صدى النهضة السورية القومية الاجتماعية                      www.ssnps.jeeran.com
 

المصالح القومية في زمن العولمة

 

محمود غزالي *

 

حاجتنا إلى المعرفة

أعاد الأستاذ جبران كورية في مقاله المنشور في «الديار» صبيحة يوم التاسع من أيار 2003 إلى الذاكرة من جديد السؤال الخطير الذي طرحه أنطوان سعادة قبل حوالي 70 عاماً: «ما الذي جلب على شعبي هذا الويل؟».

فقد كتب الأستاذ جبران كورية مقاله بعنوان «قبل فوات الاوان» وفيه صراخ من الألم بعد الألم، والجرح تلو الجرح يحل واحدها بهذه الأمة، فإذا ردود الفعل تأتي بالثاني والثالث فصرت إذا أصابتني سهام تكسرت النصال على النصال.

يتحدث الأستاذ كوريه عن الواقع الأسود الذي يطرح من جديد موضوع التباعد بين الأفكار والأعمال والنظرية والتطبيق والشكل، والجوهر والشفافية المعلنة والواقع المعاش، وحقوق القواعد، وممارسات الشرائح العليا.

قبل يومين اثنين من صدور المقال في «الديار» أي في 7 أيار 2003 كانت لنا ندوة في قاعة محمد يوسف حمود- البريستول حول العولمة من قاعدة المصلحة القومية للأمة السورية والمصالح القومية المشاركة لأمم العالم العربي جميعاً نثبتها هنا: لفتني الأمين حيدر حاج اسماعيل على أهمية موضوع العولمة، من منطلقات المصالح القومية، بعد ما أشيع الموضوع شرحاً من منطلقاته الإنسانية وفق المفاهيم التي حددها سعاده.

واليوم ننطلق من مفاهيم سعاده في عرضنا للوجه الآخر من وجوه العولمة، وهو سباق المصالح، بل صراح المصالح، حيث يتعزز قول المعلم:

« إن الحق القومي لا يكون حقاً في معترك الأمم إلا بمقدار ما يدعمه من قوة الأمة فإذا تركت أمة ما اعتماد القوة في تقرير مصيرها قررته الإرادات الأجنبية والأحداث الجارية».

وفي مقابل الوضوح الذي بدا لنا من خلال تحديد سعاده لشرط ضمان الحقوق القومية في معترك الأمم، نشهد اليوم هجمة عالمية شرسة تقودها الولايات المتحدة، وتتفاعل معها كل الدول الصناعية الكبرى، أحياناً بالمساندة وأخرى بالسكوت والثالثة بالمناورة وجميعها يستهدفنا.

لذلك أجدني هنا التقيت والأمين حيدر على أن مناقشة العولمة يجدر أن تنطلق من قاعدة المصلحة القومية للأمة السورية والمصالح القومية المشاركة لأمم العالم العربي، ولا يجوز مطلقاً أن تبقى النظرة إلى العولمة، من الموقع التجاري، بل موقع الوسيط التجاري كما نشهد في لبنان، وغيره من الأنظمة لأننا بهذا نسهل للهجمة الغربية طريقها إلى عمق الأعماق في سيادتنا القومية.

والباحث في المقارنة بين المصالح القومية المتكافئة أو المتناقضة يحتاج إلى علم الإقتصاد على ما فيه من جفاف- يتوسله في توضيح وجهة نظره أو في تعزيزها.
 

الكيانات السورية الأردن الشام العراق فلسطين لبنان

عدد السكان

6 ملايين نسمة 19 مليون نسمة 28 مليون نسمة 5 مليون نسمة 3 مليون نسمة

المجموع

75 مليون نسمة

وإذا علمنا أن معدل الاستهلاك السنوي للفرد من البضائع المستوردة من الدول الصناعية المتقدمة موزع على الشكل التالي:                   
                  

مواد غذائية مصنعة جاهزة للإستهلاك

1700  دولار أمريكي

مواد تحويلية للتصنيع الغذائي

1000 دولار أميركي
مواد تدخل في الصناعات الأخرى (أنسجة معادل إلخ) 2000 دولار أميركي
صناعات تقنية جاهزة (أدوية- سيارات- الكترونيات إلخ) 1000 دولار أميركي
يصبح معدل الاستهلاك الفردي للمواد المستوردة 5700 دولار أميركي
أي أن حاصل الاستيراد السنوي: 5700 × 75 مليون 427.500 مليون دولار أميركي


أما دول الجزيرية العربية مجتمعة فيبلغ عدد سكانها ما يقارب 58 مليون نسمة، كما يلي:

دول الجزيرة الإمارات البحرين السعودية قطر عُمان اليمن
عدد السكان 3000000 800000 29000000 750000 3000000 22000000
المجموع 58550000


ويتسبب اشتراك اليمن في حاصل معدل الاستهلاك السنوي للفرد بالجزيرة العربية في هبوط المعدل السنوي من 11 ألف دولار أميركي إلى ما يزيد قليلاً على 8 آلاف دولار.

أي أن مجموع ما يصرفه أبناء الجزيرة العربية من ثروات على المواد المستوردة سنوياً يبلغ:

58.000.000 × 8.000 = 464 مليار دولار أميركي.

أما دول المغرب العربي الخمس فيزيد عدد السكان فيها على 106 ملايين نسمة موزعين كما يلي:
 

دول المغرب تونس الجزائر المغرب موريتانيا ليبيا
عدد السكان 11 مليون 40 مليون 45 مليون 3 مليون 7 مليون
المجموع 106 مليون

وإذا نظرنا إلى تفاوت النسب بين هذه الدول في معدلات الاستهلاك (للمستورد) الفردي بحيث يتراوح بين خمسة آلاف دولار في ليبيا وألف دولار في موريتانيا، يمكننا أن نشير إلى أن العدل الوسطي للإستهلاك الفردي في هذه الوحدة الجغرافية لا يتجاوز الأربعة آلاف دولار سنوياً أي ما مجموعه 106 × 4 = 424 مليار دولار.

أما الإقليم الأوسط وادي النيل- مصر والسودان- والصومال وجيبوتي- فيزيد عدد سكانها عن 136 مليون نسمة موزعة كما يلي:

الإقليم الأوسط جيبوتي مصر السودان الصومال
عدد السكان 850000 84  مليون 41 مليون 10 مليون
المجموع 136 مليون

بناء على هذه الأرقام نجد أن العالم العربي يستهلك سنوياً ما قيمته التقريبية في حده الأدنى 1434 مليار دولار من المستوردات التي يكاد ينحصر منشأوها بالدول الصناعية التسع، وفي مقدمها الولايات المتحدة الأمريكية.

ويجدر القول هنا أننا لم ندخل في هذه الأرقام المستوردات ذات العلاقة بالحاجات الاستراتيجية التي تفرض نفسها بواقع وجود عدو يهدد أمننا القومي مباشرة، وهي حاجات لا تدخل مصارفاتها في التنمية أو حواشيها، بل هي تستهلك أرقاماً هائلة من دخولنا القومية، خصوصاً نتيجة الهجمة الأمريكية الشرسة على سورية والعالم العربي بعد حرب تشرين المجيدة.

ففي النصف الأول من سبعينات القرن الماضي أي بعد حرب تشرين مباشرة كشفت مصادر البنتاغون عن خطة طويلة الأمد، قوامها:

أولاً- وضع حد للتغلغل السوفياتي في الشرق الأوسط بوسائل عدة، من بينها:

تجديد الحوار مع موسكو بشأن الحد من سباق التسلح، وخصوصاً سباق الفضاء.

التلويح بتجديد التعاون في مجال القمح مقابل الذهب بين واشنطن وموسكو. خصوصاً وأن سنوات من التراجع في إنتاج القمح اضطرت السوفيات للبحث عن مصادر تسوق، انحصرت أخيراً بين الأرجنتين وكندا. لكن واشنطن أمسكت بزمام الطرفين وعقدت صفقات القمح الأميركي مقابل الذهب السوفياتي الشهيرة.

تضمين شروط إضافية لصفقات القمح الأميركي من جملتها الامتناع عن تزويد دول المنطقة المحيطة بفلسطين بالسلاح المتطور والاقتصار على صفقات السلاح التقليدي الخالي من التكنولوجيا الجديدة.

ثانياً: تعطيل مفاعيل التنمية التي لحظت بعض مشاريعها المتواضعة من موازنات الدول العربية أو بعضها وخصوصاً السورية منها، ومن أبرزها هذه الدول:

بغداد التي كان في مقدمة مشاريعها التنموية، التخطيط والاستعمار آخر برميل نفقط وفق خطط سباعية متكررة أو متلاحقة وكان في مقدمة المشاريع إتقان استثمار عائدات النفط، في التنمية الزراعية والتصنيع، وقيل يومها أن مصنع الادوية الذي بدأ عمله في العام 1967 كان مؤهلاً لتغطية كامل حاجات منطقة الشرق الاوسط بنسبة 45% في بداية الثمانينات.

دمشق التي أعدت 11 مشروعاً للتنمية الزراعية من الري إلى التأهيل، إلى زيادة المساحات المستثمرة إلى تصنيع ناتج هذه الزراعات المحدثة خصوصاً بعد قيام بحيرة الأسد وبدأ تنفيذ شبكات الري بما يضاعف المساحات المستثمرة إلى تصنيع ناتج هذه الزراعات المحدثة، خصوصاً بعد قيام بحيرة الأسد وبدأ تنفيذ شبكات الري بما يضاعف المساحات المروية من الأرض أكثر من مرتين.

الخرطوم حيث كانت منظمة الأغذية والزراعة العربية توقعت للسودان أن يغطي حاجة المنطقة كلها من الانتاج الحيواني حتى العام 2020 مع قابلية لرفع سوية التنمية ومضاعفة الإنتاج.

الكويت والتي ركزت دراساتها الاقتصادية على حسن استثمار فوائض عائداتها من النفط في مشاريع مجدية للمدى البعيد بغية مواجهة توقعات شح النفط.

الرد الاميركي على طلائع التنمية السورية والعربية

وكان في مقدمة الخطوات التي خطتها الإدارة الاميركية؟

1- تفجير الحرب بين العراق وإيران، خصوصاً بعد انتصار الثورة الإيرانية، حيث تولى ملك الأردن إقناع قيادة العراق بضرورة التحرك السريع قبلما تتمكن إيران من نقل الثورة إلى الداخل العراقي.

2- تفجير الساحة اللبنانية، لإشغال دمشق، وإنهاك جيشها وتحويل مخصصات التنمية إلى تغطية الكلفة الناجمة عن وجود ما بين 40 و 45 الف جندي شامي في لبنان.

3- تسريع حركات الانقلاب في السودان واستنزافه في نزاعات داخلية أدت إلى تعطيل التنمية كلها، ولا تزال نازفة حتى الآن.

4- غزو بورصة الكويت بسندات أسهم وهمية، ومزورة اشترك فيها الممولون اليهود الأميريكان، فدفعت الكويت الدولة يومها ما يفوق 30 مليار دينار كويتي. لتسوية فضيحة «سوق المناخ» في حين قبض المزورون اليهود قيمة السندات التي طرحوها في بورصة الكويت، من غير أن تتمكن المراجع المصرفية من ملاحقتهم. وخلال ساعات لم تتجاوز الـ 24 إلا قليلاً.

أسباب الهجمة الأميركية

في علم الاقتصاد الذي يعتمد الجدوى في خطواته وخططه، توقعت واشنطن أن تتمكن الدول العربية من تسريع عمليات التنمية، مما يؤدي إلى قيام زراعات متقدمة، وصناعات زراعية كفيلة أن تضيّق رقعة السوق الاستهلاكية للبضائع الأميركية والغربية المستوردة إلى المنطقة.

وإذا أدركنا أن اقتصاد الولايات المتحدة حصراً، لا يحتمل التراجع في نسب النمو في الصادرات الصناعية، وإلا فإن موجة واسعة من البطالة تنشأ عن ذلك. وإن سوق الشرق الأوسط (العربية تحديداً) هي السوق الأكثر غنى وقدرة على تسويق الإنتاج الأميركي، وإن حالة التنمية الناشطة في منطقتنا ستؤدي حتماً إلى تراجع ملحوظ في السلع من الخارج.

وإن نسب النمو الداخلي ستؤدي إلى تعزيز الاقتصاد البيني فيما بين الدول العربية.

وإذا علمنا أن تراجعاً بسيطاً في نسبة نمو الصادرات الأميركية يؤدي إلى خلق بطالة في اليد العاملة الأميركية،

فإن تراجع نمو الصادرات بنسبة نصف في المئة يرتب بطالة ثمانية ملايين طاقة بشرية اميركية.

وفي حسابات الخزينة الأميركية تصبح كلفة الملايين الثمانية توازي 16 مليوناً، كون العاطل عن العمل يحرم الخزينة من ضريبة إنتاجه، وبالتالي يلزم هذه الخزينة بتغطية فترة البطالة عنده بالمساعدة التي يحصل عليها من هذه الخزينة.

أمام هذه المخاطر وجدت واشنطن أن أفضل الوسائل لتعطيل التنمية العربية حصراً، والشرق أوسطية عموماً هي أن تلجأ إلى إحداث قلاقل ونزاعات تفرض حالة عسكرة متأهبة باستمرار، في دول المنطقة مما يؤدي إلى نشوء سياسات طوارئ تستوجب : 1 ـ  التسليح الدائم.  2 ـ  التجنيد الإجباري.
مع ما يلزم هذه الدول من مصارفات ضخمة تستنفذ قدراتها المادية وتعطل خطط التنمية.

فالتسلح الدائم، يفرض تخصيص مبالغ كبيرة للإستمرار في شراء السلاح، خصوصاً وإن السلاح يصبح بلا فائدة، مع ديمومة تطويره في بلاد المنشأ.

ولاجندية الإجبارية تحرم البلاد من استثمار الشباب من عز عطائه، بل وتلزم البلاد بصرف مبالغ ضخمة على التجنيد الإجباري بين مستلزمات التغذية والتمريض والتجهيز البشري والاستهلاك الدائم،

لذلك كانت اسرائيل الوسيلة الفضلى لدى واشنطن وغيرها من الدول الصناعية.

فوجود اسرائيل يؤدي إلى كل هذه الاستنزافات، ومتى أدركنا أن العالم العربي يستورد بالعملات الصعبة ما يزيد على ألف مليار دولار من السلع سنوياً، ندرك مدى أهمية وجود اسرائيل في فرض حالة الاستنفار الدائم في المنطقة، وندرك أن وجود إسرائيل حاجة أميركية، وإن الحروب والتفجيرات في منطقتنا حاجة إقتصادية أميركية، كما هي حاجة إقتصادية كسائر الدول الصناعية الغنية.

ذلك أن مجموعة المساعدات الأميركية السنوية إلى إسرائيل والتي تراوح بين 3 مليارات و 6 مليارات دولار أحياناً، لا تشكل سوى نسبة بسيطة جداً مما كان يفترض بالاقتصاد الأميركي أن يدفعه للوسيط مقابل ترويج صناعاته.

أما لماذا العراق؟

ففيه ثروة نفطية

وفيه ثروة معدنية أخرى كشفتها أجهزة الاستشعار عن بعد وفي مقدمها اليورانيوم والذهب، وحقول ألماس الطبيعي.

وفيه ثروة بشرية غنية ونادرة، كان مؤهلة في السباق مع التنمية أن تتقدم كل دول المنطقة.

الآن تقف واشنطن في العراق أمام مفترق تاريخي،فأما أن تنهزم وينهار اقتصادها.

وأما أن تتمادى في القبض على اقتصاديات باقي دول المنطقة بالقوة لتضمن استمرار النزف والحؤول دون حصول التنمية المتصاعدة.

وهي تعرف- وليس غباءً- أنها في صراع مصيري بين أحادية تشكل إمبراطورية، وانحسار إقتصادي يفجر عندها في الداخل نزاعات لا تزال مؤجلة بعامل الإلهاء خارج الحدود.

الحرب حاجة أميركية

يتبين من خلال هذا العرض السريع للمعلومات أن الأمن القومي الأميركي الذي يضمن تفوق الولايا المتحدة واستمرار فرض قبضتها على مصادر الثروة في العالم يحتاج إلى ديمومة هذا التفوق العسكري لضمان استمرار التفوق الاقتصادي لذلك نرى الآن الولايات المتحدة توزع ما مجموعة 1500 مقاتلة خارج المجال الجوي للبلاد. أي حول الكرة الأرضية في قوعد ثاتبة على البر وأخرى متحركة في البحر.

وإذا أدركنا أن قيمة الطائرة تراوح حسب نوعيتها وتجهيزها وتطورها بين 18 مليون دولار و 35 مليون دولار اي ما معدله الوسطي 26 مليون دولار × 1500 أي ما يزيد عن 39 مليار توظفها واشنطن في جهاز الردع الجوي، يضاف إليها 6000 طيار و 9000 خبير صيانة مع ما تكلفه هذه الأرقام من مخصصات ومبالغ.

وإذا أدركنا أن على الطيار أن يصرف لاستمرار لياقته الفنية ما لا يقل عن 150 ساعة طيران سنوياً.

وإن ساعة الطيران تكلف 20 ألف دولار فإن استهلاك الطيارين خاج الولايات المتحدة يبلغ 9000 ألف ساعة × 20 ألف دولار = 18 مليار دولار سنوياً وهي كلفة الحد الأدنى والتي لا تدخل فيها الرساميل الموظفة في حاملات الطائرات بمئات المليارات وتجهيزات القواعد العسكرية وقطع الغيار وكلفة تسعة آلاف خبير صيانة.

وإذا علمنا أن تراجع الغزو الاقتصادي لدول العالم، وتحديداً لأسواق الشرق الأوسط كونها الزبون الأغنى، يعني تراجعاً في نسب النمو الصناعي وبالتالي الدخول في أزمات اجتماعية في مجتمع لم تنصهر فيه الاثنيات والأعراق والقاليد، ويؤدي إلى هجرة الرساميل المثمرة في الأسهم والسندات إلى مواقع أكثر أماناً وجدوى، نكتشف أن استقرار الولايات المتحدة حصراً وبعدها الدول الصناعية الأخرى يعتمد على استمرار ابتزاز ثرواتنا القومية.

هنا ندرك مدى خطورة الإنجرار وراء نظرية العولمة التي تفرض علينا في مقابل ما تشهده هذه المنطقة من ضغوط ومحاولات لتنفيذ الجزء الأهم من الخطة اليهودية. والتي باشرها شيمون بيريز بطرح موضوع «الشرق اوسطية» بغية توسل هذه المرحلة لتثيبت شرعية الاغتصاب في فلسطين، وعلى محيطها العربي، تسارعت الدعوة إلى العولمة في منطقة عربية مشظاة اقتصادياً وسياسياً وأمنياً، الأمر الذي يشير إلى أن دعاة العولمة والشرق أوسطية معاً يراهنون على حالة الخدر الموهن والمعطل لدور الشعوب، ووضعها أمام رتابة الحياة اليومية ومشاغلها التي تصرفها عن كل احتمالات الانشغال بالهموم القومية.

في خضم الضجيج الذي أحدثته الدعوات إلى تسريع الدخول في العولمة، تحركت محاولات خجولة، لإقامة نوع من التكامل الاقتصادي، انطلاقاً من نقطة ملحة هي اكثر حاجة إلى الانفتاح القومي، هي نقطة العراق الأكثر نزفاً من أي مكان آخر في العالم العربي بعد فلسطين، فقد وقع العراق مع كل من مصر، والشام اتفاقيتين يمكن أن تكونا بداية سليمة لإقامة السوق العربية المشتركة التي تعود قراراتها إلى بداية العام 1945 حيث اتخذت القيادات العربية قراراً بالوحدة الاقتصادية العربية، لذلك قفزت الولايات المتحدة إلى العراق لتعطيل محاولات التكامل هذه لأنها تفتح باباً يصعب إقفاله إذا ما صلب عوده.

وفي منتصف الشهر الثالث من السنة 1997 اتخذ مجلس وزراء الاقتصاد العرب قراراً بإنشاء مناطق تجارية حرة كبرى لمواجهة التكتلات الاقتصادية الكبرى التي اخذت تفرض نفسها، خصوصاً في ظل ضغوط الحاجات الاقتصاديةالملحة وسباق المصالح بين الأمم والتكتلات.

وفي العودة إلى ما بعد قرارات الجامعة العربية في منتصف الأربعينات فإن قرارات مثيلة لها اتخذت في الخمسينات والستينيات والسبعينات والتسعينات.

رب مطلع يرى في تأخيرر ضع هذه القرارات في التنفيذ أسباباً تتجاوز قدرة العالم العربي على تحقيق السوق العربية المشتركة أو الوحدة الاقتصادية العربية، وهي أسباب عربية ذاتية من جهة وعربية دولية من جهة أخرى.

أما الأسباب الذاتية فتتوزع على جملة حالات فرعية كيانية وداخلية في كل دولة على حدة، كالقول بوجود نزاعات ضيقة، وارتباطات فئوية تخفي وراءها إصرار كل فئة على الالتفاف حول مرجعيتها السياسية أو الفئوية أو الطائفية، كما يحصل في الغالب.

ثم تأتي مصالح القادرة التي لا تزال في معظم الدول العربية- إن لم يكن جميعها- متقدمة على ما عداها من مصالح.

في السبعينات كانت المحاولة الاتحادية بين دمشق وعمان، وقد توصلت المفاوضات ثم القرارات فيها إلى تحديد الكتاب المدرسي وتوحيد أجهزة الإعلام وشبكة الكهرباء، وأعدت ملفات مشاريع الوحدة المائية والسدود، وشبكات الري، وتوحيد الخيار السياسي، والتنسيق لتوحيد خريطة الصناعة، وأعدت الدراسة لتكامل سوق التصريف الداخلية والعربية والعالمية لهذه الصناعة.

وعند الشروع في البحث بالتنسيق الأمني على المستوى الاتحادي فرطت كل الخطوات الاتحادية (في ليلة ما فيها ضو قمر) يومها سمعنا كلاماً من الرئيس حافظ الأسد- خلال لقاء سياسي- ما حرفيته: « إننا ونحن نأخذ الخطوات الإتحادية المتواضعة، تعرضنا لضغوط من كل جانب، كان أقواها وأكثرها إيلاماً تلك التي حاءتنا من أهلنا العرب». ومثلما فشلت مشاريع الوحدات السابقة، كان مصير المشروع الاتحادي بين دمشق وعمان، وكذلك كان مصري مشروع الوحدة الإندماجية بين دمشق وبغداد التي بدأت بميثاق العمل القومي الذي وقعه الرئيسان حافظ الاسد وأحمد حسن البكر.

عملية تفشيل الوحدة

غير أن وحدات عربية نجحت، كما في اليمن ونسبياً في مجلس التعاون الخليجي وأخرى تعطلت كما في الاتحاد المغاربي، وفي وحدة وادي النيل،

أما الأسباب العربية الدولية، فقد اختفت ملفاتها من الأدراج لتحل محلها من الغبار المتراكم في الخزائن، لتنكشف بين فينة وأخرى ملامح خطوط رسمت فوق الغبار تشير إلى أن هذه المنطقة المحيطة بفلسطين مموع عليها التوحد.

من هي الجهة التي تأخذ قرار تعطيل الوحدة وتملك القدرة على التعطيل:

بل من حال دون تحقيق السوق العربية المشتركة؟

الذين سبقونا قالوا أن بريطانيا وفرنسا كانتا وراء تشتيتنا إلى كيانات غير متجانسة الأنظمة، وهي إشارة إلى معاهدة سايكس- بيكو ومفاعيلها.

واليوم يقولون أن وراء استمرار تشرذمنا ضغوط أميركية- غربية متجانسة، وعندما كان هنالك اتحاد سوفياتي، حاولوا أن يقنعونا أنه صديق الشعوب الضعيفة، لذا يجب أن نبقى ضعفاء ليبقى صديقاً لنا.

وفي كل الأنظمة الكيانية المتنازعة في معظم المراحل تسللت إسرائيل إلى عمق الجرح العربي، فأمعنت في توسيعه وتفريعه، تحميها ضغوط اميركية ترافقت مع تشريعات تعاقب الدول والشركات التي تلتزم بقرارات المقاطعة يوم كان هنالك قرارات مقاطعة.

وجرت محاولات عدة لتضميد الجرح العربي، كان أبرزها اجتماع وزراء الخارجية العرب في عمان بين السادس والتاسع من تموز 1980 حيث طرحت جملة من الأفكار التي تمهد لمباشرة «عقد التنمية العربية» وإعلان بداية التحول التاريخي في تنمية اقتصاد عربي متكامل، وقد أدرك الخبراء- وهم يعدون هطتهم- أنهم يواجهون هجمة غربية تعد للرد على الخطة العربية عن طريق احتواء ثروة النفط وتشديد القبضة على ما تبقى من عائداتها وسواها من الثروات والقدرات البشرية والمادية.

فعلى الصعيد البشري لجأت الدول الصناعية إلى أمرينك

الأول: تقديم الإغراءات المادية للعلماء والمتفوقين من الجامعيين لتشجيعهم على ترك بلادهم والالتحاق بالمشروع الأميركي أو ما يشبهه خارج أميركا، عن طريق توفير شروط عالية للتوظيف.

وقد سجل المعدل السنوي هجرة 30 ألف جامعي عربي (وفق إحصاءات سنوية في العقد التاسع) ولا يعود منهم إلى بلادهم إلا العدد القليل ليكتشف أن أبواب الرزق قد سددت في وجهه.

إنها أرقام مذهلة من الهجرة والتغريب، تضاف إلى الأعداد الهائلة من العلماء والاختصاصيين الذين سبق وامتصتهم الدول المضيفة والأمر الآخر: تقديم التسهيلات التي تعمم الجهل في ثياب العلماء، وذلك عن طريق إلغاء شرط الحضور وشرط الخضوع للإمتحانات لنفر من الطلاب الوافدين من الدول العربية الغنية. إضافة إلى إغراءات التسلية التي تعزز ابتعاد الطالب عن مدارات تخصصه، بحيث يفوز هذا النوع من الطلاب في امتحانات لم يخوضوها، حتى إذا عادوا إلى بلادهم يكتشفون حاجة ماسة للإستعانة بخبراء أجانب كثيراً ما كانوا زملاء لهم في الجامعات التي تخرجوا وإياهم منها. الخلاصة أن الأفكار التي طرحت في مؤتمر عمان 1980 كانت تلوح بعصر عربي جديد ينبع من الاهتمام بالشؤون القومية وقد تمحورت هذه الأفكار حول أربعة منها:

1- ضرر الجسور المفتوحة بين الضفة الغربية وفلسطين المغتصبة، نظراً لصعوبة التمييز بين الإنتاج الفلسطيني والإنتاج الإسرائيلي في فلسطين، ما يؤد إلى اختراق الحصار العربي المفروض، ويحول دون إمكان منع تسلل السلع الإسرائلية إلى سائر الدول السورية والعربية.

2- استخام النفط سلاحاً في المعركة.

3- تصفية مواقع الضعف الاقتصادية وتحقيق نوع من التكامل الاقتصادي يضع في أيدي الخبراء العرب وأدوات التنفيذ كامل عناصر الخريطة الاقتصادية بمكناتها القائمة وطموحاتها المستقبلية، وروزنامة البرمجة المقررة بكل أساسياتها وتفاصيلها.

4- الدعوة إلى رفع مستوى المعونات من الدول الغنية إلى شقيقاتها التي تحتاج مشاريع التنمية فيها إلى التمويل.

وكانت الأفكار التي طرحت في مؤتمر عمان، قد كشفت عن محاولات مدروسة للإمساك بالثروات العربية على مراحل، مما حمل الدول الصناعية وخصوصاً أميركا إلى تعطيل هذه المحاولات، فكانت أحداث لبنان التي امتدت 16 عاماً، وما جرى بين العراق والكويت وبين السعودية والبحرين، واليمن والجزائر والصومال، والقلاقل التي طرأت على العلاقات بين مصر والسودان، وتحريك الجار التركي للإنتقال إلى ضفة العدو، وإحداث متاعب حدودية ومائية مع دمشق وبغداد وأخيراً كارثة غزو العراق والتهديدات الوقحة لكل من دمشق وبيروت.

وإذا كان من مصلحة الدول الصناعية أن تعطل قيام خطوات وحدوية في العالم العربي تؤهله للإمساك بثرواته الهائلة وتقرير الخطط السليمة لتوظيفها، فغن قرار تعطيل قيام الوحدة الاقتصادية الأكثر تكاملاً، جاء بالفعل من الشعوب العربية، وقيادتها الفكرية والحزبية والسياسية.

فلو كانت الشعوب العربية جادة في تحقيق أحلامها واسترداد حيوية بلادها فإن اياً من القوى العظمى لن يكون قادراً على تفشيل الخطط الوحدوية، فالشعوب تحاكم قادتها إذا اخطأوا وتكرمهم إذا أصابوا، إلا نحن في هذا العالم العربي نمضي في تكريم قادتنا ويمضون في أخطائهم ،فيعتادون على غفران الشعوب لهم وتستمر مهزلة الخطاب الذي ينتهي بالتصفيق.

لذلك نشهد ما نشهد من موجات الهجرة التي تمتص الأدمغة ورجال الاختصاص والأيدي الماهرة، نتيجة السكون الاجتماعي الذي تغذيه حالات الضغط المعيشي والاستهتار الحكومي.

حوافز من صنع العدو

في أحد أيام شهر نيسان من الام 1997 وبالتحديد في اليوم العاشر منه نقلت وكالات الأنباء العالمية من فلسطين أربع برقيات لها علاقة بالنشاط الاقتصادي اليهودي في فلسطين.

1- تقول البرقية الأولى ان شركة (كور اليهودية) تتوقع الحصول على دخل صافي في العام 200 قدرة 250 مليون دولار أميركي.

وشركة (كور) هذه تعمل في مجالات الاتصالات والالكترونيات وكيماويات الزراعية.

وفي مجالات البناء وسواها.

2- وتقول البرقية الثانية أن صناعة الطائرات الاسرائيلية وقعت عقوداً جديدة قيمتها مليار و 600 مليون دولار في عام واحد ويبلغ عملاؤها في 64 دولة 309 عميلاً، والشركة إياها تولت تحديث 54 طائرة فانتوم لتركيا بكلفة 683 مليون دولار.

3- وتتحدث البرقية الثالثة عن فائض في الاكتتاب بأسهم أحد بنوك إسرائيل 1.7 مرة عن الشريحة المطلوبة.

4- أما البرقية الرابعة فتقول أن شركة (ألتا) للصناعات الالكترونية تعاقدت مع بريطانيا لتزويد المملكة المتحدة بأنظمة دعم إلكترني لبرنامج نميرود 200 التابع للقوات الجوية البريطانية بكلفة 70 مليون دولار.

وأكثر ما نوده من خلال الإشارة إلى هذه البرقيات أن نلفت انتباه رجال المال والأعمال العرب إلى مستوى نجاح التوظيفات اليهودية لحساب نمو الاقتصاد الإسرائيلي، في مقابل الحاجة إلى توظيفات عربية مجدية.

1- خسر رجال الاعمال والمال الكوييون في سوق المناخ خلال 24 ساعة ما يوازي مجموع المساعدات التي تتلقاها إسرائيلي رسمياً منذ نشوئها حتى الآن.

2- خسر العراق وحده في حربه مع إيران- غير مئات الألوف من الضحايا البريئة- ما يوازي القيمة المادية التي يمكنها أن تشتري الأرض التي يمكنها أن تشتري الارض التي تغتصبها إسرائيل بما عليها من المنشآت العسكرية والمدنية ويبدو أن المخطط الأميركي الجديد يتوخى الآن إقامة نموذج إسرائيلي على أرض العراق.

3- خسرت دول مجلس التعاون والعراق مجتمعين في أيام معدودة هي كامل أيام «حرب عاصفة الصحراء» ما يكفي لتحرير 20 فلسطين دفعة واحدة.

4- تدفع دول مجلس التعاون والعراق أقساطاً سنوية من الديون التي استحقت وتستجق نيتجة حرب «عاصفة الصحراء» ما يكفي لانتشار مصانع إلكترونيات، ومصانع أدوية ومختبرات بحث علمي، وجامعات ومدارس ومستشفيات كفيلة بسد حاجات العالم العربي إلى هذه القطاعات.

5- يزيد مجموع الودائع العربية المجمدة والمستثمرة في الولايات المتحدة وأوروبا، والشرق الأقصى على 1200 مليار دولار أميركي مودع معظمها بأسماء أشخاص وشركات تملكها الأسر والأفراد.

ويكفي هذا الرقم لبناء اقتصاد عربي متقدم ومدروس وممنهج يصبح قادراً على الوقوف في مقدم اقتصادات العالم.

الحقائق العربية

أولى الحقائق المستخلصة هي ان العالم العربي من أكثر المناطق أهلية للتثمير وتوظيف الأموال في مشاريع هي منتجة أينما وظفت- إذ توفرت لها دراسة الجدوى.

وثاني هذه الحقائق أن العالم العربي غني برجالاته الذي يمكنهم- إذا شاؤوا- أن يؤهلوا الرساميل لجني فوائد لا تجنيها حيث توظف الآن في المصارف وأسهم البورصات وفي سندات الخزينة التي تزرع في الخارج لاصطياد الأموال، وتحويلها في معظم الحالات إلى أوراق غير قابلة للصرف، كما حصل في بنك الاعتماد والتجارة الخارجية.

وثالث هذه الحقائق هي أن إسرائيل لن تتراجع عن التمديد في بلادنا بالقوة أحياناً وبالغزو المادي أحياناً اخرى، وبالاختراقات التي وفرتها لها المعاهدات والاتفاقيات الثنائية والقوى المساندة لها.

لذا، فمن واجب رأس المال، الباحث عن الجدوى، أن يوظف شرائح منه في جهد جماعي للقضاء على هذه الخلية السرطانية وإلا فإن رأس المال العربي، قد لا يجد له (مرقد عنزة) آمناً في العالم إذا استمر الفحش اليهودي في توسعه بحماية الدول الكبرى على النحو الذي نشاهده هذه الأيام.

ومع إدراكنا لمدى الجبن الذي يتميز به رأس المال، فإن أهمية تشغيل الرساميل العربية في السوق العربية، أجدى بكثير من توظيفها في الخارج.

ومن هنا يصبح التعاقد مع العالم أكثر جدوى وأوفر كرامة

فمع تجدد الحديث عن ضرورة قيام سوق عربية مشتركة، لا بد لنا من أخذ العوامل العلمية المنطقية بالاعتبار، فيعمد رجال الخبرة والاختصاص في عالمنا العربي إلى:

1- إعادة النظر في ترتيب الأولويات الإقتصادية على قاعدة تكاملية تأخذ بالاعتبار متطلبات العالم العربي وفق خريطة اقتصادية مدروسة تلحظ الإمكانات البشرية والمادية والفنية، بما يحول دون ازدواجية المشاريع المتشابهة.

2- تنويع الإنتاج وتوسيع القاعدة التي تستةعب اليد الماهرة في العمل من خلال أسس جديدة يتم وضعها للنظم الاقتصادية العربية.

3- تعزيز الطاقة البشرية وحمايتها من الهجرة، خصوصاً الأدمغة، بحيث يتوفر لها التوظيف في قاعدة الاستخدامات ذات المدى البعيد.

4- إنشاء مراكز للبحث العلمي وتطوير القائم منها ودعمه، وربط البحوث في المعاهد العلمية بالصناعات القائمة بما يساعد في تطويرها وتشجيع إنشاء صناعات جديدة.

5- توفير الضمانات لحرية انتقال الرساميل العربية وتحركها على مدى ساحة العالم العربي، وفق الحاجات والجدوى، وتحرير هذه الرساميل من قيود الروتين.

6- إحداث مشاريع مناطق حرة عربية، تعطي الأفضلية:

للتبادل التجاري العربي في السلع المنتجة محلياً.

للتبادل التجاري العربي مع الأسواق العالمية التي تأخذ بالاعتبار المعاملة بالمثل، بما يتيح للإقتصاد العربي أن يتجاوز إمكانات فرض الحظر على أي من الدول العربية، ومبادلة الدولة التي تتخذ عقوبات ضدنا.

ذلك إن العولمة التي تحكمها إتفاقيات الغات (التجارة العالمية) تبدأ خطواتها للنفاذ إلى الأسواق بتحير التجارة الدولية للسلع الزراعية وإخضاعها لقواعد الغات، اي إخضاعها لسياسة الإعفاءات الجمركية من الرسوم بتعريفه تخفض سنوياً في فترة تتراوح بين ست سوات وعشر سنوات، ويتلازم هذا الخفض في التعرفية إلى مستوى الإعفاءات، مع رفع قيود الدعم التي تضعها الدول ذات الاقتصادات الضعيفة عن بعض منتجاتها وصادراتها، الأمر الذي يهيئ المجال لإقتحام الواردات المماثلة ومناستها في عقر دارها، والقضاء عليها في معظم الحالات، نتيجة ضغوط فارق الكلفة المتأتي عن غزارة الإنتاج في الدول المصنّعة، عنه في الدول الآخذة في النمو، إذ ليس في إمكان الصناعات الزراعية اللبنانية مثلاً، أن تواجه ضغوط الواردات المماثلة في تلك الدول تنتج مليارات الوحدات المصنّعة في حين تقف مصانعنا في لبنان عاجزة عن إنتاج الكميات الكبيرة للمنافسة، فهي أي الصناعات اللبنانية:

1- تشتري المادة الأولية من الخارج للتولى تعبئتها في لبنان.

2- نادراً ما تتعامل مع الزراعات اللبنانية في صناعة الكونسروة فتتركها عرضة للتلف.

3- وهي بذلك تضعف إمكانات الإفادة من المهارة المحلية واليد العاملة.

4- تروج لصناعات زراعية أجنبية تحت يافطة التصنيع المحلي.

لذا ولأسباب أخرى كثيرة، لا يجب أن تدخل الدول العربية سباق العولمة منفردة، بل عليها أن تسعى إلى تعريب اقتصاداتها إلى الحدود القصوى الممكنة، والانطلاق بعدها إلى العولمة اعتماداً على قواعد أساسية في التنسيق الاقتصادي، وفي مقدمها:

1- إعداد الدروس التقنية، وهي ممكنة، لمسح قدرات العالم العربي على الإنتاج، وتنسيق مجالات الانتاج في ضوء النوعية الزراعية- الصناعة الممكنة والتي يجري التخطيط لها على مدى الامتدادات الجغرافية والحاجات السكانية.

2- ضبط توظيف الرساميل العربية في مشاريع منتجة تعود تدريجياً من الهجرة المقلقة إلى المدى العربي الآخذ بالنمو.

3- الإتفاق على نسب مقبولة من خفوضات التعرفة الجمركية فيما بن الدول العربية أولاً.

4- الانطلاق من إدراك مدى حاجة العالم العربي إلى الواردات الأجنبية من موقع المعرفة المسبقة لهذه الحاجات ومواءمة الوارد الاجنبي مع إمكانات الصادر المحلي.

5- إشراك البترول والثروات المعدنية الأخرى التي تمتاز بها البلاد العربية في عملية تنسيق التجارة الخارجية، حتى لا نصبح عرضة للعقوبات التي تفرضها واشنطن أو بروكسيل على صادراتها متى شاءت ذلك.

وإذا كان لا بد من الوصول في القريب إلى العولمة التي تبدأ بتنفيذ مفاعيل اتفاقية (الغات). فإن الحرص على الثروة القومية يطلب منا أن نحصّن اقتصادياتنا بمزيد من الخطوات التي توفر المنعة، فلا تستدرجنا سهولة الحصول على الربح السريع إلى القبول بالمغريات التي تستنزف ثرواتنا كمثل الحديث الذي تعتمده الحكومة اللبنانية في أن تفضيلها للقروض الخارجية، أكثر وفراً من القروض المحلية.

ومن المستغرب أن يصدر هذا القول عن مسؤول في دولة تعاني من نزف الثروات على تنوعها بفعل سيادة الاستيراد والخدمات على الإنتاج، وهي بذلك لا تضع في حسابها مخاطر امتصاص الدولار أو سلة العملات الأجنبية لليرة اللبنانية وبالتالي للإحتياطي المتجمع لديها من المدخرات بالعملات الأجنبية.

من هذا المنطلق يمكنا أن نرسم خطوطاً عامة لتحصين اقتصاداتنا القومية انطلاقاً من التفاعل بين الكيانات على امتداد الرحابة المكملة في المدى الجغرافي، على مستوى التتلات التي يكمل بعضها البعض لآخر في السوق العربية المشتركة، التي لا تزال تتعثر منذ بدايات النصف الثاني لهذا القرن.

ولا شك أن قاعدة التعاون العربي على المستوى الاقتصادي تبدأ بالإنتاج وتحديداً بالإنتاج الزارعي الذي يقود إلى التصنيع الزراعي، فالتسويق المدروس.

ولا بأس أن نذكر هنا بتوصيات المؤتمر الفني الدوري الثاني عشر لإتحاد المهندسين العرب والذي انعقد في نقابة المهندسين اللبنانيين في أيلول من العام 1997، ونلخص هذه التوصيات بالآتي:

1- العمل على تنسيق السياسات الزراعية القطرية مما يؤدي إلى زيادة الإنتاج بمعدلات متزايدة لتحقيق الاستثمار الأمثل للموارد المتاحة.

2- اختيار التكنولوجيا المناسبة للمجتمعات العربية.

3- تشجيع المنتجين على زراعة مساحخات متزايدة من الحبوب بخاصة القمح لرفع نسب الاكتفاء الذاتي، وتخفيض ضغوط التبعية للدول العظمى.

4- إقامة مشروعات عربية لإنتاج القمح تستخدم منها استثمارات عربية للموارد الطبيعية المتاحة في الدول التي تسمح بتحسين مناخ الاستثمار فيها.

5- دراسة الميزة القطرية للسلع المنتجة حتى يمكن التعرف على كيفية تخصص الموارد بين الدول العربية وتحقيق الكفاية والكفاءة الاقتصادية في توزيع الموارد.

6- تشجيع البحث العلمي الزراعي وربطه بالإرشاد الزراعي وتعزيز دور المنظمة العربية للتنمية الزراعية في تنسيق جهود أجهزة البحث العلمي على كامل العالم العربي.

7- اعتماد التمويل الزراعي في تحقيق قفزات تنموية واسعة نومنح القروض المتوسطة والطويلة الامد للمهتمين بتطبيق هذه الوسائل واستخدامها.

8- وضع خطط قطرية لاستغلال المياه الجوفية بغية إعطاء ريّات تكميلية لمحاصيل الحبوب البعلية.

9- تطبيق الدورات الزراعية الملائمة في المناطق المروية وفق الظروف البيئية المتاحة وتحديد حجم التقنيات.

10- تشجيع الاستثمار في إنتاج البذور الزيتية لرفع نسب الاكتفاء الذاتي وتقص الفجوة الغذائية.

11- دعوة المنظمة العربية للتنمية الزراعية إلى إعداد استمارات نمطية دورية لحساب التكاليف في السلع الغذائية واعتماد هذه الاستمارات في حساب تكاليف الانتاج للتحليل المقارن على المستويات القومية.

12- تطوير البيانات والمعطيات الاحصائية للإستثمار في مجال المعلومات الدقيقة عن القطاع الزراعي العربي.

13- وضع استراتيجيا عربية في مجال الإنتاج وتبادل السلع.

14-تنمية التبادل التجاري البيني العربي ومنح مزايا تفضيلية للسل الزارعية العربية المتبادلة.

15- إحداث ربط عضوي بين قضايا الأمن الغذائي والأمن المائي العربي.

16- تعظيم الجهود في البحث العلمي، وتكثيف نشاط الباحثين في استنباط أصناف جديدة لمختلف المحاصيل الاستراتيجية وعلى الأخص الحبوب.

17- تحديد معدلات سليمة لاستخدام الأسمدة وفق الظروف البيئية لكل منطقة.

18- رفع كفاءة الأجهزة الفنية العاملة في الزراعة والبحث الزراعي والإرشاد في دورات تأهيلية مكثفة وتشجيع تبادل الخبرات.

19- توصية الحكومات العربية بضرورة التعاون لإقامة (مكتب الحبوب القومي) ضمن نطاق الجامعة العربية... وتأمين احتياط استراتيجي من الحبوب لحالات الخطر، أو الارتفاع الكبير في أسعار السوق العالمية.

20- إعادة النظر في هيكلية القطاع الزراعي والنظام التسويقي، وتنسيق الجهود العربية لإجراء مفاوضات جماعية مع منظمة التجارة العالمية.

21- تفعيل اتفاق تسهيل التبادل التجاري العربي، وإحياء السوق العربية المشتركة وصولاً إلى إنشاء تكتل إقتصادي عربي قادر على مواجهة التكتلات العالمية.

22- فتح الأسواق أمام السلع الزارعية العربية، بما يوفر تنيمة الإنتاج والاعتماد على الميزة النسبية في نظام تسويقي زراعي قادر على الارتباط بالسوق العالمية لتصريف الفائض من الإنتاج.

وعندما يمسك العرب مجتمعين بناصية الثروات الطبيعية والبشرية، وينسقون مجالات التكامل، ويوفرون حالة متقدمة من الاقتصاد البيني المعتمد على قاعدة الإنتاج أولاً، بما تعنيه هذه القاعدة من توظيفات مدروسة لكل الثروات المتاحة والممكنة، عندها يفاوضون من خلال السوق العربية الموجدة، المنظمات العالمية وخصوصاً منظمة التجارة العالمية.
 


مراجع البحث:
سعادة شرح المبادئ.
قبل فوات الأوان «جبران كورية» «الديار» 9 أيار 2003.
«أعلام» للصحافة والخدمات.
محطة «العربية» الفضائية يوم 27 نيسان 2003.
الدكتور حازم ببلاوي «النظام الاقتصادي الدولي المعاصر» النهار 14/1/2002.
الكفاح العربي 9/4/1997.
كتابنا «النزيف» 1998.
كتابنا «الجدوى القومية في العلاقة مع الغرب» الجزء الأول، 2003.
توصيات المهندسين الزراعيين العرب 1997

* محمود غزالة : أمين في الحزب السوري القومي الاجتماعي ( رئيس تحرير مجلة البناء  و عميد الثقافة في الحزب سابقاً )

www.ssnps.jeeran.com

إن جميع المقالات التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع