صدى النهضة السورية القومية الاجتماعية                      www.ssnps.jeeran.com
 

نظرة سعادة إلى السلام العالمي

 

مارون صالح

 


يبقى السؤال الملح : كيف ينظر سعاده إلى السلام العالمي في تطلعه الواضح نحو خدمة قضية أمته ، هذه القضية التي وقف لها كل حياته وكل جهاده ، لم يغفل النظر إلى القضايا الأخرى التي تهم العالم ، وفي طليعتها قضية السلام العالمي ، إلا أن سعاده ظلّ في حديثه عن هذا السلام محافظاً على التوازن بين مبدأين اثنين : القبول والرغبة في السلام ، وعدم الوقوف في سبيل تحققه ، والعمل الدائب لانتصار قضية أمته ، بل لقد وضع الانتصار ، انتصار القضية قبل السلام ، وشرطاً للسلام . فهو يقول :

"إن النهضة القومية الاجتماعية لا ترفض السلام العالمي الدائم بعد أن تكون قد حققت انتصاراتها العظمى التي تجعل للأمة السورية مرتبة ممتازة في السلام وفي حقوق السلام . أما السلام العالمي بعد تجريد الأمة السورية من حقوقها القومية … وبعد تجريدها من مواردها الطبيعية فماذا يعني لها غير الذل والفقر والفناء" . (سعاده ، شروح في العقيدة ، ص 167).
إن سعاده واضح في هذا كل الوضوح . فهو مع السلام العالمي إذا كان هذا السلام يعني أو يساعد في المحافظة على الحقوق القومية للامة . أما السلام العالمي مع تجريدها من حقوقها فهو لا يعني لها إلا الذل والفناء . هنا يقف سعاده موقفاً واضحاً من المبدأين المتصارعين على حلبة السياسة الدولية : السلام العالمي ، وحق تقرير المصير ، ليقرر في النتيجة وقوفه مع حق تقرير المصير عندما يعني تأييد السلام العالمي نقضاً وإجهاضاً لهذا الحق ، ولنذهب مع سعاده أكثر في نظرته إلى السلام فنقرأ في جريدة "سورية الجديدة" ، الصادرة سنة 1939 ما يلي : "إن النهضة القومية الاجتماعية تعترف بأنه ليس أفضل من تنازل بعض الأمم عن حقها في الحياة لتوطيد سلام دائم وبأن سورية ليست ولا تريد أن تكون من هذا البعض" .
وفي كتاب "مراحل المسألة الفلسطينية" يقول سعاده واصفاً منظمة المم المتحدة : "إن جمعية الأمم المتحدة هي جمعية الأمم المحاربة التي انتصرت مصالحها في الحرب العالمية الثانية ومن والاها . إنها ليست جمعية عالمية ولم تنشأ بإرادة عالمية في ظروف من تساوي الحقوق بين أمم العالم . وأنها فوق ذلك جمعية منقسمة على نفسها ولا تكوّن وحدة إنسانية كلية" .
إن سعاده يشدد هنا على المساواة الحقوقية بين الأمم كشرط لقيام تعاون صحيح بينها وبالتالي لقيام جمعية متحدة من هذه الأمم . ومن جميع ما كتب سعاده عن السلام العالمي الدائم ، يمكن أن نضع بضع شروط رآها ضرورية لقيام السلام على أسس صحيحة وثابتة :
1. التساوي في الحقوق بين الأمم .

2. عدم تدخل إرادات أجنبية في مصائر الشعوب .

3. عدم اتخاذ مقررات أنترنسيونية من قبل هيئات دولية تخالف إرادة الأمة .

ضمن هذه الشروط الثلاثة ، التي هي في الحقيقة نتيجة لشرط أساسي جوهري هو حق الشعوب في تقرير مصيرها ، يمكن إقامة السلام العالمي وبناء المؤسسات والهيئات الدولية التي تعمل على تحقيقه.
إن سعاده يفهم السلام في العالم تناغماً أو انسجاماً بين أمم العالم . وهو يدرك أن هذا التناغم ، وهذا الانسجام لا يقومان دونما تساوٍ في الحقوق الذي يؤدي إلى إنهاء النزاعات الدموية بين الشعوب . وهذا لا يتم إلى بوعي كل مجتمع لحقيقته . والعمل على خلـق نفسه من جديد ، مقيماً حياته على أسس مادية نفسية جديدة ، تكفل له حياة العز والرقي والتقدم ، ومن ضمن نظرة فلسفية ثورية ، تؤّمن التوازن المطلوب بين العمل لمصلحة الأمة ، وعدم الاعتداء على حقوق الأمم الأخرى . إنها القومية الطبيعية القائمة على الاجتماع البشري ، فهي إيجابية ، بعكس القومية الناشئة كرد فعل عنصري ديني لغوي فهي سلبية . وهي القومية المتوافقة مع خط التطور الإنساني العام التي تبتعد كلياً عن القومية الشوفينية ذات المبادئ والممارسات العدائية . إنها قومية الإنسان – المجتمع بقيمه ، ومصالحه الحياتية الراقية ، وبثقافته الفنية ، وبحضارته العريقة . وهي ليست قومية المشاعر الآنية وردود الفعل الغريزية والمصالح الشخصية والفئوية والجزئية . فالقومية الاجتماعية هي قبل كل شيء وبعد كل شيء بناء لمجتمع جديد ولإنسان جديد يختلف جذرياً عن كل مجتمع سابق وكل إنسان سابق . إنها تخلق الإنسان الذي ينمو في الصراع من أجل بناء نفسه وبناء مجتمعه . وبالإضافة إلى كونها نظرة جديدة تكفل للامة السورية الحياة والرقي ، فهي تشكل القاعدة المثلى للتطور الإنساني العام ولبناء المجتمع الإنساني الواحد ببناء المجتمعات القومية المختلفة بناء يقوم على مبدأ احترام سيادة وحقوق كل منها وعدم حصول أي اعتداء من بعضها على البعض الآخر . وعندها فقط يمكن أن نصل إلى تعاون إنساني شامل بين أمم العالم .

البناء :  4/12/1999

www.ssnps.jeeran.com

إن جميع المقالات التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع