نشر الرفيق بشار فادار دراسة بعنوان:
"أزمة حزب أم أزمة تنظيم" (يمكن الإطلاع
عليها كاملة على موقع صدى النهضة)، أبدى فيها وجهة نظره في مسألة الحزب والأسس
الفكرية والفلسفية التي يقوم عليها، وضمنها رأيه في كيفية الخروج من حالة
التخبط التي هو فيها. وكان الرفيق غياث ضاهر (أعتذر عن إسقاطي عمدا للدرجة
العملية التي يحملها الرفقاء الذين أذكرهم في كتاباتي، فهي درجات حصلوا عليها
بجدهم وجهدهم ولا أحد يستطيع أن ينتزعها منهم، ولكني لا أرى لاستعمالها في
التوجه بين الرفقاء أي ضرورة أو غرض مساعد لفهم موضوع هذه الكتابات) قد أرسل
إلي الدراسة المشار إليها، متمنيا علي التعليق عليها، إغناء للحوار وتفعيله،
وإلقاء لضوء يمكن أن يساعد في التغلب على الظلمة الحالكة التي يغرق فيها الحزب.
هنا لا بد لي أن أثني على الجهد الذي يقوم به الرفيق غياث وغيره من الرفقاء
الذين يقدّرون أهمية الحوار وقيمته في العمل القومي، ويبذلون في سبيل حصوله وقتا
يمكن أن يستعملونه، بدل من ذلك، في العمل الشخصي والإفادة الشخصية.
لا بد أن أشير أيضا الى عدد من الرسائل الألكترونية التي وردتني من الوطن وعبر
الحدود، يعرب فيها أصحابها عن أسفهم لقراري السابق في التوقف عن الكتابة في
المسألة الحزبية، أو يتمنون علي إعادة النظر في ذلك القرار والرجوع عنه. بعضهم
تمنى علي الإستمرار في الكتابة ولكن بطريقة بناءة، إشارة الى بعض القساوة التي
تتضمنها كتاباتي عندما أكون أتكلم عما أعتبره فسادا أو عمن أعتبرهم فاسدين.
أخشى أن لا يكون بإستطاعتي إرضاء هؤلاء الرفقاء، ذلك لأني لا أؤمن أن أية عملية
بناء ممكنة بدون أن يهدم كل ما يعترض طريقها من خراب ودمار، وبدون ذلك تبقى
عملية غير مفيدة ومعرضة دائما للإنهيار. الى جميع هؤلاء الرفقاء الذين زودوني
برسائلهم وتشجيعهم وآرائهم، شكري العميق.
يمكن تعداد النقاط التي وردت في دراسة الرفيق بشار فادار كما يلي:
1. عرض مختصر للمشهد الحزبي العام.
2. تفريق بين ما هو حزب وما هو تنظيم ومؤسسات.
3. الأزمة هي في التنظيم وليس في الحزب.
4. سبب الأزمة أن القوميين فشلوا في أن يروا ويمارسوا البعد النهضوي للحزب
فكانوا متحزّبين بدون أن يكونوا نهضويين، كما بقوا محكومين من قبل فردياتهم
وأنانياتهم.
5. نتيجة لذلك كان الرابط بين القوميين رابطا مؤسساتيا وليس رابطا فكريا-روحيا.
6. كذلك أصبح همّ القوميين الدفاع عن التنظيم وأسقطوا ثقافتهم التي تتميز
بالهجوم لا بالدفاع.
7. عرض لمفهوم النظام والتنظيم عند سعاده والتفريق بينهما.
8. عرض لمفهوم المصالح في فكر سعاده والتمييز بين ما هو عام وخاص منها.
9. أهمية فكرة العطاء في عملة بناء المجتمع الجديد، تقابلها فكرة الأخذ والتملك
والإستحواذ التي هي من مقومات المجتمع القديم.
10. علاقة الفرد بالمجتمع.
11. مجتمع سعاده ليس مجتمع مساواة إجتماعية، بل مجتمع عدالة إجتماعية.
12. تحديده للمدرحية بأنها "التفاعل بين الشخصية الإجتماعية (الروح)، والبنية
الإجتماعية-الإقتصادية-السياسية (المادة)، وأي تغير في أحد طرفيها هو تغير في
كليهما معا.."
13. لا مركزية في الحزب السوري القومية الإجتماعي، بل هو أشبه بدوائرلا تتقاطع
تحضنها دوائر أوسع.
14. تفريق بين ما هو نظام وبين ما هو تنظيم.
15. نظام الحزب مركزي تسلسلي، لكن النظام ليس هو الحزب.
16. التركيز على فكرة المركزية في الحزب خلق إتكالية وساعد على تعطيل الإبداع
عند القوميين.
17. الحزب السوري القومي الإجتماعي هو حزب ديمقراطي بإمتياز، بينما يرسخ في ذهن
القوميين بأنه ليس ديمقراطيا.
18. في تفكير الحزب وفلسفته أن الديمقراطية هي التعبير عن إرادة الشعب بغض عن
الهيئة المعبّرة عن تلك الإرادة.
19. رأي في رتبة الأمانة وكيفية منحها، ورأي في إنبثاق المجلس الأعلى.
20. رأي في آلية إنتخاب رئيس الحزب.
لا أرى في أساسيات ومنطلقات الرفيق بشار فادار في دراسته الآنفة الذكر، أي ثغرة
للإعتراض أو التصويب أو الرفض؛ لكنه من الضروري أن أشير الى أهمية إعتماد الدقة
والحذر عند محاولة الشرح والتبسيط للأفكار، لأن ذلك قد يقود الى إفادات لا تخدم
الفكرة المرجوة وقد تتناقض معها. في دراسة الرفيق بشار عدد لا بأس به من
الإفادات التي تقع ضمن هذا الإطار، سأشير الى بعضها في سياق هذه المداخلة،
تاركا أي تناول شامل لها، لما قد ينشأ هناك من ضرورة يقررها مسار الحوار
مستقبلا.
قلت إنني لا أجد أي تناقض بين ما آراه من آساسيات في هذه الدراسة وبين فهمي
الخاص لهذه الآساسيات. لكن هذا لا يمنع من وجود إختلاف حول صوابية وصلاحية
القوالب التي توضع فيها الأفكار للمساعدة على شرحها وإستيعابها وفهمها.
المتوقف عند عنوان الدراسة يلاحظ أن الرفيق بشار يرى أن الأزمة هي في التنظيم
وليس في الحزب حيث يشرح لاحقا أنه هو ينتمي الى الحزب ولكنه خارج
التنظيم-المؤسسات. في هذا السياق أشير الى أنني سبقت وقرأت مقالة بعنوان: "حزب
سعاده لا يعرف الأزمات" للرفيق بشير موصلي، وقد أعتبرته حينها كلاما عاطفيا غير
مفيد. لا يخلو كلام الرفيق بشار من العاطفة الشخصية، لكنه أشار بدقة على تغليب
نظام الشكل من قبل غالبية القوميين وإهمال معظمهم لنظام النهج إهمالا كاد أن
يكون كليا. ما هو خلافنا هنا مع الرفيق بشار؟ الخلاف هو على الشكل أو القالب
الذي يضع فيه تصوره للأزمة وأسبابها، لا على جوهر هذا التصور.
من أهم شروط أي بحث هو تحديد الكلمات، كي لا يكون هناك تأويل خاص أو إجتهاد
يحيد عن المعنى المقصد أصلا. لذلك دعونا نضع أمامنا تحديد مفهوم الحزب السوري
القومي الإجتماعي كي نلغي الحاجة للإجتهاد والتأويل. قدم سعاده عدة أشكال
للتعريف بالحزب السوري القومي الإجتماعي، لكنها جميعا تحمل نفس الجوهر ونفس
المعنى؛ من هذه التحديدات:
الحزب "فكرة وحركة تعنيان بحياة أمة بأسره".
الحزب خطة نظامية.
لشرح هذا التحديد، أقتطف ما يلي من مقالة سابقة لي بعنوان:"في مفهوم الحزب":
"الحزب كفكرة هو حرب على الفرديات والأنانيات،
الحزب كفكرة هو حرب على القبلية كعصبية وكبنية جزئية تبقي الشعب في تباعد
وتناتف،
الحزب كفكرة هو حرب على العشائرية كعصبية لها دور مشابه للقبلية،
الحزب كفكرة هو حرب على العائلية كعصبية تشغل الفرد في نطاق تافه وضيق ومعطل،
الحزب كفكرة هو حرب على الطائفية من حيث هي فكرة مفسخة للمجتمع ولا علاقة لها
بموضوع الأيمان الديني،
الحزب كفكرة هو بناء الوعي عند المواطن ليدرك حقيقته ويعرف مكامن العظمة والسمو
في شخصيته وثفافته،
الحزب كفكرة هو تأسيس حياة جديدة على أسس مناقبية وأخلاقية جديدة مستمدة بما
تكون لنا وبما خلقنا من تراث ثقافي رائع عبر آلاف من السنين،
الحزب كفكرة هو دعوة للشعب للثقة
بالنفس والثقة ببعضه البعض ليحافظ على مصالحه ووجوده ويبني له مصالح جديدة يحصن
بها هذا الوجود ويجعله أكثر جمالا وأكثر قدرة على تلبية حاجاته النفسية
والمادية.
" أذا كان الحزب كفكرة هو حرب على المجتمع القديم المتوارث من عصور الأنحطاط،
فإن الحزب كحركة هي الأداة التي تحمل هذه الفكرة وتعمل على تحقيقها ونشرها
وترسيخها بين الناس وفي أذهانهم."
"ما هي الأسس الصحيحة للحركة وللخطة النظامية؟
الحزب كخطة نظامية هو حزب مؤسسات قبل كل شيء. المؤسسات لا تعني شأنا شكليّا
إعتباطيا لا يحمل منها الى الأسم، بل هي مؤسسات حية فاعلة قادرة على الفعل
والتأثير والخلق والأبداع. هي لا تقاس بأسماء القائمين عليها أو المشتركين بها،
بل بما عندهم من قدرات على العطاء والفعل وتحقيق العمل المطلوب منها وتأمين
وسائل دعمها وصمودها وإستمرارها. لا يكفي أن نطلق على تجمع من الأشخاص أسم
مؤسسة ليكون ذلك مؤسسة. المؤسسة التي لا تقدر على الخلق والأبداع والأنتاج، هي
كم مهمل وعقيم، لا قيمة له. الخطة النظامية لا تقوم ألا على مؤسسات فاعلة
ومتنوعة تتناول جميع شؤون الحياة الأجتماعية والأقتصادية والسياسية. عندما يقول
سعاده إن الحزب السوري القومي الأجتماعي هو الامة السورية مصغرة، لا يقصد بذلك
مجازا، بل يعني ان مجالات العمل الحزبي يفترض ان تكون متنوعة وشاملة تنوع وشمول
حياة المجتمع.
إذا كانت بعض مؤسسات الحزب المحركة والمشرفة والمخططة لأساسيات العمل الحزبي هي
شأن دستوري تحدد وتتوضح بدستور الحزب وقوانينه، فأن مؤسسات الخطة النظامية لا
تتوقف عند حدود هذه المؤسسات المذكورة."
إذا ما إعتمدنا هذا التحديد وهذا الشرح لمفهوم الحزب يمكننا الحكم على ما هو
ماثل أمامنا من أشكال تعمل تحت إسم الحزب وتحديد موقفنا منها. إنطلاقا من هذا
التحديد أقول إن هذه الأشكال تقف جميعا على مسافة بعيدة جدا من مفهوم الحزب كما
أراده سعاده. الحزب بهذا المفهوم لم يكن موجودا حتى في حياة سعاده. هو كان فكرة
وتوقا عند سعاده كرس حياته لتحقيقها وتحويلها الى حقيقة حية وفاعلة، لكنه
إستشهد قبل أن يستطع أن يحوّل تلك الفكرة الى الواقع الذي أراده لها. هو وضع كل
الأسس الصلبة للحزب وكان القدوة في العمل القومي وكيفيته ومتطلباته، لكن
القوميين بمعظمهم عجزوا أن يرتفعوا الى مستوى التوقعات ومستوى القدوة التي
أعطاهم أياها سعاده.
نحن (الرفيق بشار، أنا شخصيا، وآلاف الرفقاء غيرنا) إنتمينا الى الحزب بمفهومه
المحدد من قبل سعاده، ونحن نقول بإنتمائنا للحزب عملا منا وإصرارا من قبلنا
لإيجاد الحزب بهذا المفهوم. هذا يعني، على الصعيد الشخصي، بأن ليس لي أية علاقة
بما هناك من مؤسسات، عند هذه الجماعة أو تلك، ولست معني، كقومي ملتزم بحزبي،
بما يصدر عن تلك المؤسسات من قرارات أو أعمال. وهذا يعني أن عملي القومي ليس
مرتبطا بمدى قربي أو بعدي عن تلك المؤسسات، بل ينطلق من أيماني بالقضية القومية
الإجتماعية وإلتزامي بها، وهو يتخذ الشكل الذي يمليه علي فهمي القومي وأخلاقي
القوميين إلإجتماعيين. طبعا، هذا النوع من العمل القومي، على مبرراته وضرورة
إستمراره والمثابرة عليه، كون القضية المحركة له هي قضية حقة وحيوية، يبقى
محدود النتائج والفائدة إذا لم ينجح في المحصلة الأخيرة من الإرتقاء الى العمل
المؤسساتي بمعناها القومي الشامل. في المؤسسات وحدها يتمكن يأخذ أي جهد مبذول
أبعاده الحقيقة ويحقق نتائج أعظم يقصر عن تحقيق مثلها في حالة بقائه عملا
محصورا في نطاق الفرد.
الحزب إذا، هو حزب إدارة القضية القومية بشمولها وتشعباتها وجزئياتها، وهو
بالتالي حزب إنتصار هذه القضية وتحقيق مصالحها العليا النفسية-المادية. لا
يستطيع الحزب أن يقوم بهذه المهمة إذا لم يكن حزب مؤسسات. إن نعترف أنه ليس
عندنا مثل هذه المؤسسات هو غير فصلنا بين مفهوم الحزب ومفهوم المؤسسات.
والمؤسسات تقوم على النظام، والنظام في عرفنا القومي هو نظام النهج ومن ثم نظام
الشكل الذي يفترض تحقيق نظام النهج.
إذا، الحالة الماثلة أمامنا، ليست حالة قومية، وهي، في وضعها هذا، أعجز من أن
تخلق أي تأثيرإيجابي في مجرى الأحداث المتعلقة بشعبنا وأمتنا ووطننا. أي آمال
تبنى على مثل هذه الحالة هو نوع من السراب والإبتعاد عن الواقع. الزمن لا
ينتظر، والتاريخ لا يرحم، وأنياب الوحوش الكواسر تستمر في نهش وتناتش جسد شعبنا
وأمتنا ووطننا بلا توقف وبدون كلل أو ملل. أليس هناك من خجل أو عار عندنا، أن
نواجه كل ذلك ببدائية في التفكير والعمل وكأنه لم يكن لنا من سعادة قدوة في
الفكر والعمل والتضحية؟
نعم أنا أخجل من هذه الحالة التي يغرق فيها العمل القومي، وأرفض الإنتماء إليه،
لكن هذا لا يوقفني من محاولة التحريض والعمل على خلق الحالة القومية المطلوبة.
فالحالة القومية الماثلة أمامنا هي أسوأ مما كنا نعتقد. ليس من الكارثة بشيء أن
يكون هناك شخص فاسد أو مجموعة فاسدة بين القوميين. لكن الكارثة تكون حتمية
وشاملة عندما نرى الفساد أو الجهل أو التعامي عن الحقائق القومية، شاملة معظم
الجسم القومي. فالعلة ليس في قيادة يمتلكها العقم ويحركها الجهل، ولكنها في
كثرة تتقبل العقم وتتناغم مع الجهل. بالأمس فقط سمعنا أن قيادة أحد التنظيمات
الحزبية القائمة أساءت الى بضع عشرات من القوميين بمنحها أياهم رتبة الأمانة.
خطورة هذا الوضع ليس في كونه يعكس جهل تلك القيادة وعقمها وعجزها عن التصدي
للصغير من القضايا، فكم بالحري إمكانية تصديها للمسائل القومية الكبرى، بل في
تقبل القوميين لهذا الأمر، وبخاصة منهم، القوميين الذين منحوا تلك الرتبة. إذ
لم نسمع أيا من هؤلاء من أعترض على منحه رتبة الأمانة، موضحا وشارحا أسس تلك
الرتبة وشروطها، ومبينا لتلك القيادة كيف أنه أمينا مثل ما هو موجود من أمناء
أو عدم توفر شروطها به، داعيا إياها الى التراجع عن خطأها وعملها وتصورها
ونهجها.
من المسائل التي تناولها الرفيق بشار في دراسته مسألة المركزية في الحزب. وهنا
أيضا نختلف معه في الشكل لا في الجوهر. يمكن إختصار تصور الرفيق بشار لنظام
الحزب الشكلي بالرسم التالي:
من خلال هذا التصور يستخلص الرفيق بشار أن ليس هناك مركزية في الحزب السوري
القومي الإجتماعي. طبعا، إذا أخذ هذا التقرير في حرفيته يكون مثيرا للجدل كما
توقع الرفيق بشار نفسه، لكن من قراءة شرحه لفكرته، يتبين أنه لا يقصد ذلك في
الإطلاق وهو لا يخرج عن المفهوم القومي الإجتماعي لهذا الأمر.
نظام الحزب هو حتما نظام مركزي تسلسلي؛ وهو نظام لم يقصد به تعطيل العقل القومي
وخلق إتكالية عند القوميين ينتظرون معها أن توجيه كل عمل يقومون به وكل خطوة
يخطونها من قبل إداراتهم العليا. طبعا، نحن نوافق الرفيق بشار أن القوميين
سمحوا لنشوء مثل هذه الحالة عندهم حيث تحكمت في عملهم وقلصت قدرتهم على
المبادرة والإبداع.
المركزية هي من ضرورات كل نظام وكل دولة، أيا كان شكل الدولة. الدولة القومية
الإجتماعية ليست إستثناء. كل دولة لها مصالحها المتنوعة والمتعددة والمتشعبة
والمتفاوتة في درجات الحجم والأهمية. من هذه المصالح ما لا يجوز أن يعبر عنه من
قبل أفراد أو جماعات مهما كان وضعية هؤلاء الأفراد أو الجماعات السياسية أو
الإجتماعية. مصالح الدولة العليا لا يجوز التقرير بشأنها سوى من قبل سلطة معبرة
عن إرادة الشعب وتعرف حقيقة مصالحه. لكن الدولة أيضا عبارة عن متحدات تضم
بدورها متحدات متحدات تتناقص في الحجم وفي تنوع المصالح. هذه المتحدات الصغيرة
لها مصالحها الخاصة المتعلقة بشؤونها فقط، والتي قد تختلف بعض الشيء من متحد
صغير الى متحد آخر مشابه. القرار في شأن هذه المصالح لا يجوز بأي حال من
الأحوال أن يكون قرارا لسلطة الدولة المركزية، بل هو شأن تقرره سلطات المتحد
المعني نفسه. فالمركزية لا تعني ولا يجب أن تعني كما للأفواه وتعطيلا للإرادات
لصالح سلطة مركزية تكون حينها دكتاتورية غير معبرة عن إرادة الشعب. أي مفهوم
يعتبر أن كل القرارات بأي شأن، صغر أو عظم، هو من مسؤولية السلطة المركزية، هو
مفهوم خاطىء ومضر.
في الرسم الموجود أعلاه تمثل الدوائر الصغيرة المتحدات الصغيرة في المجتمع
(حزبيا تمثل مديرية أو مفوضية). لكل دائرة من هذه الدوائر مصالح نفسية-مادية
خاص بها والتقرير بشأنها هي من إختصاصها دون غيرها. عدة دوائر صغيرة تتوحد في
متحد أكبر له أيضا مصالحه النفسية-المادية الخاصة، والتقرير بشأن هذه المصالح
هي من إختصاص هذا المتحد بالذات. وهكذا دواليك حيث يتنامى حجم المصالح ويصبح
أكثر شمولا وأعظم أهمية ويكون من إختصاص المتحد الشامل أو الكامل الذي هو
الأمة-الدولة.
لأن الشيء بالشيء يذكر، كنت في زيارة للوطن قبيل الإنتخابات البلدية في لبنان
قبل الأخيرة. كانت تلك الإنتخابات موضوع الساعة بين "الرفقاء" الذين إلتقيتهم
في مديرية الشويفات. كان الحماس يغمر أولئك الرفقاء لكنهم على خلاف بين بعضهم
في من يجب أن يترشح منهم ومع من يجب أن يتحالفوا. لكن ذلك الحماس عندهم لم يطل
إذ زارهم عندها عميد الدفاع أنذاك الرفيق فارس ذبيان وأبلغهم أن قرار المركز هو
إلا يتدخل القوميون في الإنتخابات البلدية لأنها ليست مهمة والمركزلا يريد
إثارة الحساسيات المحلية. عندما جاء من أخبرني عن كلام الرفيق فارس ذبيان في
بيت المديرية، لم يكن مني من التأمل في مدى حالة الغباء والجهل والمحدودية التي
تلف ما يسمى بقيادة حزبية. ففارس ذبيان كان يتكلم عن الإنتخابات البلدية وفي
مديرية الشويفات بالذات تلك المديرية ألتي أوصلتها في عام 1973 أن تكون رقما
صعبا جدا في كثير من المجالات،بخاصة إنتخابات بلدية الشويفات، التي كان من
المفترض أن تجري ذلك العام ثم ألغيت بسبب حرب تشرين. كنا رقما صعبا في كل شأن
من شؤون ذلك المتحد ولم نخف من أية حساسيات بالرغم من مقاومة كل الإقطاعات
الطائفية والسياسية وبالرغم عنها.
المجلس البلدي في أي متحد، أكان قرية أو بلدة أو مدينة، كبر أو صغر، يملك
التقرير بشأن مصالح حيوية لذلك المتحد. وأي وحدة حزبية في ذلك المتحد معنية في
العمل والإجتهاد كي تكون مشاركة في القرار بشأن مصالح المتحد إذ لم يكن
بإمكانها الإنفراد في تلك القرارات. أليست تلك الوحدة هي المعبرة عن مصالح
المتحد وإرادة أفراده؟ أليس من وتلك الوحدة الحزبية أن تعمل وتجتهد لتكون هي
القوة القادرة على إتخاذ القرارات بشأن ذلك المتحد والتعبير عن مصالحه؟ لو كنت
مكان الرفقاء الذين إجتمعوا بفارس ذبيان لكنت طردته من ذلك الإجتماع إذا لم
أستطع أن أريه مقدار جهله وغبائه في مثل هذه الشؤون.
ليست المركزية علة من علل الحزب، بل العلة في طريقة فهم وممارسة المركزية. لقد
حاولت على مدى الأربع أو الخمس سنوات الماضية أن أبين أن علة الحزب ليس في
ديمقراطيته، ولا هي في عقيدته، بل هي في كيفية فهم هذه الديمقراطية وكيفية
ممارستها، ومدى الإلتزام بعقيدته وأخلاقياتها.
من مقالتي "نقاط على الحروف:أزمة حزب-أزمة أمه" والتي أردت أن تكون المقالة
الأخيرة في هذا الشأن، أقتطف ما يلي: "إن مجال المناورة عند القوميين أصبح
معدوما كليا، وأي تلكوء في إعطاء الوضع الإهتمام والتركيز والعمل الجدي، هو
هروب من المسؤولية القومية وإعتراف ضمني بالعجز والفشل."
لا زلت أقف عند هذا الرأي، وما زلت أعتقد وبقوة أن العمل القومي يعاني أزمة
خانقةا تتميز بالعقم والخفة والإتكالية والجمود وترقب الأحداث، بينما الأحداث
تجري بقوة وزخم، جارفة معها كل ما بقي عندنا من ثقة وتفاؤل وأمال.
إن مداخلة تتناول كل النقاط الواردة في دراسة الرفيق بشار فادار وتعطيها ما
تستحق من معالجة هو أمر صعب في هذه العجالة. لذلك سأحصر مداخلتي وبشكل مختصر في
إقتراحه لتخليص الحزب من الوضع الإنهياري الذي هو فيه. شخصيا أعتقد أن التركيز
على الآلية الشكلية للحل لا يقود الى أي نتيجة ذات فائدة. فكل ما كان سابقا من
حلول كان التركيز فيها على الآلية الشكلية دون الآخذ بالقواعد
الروحية-الأخلاقية للحل، لذلك كانت تلك الحلول تنتهي بخيبة أمل عند المهللين
لها. فالحزب لا يكون حزبا إذا لم يشكل المنضوون تحت لوائه وحدة روحية-أخلاقية
قبل كل شيء. أي حل عملي وثابت ومفيد غير ممكن إذا لم يكن نتيجة جهد الإرادات
الواعية والحرة والصلبة بين القوميين. عندما تقرر هذه الإرادات،إذا وجدت، ضرورة
إيجاد حل، وتعقد العزائم على أيجاد مثل هذا العل، وتباشر في التحاور والمناقشة
والدرس والبحث، عندها يمكن أن نرى حلا لهذه الأزمة وخروجا من هذا الواقع. غير
ذلك يبقى أي كلام مجرد كلام يضاف الى كلام.