الى الحقائق التالية:

1 – أن ما يسمى بقيادة الحزب هي قيادة مفلسة منذ وقت طويل

2 – أن ما يسمى بقيادة الحزب هي قيادة غير شرعية، خلقتها ظروف الفوضى والعبثية، ونتجت عن عوامل العمالة والتناطح والتسابق والعربشة والقوطبه والإرتهان والتعيّش والإستزلام وتبادل المصالح الشخصية.

مقالات أخرى للكاتب

زارعوا الرياح
25 - 05 - 2006
حزب سعاده: حزب القضية القومية
23 - 05 - 2006
العنب المر
18 - 05 - 2006
الزاعقون في الشأن العام: الأميريكيون في ورطة
04 - 05 - 2006
كلام كبير
27 - 04 - 2006
التغيير:أهدافه وضرورياته
20 - 04 - 2006
عندما ينطق الغباء
18 - 04 - 2006
طحين القوميين وحريرهم: معطّلات العمل القومي
15 - 04 - 2006
مواجهة الإستبداد في الرأي
27 - 03 - 2006
الغناء بين الطواحين
19 - 03 - 2006
الحوار والطريق المسدود
05 - 03 - 2006
حتمية الإنفجار
26 - 02 - 2006
خلط الحابل بالنابل
17 - 02 - 2006
قلاعيط
15 - 02 - 2006
الإساءة الى الأنبياء
الدفاع عنهم

08 - 02 - 2006
نقاط على الحروف: لاعنو الظلام
29 - 01 - 2006
الإنتاج مقياس العمل
27 ـ 01 ـ 2006
الفتنة الآتية!!!
19ـ 01 ـ 2006
الى مواطنينا في لبنان
16-01 - 2006

سلاح الغدر
15 - 01 - 2006

ماكيافيللي، الحرب والأمراء الصغار: مشاهد من ذبح الوطن

1- كلمات الرعب الأولى

2- أجيال الشباب وأمراء الطوائف)

3 - حرب اللبنانيين الأقحاح

4 ـ ميكيافيللي يتقمص من جديد

مقالات الكاتب منير حيدر لموقع صدى النهضة السورية لعام2005

3– إن أي أمل في عمل قومي صحيح، يفرض أن يعمل القوميون الإجتماعيون الحقيقيون على توحيد عملهم وإعادة تأسيس الحزب من جديد على قواعده الأساسية التي وضعها سعاده، وأنشاء مؤسساتهم القادرة على حمل أعباء العمل القومي.

4 – إن التعامل مع هكذا قيادة سلبا أو إيجابا هو تعامل عقيم لا فائدة منه، ليس ذلك بسبب ما تتضمن من أصحاب الغسيل الوسخ، بل بسبب عقمها وإفتقادها الى الفهم القومي الإجتماعي الصحيح، وتحويلها العمل القومي الإجتماعي الى ثرثرة وهذيان لا يعبر بأي شيء عن القضية القومية الإجتماعية. فالقيادة التي لها حسابات غير حسابات القضية القومية الإجتماعية الشاملة، هي قيادة تختار وضع نفسها خارج العمل القومي الإجتماعي، وخائنة له. من يقرأ وقائع المؤتمر الصحفي الذي عقده علي قانصو، يدرك كم هو بعيد عن التعبير عن القضية القومية الإجتماعية. فبدل التكلم عن فلسطين والوطن السوري عامة الذي هو موضع تركيز العمل القومي الإجتماعي الشامل، يصبح الكلام عن مزارع شبعا وتحرير مزارع شبعا. ومن يفترض فيه أن يعبر عن القضية القومية الإجتماعية ويتعامل معها بشكل شامل يعتمد الأساسيات والمعطيات نراه يتكلم كسياسي من سياسي الزواريب اللبنانية.

5 – إن العلة الأساسية ليست في وجود أشخاص من صانعي الغسيل الوسخ، بل في العقلية الأخلاقية المسيطرة على كثيرين من مدّعي العمل القومي الإجتماعي. نحن لا نقبل المنطق الذي يقول إن هذا الشخص أو ذاك يستبد بالعمل القومي الإجتماعي ويمارس دكتاتوريته عليه، إذ كيف يمكن لأي شخص أن يكون مستبدا إذا لم يجد حوله جهلة يقبلون به ويتعاملون معه. المسألة هي أن العقلية الأخلاقية السائدة تقبل بالإستزلام والتعيش وتأمين المصالح الشخصية.

إن الأبداع القومي الإجتماعي يتمثل في تخطي ما يسمى قيادة حالية للحزب، ليس لأنها غير شرعية فقط، وليس لأنها لا تملك شيئا من المواهب غير القدرة على التعيش والإنتهاز وتأمين المصالح الذاتية، بل لأنه ليس عندها ولم يبق لها أي إمكانية في التعبير عن العمل القومي.

لماذا يغضب بعض القوميين عند سماعهم أن هذا الشخص أو ذاك قد منح رتبة الأمانة ولماذا يثيرهم هذا الموضوع؟ ألا يدرك هؤلاء أن رتبة الأمانة لا لم تعد تحمل أي معنى خارج المعنى الكاريكاتيري المضحك؟ إن غضبهم وإثارتهم إنما يدلان على أنهم لم يزلوا يأملون خيرا من هذه "القيادة" وإفرازاتها. إن هذا الأمر هو خطأ كبير من قبل هؤلاء. لقد عملت هذا القيادة على تدمير وتمييع الكثير من المفاهيم القومية الإجتماعية، لتحل محلها مفاهيم تعكس فسادها وجهلها وما تختزنه من عفونة وعقم.

قد يكون بين أعضاء هذه القيادة ومؤازروها، الطبيب أو المهندس أو الباحث أو بائع الكشة أو معاون البوسطة أو الحداد أو النجار أو المورّق(المليس) أو البلاط أو عامل التنظيفات، وهذا ليس مشكلة على الإطلاق، لكن الأمر يصبح كارثة عندما لا يستطيع الطبيب أو بائع الكشة أن يكون قوميا إجتماعيا قادرا على التعبير عن القضية القومية الإجتماعية والمحافظة على كرامتها. الفرد لا يحترم بسبب نوعية المهنة التي يمارسها، بل بسبب إجادته وإتقانه في ممارسة تلك المهنة. فالمهندس لا يحترم كمهندس لكونه حاملا شهادة الهندسة، بل في إجادته وإبداعه في ممارسة مهنته. ما يقال عن المهندس يقال عن أي عامل التنظيفات أو أي صاحب مهنة آخر.

أن يكون فرد من الأفراد ناجحا في مهنة من المهن، لا يعني بالضرورة أن يكون ناجحا في مسؤولية قيادة في حزب كالحزب السوري القومي الإجتماعي. ليس هناك ما يمنع بائع الكشة أن يصبح رئيسا للحزب، إذا ما كانت عند ذلك الشخص الثقافة والمعرفة والإرادة الصلبة والشجاعة المطلوبة لمسؤولية من هذا النوع. لكن أن يظن أحد أنه يستطيع أن يكون رئيس حزب ناجح لمجرد كونه بائع كشة ناجح أو طبيب ناجح أو أي صاحب مهنة ناجح، فهذا من الهراء الذي يجلب السخرية على صاحبه.

لذلك لم يدهشنا ويثيرنا عندما سمعنا عن شحنات رتبة الأمانة توزع هنا وهناك، بل أشفقنا كثيرا على الأشخاص الذين قبلوا بتلك الشحنات وأدركنا بؤس فهمهم وإداركهم لقضيتهم القومية الإجتماعية. هنا يختار الفرد أن يكون موضع سخرية بدل أن الأحترام الذي يملكه من خلال ممارسة عمله بصدق وإبداع وممارسة عضويته القومية الإجتماعية على قدر ما يملك من طاقة وأبداع، لا على قدر ما يظن أنه يملك من طاقة وإبداع.

إذا كان هناك فرصة حقيقية للعمل القومي الإجتماعي، فإن هذه الفرصة تكمن في أن يبادر القوميون الإجتماعيون الحقيقيون، الذي يملكون إخلاصا وإيمانا حقيقيا بالقضية القومية الإجتماعية، والذين يملكون حقيقة مواهب ومؤهلات حقيقية، إذا وجد مثل هؤلاء، الى العمل على إنشاء مؤسساتهم القومية الإجتماعية الجديدة التي تستطيع حمل أعباء العمل للقضية القومية الإجتماعية وتقدر عليه. أما التركيز على المماحكات والتراشق والحساسيات، فهي أمور لا يمكن لها أن تأتي بشيء مفيد.

فزارعوا الريح لا يحصدون سوى العاصفة.

 

www.ssnps.jeeran.com

إن جميع المقالات التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع