|
سمعت باسمه قبل ان اتعرف اليه.
كان عبدالله قبرصي رفيقاً للمرحوم عمي المهندس سليم جحا في مدرسة دير البلمند
ثم في مدرسة الفرير في طرابلس في عشرينات القرن الماضي، لذلك كان يأتي الى
منزلنا في بشمزين قبل ان أولد، فأصبح صديق العائلة – وهكذا نشأت وانا اسمع
باسمه يتردد في بيتنا قبل ان اراه. ثم اصبح الاستاذ عبدالله قبرصي صديقاً لي
ولنفر من اصدقائي، وهو صديق وفيّ، خلق ألوفاً مثل ابي الطيب المتني القائل:
خلقت ألوفاً لو رجعت الى الصبا
لفارقت شيبي موجع القلب باكياً
وهو خلوق ودود قريب من الناس يصحّ فيه قول الشاعر:
كأنك من كلّ القلوب مكوّن
فانت الى كل الأنام حبيب
وكنت أسمع زوج خالتي يروي كيف خبّأؤه في منزلهم في قرية عفصديق في "المتخت" حين
كان مطارداً اواسط ثلاثينات القرن الماضي والدرك يبحثون عنه في مناطق الكورة،
يومها كتب كتابه الرائع "مصرع السمّنة" الذي كتب له ميخائيل نعيمة عام 1944
يقول عنه: "من زمان ما قرأت كتاباً بمثل اللذة التي قرأت فيها كتابك "مصرع
السمنة"... لقد جعلت من مصرع السمنة مأساة تكاد تكون مأساة البشرية بأجمعها.
وجعلتني اتمنى لك معتقلاً آخر – ولكن من غير طراز الميّة وميّة، لعلك تنفحنا
بتحفة ثانية من مرتبة "مصرع السمنة أو أسمى".
عام 1995 اقام اتحاد الكتاب اللبنانيين تكريماً له لمناسبة بلوغه الخامسة
والثمانين قلت فيه كلمة كان عنوانها "طفل في الخامسة والثمانين": "قصير القامة،
طويل الباع، قوي الصوت، ضعيف السمع، جريء في قول كلمة الحق، كريم اليد، كريم
النفس، محمود الصفات، محبّ للناس، وفيّ لاصدقائه. يحمل هذا الكوراني العنيد على
كتفيه نضال حزب ستين سنة. محام بارز، واديب وشاعر، متواضع لا ينتفخ، ألوف انوف
بقي في عصر التهافت والتزلّم والتزلّف محافظاً على كرامته واصالته... متمرد،
معارض، مشاكس، مشاغب وثائر ولو لم يكن كذلك لما كان عبد الله قبرصي". هذا
اليتيم العصامي بنى نفسه بنفسه عجنته الحياة فخبزها على نار تجاربه، عانى
الحرمان والعذاب. حياته كفاح ونضال متواصل. بدأ حياته يتدرب باكراً على السجون.
فالطموح بالنسبة اليه كان بمثابة مهماز يدفعه الى المثابرة والمكافحة وتخطي
الصعاب، فهو لم يولد وفي فمه ملعقة من ذهب ولا حتى ملعقة من خشب!
في رأس بيروت وجد حبين بدلاً من حب واحد لازماه طيلة حياته: حبه لجورجيت بربر
الفتاة التي أسرت فؤاده واصبحت زوجته وانطون سعادة الذي سلب عقله فأصبح من
اوائل المنضوين تحت لواء الحزب السوري القومي الذي أسسه الزعيم عام 1934. وفي
16 تشرين الثاني عام 1935 دخل السجن ليلة عرسه مع الزعيم وباقي العمد والاركان
والرفقاء بعدما انكشف امر الحزب. وخرج من السجن وهو يحمل في جيب سترته مرسوماً
موقعاً من الزعيم بتعيينه زعيماً بالوكالة. وقد عين الزعيم نواباً له في ما
بعد، ولكنه الوحيد الذي عُيّن زعيماً بالوكالة. ولكن زوجته اخذت من جيب سترته
هذا المرسوم واحرقته قائلة له: "الا يكفيك انك امضيت شهر العسل في السجن"، ولكن
الحزب في دمه. ثم اخذ يتدرج في تولي ارفع المناصب.
يروي عبدالله قبرصي سيرة حياته وسيرة حياة الحزب في اربعة اجزاء، كتبت انا
مقدمة الجزء الثالث الذي صدر عام 1996، وهو يقول عن حياته الحزبية: "كنت اول
عميد للاذاعة ثم اول نائب للزعيم، لقد اشتركت معه في صياغة دستور الحزب كما
دخلت معه سجن الرمل ليلة عرسي على أثر انكشاف حزبنا فتزوجت السجن!
ثم كنت رئيساً لمجلس العمد، ثم عضواً في المجلس الأعلى، ثم رئيس هذا المجلس
لدورات عدة، ثم عضواً فيه، الى ان خف سمعي عام 1984 فامتنعت عن ترشيح نفسي، دون
ان اقبل بالتقاعد لأني قررت ان اموت على صهوة حصاني لا تحت حوافره".
بتاريخ 19/9/1990 كتبت مقالاً في جريدة "النهار" بعنوان "الدولار" – بعدما جن
جنونه ووصل من جراء المضاربة الى ما يقارب الـ3000 ليرة لبنانية، فيما كان أقل
من 3 ليرات قبل الحرب الاهلية اللعينة – اهاجم فيه المسؤولين والمضاربين الذين
يتاجرون بدم الشعب ولقمة عيشه، وأدعو فيه الى الثورة والعصيان وقطع رؤوس
المضاربين... واذا بالاستاذ عبدالله يأتيني لاهثاً ملهوفاً يطرق باب بيتي،
فتحت، وإذ به يقول لي: أنت ما زلت في البيت؟! فاجبته: "أين تريدني ان أكون؟"
قال: "في السجن! وانا جئت للسؤال عنك وللتقدم بطلب اخلاء سبيلك". فقلت له:
"ولماذا تعتقد أني يجب ان اكون في السجن؟" قال: "لأن ما كتبته في جريدة
"النهار" عن "الدولار" يعاقب عليه القانون وخفت ان يكونوا قد ساقوك الى السجن!"
فضحكت واردفت قائلاً: "أوَ ليس ما اقوله صحيحاً؟" قال: "بلى". قلت: "ولماذا
يسجن من يقول الحقيقة؟". وانت يا ابا صباح قد امضيت سنوات في السجون والمنافي
منذ عهد الانتداب وحتى عهد الاستقلال هل خفت السجن؟! ما كان السجن لك ولامثالك
سوى المظهر الذي يصهر النفس فينقيها من شوائبها.
كان عبدالله قبرصي يكره الحر كما كان يكره البرد. في الصيف وفي شهر آب اللهاب
كان يمضيه في أوتيل غابة بولونيا. وكل سنة كانت شلتنا على موعد معه على الغداء
في "مقهى الغابة" فلبى دعوته: المرحومون الدكتور علي سعد والدكتور حليم بو عز
الدين والدكتور نقولا زيادة وانا وكان يسمعنا من نظمه ويحدثنا عن شؤونه وشجونه،
عام 1961 على أثر الانقلاب الفاشل الذي قام به الحزب تخفى في بيروت متنكراً في
شقة في احدى البنايات التي يسكن فيها فوقه وتحته ضابطان من الجيش كان حراسهما
يؤمنان له الحماية دون ان يعرفوه وهو المطلوب من الجيش حياً او ميتاً. ثم عبر
الحدود اللبنانية – السورية الشمالية في سيارة أجرة رفع مقعدها الخلفي فتمدد
تحته وجلست فوقه سيدتان وولدن، فكان كلما سقطت السيارة في حفرة، وما اكثر الحفر
- غرزت رفاصات المقعد في بطنه وجبهته التي سال منها الدم. ولولا احداث ثقب في
هيكل السيارة لكان مات مختنقاً! دون ان ينكشف أمره رغم تجاوزه 18 نقطة تفتيش
حتى بلغ الحدود الاردنية سالماً بعدما كاد قلبه ان ينقطع! ومن عمان سافر الى
فنزويلا حيث أنشأ مجلة "النعرة" وعمل رئيساً في مصنع، كان سفير لبنان في
فنزويلا صديقه السفير فريد حبيب ابن كوسبا ولكن السفير لا يمكن ان يتصل به فيما
الحكومة اللبنانية تطارده وهو محكوم بالاعدام! كان عبدالله يتصل بالسفارة ويعطي
اسماً مستعاراً مخافة ان يورط السفير في مأزق!
كتب عبدالله قبرصي مذكراته وله ديوان شعر وكتاب "نحن ولبنان" الى "مصرع السمنة"
اول كتبه. حبذا لو كتب ذكرياته عن المحاماة ورعيل من كبار المحامين أيام
العدلية القديمة قصصهم ونوادرهم. ويروي لنا صولاته وجولاته في قصر العدل. حدثني
يوماً انه استطاع تبرئة متهم ودليله كان "عقب سيجارة" ومرّة كانت "الشعرة" هي
الدليل القاطع على التبرئة. فله اشعار ومقالات غير منشورة. يجب جمع نتاجه
الادبي لئلا يضيع.
في سنواته الاخيرة غالباً ما كان يردد قولاً لشارل ديغول: "الشيخوخة مرض" La
Vieillesse est une maladie" هي الشيخوخة التي صرعت السمنة فهوت السنديانة
الكورانية العاتية فكان آخر ثلاثة تبوأوا أعلى المناصب في الحزب السوري القومي
من ابناء الكورة: الدكتور عبدالله سعادة ابن اميون، وجبران جريج ابن بيترومين،
وعبدالله قبرصي ابن دده، اعطوا الحزب كل ما يملكون ولم يأخذوا منه غير الشقاء!
في كلمة القاها لمناسبة تكريم الحركة الثقافية/ انطلياس له في 4 آذار عام 1991
قال: "إني مؤمن وواثق ان زهوراً واعشاباً خضراء ستنبت فوق ضريحي، يخط عليها ندى
الفجر الربيعي بقلمه الخفي: هنا يرقد رجل المحبة".
فيا ابا صباح لقد وفّيت قسطك للحياة فنم هنيء العين.
|