صدى النهضة السورية القومية الاجتماعية                      www.ssnps.jeeran.com
 

مقومات الأمة عند سعاده

 

 ماهر الهناندة

 

تعد الأمة المفهوم الإيديولوجي الأول الذي انطلق منه معظم المفكرين القوميين للإجابة عن سؤال الهوية كونها السؤال الأول في بناء النظرية القومية، لا سيما في الدول التي واجهت تحدياً استعمارياً في القرن العشرين، ومنها الوطن العربي الذي حفل بجملة من الظروف الموضوعية والذاتية التي رافقت انهيار الدولة العثمانية وتفككها وخروجها من دائرة الفعل التاريخي، مخلفة دويلات هشة متخلفة وفقيرة في مختلف نواحي الحياة، وقد تنازعتها عدة انتماءات وفقدت هويتها التاريخية، فقد ذهب سعاده إلى أن القومية أصبحت "دين البشرية في العصور الحديثة وتخطت شخصيتها القومية الفعالة على شخصية الدولة" (131:1).

ولما كانت هذه الدولة مسرحاً للصراع الاقتصادي والعسكري والسياسي والثقافي والإيديولوجي، فقد انعكس هذا الصراع بأطروحاته الغربية على تفكير مفكريها وقادتها في أطروحاتهم ومشاريعهم في فهم هذا الواقع، فكانت القومية بتعييناتها وتطوراتها الغريبة، هي إحدى هذه الأطروحات إذ لا نجد إحالة واضحة إلى تعييناتها العربية أو الإسلامية عند عدد من مثلي الحركة القومية أو العربية أو السورية على الرغم من تعداد تعييناتها ومعانيها في هذه الحضارة، سواء أكان في النص القرآني، أم عند مفكرين مسلمين أمثال الفارابي، والمسعودي، والغزالي، والماوردي، والشهرستاني وابن خلدون، وغيرهم، بالرغم من أن جل هؤلاء المفكرين يأخذون بالمعنى الاجتماعي ولا يعبئون بالمعنى الديني، على حين يرى د. ناصيف نصار أن كلا المعنيين

"يتدخلان ويتساندان بحيث أن ما يفتقر إليه المعنى الديني من تجاوب وتطابق الواقع القائم يوفره بشكل ما المعنى الاجتماعي التاريخي، وأن ما يفتقر إليه هذا الأخير من عمق تراثي ودفع صوفي يقدمه المعنى الديني بشكل صريح أو ضمني" (2،14).

غير أن معظم هؤلاء المفكرين يؤكدون أنها مفهوم اجتماعي متغير بتغير علاقات المجتمع فقد عدّها سعاده مفهوماً ثورياً دينامياً وليست مفهوماً تراكمياً (17:3) كونها "مجتمع موحد على قاعدة إسقاط التناقضات وأنظمتها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية الفاسدة (17:3) فهي "واقع اجتماعي بحت" (135:1) كونها مظهر من مظاهر الاجتماع البشري، ومن هنا يؤكد أهمية الصراع التاريخي الذي تخوضه الحركة التاريخية التي يجب أن تكون "حركة صراع وتقدم لا حركة استسلام وخناعة، إنها ليست مستعدة للتنازل، بل للانتصار" (168:1).

وقد انطلق هؤلاء المفكرون في تحديد شكلها ومضمونها وشروط نشأنها تبعاً لمرجعياتهم المعرفية والإيديولوجية فكنا أمام القومية العربية انطلاقاً من الأمة العربية والقومية السورية انطلاقاً من الأمة السورية التي تبناها سعاده والتي يحدد هويتها ومضمونها وحدودها الجغرافية بقوله.

وعن تحديد هوية الأمة ومضمونها وحدودها الحرابية يجيب سعاده:

"نحن سوريون ونحن أمة واحدة"، "والسوريون أمة تامة"، "وسورية للسوريين".

كيف أجاب سعاده عن هذه الأسئلة؟

إن كتاب نشوء الأمم الذي أصدره سعاده عام 1935 يجب عن هذه الأسئلة. فقد انطلق سعاده في تحديد الأمة من مفهوم التكوين الاجتماعي أو "المتحد الاجتماعي" الإنساني الذي يتميز به الأفراد عن بعضهم البعض، كما تتميز المتحدات الإنسانية عن المتحدات المختلفة للكائنات الحية، فالتكوين الاجتماعي هو ضرورة اجتماعية لتلبية حاجات الإنسان المادية والمعنوية ومن هنا يقول سعاده "الأمة متحد اجتماعي أو مجتمع طبيعي من الناس قبل كل شيء آخر" (165:1)، ولا يعد سعاده الاجتماع الإنساني أمراً مطلقاً أو اختيارياً لمجرد اشتراكهم في صفة الإنسانية، ذلك غير صفة الإنسانية لا يعني "أن الإنسانية مجتمع بشري واحد فيه الاجتماع بمجرّد الإنسانية" ومن هنا يأخذ سعاده بتعريف مكيور للمتحد "فهو كل مساحة تشمل على حياة مشتركة وتكون متميزة عن المساحات الأخرى تميزاً لا تصلح بدونه تسمية المتحد" (138:1).

وإذا كان التعريف الأخير لا يقدم تحديداً جامعاً ومانعاً للأمة عن غيرها من المتحدات الاجتماعية المتنوعة القائمة بذاتها، فإن سعاده يحدثنا عن ما تسميه المتحد الأتم "فالأمة أكمل وأوفى متحد" فصفات المتحد تنشأ وتتكون "من حياة جماعة مشتركة لها حدود" (36:1).

ويعد سعاده من المفكرين الذي عنوا عناية خاصة ببناء النظرية القومية باعتبارها جوهر النهضة، التي تعني الخروج من حالة التخبط والبلبلة والتفسخ الروحي والعقائدي، إلى عقيدة صحيحة وواضحة تعبر عن جوهر نفسيتنا وشخصيتنا القومية الاجتماعية ونظريتها إلى الحياة والكون والإنسان إنها "الخروج من التفسخ والتضارب والشك إلى الوضوح والجلاء والثقة واليقين والإيمان، والعمل بإرادة واضحة وعزيمة صادقة" (1:3-6).

وسعاده يحذر من تضارب الآراء المتناقضة واستثمارها في بناء الأحزاب تحقيقاً للمصالح الخاصة لأن ذلك يسير بالمجتمع نحو الفناء ولا يكسبه "جو الوحدة والانطلاق" (100:1) لأن هناك ألوفاً من المتحدات تبدو متناقضة تناقض المصالح الإنسانية داخل المتحد القومي، ويجب أن تشكل في مجموعها وحدة "يقيم أفرادها التجانس العقلي والتجانس في الهيئة والمظهر، هذا التجانس الذي هو أكبر وأقوى الفوارق الجزئية، وشرط كل متحد ليصبح ما نسميه متحداً أن يكون تجانسه أقوى وأكثر من تباينه" (141:1) وهنا نجد تحديداً آخر للأمة، إنها "جماعة من البشر تحيا حياة موحدة المصالح، موحدة المصير، موحدة العوامل النفسية، المادية في قطر معين، يكسبها تفاعلها معه في مجرى التطور، خصائص ومميزات عن غيرها من الجماعات" (65:1).

وبالرغم من أن سعاده يعد دراسة الأمم درساً اجتماعياً لا درساً سياسياً فإنه يعد العنصر السياسي هو ما يميز متحد الأمة عن المتحدات الأخرى فهو عنصر قوي موجود في الأمة معقود من المتحدات الأخرى، "فالكلام عن الأمة يكاد لا يخلو من عنصر القومية أو الوطنية أو من الأغراض السياسية" (147:1).

كما يؤكد سعاده على الطبيعة الإيديولوجية والنسبية في فهم وتحديد الأمة، حيث يلجأ كل مفكر إلى تحقيق التوافق مع ظروف أمة، ليكسبها مقومات قومية، فيبحث عن حقيقة تاريخية أو نزعة دينية أو سلالية لتحقيق ذلك، وهذا التنازع لا يقتصر على مفكري أمة وأمة أخرى، بل يتناول مفكري الأمة الواحدة، "إن تحديد الأمة قد يتعرض للتأثر بعوامل العقائد والأغراض قبل أن تتجلى في الذهن حقيقة الواقع الاجتماعي فالأمة الفرنسية التي بقيت هي، كانت أولاً بعيداً ثم سلالة ثم أصبحت وطناً" (149:1).

وسعاده إذ يبحث في عمليات التطور الاجتماعي ونشوء الأمم، يؤكد أهمية تطور الشخصية الفردية والشخصية الاجتماعية، حيث يعد الأخيرة "أعظم حوادث التطور البشري شأناً وأبعدها نتيجةوأكثرها رقة ولطافة وأشدها تعقيداً كونها "مركب اجتماعي ـ اقتصادي نفساني يتطلب من الفرد أن يضيف إلى شعوره بشخصيته، شعوره بشخصية جماعته، وأمته، وأن يزيد على إحساسه بحاجات مجتمعه، إحساسه بحاجات مجتمعه، وأن يجمع إلى فهمه نفسه فهمه نفسية متحده الاجتماعي، وأن يربط مصالحه بمصالح قومه وأن يشعر مع ابن مجتمعه ويهتم به ويود خيره، كما يود الخير لنفسه"(14:1).

ويستند سعاده في فهم تكوين الشخصية الاجتماعية وتميزها إلى عمليات التماثل والمزج الحضاري، حيث يعد الأخيرة "عاملاً أساسياً جوهرياً في إعطاء الأمة صفتها، حقيقة طبيعتها وأسباب مواجهتها في التي تظهر في أفعالها مجرى التاريخ" (83:4). وهو يرى باستحالة وجود السلالة النقية إلا عند السلالات المنعزلة التي استطاعت أن تتجنب عمليات "المزج الدموي، وتفقد الجماعة وحدتها السلالية الدموية "وهو أمر لم يتحقق حيث سهلت العوامل الجيولوجية والجغرافية توالي الارتحالات" هنا تلاصقت السلالات وتمازجت بعامل الثابت في الأرض والعكف عليها، الذي هو أصل العمران وسبب المدنية" (57:1).

أما اليهود فقد احتفظوا بهويتهم من حيث هم مذهب ديني وأقد أكسبهم دينهم الشخصي عصبية لا تلتبس بالقضية القومية إلا على البسطاء والمتفرجين "إنهم ليسوا أمة أكثر مما هم سلالة وهم ليسوا سلالة مطلقاً، إنهم كنيس وثقافة" (155).

إنه سعاده يقول: "ليست لأمة من الأمم أصل سلالي واحد حتى ولا أصل شعبي واحد، إذ أردنا أن نعود إلى الأصل الفيزيائي والتاريخي" (15:1) والأصل الإنساني الوحيد كما يرى هو: "وحدة الحياة على تعقب الأجيال وهي الوحدة التي تتم دورتها ضمن القطر. المزيج المتجانس أصلاً كان للأمة، وهذا المزيج هو ما يعبر عنه أحياناً بلفظ السلالة" (158:1)،. ذلك أن "الاشتراك في الحياة يولد اشتراكاً في العقلية والصفات، فالعادات واللهجات والآراء، وعدم الاشتراك في الحياة يوهي أشد الروابط متانة كالرابطة الدموية" (138:1).

من هنا كان المجتمع العصري الإنساني المتمدن "نتيجة أو حاصل الثقافات المتوالية على الإنسان التي ولدها التفاعل المستمر بين الإنسان والبيئة" (65:1) وينطلق سعاده من هذا الأصل في تحديد أركان وشروط نشأة القومية المعاصرة، فيقول: "كل ميزة من مميزات الأمة أو صفة من صفاتها تابعة لمبدأ الاتحاد في الحياة الذي منه تنشأ العادات والتقاليد واللغات والأدب والدين والتاريخ" (165:1)، وهو ينتقد النظريات الفرنسية والألمانية والاقتصادية والدينية في تحديد الأمة تحديداً قبلياً أو لاتاريخياً، أو حسب صفاتها الثابتة، وينتقد أطروحاتها في هذا المجال، وهذا ما ذهب إليه رينان الذي أكد الطابع الروحي للأمة بقوله: "ليس تكلم المجال لغة واحدة أو الانتساب إلى مجموع شعبي واحد هو ما يؤلف الأمة، بل تكوينها الاشتراك في فعل أمور عظيمة في الماضي والرغبة في فعلها في المستقبل" (150:1). وسعاده كما أسلفنا ينطلق من وحدة الحياة والمصلحة إضافة إلى أهمية الأرض باعتبارها شرطاً أولياً للحياة، فالأمة توجد وتحيا وتكتسب شخصيتها القومية والنفسية بتفاعلها مع البيئة التي تعيش معها، إن الوطن وبريته هما أقوى عناصر هذه الظاهرة النفسية الاجتماعية التي هي القومية"، وهو يقر بأهمية الوحدة السياسية واللغة والدين والتاريخ المشترك وحدة الثقافة والعادات والتقاليد، غير أنه يعدها صفات للمتحد ونتاجاً لتفاعلاته، وليس شرطاً لنشأنه، وهو ينتقد القائلين بتحديد المتحد بناءً على صفاته بصرف النظر عن حدود المساحة والاشتراك بالحياة ويعدها من الأخطاء التي أدت إلى كثير من البلبلة والهذر" (141:1) فهذا التحديد ينافي الواقع ويحول دون الحديث عن حقيقة تطور الشخصية الفردية والاجتماعية نتيجة الاشتراك في الحياة وما يرافقها من عمليات تماثل ومزج حضاري، فهي تحدد الأمة تحديداً قبلياً، فالقول بالصفات الثابتة "يحتم على المشتركين في مجموعة معينة أن يكونوا متحداً خاصاً بهذه الصفات كل التحديد، أو يحتم عليهم الدخول في متحد بشري عليه صفات تتميز عن صفاتهم، ويكون الاختلاف في الصفات بمثابة اختلاف طبيعي وراثي …" (149:1) وهو يرى أن الأمر غير ذلك، فالسوري الذي يهاجر إلى أميركا يدخل بحكم المعيشة المشتركة في المتحد الأميركي، حيث "تتبدل صفاته الخاصة ويكتسب صفات المجتمع الأميركي الخاصة" (149:1)، فاللغة والدين والعادات والتقاليد هي من الأهمية في حفظ وحدة الأمة وتماسكها ودورها في البناء الحضاري والتفاعل الإنساني لكن أياً منها كما أسلفنا فلا يكون سبباً ضرورياً أو كافياً في تشكيل الأمة وإنما نتيجة من نتائجها.

فاللغة وسيلة من وسائل التخاطب والتفاهم الإنساني وهي "وسيلة من وسائل قيام الاجتماع"..ولكنها "أمر حادث بالاجتماع في الأصل.. لأن الاجتماع أمر حادث باللغة" (109:1).

وتبدو أهمية اللغة من خلال الدور الذي تؤديه في حياة الأمة فهي حاملة للميراث الأدبي للأمة وتكسب الأمة تماسكها، كما تعبر عن روحيتها وحفظ مثلها العليا، غير أن سعاده لا يعول كثيراً على كون اللغة خاصة بأمة من الأمم، لأن المهم كما يقول "هو ما تحمله من صور حياتها وحاجاتها النفسية والمادية، وما هو من خصوصياتها، لا أشكال ألفاظها القاموسية" (160:1). فإذا كان من الضروري أن تنفرد بها، فالمهم في اللغة للأمة، هو: "الأدب الذي تنشئه هذه الأمة ليعبر عن روحها ويحفظ روحيتها، ومثلها العليا" (160:1) وهو يستند إلى التجربة الألمانية فيرى أن اتخاذ اللغة أساساً للقومية يعبر عن حاجة للتوسع والامتداد، فيقول: "حيث تتخذ اللغة أساساً للقومية يكون القصد من ذلك التعبير عن حاجة للتوسع والامتداد" (160:1).

أما أهمية الدين فتبدو من خلال دوره في تحقيق وحدة العقيدة وتماسكها فهو يعمل على: "تقوية التجانس الداخلي الروحي فيها" (160:1) غير أنه ينظر إلى الدين نظرة وضعية كونيته، فهو

"ظاهرة نشأت وارتقت بعامل التطور الإنسانية" وقد مثل مرحلة من مراحل التطور الفكري الإنساني، وهو قد يناقض مع العقل الفلسفي، ويؤكد سعاده على الطابع المصلحي للدين فهو، لم يخرج عن مقتضيات ومصالح المجتمع والدولة والأمة، "إلهي كان أو غير إلهي، لم يشذ عن قواعد الشؤون الإنسانية ولم يخرج عن مقتضيات أنواع الحياة البشرية وحاجاتها المتباينة والمتقاربة، فحيثما تضاربت مصحلة المجتمع، الدول أو الأمة ومصلحة الدين، كانت الفاصل في النزاع" (162:1). ورغم أن سعاده يبين أن الدين مناقض للقومية إلا أنه يؤكد أنه عملياً قومي بالضرورة "فهو في أصله لا قومي ومناف للقومية لأنه إنساني ذو صفة عالمية" (162:1) لكنه عملياً عامل من عوامل تماسك الأمة أو هو أداة في يد الأمة لحفظ تماسكها، وكل أمة تتمسك بعقيدة أو ديانة "سواء أكانت دينية أم غير دينية لتحافظ على استقلالها الروحي فلا تخضع لأمة أخرى بواسطة السلطة الروحية، لذلك ظلت اسكتلندا كاثوليكية لكي تحتفظ بشخصيتها القومية … وهكذا لجأ الفرس إلى الشيعة،.. يتخلصون من سيطرة سورية، وتمسكت سورية بالنسبة كي لا تخضع للفرس" (162:1).

وهكذا ربط سعاده ربطاً عملياً بين القومية والدين رغم تناقضهما في الأساس فيقول: "أرادت الجامعة الدينية أن تحول دون نشوء الأمم ولكن الأمم عدلت ليوافق نزعتها القومية، وبهذا المعنى صار الدين… من عناصر القومية، وفي الأمم التي تتعدد فيها الأديان أو المذاهب تكون القومية الدين الجامع، ويعود الدين إلى صفته العامة وعقائده الإنسانية المتعلقة بما وراء المادة… (163).

ويخلص سعاده إلى الشرط التالي:

"إن شرط كون الدين عنصراً قومياً أن لا يتضارب مع وحدة الأمة ونشوء روحها القومية، فإذا فقد هذا الشرط زالت عنه صفته القومية وعادت له طبيعته العامة" (163:1).

في حين تلعب العادات والتقاليد نفس الدور في خلق الوحدة والانسجام في المتحد الاجتماعي، وهي أيضاً نتيجة من نتائج هذا المتحد، فهي ذات طابع تاريخي تنشأ من ظروف الحياة،وهي إن كانت شكلت نوعاً من القوانين غير المكتوبة فإنها "شأن من شؤون المجتمع، ونتيجة من نتائجه، إلا أنها ليست سبباً من أسبابه" (158:1).

ويحذر سعاده من طغيان العادات والتقاليد المستقرة، لأن: "الأمة التي تتحجر تقاليدها، وعاداتها تكون هي نفسها في حالة تحجر… لتصبح، في مثل هذه الحالة كالأغلال والقيود التي لا يمكن أن تحيا حرة إلا بتخطيها" (195:1).

وعليه، يدعو سعاده إلى يقظة الأمة وأهمية سعيها للتطور الثقافي لكي لا تقع فريسة أغلال التقاليد، فهي تكسب حياة الأمة لوناً خاصاً لكنها لا تكون الأمة، فهو يقول: "يجب أن تكون حياة الأمة أقوى من تقاليدها وإلا مثلتها التقاليد" ويضيف: "التقاليد والعادات تكسب حياة الأمة لوناً خاصاً تتميز به ولكنها لا تكون أمة" وهو يؤكد أهمية الثقافة كما أسلفنا في خلق تقاليد جديدة لأن كل تطور ثقافي في أمة من الأمم يولد تقاليد جديدة، ذلك أن شرط التقاليد المميزة للأمة أن تكون متولدة من حياة الأمة، فهناك تقاليد مشتركة بين عدد من الأمم، ولكن ليست هذه التقاليد هي التي تميز الأمة" (195:1).

والثقافة على الرغم من الدور الذي تقوم به في التميز بين المتحدات الأولية والمتحدات الحضرية، وفي تطور العادات والتقاليد وغيرها من نواحي الحياة، ولا سيما في خلق الوجدان القومي، فإن سعاده لا يراها عنصراً من عناصر تشكل المتحد القومي فالثقافة "تفرق بين أنواع المتحدات، لا بين المتحدات" (138:1) وهي كالدين وهي إلهام الشعب الذي تنتسب إليه، فهناك الثقافة السورية والثقافة الإغريقية … الخ،. وهو يؤكد الطابع الإنساني المحلي للثقافة، فهي: "ليست شيئاً خاصاً بل شيئاً عاماً يتفاوت في الدرجات بين الأقوام.. وجميع الأقوام المتمدنة يشتركون في ثقافة واحدة عامة دورها هو الدور العصري، ولكن كل أمة من هذه الأمة تحتفظ لنفسها بأسلوبها الأدبي أو الفني الخاص في ما تعطيه هذه الثقافة، ويجوز أن تكون لكل أمة بعض مظاهر ثقافية خاصة" (164:1).

صحيح أن المجتمع العصري الحديث هو نتيجة أو حاصل الثقافات المتوالية على الإنسان التي ولدها التفاعل المستمر بين الإنسان وبيئته، كما يقول سعاده، ولكنه يؤكد أن الثقافة لا يعيق الأمة وإنما "تكون فارقاً بين أمم وأمم" والسبب في هذا الفارق هو "اقتصادي جغرافي قبل كل شيء، حيثما وجدت المؤهلات الروحية" (165:1).

وينتهي سعاده إلى أن "الصفات تتبع المتحد لا المتحد يتبع الصفات، إذ قد يوجد من الصفات ما يميز جماعات من الناس" (131:1) عن غيرها دون أن يعني وجود متحد بينهما، كما أن بعض الجماعات تتمتع بنفس الصفة دون أن تكون متحداً واحداً، وبهذا فإن سعاده ينقد الصفات ويعدها شروطاً غير كافية لتشكل الأمة كونها "ليست من الثبات والتحدد بحيث يصح أن تكون الفارق الرئيسي المعين".

إنها:

‌أ. لا تمنع على بعض المتحدات من الدخول في صفات واحدة ذلك أن "عدد كبير من المتحدات تتماثل إلى درجة يستحسن معها توحيدها" (145:1) كما أن هناك "متحدات عددية كبيرة وصغيرة تأخذ بثقافة واحدة عامة".

‌ب. إن الفارق الرئيسي بين متحد وآخر هو فارق الحياة المجتمعة ضمن حدود معينة: "فالمتحد الاجتماعي ليس مجرد أوصاف أو مصالح، بل هو أمر واقع هو جماعة من الناس تحيا حياة مشتركة في بقعة معينة ذات حدود" (146:1).

‌ج. إن المتحدات الإنسانية على مستويات وليس كل منها يشكل قطر أو متحد الأمة" كل قطر متحد ولا يعكس، والقطر الذي هو متحد الأمة أو المتحد القومي هو أرقى متحد، "فالمصالح تنشأ في المجتمع لا خارجه والصفات تتكون من حياة جماعة مشتركة وكل جماعة لها حدود" (146:1).

‌د. إن المتحد يعرف قبل معرفة صفاته، فالشخص الذي ينتقل من مكان إلى آخر يدرك أنه انتقل من متحد إلى آخر، "أما الصفات فهي صفاته، واللغة لغته، والمصالح مصالحه…" (146:1).

‌ه. إن هذه الصفات متغيرة غير ثابتة كونها: "أوصاف للأمة ناشئة عن مجرى حياتها وتاريخها وهي قابلة للتطور والتكيف، فقد تتابعت الأزمان ويتحول الأدب وتتبدل العادات وتتحول التقاليد وترتقي الثقافة في أمة من الأمم من غير أن يشوب نشوء الأمم شائبة، ومن غير أن ينفي وجود الأمة، إلى أن تزول الأمة بزوال الأمم، والقوميات من الوجود ويصبح العالم كله متحداً اجتماعياًواحداً لا تفصل بينه فواصل أرضية أو اجتماعية أو اقتصادية" (165:1).

تبدو القومية عند سعاده حالة متقدمة على الأمة، فهي وعي الأمة لذاتها تدرك الأمة وجودها ومصلحتها وتحقق إرادتها وسيادتها كمجموع لا كأفراد، إنها تعبير عن الوجدان القومي الذي يعد أعظم ظاهرة إجتماعية في عصرنا ولكن سعاده ينزع إلى تأصيل هذا المفهوم في الحضارة العربية القديمة، فيؤكد أنها إهداء العرب الكنعانيين للعالم بما عرف بـ "الإثم الكنعاني" فهم: "أول شعب تمشى على قاعدة محبة الوطن والارتباط الاجتماعي وفاقاً للوجدان القومي، للشعور بوحدة الحياة ووحدة المصير"، فالعرب الكنعانيون أسسوا الدولة وعرفوا أول ديمقراطية قومية: "المنبثقة من إرادة المجتمع الشاعر بوجوده وكيانه" (167:1)، وكما كان انتشارهم قومياً مرتبطاً بالأرض الأم، فهم لم يدخلوا الشعوب التي فتحوا بلادها في نظام حقوقهم المدنية والسياسية، ويعد سعاده ذلك: "من مصادر ضعفهم تجاه تقدم دومه" ولكنه كان دليلاً "على روحهم القومية ومحافظتهم على وحدة مجتمعهم" (171:1).

وإذا كان سعاده يتفق مع الفرنسي Pradic-federi، بأن "ما يفهم من القومية هو أنها حصول حالة الأمة في الواقع يفهم من القومية هو أنها حصول حالة الأمة في الواقع" فإنه يؤكد أهمية فهم هذا الواقع للارتقاء في الوعي إلى حالة الوجدان القومي ذلك أن "فهم الواقع الاجتماعي وظروف وطبيعة العلاقات الناتجة عنه "فهذه العلاقات تعين مقدار حيوية الجماعة ومؤهلاتها للبقاء والارتقاء" (14:1). فالأمة توجد في بقعة أرضية، فتتطور بتفاعلها مع جماعات وبنيتها ومواردها، فتكتسب شخصيتها القومية، الأمر الذي يجعلها قادرة على: "تشكيل حدودها الطبيعية أو تعديلها على نسبة حيويتها وسعة مواردها وممكناتها" (156)، وهو يعرض لتطور ونشأة القومية الغربية، واتخاذها الشكل الديمقراطي الذي يعبر عن إرادة مجموعها إذ إن: "استيقاظ الشعور بالوحدة والمصلحة الواحدة والرابطة الواحدة في أشكالها وأسبابها واتجاهاتها جعل الجماعة تدرك وجودها، لوسائل التعبير عن إرادتها، فكان ذلك بدء نشوء القومية" (130:1) لقد أصبحت العامة ذات رأي وإرادة، ولم يكن قبولها بإرادة الملك إلا كونه يمثل وحدة الدولة ووحدة المصلحة ووحدة الشعب: "كانت الدولة قبل نشوء القومية إرادة خصوصية تفرض نفسها على المجموع الذي تمثله أما القومية فقد أصبحت النظام والهيئات الممثلة لإرادة الأمة" (132:1).

ولم تقف القومية عند هذا الحد، إذ أدى تفرد الملك بالسلطة إلى المطالبة بإقرار مبدأ سيادة الشعب وهو المبدأ الذي تسير عليه "ورويداً رويداً أخذت القومية المنبثقة تنتزع حقوقها من الملكية حتى قضت عليها أو حطمتها إلى مجرد ملكية دستورية مقيدة وسادت السادة الحقيقية في الشعب وأصبحت الدولة ممثلة" (131:1).

ويستنتج سعاده من ذلك أن الدولة الديمقراطية هي دولة قومية لأنها تقوم على الإرادة العامة الواعية: فالدولة الديمقراطية هي دولة قومية حتماً فهي لا تقوم على معتقدات خارجية أو إرادة وهمية، بل على إرادة وهمية، بل على إرادة عامة، قائمة على الشعور بالاشتراك في حياة اجتماعية اقتصادية واحدة أصبحت تمثل الإرادة العامة" (130:1).

كما أدت القومية إلى تغير في معنى الدولة: "تغير معنى الدولة من القوة الحاكمة المستبدة إلى سيادة المستبد وحكمه نفسه، والوسيلة التي مكنت المستبد من تحقيق هذا المبدأ هو التمثيل السياسي" (167:1).

ويضيف: "إن معدودية الدولة مهدت السبيل لتوليد المتحد القومي ولكن القومية أوجدت صفة جديدة، وحقوقاً جديدةً لم تكن للمعدودية القديمة، إنها شيء لا سلطة للدولة عليه، فهي لا تمنح من قبل الدولة لمقاطعات بعيدة وشعوب عديدة، لما كانت تمنح المعدودية في روحه لعهد القياصرة بل هي حق من حقوق كل فرد من أفراد الأمة بالولادة".

ومن خصائص الدولة القومية الحديثة أنها:

- لم تعد دولة تجبل الأقوام جبلاً في مساحة الأرض التي يسقط ظلها عليه، لأنها أصبحت تصطدم بإرادة متحدها، هي قوميتها، وإرادة القوميات الأخرى، فإذا اتسع نطاق الدولة امبراطورية أو استعمارية كما هي الدول الآن" (130:1).

- إن القومية، هي:

"يقظة الأمة وتنبهها بوحدة حياتها وشخصيتها وميزتها، وبوحدة مصيرها، إنها عصبة الأمة، وقد تلبست أحياناً بالوطنية التي هي محبة الوطن لأن الوطنية من القومية، ولأن الوطن أقوى عامل من عوامل نشوء الأمة، وأهم عنصر من عناصرها إنها الوجدان العميق إلى الخير العام، المولد حتمية الوطن والتعاون الداخلي بالنظر لدفع الأخطار التي تحدق بالأمة ولتوسيع مواردها، الموحد الشعور بوحدة المصالح الحيوية والنفسية، إنها استمرار الحياة، واستجادة الحياة بالتعصب لهذه الحياة الجامعة التي يعني فلاحها فلاح المجموع وخذلانها خذلانه" (167:1).

- القومية، هي:

"الروحية الواحدة والشعور الواحد المنبثق من الأمة ومن وحدة الحياة في مجرى الزمان، ليست القومية مجرد عصبة أو هوجاء أو نصرة متولدة من اعتقادات دولية، أو دينية، إنها ليست نوعاً من الطوطمية أو نصرة دموية سلالية، بل شعور خفي صادق وعواطف حية وحنو وثيق على الحياة الاجتماعية الموروث والمعهودة، حتى تطف عليها في ضعف تنبهها، زعازع الادعاءات والاعتقادات السياسية، لكنها لا تلبث أن تستيقظ في سكون الليل وساعات التأمل والنجوى أو في خطرات الإنسان في تربة وطنه، أو حتى تذكر بريته أو وطنه" (168:1).
 

المراجع:

1- أنطون سعاده، "نشوء الأمم"، الكتاب الأول.

2- ناصيف نصار، مفهوم الأمة بين الدين والتاريخ، ط4، دار أمواج للطباع والنشر والتوزيع ببيروت.

3- أنطون سعاده، شروح في العقيدة، 1958.

4- أنطون سعاده، المحاضرات العشرة، منشورات عمدة الثقافة في الحزب السوري القومي الاجتماعي، 1948
 

 ماهر الهناندة  : رئيس الجمعية الفلسفية الأردنية

www.ssnps.jeeran.com

إن جميع المقالات التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع